العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الصحافة والمسألة الدستورية في المغرب قبل الحماية الفرنسية 1916

الصحافة والمسألة الدستورية في المغرب قبل الحماية الفرنسية 1916

The Press and the Constitutional Question in Morocco prior to the French Protectorate in 1912

يحي بولحية

Yahia Boulahia

الملخّص

تتناول هذه الورقة نشأة الفكر الدستوري في المغرب منذ إرهاصاته الأولى في مطلع القرن العشرين، مع دخول النخب المشرقية وتأسيسها بعض المنابر الصحافية وتحريرها المذكّرات ومشاريع القوانين الدستورية ضمن سياق تاريخي تميز بشدة التنافس الإمبريالي، ومحاولة كل من فرنسا وإسبانيا الانفراد بإدخال «الإصلاحات» التي تريانها «ضرورية» لتثبيت مواقع النفوذ الاستعماري. وتتوخى الورقة قراءة هذه المشاريع الدستورية وضروب تأثّرها بالتجارب العالمية ومن بينها تجربة التحديث اليابانية- بتفكيك نصوصها وتأويل معانيها، ومحاولة تنظيمها واستنتاج الثوابت التي حكمت منطقها الداخلي وسيرورتها التاريخية؛ وذلك بعد التقديم لها بإطلالة على نشأة الصحافة وتطورها في المغرب عند بداية القرن العشرين، باعتبارها وسيلة رئيسة عرفت بهذه المشاريع وأرخت للحظة مهمة في تاريخ الوعي الدستوري.

Abstract

This study examines the emergence of constitutional thought in Morocco, beginning with its earliest developments at the turn of the 20th century. At the time, cultural elites from the Arab Levant had migrated to Morocco and established a number of newspaper presses. These same elites also worked on the drafting of constitutional communiques and the drafting of legislations, in a historical setting characterized by sharp imperialist competition between France and Spain and their respective attempts to monopolize the introduction of “reforms”, which they considered vital to the entrenchment of their colonial influence. This paper seeks to explore these constitutional projects and the way they were influenced by experiences worldwide—including that of Japan’s modernization (the Meiji Restoration)— by attempting to unravel constitutional texts and interpreting their meanings; and by bringing order to these attempts and understanding the principles which governed the internal logic and historical evolution of those documents.

الكلمات المفتاحية:
  • الصحافة
  • المغرب
  • المسـألة الدستورية
  • التاريخية
  • النفوذ الاستعماري.
Keywords:
  • Moroccan Constitutional Thought
  • Constitutional Projects
  • the Meiji Restoration

تتناول هذه الورقة نشأة الفكر الدستوري في المغرب منذ إرهاصاته الأولى في مطلع القرن

العشرين، مع دخول النخب المشرقية وتأسيسها بعض المنابر الصحافية وتحريرها المذكّرات

ومشاريع القوا ين الدستورية ضمن سياق تاريخي تميز بشدة التنافس الإمبريالي، ومحاولة كل

من فرنسا وإسبانيا الانفراد بإدخال «الإصلاحات» التي تريانها «ضرورية» لتثبيت مواقع النفوذ

الاستعماري. وتتوخى الورقة قراءة هذه المشاريع الدستورية وضروب تأثّرها بالتجارب العالمية

– ومن بينها تجربة التحديث اليابانية - بتفكيك نصوصها وتأويل معانيها، ومحاولة تنظيمها

واستنتاج الثوابت التي حكمت منطقها الداخلي وسيرورتها التاريخية؛ وذلك بعد التقديم لها

بإطلالة على نشأة الصحافة وتطورها في المغرب عند بداية القرن العشرين، باعتبارها وسيلة

رئيسة عرفت بهذه المشاريع وأرخت للحظة مهمة في تاريخ الوعي الدستوري.

مقدّمة

تكتسي صناعة الخبر وإشاعته أهمية خاصة داخل المجتمعات الحديثة والتقليدية، لما تحمله من معاني

التواصل وبفعل التأثير الذي يمكن أن تحدثه في القضايا المهمة. وتُعَدّ الصحافة -صناعة الخبر- منبرًا

دعائيًا لا يمكن لأي طرف أن ينكر دوره المحوري في الكشف عن المستور وإيضاح المبهم من الأحداث

والاتفاقات، كما يمكنها أن تتوسل بالأكاذيب واختلاق الأحداث والقصص الوهمية التي تروم النيل من

الخصم وتشويه صورته، بغية انتزاع مكاسب سياسية أو مادية محددة.

خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تلازمت المسألة الدستورية في المغرب مع انتشار الصحف

الأجنبية بشكل جعل منهما منبرين أطّرا حركة التحديث داخل المغرب بين نخبه السياسية والعلمية. خضع الدستور في المغرب المعاصر لعدد من المراجعات والتعديلات؛ فقد استقل المغرب عن فرنسا في /2 آذار

مارس 1956، وتم إقرار أول دستور له في 10 آذار/مارس 1962، وجرى إمّا تعديل الدستور وإمّا مراجعته

في أعوام 1970 و 1972 و 1980 و 1992 و 1996، قبل أن يأخذ المغرب بدستور جديد عام 2011، ضمن

ظروف إقليمية ووطنية أطاحت عددًا من الأنظمة الشمولية والاستبدادية في العالم العربي، وهو ما أفسح المجال

أمام ظهور أشكال جديدة من التعاقدات السياسية، وتغريًّا في بنية الدولة القطرية في العالم العربي.

لم تكن الاجتهادات الدستورية في العالم العربي (المغرب نموذجًا) وليدة الفترة الراهنة المعاصرة، بل تمتد أصولها

إلى فترات سالفة؛ وبقدر ما يهمنا دراسة المستجدات الدستورية والظروف المحيطة بهذه التعديلات المتكررة،

حري بنا معرفة العمق التاريخي للتجربة الدستورية في المغرب بدراسة إطارها التاريخي، وربطها بالمسألة

الصحافية باعتبار هذه الأخيرة الوسيلة الأساس التي عرَّفت بمسودات المذكرات والمشاريع الدستورية التي

عرفها المغرب، خاصة عند بداية القرن العشرين. وإذ نحلل بدايات الممارسة الدستورية، فإننا ننأى بها عن الاجتهادات الدستورية التي وضعها روّاد الحركة

الوطنية (علال الفاسي، محمد بن الحسن الوزاني وغيرهما...) خلال النصف الأول من القرن العشرين، بل

حسبنا إماطة اللثام عن معالم الاحتكاك الأولّي للنخبة المغربية بقواعد الفقه الدستوري عند مطلع القرن العشرين.

ما الثابت والمتحوّل في المدوّنات الدستورية في المغرب في فترة ما قبل الحماية؟ ما أوجه القطيعة والاستمرارية في

نسق الاجتهاد الدستوري في المغرب خلال الفترة المذكورة؟هل امتلكت النخب المحلية زمام الفقه الدستوري

بقواعده المعروفة في الأنظمة الديمقراطية الغربية؟ كيف تمكننا الحفريات التاريخية من قراءة المستجدات

الدستورية في المغرب حاليًا وفهمها على الوجه الصحيح؟ ما مدى مساهمة الصحافة في التعريف بالمشاريع

الدستورية المختلفة؟ نثير هذه التساؤلات وغيرها للتنقيب في الذاكرة التاريخية، والوقوف مليًا أمام تجاربنا

الدستورية لدراستها والكشف عن الظروف التاريخية التي تمت من خلالها، كما نتوخى تحليل بنائها الداخلي

والمقارنة بينها لاستنتاج الخيط الناظم الذي يؤطرها؟

الصحافة أو الكوازيط في أدب الرحلة المغربية (محمد الصفار نموذجًا)

ذكر الرحالة الغساني خلال القرن السابع عشرالصحفَ باسم خاص، فقال: «ويسمّونها الكاسيطة، فيطّلع

الإنسان منها على أخبار كثيرة، إالّ أن فيها من الزيادة والكذب ما تحمل عليه الشهوة النفسانية». وتعتبر رحلة الصفار 1846-1854 م 2 إلى فرنسا نموذجًا متميّزًا في وصف الدور والآليات التي اعتمدت عليها

الصحافة الأوروبية. صحيح أن بعض معلومات الصفار في هذا المجال مستوحاة من رحلة الطهطاوي، لكن

رحّالتنا امتلك أسلوبه الخاص ومشاهداته العيانية التي دلت على حضوره الذهني الواعي في أثناء تطرّقه إلى

1 أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب الغساني، رحلة الوزير في افتكاك الأسير،-1690 1691، حررها وقدم لها نوري الجراح، ارتياد

الآفاق (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002)، ص.94

2 محمد الصفار قام برحلة إلى فرنسا 1846-1845 م، في إثر هزيمة المغرب في معركة إيسلي ودوّن مشاهداته في الكتاب الذي اعتمدناه

في هذا المقال.

مسألة الصحافة في باريس: فلأهلها، في نظره، «كغيرهم من سائر الفرنسيس، بل وسائر الروم، تشوفٌ لما يتجدد

من الأخبار، ويحدث من الوقائع في سائر الأقطار، فاتخذوا لذلك الكوازيط، وهي ورقات يُكتب فيها كل ما وصل

إليهم علمه من الحوادث والوقائع في بلدهم أو غيرها من البلدان النائية أو القريبة». حاول الصفار، بدقة متناهية، تتبّع كيفية صناعة الخبر، وأوضح «أن صاحب دار الكازيطة، يتخذ أقوامًا يرسلهم

لالتقاط الأخبار من كل ما يسمعونه، أو يرونه في ذلك اليوم من المهمات والحوادث، والوقائع والنوادر، وغير

ذلك ممّا يحسن الإخبار به. ومن جملة مجال التقاطهم للأخبار، القمرتان الكبيرة والصغيرة اللتان يجتمعون فيهما

لتدبير قوانينهم». وعقّب الصفار قائالً: «ومن جملة قوانينهم التي أسسها لهم سلطانهم لويز[كذا] الثامن عشر، والتزموا اتّباعها،

أنه لا يُمنع إنسان في فرنسا أن يُظهر رأيه وأن يكتبه ويطبعه، بشرط أن لا يضر ما في القوانين، فإن أضر أُزيل،

وكان من جملة ما نقموا على ملكهم شارل العاشر، الذي كان قبل هذا الملك الموجود الآن، وكان السبب في

قيامهم عليه وخلعهم طاعته، أنه أظهر النهي عن أن يظهر أحد رأيه أو يكتبه ويطبعه في الكازيطات»... كان الصفار يريد، بوعي أو بغيره، أن تجد هذه الإشارات آذانًا صاغية لدى أولي الأمر والنهي في الدوائر المخزنية

المغربية، لاستلهام هذا النموذج الإخباري والدستوري، الذي يمكنه أن يطيح رؤوس الظلم ومعارضي مسألة

التغيير والإصلاح؛ ودل اختيار الصفار لهذا الموضوع بالذات عن موقف نقدي للأوضاع الداخلية في المغرب،

وربما تمنّى الصفار أن يكون للمغرب كوازيطه (صحفه)، حتى تنبه لعناصر الخلل الكثيرة التي شاهدها عيانًا

داخل الدوائر المخزنية. وفي هذا الإطار تابع، موضحًا: «.. ومنها أن من كان مظلومًا من أحد بمظلمة، كتبها في

هذه الورقات ليطلع عليها كل الناس، فتعرف قصة المظلوم والظالم من غير زيادة ولا نقص، حتى تصل لمحل

الحكم وينظر فيها بما تقتضيه شرائعهم»... لم يتحقق حلم الصفار، وبقيت النخب المخزنية محتكرة للخبر، الذي كانت تحصل عليه بواسطة الرقاص

والجواسيس. ويبدو أنه وجد، بدل ذلك، ضالته، عندما عيّنه محمد بن عبد الرحمن (1873-1859)، وزيرًا

للشكايات «للنيابة عن السلطان في الرد عن التظلمات الصادرة على المستويات المحليةمن مجموع البلاد.. وتتلخص

مهمة هذا الوزير في تلقّيه جميع أنواع الشكايات، والبتّ أحيانًا في البعض منها شخصيًا حسب رغبة السلطان».

الكوازيط - الصحف - والحرية السياسية

لم يكن المناخ الفكري والسياسي في المغرب، زمن الصفار، يسمح بنشأة الكوازيط/الصحف؛ فالبنية التقليدية

للسلطة السياسية، وطبيعة معالجتها للمشكلات الاجتماعية والسياسية والأمنية لم تكونا تحتملان هامش الحرية

3 محمد الصفار، صدفة اللقاء مع الجديد: رحلة الصفار إلى فرنسا (1845-1846)، دراسة وتحقيق سوزان ميللر؛ عرب الدراسة

وشارك في التحقيق خالد بن الصغير (الرباط: جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1995)، ص.161

4 المصدر نفسه، ص.161

5 المصدر نفسه، ص.163

6 المصدر نفسه، ص.163

7 الرقاص: هو ناقل البريد من بلد إلى بلد، موزع الرسائل على من وُجِّهت إليهم. أمّا رقاص الشرط، فهو ساعي البريد المستعجل، كان

ينقله بين المدن على الأفراس والحصن بغاية السرعة، وكان يجد في كل نزالة حصانًا مسرجًا ملجامً، يمتطيه إلى النزالة التي تليها، تاركًا فيها

الحصان الذي امتطاه في النزالة التي قبلها. ويقال إن رقاص الشرط قطع المسافة بين طنجة وفاس في 12 ساعة فقط على عهد السلطان

عبد الحفيظ. انظر: عبد الرحمن بن زيدان، العز والصولة في معالم نظم الدولة، 2 ج (الرباط: المطبعة الملكية، 1961)، ج 2، ص 407.

8 الصفار، ص 61، للإشارة الكلام هنا للمحققين.

الواسعة التي قامت بمقتضاها وعلى أساسها فلسفة إشاعة الأخبار في أوروبا. كما استند مفهوم الحرية الصحافية

التي ذكرها الصفار، في الغرب، إلى تراكمات متعاقبة أسست لها مجموعة من المقدّمات الفكرية والسياسية، مع

مفكري عصر الأنوار، أمثال روسو ومونتسكيو وديدرو، وغيرهم. وهي جوانب لم يكن في استطاعة الصفار

إدراك كنهها وعلاقتها بشيوع «الكوازيط» وانتشارها. في موازاة ذلك، لم يكن المجتمع المغربي مؤهالً للاستئناس بهذه الوسيلة الإعلامية، بسبب الانتشار الواسع لظاهرة

الأمّية، حتى داخل دوائر النخبة، وانتفاء المقدّمات السياسية والفكرية الكفيلة بوضع الخبر الصحافي في مكانه

الطبيعي والملائم. لم يكن غريبًا، إذن، أن يرتبط ظهور الصحافة في المغرب باستقرار البعثات الدبلوماسية الأوروبية، وانتشار

الجواسيس والتجار الأوربيين وغيرهم، في ربوعه الاستراتيجية والحساسة. أصول الصحافة الأجنبية في المغرب يمكن إرجاع البدايات الأولى للصحافة الأوروبية في المغرب إلى المراحل الأولى للقرن التاسع عشر؛ فقد صدرت

بعض الجرائد في سبتة ثم في تطوان، ومنها جريدة صدى تطوانفي فاتح آذار/مارس 1860 في، ثم مخبر تطوان

العام نفسه، وكانت جريدة عين طنجة بالفرنسية أول ما ظهر فيها من صحف عام 1834/1245 م. في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، ظهرت في طنجة صحافة أوربية أثارت الانتباه.. ولعل السر في ظهورها

وتطورها يكمن في النَّفَس الجديد الذي كان يعرفه وقتئذ المد الاستعماري مباشرة بعد مؤتمري برلين لعامي

1878 و 1885 م، ومؤتمر مدريد لعام 1880 م. فقد كانت الصحافة منبرًا لبناء التقارير، والدفاع عن

المصالح المتناقضة للقوى المتنافسة، واعتبرها المخزن سهامً موجهًا لسياسته، وعلاقاته الداخلية والخارجية؛ ففي

عام 1885 م وجّه النائب محمد بركاش رسالة إلى ممثل بريطانيا دريموند هاي، قال فيها: «...، وبيّنا لك ما تشهره

الجوازيط المشار إليها بخلاف الصدق من الكلام القبيح في جانب المخزن وفي جانب الولاة وكذلك في جانب

نواب الأجناس المحبين الذين لهم الوقار والاحترام بهذه الإيالة». وتابع بركاش مستفهامً: «فإن كان لنا الحق

في منع ذلك بالكلية، فهو الذي طلبنا ولا نخرج عنه، وإالّ كان لا حق في ذلك إالّ بالشروط التي يمكن أن

يتّبعوها وأن لا يتّبعوها، فأخبرنا عن ذلك». لم يحقق الطلب المخزني النتيجة التي كان يتوخّاها، إذ خاطب محمد بن العربي الطريس قائالً: «...، وكان طلب السيد

محمد باركش بأن هذه الكوازيط تبطل...، وعليه نطلب منك توجه عليهم وتجدد الكلام معهم على ساق الجد».... امتد الاحتجاج المخزني إلى عهد السلطان عبد العزيز، حين ورد في رسالة من النائب محمد بن العربي الطريس

9 إبراهيم حركات، التيارات السياسية والفكرية بالمغرب خلال قر ين ونصف قبل الحماية (الدار البيضاء: مطبعة الدار البيضاء، 1985)،

ص.138

10 الطيب بوتبقالت، «الصحافة الأوربية الصادرة في طنجة في أواخر القرن التاسع عشر: أهميتها وتأثيرها»، في: طنجة في التاريخ المعاصر،

1956-1800: أعمال الملتقى العلمي الأول لمدينة طنجة المنعقد من 18 إلى 20 أكتوبر 1990 بطنجة (الرباط: جامعة محمد الخامس، كلية

الآداب والعلوم الإنسانية؛ طنجة، المغرب: جامعةعبد المالك السعدي، مدرسة الملك فهد العليا للترجمة، 1991)، ص.197

11 رسالة محمد بركاش إلى هاي بتاريخ فاتح شعبان 1302 ه 16/ ماي 1885 م، F.O. 174/107، وردت في: خالد بن الصغير، المغرب

في الأرشيف البريطاني: مراسلات جون دراموندهاي مع المخزن، 1886-1846 (الدار البيضاء: وال، 1992)، ص.524ّدة

12 المصدر نفسه، ص.524

13 رسالة محمد بن العربي الطريس إلى هاي بتاريخ 19 رمضان 1302 ه 2/ يوليوز 1885 م، F.O.174/107، وردت في: المصدر نفسه،

ص.526

إلى الوزير ابن سليمان بتاريخ 28 رجب 1906/1324 م، ما يلي: «.. فقد وصل كتابكم ببيان ما صار يكتبه

أصحاب الجرائد الحادثة الطبع بهذا الثغر الطنجي المحروس: من التجاهر فيها بالكلام الذي فيه ترويع لرعية

هذه الإيالة السعيدة، الخارجة عن المسطرة الجارية عند الدول في جرائد أراضيها»... تركزت مناطق انتشار الصحف والجرائد في الجهات الشمالية، وبصفة خاصة في مدينة طنجة لاعتبارات مجالية ودبلوماسية. ومثّلت منبرًا دعائيًا لمن يروم النيل من رموز الدولة وسياستها. وقد أدى «اليهود المغاربة الذين

دخلوا تحت حماية هذه الدولة الأوربية أو تلك، خاصة الذين كانوا تحت الحماية الإنجليزية، دورًا مه في تحرير هذه الصحف. لقد أصبحوا، عن طريق هذه الممارسة من أشد المدافعين عن مصالح طائفتهم الضيقة، ومن أنجع الوسائل المعربّة عن أطماع الدول التي تستخدمهم لأهدافها الاستعمارية ». وقد ظهر في المغرب الكثير من العناوين الصحافية الغربية، ومنها: جريدة المغرب الأقصى: وقد ظهر العدد الأول منها في 28 كانون الثاني/ يناير 1883، وكانت تصدر كل يوم أحد باللغة الإسبانية. وقد كتب عنها قائد البعثة العسكرية الفرنسية كوشميز في تقرير له بتاريخ 1892 مايلي: «إنها عمومًا، الجريدة الأكثر اطلاعًا، المعلومات التي تنشرها كانت تقريبًا دائامً صحيحة.. إنها تساند بكل قواها المصالح والأطماع الإسبانية، ومعادية شيئًا ما لفرنسا». هكذا تصبح الصحافة وسيلة لتبرير المصالح الاستعمارية والدفاع عنها، كما يحضر لديها الحس الاستخباري، بجمع المعلومات الدقيقة بغية التأسيس لواقع استعماري مستقبلي. جريدة Le réveil du Maroc: أتى تأسيس هذه الجريدة في إطار الدعوات المتعددة لحماية المصالح الاستعمارية

الفرنسية. وقد لاحظ إدموند دوتي، مؤسس الأنثروبولوجيا الاستعمارية في المغرب، «أن المصلحة الفرنسية بهذا

البلد تستدعي إيجاد صحف تتفادى الارتجال، وتدافع عن أطروحات فرنسا عند الحاجة، وتلتزم الصمت عند

الضرورة». وبدورها كانت جريدة انبعاث المغرب أسبوعية الطباعة، تصدر في كل يوم أربعاء، و«ظهر العدد الأول منها

يوم 14 يوليو 1883 م، وهو يوم عيد وطني فرنسي».وقد لاحظ دوتي أن في إمكان هذه الصحيفة أن تؤدي

دورًا رائدًا في خدمة المصالح الاستعمارية الفرنسية، «سيما وأن المفوضية الفرنسية استطاعت، منذ وقت قصير،

أن تمسك بزمام هذه الصحيفة». جريدة The times of Morocco: وكان ظهورها يوم 5 تموز/يوليو 1884، وكانت تصدر كل شهر باللغة

الإنكليزية، إالّ أنه ابتداء من 1886 أصبحت تظهر يوم السبت من كل أسبوع، وقد كانت، آنئذ، الجريدة

14 ورد في: محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث، 2 ج، ط 2 مزيدة ومنقحة (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1985)، ج 2،

ص.285

15 بوتبقالت، ص.199

16 المصدر نفسه، ص.203

17 ورد في: جامع بيضا، « صحافة طنجة: مرآة للصراع الدولي حول المغرب (1900-1912)،» في: طنجة في التاريخ المعاصر، -1800

1956، ص.206

18 بوتبقالت، ص.200

19 بيضا، ص.206

20 بوتبقالت، ص.201

الوحيدة الناطقة باللغة الإنكليزية، وكان بيدجيت ميكين أول مدير تحرير لها. ومن أشهر مراسليها في المغرب

والتر هاريس، الذي اختطفه أنصار الريسولي؛ ففي 16 حزيران/ يونيو 1903 هاجمت القوات المخزنية

منطقة زنات، وتوجه الصحافي الإنكليزي إلى عين المكان لتغطية الأحداث عن كثب، إالّ أنه وقع في قبضة

أنصار الريسولي، ولم يُطلَق إالّ بعد استبداله بمجموعة من أسرى قبيلة الأنجرة. من جانب آخر انفردت هذه الجريدة بذكر بعثة تعليمية مغربية اتجهت نحو الولايات المتحدة الأميركية برعاية

بريطانية. كما أثارت الصحيفة، بشدة، قضية بوبكر الغنجاوي واهتّمته بالمتاجرة في الرقيق واستغلال بيوته

في الدعارة؛ وقد أرسل مدير تحريرها ميكين الكثير من المقالات التي تنتقد الارتباطات الدبلوماسية البريطانية

بالرجل، الذي كان حائزًا امتيازات الحماية القنصلية، وظهائر التوقير السلطانية. وقد قال في افتتاحية سؤال أُثير في

مجلس العموم البريطاني يوم 8 آب/أغسطس 1889، «إن الخبر عن مصادرة ممتلكات الغنجاوي واتهامه بالمتاجرة

في العبيد وامتلاك دور للدعارة قد نشرته صحف بريطانية كثيرة ومنها التايمز، والستندار، والدايلي نيوز، وغيرها

من الصحف البريطانية التي تناقلت برقية لوكالة رويترز في الموضوع». وبسبب مكانة الرجل كحلقة وصل

بين التمثيل الدبلوماسي البريطاني والدوائر المخزنية والمعلومات التجسسية التي كان يزود بها الإنكليز في طنجة،

فقد نجح الدبلوماسي البريطاني كربي كرين «في التخفيف من حدة الاتهامات الغليظة المنسوبة إلى الغنجاوي، وذكر

أن صاحب الحملة التشهيرية اعتاد، منذ سنوات، على كتابة افتتاحيات ومقالات مناوئة للمفوضية البريطانية في

المغرب، واستبعد أن يكون متورطًا في تجارة الرقيق..».وبخصوص اهتّامه باتخاذ دور للدعارة، ذكر الغنجاوي

لكرين «(أنه) لم تكن له معرفة شخصية بمن يكترون دوره وحوانيته وغيرها من العقارات». اهتمّت هذه المنابر الإعلامية بمخاطبة ممثلّي المصالح الاستعمارية الأوروبية، وبالكشف عن مضامين الخلافات

الأوروبية حول مناطق النفوذ في المغرب، ومن ذلك أن النصوص الأولية للاتفاق الودي الفرنسي-الإنكليزي

عام 1904، ظهرت في الصحف الصادرة في المناطق الشمالية للمغرب.

21 Khalid Chaouch, “British Travellers to Morocco and their Accounts, from mid-16 th to mid-20 th Centuries: A Bibliography” (Working Paper on the web), on the Web: <http://extra.shu.ac.uk/wpw/morocco/Chaouch/Chaouch.htm>.

22 أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله الريسوني (1857؟1925-)، أومولاي أحمد الريسوني، ويدعوه رجاله الشريف الريسوني

ويسميه الإنكليزالريسولي، ثائر وزعيم، من مناوئي الاحتلال الفرنسي في المغرب العربي في مطلع القرن العشرين. والتر هاريس ابن

إحدى العائلات البريطانية الغنية بالمغرب في القرن التاسع عشر، وسافرفي ربوعه وتعرف على عادات المغاربة وتقاليدهم. بعد سنوات

من استقراره في طنجة، تعرض هاريس للاختطاف وسقط في أيدي رجال مولاي أحمد الريسوني.

23 Louis Arnaud, Au temps des Mehallasou le Maroc de 1860 à 1912 , Institut des Hautes études marocaines; notes et documents (Casablanca, Éditions Atlantides, 1952), p. 220. 24 Jean-Louis Miège, Le Maroc et l’Europe,1830-1894 , 4 tomes (Paris: Presses universitaires de France, 1961-1963), tome 3: Les Difficultés (1962), p. 96.

25 بوبكر بن الحاج البشير الغنجاوي، لا يُعرف تاريخ ولادته ومكانها. توفي في عهد المولى عبد العزيز عام 1905، بدأ حياته المهنية

سائقًا للجِمال المتنقلة بين مراكش ومراسي الجديدة وآسفي والصويرة، لحمل البضائع المستوردة والمصدرة، وهو ما ساهم في توثيق صلاته

بالإنكليز. وقد برز اسمه في الوثائق المغربية في بداية أعوام السبعين من القرن التاسع عشر بصفته وكيالً للشركة التجارية البريطانية:

مؤسسة بيري وشركاهم في ليفربول Messers Perry and Co. Liverpool()، وربطته علاقات متينة مع جميع الوزراء وكبار موظفي

المخزن الحسني. وتبُرز الوثائق التي ساقها خالد بن الصغير تجسسه لفائدة الإنكليز، الذين بسطوا حمايتهم عليه وعلى آل بيته الأقربين،

وقد أطلعهم على بعض الاتفاقات السرية التي عقدها المخزن الحسني مع إيطاليا، وتسلّم في الوقت نفسه ظهائر التوقير والاحترام من

السلطان مولاي الحسن، وهو ما يجعلنا نشك في كونه عميالً مزدوجًا. ونجح، بسبب ذلك، في مراكمة ثروة مالية ضخمة. وفي 14 تشرين

الاول/ أكتوبر 1893، أعلن للإنكليز التخيلّ عن مواصلة مهمة التوسط في خدمة المفوضية البريطانية. وقد توفي في عام 1905، مخلّفًا

ثروة مالية قُدرت بأكثر من مليوني فرنك ذهبية، تمكن الباشا الكلاوي من السيطرة عليها بطرق ملتوية.

26 خالد بن الصغير، بريطانيا وإشكالية الإصلاح بالمغرب، 1904-1886 (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2003)،

ص.142

27 المصدرنفسه، ص.142

ولم حيَُل هذا الاتفاق «الذي توصلت بموجبه فرنسا وبريطانيا إلى تسوية خلافاتهما الاستعمارية..دون استمرار

الصحافة الطنجية الموالية للإنجليز في الدفاع عن مصالح الرعايا البريطانيين، سيما وأنهم كانوا يتمتعون بنظام

الامتيازات منذ القرن التاسع عشر. وكانت Al Maghreb al Aksa، الصادرة باللغة الإنجليزية، هي الحاملة

لمشعل هذا الدفاع». على الخطى نفسها سارت الصحافة الإسبانية، وخاصة في الفترة الممتدة بين عامي 1900 و 1912، ومن أهم

المنابر الإعلامية التي أقامتها: - El Africa Espanola، وقد «أسّسها المستكشف والصحفي الإسباني ساتورنينو غيمينيز سنة 1903.. وكانت

الجريدة مناوئة للأطماع الفرنسية بالمغرب وداعية إلى تحقيق تحالف ألماني – إسباني، للوقوف في وجهها. واستمرت

على هذا النهج حتى تاريخ توقفها في [كانون الأول] دجنبر »1905. - El provenir: وكانت بمثابة الناطق باسم الجالية الإسبانية في طنجة، «وكان طبيعيًا..أن تكون لهجتها شديدة

في الدفاع عن مصالحها ضد مصالح الجاليات الأخرى، خاصة الفرنسية». من جانب آخر، استعانت الصحف الألمانية في تغطيتها لبعض الأحداث الداخلية ببعض المراسلين الذين اشتغلوا

لفائدة المخزن، ومنهم ليونار كارو الذي أرسل الكثير من المقالات إلى بعض الصحف الألمانية، ومنها:

بتاريخ Hamburgerkorrespodant جريدة في المغربي) (الأسطول » die Marrokanisheflotte « -

« - socco Chico in Tanger » في جريدة Le Vossische Zeitung بتاريخ 1909/02/10، وفيها، «نشر كارو

ملاحظاته الأساسية، ذات العلاقة بالأحداث المغربية».كما عمل المصور الخاص للمولى عبد العزيز، المدعو

غابرييل فييري، مراسال لجريدة Illustration. كان للصحافة الأجنبية دور في الكشف عن تفاصيل الاتفاق الودي الفرنسي-الإنكليزي؛ ففي 8« [نيسان]

أبريل 1904 م وقّع كل من اللورد لاندسداون (Lord Landsdowne) وبول كامبون (P. Cambon) إعلانًا،

يتم بموجبه إطلاق يد فرنسا في المغرب، في مقابل تخيلّ هذه الأخيرة عن «حقوقها» في مصر، مع الالتزام باحترام

سيادة السلطان، وبحرّية التجارة مع المغرب لمدة ثلاثين سنة».

28 بيضا، ص.208

29 المصدر نفسه، ص.208

30 المصدر نفسه، ص.208

31 ليوناركارو: انخرط في سلك التجارة البحرية في ألمانيا. وفي عام 1899، التقى في هومبورغ بالقبطان الألماني ميتزنير،

حيث تم تعيينه قائدًا للسفينة المغربية «التركي» في كانون الأول/ ديسمبر 1899، وامتدت مهمته إلى حدود عام.1908

وقد مكّنته مهمته هذه من معرفة الكثير من تفاصيل الأحداث التي عاشها المغرب خلال الفترة المذكورة، وخاصة فترة

حكم السلطانين عبد العزيز وعبد الحفيظ.والتقى بالريسولي على ظهر السفينة التي كان يقلها، وتوفّر على معلومات دقيقة

حول انتفاضة الجيلاني الزرهوني.وتكلّف بنقل المعدات المخزنية بحرًا، لمواجهة أخطار «الفلتان» المتزايدة. وقد شكّل أحد

العناصر الأساسية في طابور الجواسيس الألمان، وخاصة عند اندلاع الحرب العالمية الأولى: بتصرف عن تقديم كتاب:

Léonhard Karow, Neufannées au service du Maroc: 1900-1908, traduction et présentation Monique Miège et Jean-Louis.Miège, collection mémoire du Maroc (Rabat: Les Editions la Porte, [1998]), pp. 9-11

32 المصدر نفسه، ص.10

33 FrédéricWeisgerber, Au seuil du Maroc modern ,Institut des Hautesétudesmarocaines; notes et documents (Rabat: Les Editions la Porte, 1947), p. 111.

يبدو ممّا سبق أن الصحافة الأوروبية في المغرب تشوفت إلى المحافظة على امتيازات القوى الإمبريالية. وشك لت

قناة أساسية للكشف عن الثُّغَر التي يمكن من خلالها النيل من مصداقية القوى الغربية ذات العلاقة المباشرة

بالمسألة المغربية. وفي محاولة لمخاطبة جزء من الرأي العام المغربي، لجأت التمثيليات الأوروبية إلى إصدار صحف ناطقة باللغة

العربية؛ وفي هذا الإطار دعا دوتي إلى تأسيس صحافة عربية اللسان، قائالً: «بإمكاننا تأسيس جريدة بطنجة

تكون شبه رسمية، ومستقلة في ظاهرها، يتكلف بتحريرها بعربية سليمة كتّابٌ مغاربة أكفاء، وتكون مسريّة

بمهارة من طرفنا». وفي هذا الإطار تم تأسيس جريدة السعادة في تشرين الأول/ أكتوبر 1904، ثم تبعتها

الصباحفي 10 تموز/ يوليو.1906

الدولة وتحدّي إنشاء صحافة وطنية أحسّ المخزن بخطورة المنابر الصحافية الأوروبية، بسبب هامش الحرية الواسع الذي كانت تتمتع به، مدعومة

في ذلك بقوة الحضور الدبلوماسي الغربي.وقد تضايق المخزن من لهجة الجرائد الحديثة الظهور في طنجة، ولم يجد

سبيالً لوقفها، واضطر إلى التعامل مع المسألة من زاوية المنافسة وخوض التجربة الصحافية للرد على مايمكن

نعته بالنيل من السيادة الوطنية. في هذا الإطار، أكد سفير ألمانيا روزن «أن الجرائد حرة فيما تنشر.. وأضاف: لذلك إن الأليق بجانب المخزن

في هذا الموضوع، أن ينشئ جريدة رسمية عربية، يكون للموظفين بها معرفة باللغات الأجنبية، وكل من تجاوز

الحد – من الجرائد الأخرى – تكذبه الصحيفة الرسمية وترد عليه ». وتوضح الوثائق المخزنية الدور الألماني في إنجاز هذه المبادرة، من خلال رسالة وجهها محمد بن العربي الطريس

إلى الوزير عبد الكريم بن سليمان في 8 تموز/ يوليو 1907، جاء فيها: «.. وعليه فقد امتثلنا الأمر الشريف، وكلفنا

خديم سيدنا الأمين السيد بناصر غنام: بمباشرة القضية وفق ما أرشد إليه سيدنا، وباشر أمرها -مشافهة- مع

باشدور الألمان روزن على الوجه المبين». انطلق المخزن في تأسيسه لمنبره الإعلامي من موقع الدفاع، ونسي أن منطقة الشمال وحدها ضمت العشرات

من الصحف الغربية المتخصصة، التي دافعت عن مصالح الدول الممثّلة لها في المغرب، فلم تكن الحال تسمح

بمواجهتها مجتمعة والرد، بموجبها، على كل حادثة تستدعي ذلك. لم تكن مقدّمة التأسيس سليمة ومجدية، بسبب عدم توفّرها على رؤية إعلامية استراتيجية وفاعلة، وبفعل غياب

طاقم صحافي متخصص في الميدان. ولعل ذلك ما يفسر الاستعانة بالخبرة المشرقية، في إخراج صحيفة لسان

المغربمن قِبل الأخوين أرتور نمور وفرج الله نمور، وقد جاء في افتتاحية العدد الأول منها ما يلي: «.. إذا سألنا

بعض من نعد سؤالهم أمرًا مفروضًا الطاعة له، محتوم القيام به: أن نأتي لهذه السلطنة الشريفة.. وننشئ جريدة

فيها لقلة وجود الجرائد العربية، وكان ذلك قبل انعقاد مؤتمر الجزيرة، فأجبنا الأمر بملء المسرة، شاكرين حسن

34 ورد في: بيضا، ص.207

35 المنوني، ج 2، ص.283

36 المصدر نفسه، ص.285

الثقة بنا وجميل المؤازرة لنا، ونحن منذ ذلك الحين – في هذا القطر العزيز – في سعي مستمر لاستكمال معدات

الجريدة ومطبعتها.. إلى أن قيض الله ظهورها على هذا المنوال». ويبدو من خلال الافتتاحية أن الأخوين تلقّيا طلبًا لتأسيس جريدة مغربية من قبل دوائر مخزنية عليا، بمن

فيهم السلطان المولى عبد العزيز، كما نستنتج عدم وجود تقاليد مطبعية في المغرب، بسبب مواقف نمطية رافضة

لمنتوجات التحديث الغربي، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. كان صدور العدد الأول من صحيفة لسان المغرب يوم الجمعة 24 ذي الحجة 1324 ه الموافق 8 شباط/

فبراير 1907 م، ويبدو أنها واجهت صعوبات مادية كثيرة، جعلها تتوقف عن الصدور «عند العدد 84 حيث

عُطّلت نهائيًا، ثم سافر صاحباها إلى خارج المغرب أوائل جمادى الآخرة 1327 ه/أواخر [حزيران] جوان

1909 م». وفي فاس توىلّ الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني إصدار جريدة الطاعونعام 1324 ه 1906/ت م، «وتول

إثارة الأفكار الوطنية ومناهضة التغلغل الاستعماري والرد على الجرائد الاستعمارية، التي كانت تتحدث في

طنجة باسم الأطراف الأجنبية». ساهم إصدار الصحف في انتشار حالة من الوعي السياسي، وفي الاطّلاع على ثقافة صناعة الخبر وانتشاره.

وضمن هذا الإطار ظهرت المذكرات الدستورية الأولى. فما هي أبرز هذه المذكرات؟ وما عناصر التحوّل

والتطور التي لازمتها؟ وكيف أدت دورها في نشر ثقافة حقوقية محلية؟ كيف تفيدنا هذه المذكرات في فهم

الحاضر ومستجداته الدستورية والحقوقية؟ وهل يمكن الحديث عن نسق من الاستمراية التاريخية بين أول

مذكرة دستورية في فترة ما قبل الحماية ودستور 2011 في عهد الملك محمد السادس؟

يمكن القول إن الصحافة أوجدت حالة جديدة من مناخ الحرية والصدع بالنقد السياسي. كما تناسب انتشارها

مع عودة مجموعة من النخب العربية والإسلامية من بلاد المشرق، حاملة معها معاني الإصلاح الذي جسّدته

الجامعة الإسلامية. ولعل أهم دور أدته الصحافة العربية نشرها المشاريع الدستورية والحقوقية مع مطلع القرن

العشرين، مع مايعنيه ذلك من بداية تفكيك بنية النظام السياسي، والتطلّع إلى تغيير هندسة الفضاء الإداري،

والتأسيس لما يمكن نعته بإرهاصات نظام الحكم والتسيير القائم على منطق العقد الاجتماعي. ومن أبرز

المشاريع الدستورية: - مشروع بنسعيد 1319 ه 1900/ م، ويُعَدّ من المشاريع الإصلاحية الأولى في مغرب ماقبل الحماية، وتم تقديمه

بعد دعوة المولى عبد العزيز عددًا من الشخصيات إلى تزويده بآراء كتابية تتناول الإصلاحات المطلوبة. وقد

احتوى المشروع على تسعة عشر فصالً، ويمكن إجمال مضامينه في الجدول الآتي:

37 المصدر نفسه، ص.284

38 المصدر نفسه، ص.284

39 حركات، ص.139

40 المصدر نفسه، ص.143

41 تم الاعتماد في وضع الجدول على: المصدر نفسه، ص 144-143، و.155-151

الجدول رقم (1)

الفصلالمضمون
الأول- وهو عبارة عن مدخل يدعو إلى العدل والاستقامة، والهدنة مع الأجانب.
- اعتبار الإسلام الرابطة الأساسية بين أفراد الأمّة.
- اعتماد معيار المروءة والدِّين والأمانة في إسناد الوظائف.
- الدعوة إلى إحداث مدارس لتعليم المهمات الجديدة.
الثاني- تنظيم الإيرادات المحلية في نطاق العمالات.
الثالث - الرابع- الدعوة إلى إنشاء بلدية وتمتيع أعضائها برواتب محترمة.
الخامس – العاشر- نصّ على مسح الأراضي والعقارات في الأقاليم، ومساواة البوادي والحواضر في
أداء الزكوات الشرعية على الغلال والمواشي.
- إحداث ضريبة على الأملاك العقارية المدنية،وتنظيم حسابات هذه الإيرادات على
الصعيد الإقليمي والمركزي.
الحادي عشر – الثاني
عشر – الثالث عشر
- أكدت ضبط مقدار الوسق إلى الخارج، وما يحفظ من المواد الأساسية للاستهلاك
اىيرمميرىلداخلي.
الرابع عشر- نص على قراءة الدعاء الناصرية، في جميع مناطق المغرب، والتركيز في قراءته على
فئة الأطفال.
الخامس عشر –
السادس عشر
- التنظيم العسكري والحربي في التعليم والتدريب وتوفير السلاح بقدرات ذاتية.
السابع عشر – الثامن
عشر - التاسع عشر
- الدعوة إلى الاهتمام بالتنظيم القضائي،على المستوى المركزي والمحلي.
- اهتم بالإصلاح الزراعي ومساعدة الدولة للفلاحين وطريقة استرداد السُّلف.

عشر - التاسع عشر

- اهتم بالإصلاح الزراعي ومساعدة الدولة للفلاحين وطريقة استرداد السُّلف. يمكن القول، من خلال هذه الفصول، إن المشروع افتقد اللغة القانونية الم حكمة، ووظّف بدل ذلك إنشائية اتّسمت بالعمومية، كما لم يتم تحديد الاختصاصات بالدقة المطلوبة. لا يمكن نعت هذا المشروع بالصفة الدستورية، فهو أقرب إلى المذكرة التنظيمية، المشفوعة بنبرة عاطفية جلية. وقد قدم عبد الله بنسعيد، عضو اللجنة السياسية في دار النيابة في طنجة، مشروعه هذا عام 1319 ه 1900/م إلى وزير الخارجية عبد الكريم بنسليمان، الذي انتقده، وخاصة فيما أورده في الفصل الرابع عشر، وقال عنه «إن فيه شيئًا منالتبوريك». وأشار الأستاذ المنوني من جانبه إلى «ثلاثة مشاريع دستورية، وكان أولها هو الذي اقترحه مواطن من سلا: الحاج

ع يل زني رب، بينما كان الثاني من وضع وافد سوري أقام بفاس طويالً: الشيخ عبد الكريم مراد، أمّا الثالث، فلا

يزال واضعه أو واضعوه غير معروفين بالضبط، وقد تأخر ظهوره إلى أوائل العهد الحفيظي».

42 المصدر نفسه، ص.143

43 المنوني، ج 2، ص.399

الفرنسية، فمؤتمر الجزيرة وما تلاه من تطورات خطيرة».

و[آذار] مارس سنة 1906 م». عن مواد دستورية، واختصاصات حكومية. ويمكن إجمال مضامينها في الشكل الآتي.

المجال السياسي والسيادي والأمني - انتخاب لجنة من الأعيان المتنورين،

والضرائب.

لمباشرة الوسائل الإصلاحية

وتعميمها في القطر تدريجيًا.

- استقلالية الحكومة في اتخاذ

القرارات.

مدخوله على الأقل.

- تعميم الأحكام القطرية.

- منع الدول الأجنبية من التدخل

في نظام الحكومة المحلية.

- حصر السلطة التنفيذية في اللازم.

الحكومة المحلية.

-الالتزام بالقوانين الداخلية

الاقتصادية.

لحكومة البلاد.

- منع الاستبداد، ونشر وسائل

العدل وتسكين الفتن الداخلية

والرشى.

ونشر الأمن.

44 المصدر نفسه، ص.400

45 المصدر نفسه، ص.408

46 تم الاعتماد في وضع الرسم التخطيطي على النص الدستوري الذي ورد في: المصدر نفسه، ج 2، ص.421-415

- مشروع الدستور السلوي أو مذكرة الحاج علي زنيبر: وقد استفاد من وجوده في مصر، حيث امتدت إقامته بها «فترة طويلة، عايش خلالها حرب عرابي باشا وساهم فيها، كما عاين معطيات اليقظة المصرية.. وبعد أربعة وعشرين عامًا عاد إلى المغرب... (و) واجهته ثورة الجيلاني الزرهوني وهي في أوج اشتعالها، ثم اقتراح المشاريع ومقارنة بالمذكرة السالفة، تبدو الثقافة الحقوقية والقانونية جلية في تفاصيل هذا المشروع، حيث يحدد مفهومي الاستقلال والاحتلال، باعتماد مرجعية اتفاق الخزيرات عام 1906، وقال إن استقلال «دولة مراكش -داخليًا

وخارجيًا، برًا وبحرًا- غير منازع فيه، باعتراف الدول أجمع من قديم الأزمان، ولذلك جعله مندوبو الدول

العظام الأساس الذي تنبني عليه قاعدة أبحاثهم الإصلاحية، بالمؤتمر المنعقد فيما بين شهري [كانون الثاني] يناير من هنا يمكن استنتاج الأسباب التي دفعت الحاج زنيبر إلى تأكيد مطلب الاستقلال، فمن دونه يستحيل الحديث الجدول رقم (2) مشروع دستور الحاج زنيبر 1906

المجال الاقتصادي والجبائي

المجال الثقافي والعلاقات الدولية - وجوب المساواة في الجبايات - إقامة تحالفات ودية إيجابية مع

القوى الأجنبية.

- الدعوة إلى إنشاء بنك حكومي. - دعوة الدول إلى المحافظة على

- تقييد منح المنافع للأجانب بمدة مصالح وحدة استقلال المغرب

زمنية محددة، ومنح الأمة ثلثي الأقصى.

- اعتبار اللغة العربية لغة رسمية،

واستعمال اللغات الأجنبية

-وجوب رد الديون في آجالها،

وعدم اللجوء إليه إالّ بعد البحث للضرورة.

- تقييد امتياز الحرية، بالمحافظة

- اتخاذ التدابير اللازمة لإدخال على المروءة.

الفنون العصرية لتطوير الأمور - اقتصار المخابرات المتعلقة

بالتعليم، وكافة الإجراءات على

- انتخاب مفتش عام لضبط الحكومة المحلية.

الميزانية السنوية ومحاربة الغش - اشتراط النزاهة والأمانة في تولي

المناصب.

في أثناء قراءتنا مضمون هذا المشروع الدستوري، نستنتج حرصه الشديد على تأكيد استقلالية القرار السياسي

الداخلي. ويمكننا فهم مسوغات هذا الإلحاح، في الهجمة المنظمة التي شنتها الدبلوماسية الفرنسية منذ مطلع

القرن العشرين، ومن خلال سفارة طايندي، ومؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1905، حيث كانت فرنسا وإسبانيا

تتوخيان الانفراد بإدخال «الإصلاحات» المزعومة، والتأسيس لمرحلة الحماية الفرنسية. من جانب آخر، تبدو ملامح الدعوة إلى تحصين الذات الوطنية، بتبنّي خيار الإصلاح وإقرار العدالة واشتراط

عنصر الكفاءة في تويلّ المناصب الحكومية. كما تتبنيّ، من خلال بنود المشروع، ملامح الفساد الإداري، والدعوة إلى انتخاب مفتش عام يتكلّف بضبط

ميزانية الدولة، وتكون مهمته القضاء على الغش والرِّشى والعلل الإدارية. من جانب آخر نستنتج غياب اختصاصات واضحة ومفصّلة لهذه الحكومة التي أُلقي على كاهلها إصلاح

الأوضاع العامة. وبالمستوى نفسه، لا نجد أثرًا لسلطة قضائية واضحة المعالم والاختصاصات، بل إن هناك

خلطًا واضحًا بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، بالشكل الذي تنتفي معه خاصية الحياد في ممارسة العدالة

الاجتماعية. - المشروع الدستوري الذي اقترحه الشيخ عبد الكريم مراد وحضور تجربة التحديث الياباني: يمثّل هذا المشروع

حالة متقدمة، من حيث الوعي بالمناخ الدولي الذي كان يعرفه العالم، حيث ابتدأت ديباجته بالحديث عن تجربة

التحديث الياباني، وأكدت أنه «يمكن لحكومة المغرب أن تبلغ ما بلغته اليابان بأقرب وقت، إذا اقتفت أثر اليابان

بالاجتهاد ونفع العامة، وأخذ العلوم الصناعية والوقتية الموافقة للأحكام الشرعية من أوربا، على الأخص في

اقتفاء آثارهم في تنوير أفكار الرعية في حثهم على اختراع الأمور النافعة»... يتبين أن واضع المشروع كان يدرك تفاصيل السياسة الاستعمارية في المغرب، وقد قال إنه اطّلع «على ما تم عليه

مؤتمر الجزيرة، من عمل البوليس والبنك وغيره، وإن عموم الرعية نافرة من هذا التدخّل، خوفًا من رسوخ

قدمي المباشرين من الضباط الفرنساوية والإسبانيولية، إذا صفى (كذا) لهم الوقت، لأنهم بدعوى الإصلاح

يلزمون الحكومة على الاستدانة لإجرائه، فيؤول أمرهم على مراقبة واردات المخزن ومنصرفاته، وبذلك من

الخطر ما لا يخفى على متبصر، كما حصل للمرحوم الخديوي إسماعيل وما آل إليه أمر مصر». تؤمن لغة المشروع بالواقعية السياسية، حيث تقول إن «المحافظة على المعاهدات الأجنبية، وقرارات المؤتمر،

واجبة التنفيذ في هذا الوقت، ولكن بلغة ترضي الرعية، وتقنع الأجانب وتوافق الشريعة الغراء، مع السعي

وراء سد باب الاحتياج إلى الاستدانة منهم، لنسلم من زيادة تدخلّاتهم في شؤوننا كما هو دأبهم». من جانب

آخر حمل صاحب المشروع ثقافة سياسية ودستورية عميقة أهّلته للحكم على تجربة الميجي (1912-1868)

في اليابان التي وصلت أصداؤها إلى المشرق العربي، خاصة بعد الهزيمة الساحقة التي ألحقها اليابانيون بروسيا

القيصرية عام 1905. فكيف تمّت قراءة التجربة من خلال دستور الشيخ عبد الكريم مراد؟

47 ورد في: المصدر نفسه، ص.422

48 المصدر نفسه، ص.425

49 المصدر نفسه، ص.425

تبدو ملامح تأثير التجربة اليابانية جلية في واضع المشروع؛ فقد كان عبد الكريم مراد مدركًا خصوصياتها

وعوامل نجاحها. وهو إذ يدعو إلى الاعتراف بالاتفاقات السابقة، فلأن حكومة التوكوجاوا وحكومة

الميجي، في بدايتها، اعترفتا ضمنًا بالمعاهدات التي نالت من استقلالية القرار الياباني، وهو ما جنّب البلاد

خطر التدخّل العسكري الأجنبي. في موازاة ذلك، اهتم اليابانيون بالبحث عن مختلف عناصر القوة على

المستويات الداخلية والخارجية، في أفق إلغاء ما تم عقده من اتفاقات غير متوازنة مع القوى الغربية المتربصة

بأرض الميكادو. إذن، يحضر موضوع المقارنة بالتجربة اليابانية، لأول مرة في المغرب المعاصر، من خلال الدستور الذي اقترحه

الشيخ عبد الكريم مراد. ونظرًا إلى أهمية النص، نورد مقتطفات منه للاستقراء والتحليل واستنتاج القواعد

والتمثلّات الخاصة بالموضوع الياباني.قال الشيخ عبد الكريم مراد: «...أمّا بعد، فلامّ تشرفت بالأقطار المغربية وتطلعت على أحوالها: سرنّي ما رأيته منهم من اتحاد الجنس والتمسّك

بالدِّين وحب السلطان... وبسبب توفر هذه الصفات في أفراد دولة اليابان، مع اقتفائهم إثر شريعتنا المطهرة:من التعاون وحب الوطن

وحفظه بالمال والنفس والتحرز من الأعداء وأخذهم الحكمة ممن كان: فاز وأعلى ملوك زمانهم. وعلى ذلك يمكن لحكومة المغرب أن تبلغ ما بلغته اليابان بأقرب وقت إذا اقتفت أثر اليابان بالاجتهاد ونفع

العامة وأخذ العلوم الصناعية والوقتية الموافقة للأحكام الشرعية من أوربا، على الأخص في اقتفاء آثارهم في

تنوير أفكار الرعية في حثّهم على اختراع العلوم النافعة ومكافأة من يبرز شيئًا من ذلك، لأن الذي يعلم أسرار

الشريعة الإسلامية وما احتوت عليه من الحثّ على نشر العدالة والمشورة في الأمور وتعلّم المعارف اللازمة

للوقت والدين بكل شيء، يستغني به المسلمون عن الأجانب... ولا ينكر ما كان عليه اليابان قبل ثلاثين سنة منالانحطاط وتفرّق الكلمة بسبب الاستبداد وهجوم ملوك

أوربا على مملكة اليابان، وطلبوا منها إجراء الإصلاح الوقتي من سلطانها، حتى استأجروا مدخول الجمارك

بثمن زائد عامّ كانت تحصله اليابان على جملة سنين، لأجل إدخال التمدن الأورباوي: من نشر السكك الحديدية

والدبيش، وغير ذلك من تشكيل البوليس، فصار لأوروبا نفوذ وكلمة في مملكتهم، فعند ذلك تيقظوا لما لأوربا

من الطمع في استملاك بلادهم بطريق سياسي، فجمعوا كلمتهم، ورجع سلطانهم عن الحكم المطلق إلى المشورة،

فأُسس مجلس نواب الأمة، وانتُخب له أعضاء من كل بلد وشعب في المملكة... وعملوا قانونًا للحكومة فنفذ

على الحاكم والمحكوم. ثم أرسلوا البعثات من أولادهم إلى بلاد أوربا لتعليم العلوم اللازمة: من الحربية والهندسية والصنائع...

وشرعوا في فتح المدارس الابتدائية والثانوية والعالية لأجل تعليم ذلك، حتى بلغت الآن في مملكة اليابان إلى

50 التوكوجاوا:هو عصر الأسرة التي حكمت اليابان منذ مطلع القرن السابع عشر حتى عام 1868. وقد نهجت هذه الأسرة سياسة

العزلة الطوعية، وساهمت في ترسيخ السلام الطويل الذي حقق الأمن الداخلي للبلاد. كما أنها ساهمت في ترسيخ علاقات الإنتاج

الفيودالي، وتعرّضت لتحديات خارجية صعبة عام 1853 عندما دخلتها السفن الأميركية وفرضت عليها الخروج من دائرة العزلة.

51 الميجي هو اللقب الذي عُرف به الإمبراطور الياباني ميتسوهستو الذي قاد عملية الإصلاح في اليابان (-1868.)1912

52 عرّف المنوني عبد الكريم مراد بأنه شخصية معروفة، الوافد المقيم في فاس من عام 1324 ه 1907-1906/م. وقد مكث في فاس

ثم انتقل منها إلى النيجر، فتوفي بها في مدينة كانو التي استوطنها عام 1347 ه 1928/م. انظر: المنوني، ج 2، ص.406-312

أربعين ألف مدرسة، فلما استكملوا المعرفة في مدة عشرين سنة أوقفوا الامتيازات الأورباوية وغلبوا دولة

الصين وطردوا دولة المسكوف من كوريا ومنشوريا وصاروا بالدرجة العليا بين الملوك، حتى دولة إنكلترا

وألمانيا أرسلتا تلاميذ إلى مدارس اليابان لكي يتعلموا منهم اختراعاتهم التي أظهروها وقت المحاربة». هل يمكن اعتبار النص إنتاجًا مغربيًا في مقاربة الظاهرة اليابانية؟ أورد المنوني معلومات بخصوص صاحبه

قائالً عنه: «الشيخ العاملِ السوري عبد الكريم بن السيد عمر بن مصطفى بن الشيخ مراد الشامي الطرابلسي

...مبعوث الشرق إلى المغرب...كان يهدف ليقوم، في المغرب، بعمل إصلاحي في حقل التعليم الابتدائي، فيضع

هذا التأليف في مستوى المتعلمين الصغار ويحاول فتح مدرسة ابتدائية لتلقين العلوم الدينية والعصرية. وإذا كانت آماله في فتح مدرسة المقاصد العزيزية لم تتحقق، فهو قد نجح – إلى حد - في إلقاء دروس علمية

تناولت مبادئ السياسة والجغرافيا والحساب والتاريخ». تعرّفت النخب المغربية على التجربة التحديثية اليابانية من خلال العاملِ السوري، الذي وجد، في أثناء إقامته،

فراغًا ثقافيًا وتعليميًا في فترة تاريخية تراجعت فيها سياسة الإصلاح التي بدأها، بشكل واسع، المولى الحسن

الأول منذ بدايات حكمه الأولى. لا نعتقد أن الموضوع الياباني تبوّأ مكانته الحقيقية ضمن الاهتمامات المركزية للنخب المغربية خلال الفترة التي تمّ

من خلالها صوغ الدستور المذكور. ويبدو أن تركيز واضع الدستور على النموذج الياباني مرتبط بالرؤية المشرقية

التي هللت لانتصارات اليابان على روسيا، ألد أعداء الدولة العثمانية، التي بدأت نسج علاقات دبلوماسية مع

نظام الميجي منذ بعثة إيواكارا المشهورة، وانتداب فوكوشيرو للقيام بدراسة أولية للوضع العام التركي خلال

سبعينيات القرن التاسع عشر. وقد كتب الجابري في موضوع الدستور قائالً: «لقد بات حضور اليابان في الفكر السياسي العربي الحديث

مباشرًا وقويًا، ومثاالً على ذلك أشير إلى أن أحد المشاريع الدستورية التي قدمت لملك المغرب عام 1906 م،

حينما أخذت النخبة العصرية في هذا البلد تطالب بإقامة حياة دستورية وتدشين نهضة عصرية، طرح في مقدمته

بإلحاح وتفصيل تجربة اليابان وإصلاحات الميجي مطالبًا بالاقتداء بها». وبذلك، أدمج الجابري المغرب

ونخبه العصرية ضمن دائرة العرب المهتمين بالنموذج الياباني، مستدالً على ذلك بمشروع الدستور الذي تم

تقديمه إلى السلطان عبد العزيز. وبالنظر إلى هوية صاحب المشروع وانتمائه المشرقي، يصعب الحديث عن تمثّل مغربي حقيقي للتجربة اليابانية

في بداياتها الأولى، ويبدو أن صاحبه واجهته مجموعة من العراقيل، دفعته إلى مغادرة المغرب في اتجاه جنوب

الصحراء. كما أن تنبيهه إلى مقدّمات التطور الياباني لم تجد آذانًا صاغية داخل مكوّنات النخبة المخزنية التي كانت

تعيش آخر لحظاتها السياسية والإدارية.

53 قصد روسيا القيصرية.

54 ورد في:المنوني، ج 2، ص.424-422

55 المصدر نفسه، ص.312-311

56 بعثة إيواكارا (1873-1871): بعثة يابانية مشهورة أرسلتها حكومة الميجي لمراجعة الاتفاقات السالفة مع البلدان الغربية،

وللتعرّف على التقانة والعلوم والمؤسسات في كل من أوروبا والولايات المتحدة.

57 محمد عابد الجابري، «اليابان في الفكر العربي المعاصر،» الموقف (بيروت)، العدد 1(تموز/ يوليو- آب/أغسطس 1992.46)، ص

عندما خرج اليابانيون من عزلتهم التاريخية الطويلة، كان شغلهم المركزي منصبًّا على معرفة قدراتهم الذاتية

بمقارنتها بقدرات الأوروبيين والأميركيين العلمية والاقتصادية والاجتماعية عند نهاية القرن التاسع عشر. وفي

أثناء الرحلة إلى الديار الغربية، درست البعثات التعليمية اليابانية، بعمق، تجربة التقدم الغربي من نواحٍ مختلفة

ومتعددة، واكتشف أفرادها، من خلال ذلك، أسرار التقانة الغربية وأُسسها وقواعدها. وفي الحالة المغربية كانت المعلومات سطحية وأحيانًا مضلِّلة، ومن ذلك ما ذكره أحد رجال الحركة

الوطنية المغربية، قائالً: «لقد ردد المناضلون داخل الخلايا الوطنية ما يربو على ثلاثين سنة، رفعًا

لمعنويات الجماهير ضد الاستعمار وتمكينًا لرصيد الثقة الإنساني بأنفسهم، أن المغرب بعث البعوث إلى

أوربا في الوقت نفسه الذي وصلت إليها بعوث اليابان، وقد أثمرت جهود اليابان فأصبحت، بفضلها

أعظم دولة شرقية في العالم بينما أخفقت جهود المغرب لسوء حظه، فسقط تحت براثن الحكم الأجنبي

فريسة للاستعمار». وعلى الرغم من هذه الملاحظات، يمكن القول إن أصداء الخطوط العامة لتجربة التحديث اليابانية وصلت إلى

المغرب، لكنها لم تتعمّق في وجدان الأنتلجنسيا المغربية، ولم تتحوّل إلى نموذج قابل للدراسة والتمثّل، في وقت

شهدت هذه الفترة انتعاشًا في الثقافة الصحافية وإشاعة الأخبار والمدوّنات الدستورية عن طريق المبادرات

المشرقية والأوروبية، كما أشرنا إلى ذلك من قبل. ومن هذه الزاوية يمكن التعامل مع النص الدستوري بتفكيك عناصره واستنتاج طبيعة نظرته للنموذج الياباني: في البداية، يجانب الشيخ مراد الصواب عندما يصف المغاربة باتحاد الجنس والتمسّك بالدين وحب السلطان،

ويتضح بأنها مجاملة دبلوماسية، تتناقض مع ما ذكره الفقيه الحجوي من اختلال الأمن وانتشار الفوضى، ومع

ما نعرفه عن أثر الحماية القنصلية فيتنافس الكثير من الأثرياء والشرفاء وعامة الناس للحصول على صك الحماية

الفردية. ولعله أراد بذلك أن يمهّد بالقول بتشابه المقدمات بين المغرب واليابان، حيث قال بتوافر «هذه الصفات في

أفراد دولة اليابان»، كما أن اليابانيين مسلمون بالفعل والممارسة من خلال «التعاون وحب الوطن وحفظه بالمال

والنفس والتحرز من الأعداء وأخذهم الحكمة ممّن كان». وإذا كانت المقدمات متشابهة، في نظره، فما المانع من وصول المغرب إلى ما وصل إليه اليابان في أقرب وقت؟

ويضع لذلك شرطًا أساسًا وهو أن يتم اقتفاء «أثر اليابان بالاجتهاد ونفع العامة وأخذ العلوم الصناعية والوقتية

الموافقة للأحكام الشرعية من أوربا، على الأخص في اقتفاء آثارهم في تنوير أفكار الرعية في حثهم على اختراع

العلوم النافعة ومكافأة من يبرز شيئًا من ذلك». وبالنظر إلى تردّي واقع المغرب في عهد المولى عبد العزيز، فإن الشيخ مراد يستدرك صعوبة التمثّل، لكنه يقابل

ذلك بما «كان عليه اليابان قبل ثلاثين سنة من الانحطاط وتفرّق الكلمة»، ويرجِع أسباب ذلك إلى «الاستبداد

58 المصدرنفسه، ص.47-46

وهجوم ملوك أوربا»، وهو بذلك يطابق بين العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية، وينبّه المخزن العزيزي

إلى بناء سياسة إصلاحية بمقتضاها. حاول الشيخ مراد التلميح إلى الحالة المغربية من خلال بسط نموذج تعامل القوى الغربية مع اليابان بعد سلسلة

الاتفاقات غير المتكافئة التي عُقدت معه؛ فقد طلبوا منه، كما طلبوا من المغرب، إدخال إصلاحات تناسب

مصالحهم، وسيطروا في كلا البلدين على مداخيل الجمارك بشروط قاسية. ولا شك أن ذلك تسبب، كما يبدو من

ثنايا النص، في ازدياد نفوذ الغربيين داخلهما، وهذا ما أدى إلى فطنة اليابانيين «لما لأوربا من الطمع في استملاك

بلادهم بطريق سياسي». وفي مقابل ذلك، بقي المغرب خاضعًا للوصاية الأجنبية، ولم يحصل لقادته الاستبصار

بالواقع والمآل. كانت اليقظة اليابانية مقدّمة حتّمت جمع الكلمة ونبذ الحكم المطلق، والأخذ بالنظام الديمقراطي فكرًا وممارسة،

وهي دعوة تستبطن النقد للاستبداد السياسي لمؤسسة السلطان، وتشجع على نهج الأسلوب الياباني في ممارسة

الشورى السياسية. لا يمكن للإصلاح أن يتأسس من دون معرفة وتعليم، وفي غياب الإمكانات الذاتية لتحقيق ذلك يتم الانفتاح

على التجارب العالمية الرائدة التي يمكنها أن تفيد الداخل في بناء قدراته المعرفية. ومن هذه الزاوية، يوضح

واضع المشروع الدستوري قيام رجال الحكم الياباني بإرسال «البعثات من أولادهم إلى بلاد أوربا لتعليم العلوم

اللازمة، من الحربية والهندسية والصنائع... وشرعوا في فتح المدارس الابتدائية والثانوية والعالية لأجل تعليم

ذلك، حتى بلغت الآن في مملكة اليابان إلى أربعين ألف مدرسة». ويقول الشيخ مراد إن هذه الإجراءات كلها حققت لليابان، على امتداد عشرين عامًا، ما سامّه المعرفة، مع ما

تعنيه من امتلاك السلطة والقوة، وهو ما أدى إلى مراجعة الاتفاقات غير المتكافئة، والانتصار على الصين، وطرد

روسيا من كوريا ومنشوريا وهزيمتها عسكريًا عام.1905 أصبحت اليابان رقامً أساسيًا في المعادلة العلمية، وقامت إنكلترا وألمانيا بإرسال طلبتهما إلى مدارس اليابان «لكي

يتعلموا منهم اختراعاتهم التي أظهروها وقت المحاربة». بهذه الصورة حضر موضوع التحديث الياباني في ذهن الشيخ مراد، الذي حاول جاهدًا، من خلاله، إقناع

السلطة العزيزية في تبنّي إصلاحات دستورية. ركز هذا المشروع، كسالفه، على مبدأ الاستقلال، والاستغناء عن الأجانب. ولتحقيق ذلك اقترح ضرورة توفير

ثلاثة أمور أساسية:

59 ذكر الشيخ مراد هجوم الأوروبيين، إال أن المعروف تاريخيًا أن أول هجوم تعرضت له اليابان كان على يد الأميركيين بواسطة

الكومودور بيري عام.1853

60 تم الاعتماد في وضع الخطاطة على مشروع دستور عبد الكريم مراد، ورد في: المنوني، ص.444-426

تشكيل مجلس الأمة - باعتماد الانتخاب، بحسب كل

قبيلة وبلد لمدة 5 أعوام

- تشكيل مجلس أعلى تحت رئاسة الحربية للطلبة

السلطان

- توظيف الشورى في إقرار

المسائل الخلافية

- اختصاصه بالقضايا التشريعية،

وتقرير خدمة الوزراء والعمال

- الدعوة إلى تأليف كتاب الأحكام الأمن بالأحياء.

العدلية، وتتم المصادقة عليه من

طرف مجلس الأمة والمجلس

الأعلى (الدستور)

- التزام الجميع، بمن فيهم موظفو

الدولة، باحترام بنود الأحكام

العدلية

- ضبط السياسة الجبائية، والالتزام

بما قررته الشريعة الإسلامية في هذا

المجال.

وارداته ومتصرفاته».

61 ورد في: المصدر نفسه، ج 2، ص.434

62 المصدرنفسه، ص.436

الجدول رقم (3)

مشروع دستور الشيخ عبد الكريم مراد مطلب الاستقلال

تكوين جيش نظامي قوي وضخم توفير إمكانات مالية لمباشرة الإصلاح - تشكيل مجلس الأحباس في

- فرض التجنيد الإجباري

- تعليم الحركة العسكرية والعلوم العاصمة

- ضبط الأوقاف وحفظ وارداتها

- تمنح لهم الوظائف المناسبة، - تشكيل فروع إقليمية لهذا

المجلس لمراقبة أوقاف المساجد

بحسب القدرة والاستحقاق

وغيرها، والاجتهاد في تعميرها

- تنظيم الترقية الخاصة بالجنود

- تحديد دورهم في حفظ البلاد، - تحديد اختصاصات القائمين

وجباية أموال الحكومة وتوفير على تنفيذ هذه الوظائف الوقفية

- اعتبار المسجد القاعدة الأولية في

استخلاص حساب الأوقاف.

يبدو من خلال النصوص والفقرات الواردة في نص المشروع الدستوري، تأثّر صاحبه بموجة التغيير التي

كانت تعرفها منطقة المشرق العربي، وخاصة داخل الدولة العثمانية التي شرعت في تنفيذ الكثير من الإصلاحات

الإدارية والقانونية. وأشار الشيخ مراد في أكثر من موضع إلى النموذجين المصري والعثماني كعلامات مضيئة في

المجال الجبائي والعسكري، وقال إن «الحكومة...، تجتهد في ترتيب عساكر الطوبجية والخيالة وانتظامها والقيام

بإطعامهم وعمل قشلة لسكناهم، مع تربية دوابهم، كما هو جار عند الدول والدولة العلية العثمانية». وفي أثناء

حديثه عن مجلس الأحباس، قال «وهذا مجلس أوقاف مصر متوفر لديه أكثر من عشرين مليون جنيه، لما ضُّبطت

ربط مشروع دستور العهد العزيزي تطويرَ التعليم واعادة تنظيمه بمؤسسة الأوقاف. ويظهر أن صاحب المشروع رأى أن «يرتبط تسيير التعليم وتمويله مباشرة بالأمّة حتى يكون ذلك عن طواعية وموضوع تنافس، ولأن ميزانية الدولة كانت عاجزة بالمرة عن أي تحملات بهذا الصدد». - مشروع دستور 1908: تمّ في عهد السلطان عبد الحفيظ تقديم مشروع دستور 1908، ويعود الفضل في

نشر المشروع إلى جريدة لسان المغرب، التي كان يصدرها بطنجة الأخوان نمور. و«أكبر الظن أن تحرير المشروع

وصيغته أو جزءًا منه كان من عناصر شرقية». يتركب المشروع من ثلاث وتسعين مادة، إحدى عشرة منها تتناول تسمية الدولة ودينها الرسمي ومذهبها

الفقهي -المالكي- ثم اختصاصات السلطان وسلطاته المطلقة. ويبدو من مواد الدستور اللغة القانونية المُحكمة،

التي اعتمدها واضعوه، حيث اختلف عن المشاريع الدستورية السابقة في الابتعاد عن التعبير العام، وحلّت بدل

ذلك، التحديدات المُحكمة للاختصاصات والمهامّت المتعلقة بجهاز الدولة وموظفيها، من جهة، وعامة أفراد

الأمّة من جهة أخرى. ويتجلى ذلك في ما يلي:

الجدول الرقم (4)

بعض مواد مشروع دستور 1908

المواد الدستوريةالمضامين
11-1كيان الدولة ومقام السلطان:
دين الدولة هو الإسلام
احترام الأديان المعروفة من دون تمييز
منح السلطان سلطات مطلقة سياسية وعسكرية
- تنظيم ولاية العهد
34 -12تطرقت إلى حقوق المواطن،وتحديد انتمائه وهويته،وتأكيد مشترك المواط َ نة بين جميع
الطوائف الدينية
- تحديد مفهوم الحرية وربطه بمراعاة الآداب العمومية
- المساواة أمام القانون
- تعميم أداء الضرائب
- حماية الملكية الشخصية
- احترام الدولة الحرية الشخصية
- منع المخزن من عمليات النهب ضد القبائل المقاتلة
- حق الرعية في التظلم إلى منتدى الشورى والسلطان

63 حركات، ص.135

64 المصدرنفسه، ص.148

65 تم الاعتماد في وضع الجدول على مشروع دستور 1908، ورد في: المنوني، ص.177-168

المواد الدستوريةالمضامين
-35م 56منتدى الشورى
يتناول منتدى الشورى، الذي ينقسم إلى: مجلس الأمة ومجلس الشرفاء:
- منح حرية التعبير لأعضاء المنتدى
– إسقاط العضوية عمّن تثبت خيانته
- اعتماد الأغلبية في المصادقة على القرارات
- منع الانتساب إلى المجلس عن كل من المحميين والأميين، كما تم منع الجمع بين الوظيف
المخزني، وعضوية مجلس الأمة
-بل أمراء الأسرة المالكة والشرفاء تحديد عدد أعضاء مجلس الشرفاء ومعايير انتقائهم من ق ِ
والعلماء، وكبار العساكر والأعيان
- دور المجلس في الحفاظ على أساس الدّين، واستقلال السلطنة، وعدم الإضرار بحقوق
السلطان، والأمة، وبيت مال المسلمين، والحفاظ على قيم الحرية والدستور والآداب العمومية
66-57- ضبط آليات تعيين كبار المسؤولين في المخزن، وتحديد اختصاصاتهم ومسوغات عزلهم.
- منح الحكومة صلاحيات تعيين عمال الإقليم والقبائل، بتنسيق مع منتدى الشورى.
74 - 67مراقبة مالية الدولة ورواتب كبار الموظفين عن طريق
- هيئة التفتيش
- تحديد رواتب كبار الموظفين، وباقي مستخدمي الحكومة
82-75الحماية القنصلية:
- ربط الحصول على الحماية بموافقة المخزن
- منع المحميين من الدخول في الوظائف المخزنية
- تقبل الدولة رجوع المحمي إلى تبعة الدولة المغربية، مع استفادته، كباقي أفراد الأمة، من
حقوقه الشخصية والمدنية
- يُشترط في المحمي أن تكون له صلات مع الأجانب توجب عليه اتخاذ الحماية
90 - 83موضوعات خاصة بالتعليم
- دعوة إلى إنشاء وزارة للتعليم، تتكلّف بإقامة المدارس في جميع المناطق وبين القبائل
- تقسيم المدارس إلى مدارس ابتدائية ومدارس ثانوية، ومدارس عليا أو كليات،مع قصر
التعليم العالي على القرويين، مع تحديثها وتجهيزها عصريًا.
- إجبارية التعليم الابتدائي
- مجانية التعليم
- إمكانية فتح مدارس خاصة لتعليم العلوم والصنائع أوغيرها
- تشجيع تمدرس الفتيات
- دعوة إلى إنشاء المدارس الصناعية والزراعية، بعد فتح المدارس العلمية
- اشتراط الكفاءة في انتخاب المعلمين
ملحق من
ثلاث مواد.93-91
- أولوية رأي منتدى الشورى، وتأكيد دوره كجهاز للمراقبة
- تنظيمه لقوانين الإدارات الحكومية
- حصر تعديل المواد الدستورية في جهاز منتدى الشورى ومصادقة السلطان عليه

لم يكن الهدف من إيراد مجمل المشاريع الدستورية، التي عرفها المغرب عند مطلع القرن العشرين، مقتصرًا على

التعريف بمضامينها وحيثيات إخراجها، ولكن حاولنا فحصها وإدراك الملابسات التاريخية التي لازمتها، مع

تقييم نتائجها واستنتاج التحولّات التي أحدثتها في فكر النخبة المغربية خلال تلك الظروف التاريخية الحرجة

التي كان المغرب يمر بها.

وفي أثناء تفحّصنا مجمل الوثائق الدستورية المذكورة، نلاحظ تفاوتًا على مستوى الصيغة واللغة القانونية والدستورية.

ويمكن اعتبار مشروع دستور 1908 حالة متقدمة في إنتاج خطاب قانوني محكم على مستوى الشكل والمضمون.

من جانب آخر تأثر واضعو المشروع الدستوري بفكر الأنوار الأوروبي في سياق الحديث عن الحقوق المدنية

والسياسية للمواطنين ولأعضاء منتدى الشورى. كما انفرد هذا المشروع بتحديد الاختصاصات الحكومية،

وبإقامة جهاز تقني لمراقبة المال العام، واهتمت بنوده بقضية التعليم، وفصلت في الأدوار المنوطة بالمدرسة

المغربية. وتبدو ملامح الخصوصية العربية الإسلامية واضحة من خلال التركيز على دِين الأمّة وأولوية اللغة

العربية كلغة رسمية للبلاد.

بيد أن معظم هذه المشاريع صاغته نخب فكرية مشرقية تلقّت تكوينها الفكري والسياسي في بلاد المشرق، في

الوقت الذي كانت الوضعية الداخلية تتجه إلى المزيد من حالات الانهيار الرمزي والمادي، خاصة بعد التوافقات

الإمبريالية بشأن المسألة المغربية، وإنهاك قوى الإنتاج الداخلي بفعل التمردات والصراعات في الفترة الممتدة بين

عامي 1900 و.1912

يقول الجابري إنه، بغضّ النظر عن الانتماءات المشرقية لمحرري المذكرات الدستورية، «فالمهم في الأمر أن قضية

الإصلاح في المغرب أخذت تحمل مضمونًا تحديثيًا وتكتسي طابعًا وطنيًا». إالّ أن حدود الإشعاع الدستوري

على النخب والقواعد المجتمعية، وموقعه من الممارسات السياسية يحتاجان إلى تمحيص ونظر.

إن الدستور لا يكون فاعالً وإيجابيًا إالّ إذا استند إلى قاعدة مجتمعية، تساهم، عبر ممثّليها ونوابها، في صوغه

وضبط مواده؛ فهو بناء فوقي تحمله قوائم المجتمع ونخبه، كما أنه منتوج مجتمعي خالص، تضمن له قواعده

خاصية الاستمرار والفعالية.

لم تنتج أوروبا دساتيرها الوطنية إالّ بعد مراحل شاقة من الصراعات السياسية والتراكمات في بناء نماذج من التنظيرات

السياسية المتعددة والمتباينة، التي أعطت في آخر المطاف منظومة حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا وإنكلترا، ويأتي

وضع الدستور والقوانين تتويجًا لمرحلة من المكابدة في ترتيب الفضاء الداخلي على المستويات الاجتماعية والسياسية

والاقتصادية. ويحتاج هذا التأسيس إلى فئة مجتمعية قادرة على تنزيله على مستوى الممارسة والتطبيق.

كان في الإمكان، في الحالة المغربية، استيراد نماذج دستورية متقدمة، يتم تعديلها لتلائم الخصوصيات المحلية، لكن

المشكل الأساس ظل كامنًا في محل التنزيل، الذي افتقد الشروط الكفيلة بإحداث التناغم بين النموذج/المثال والواقع

الصعب الذي كان يمر به المغرب، دولة ومجتمعًا، بفعل الضعف البنيوي لمؤسسة الدولة، وغياب الحاضن المجتمعي.

كان المغرب ينزف ماديًا ومعنويًا بفعل الغرامات الحربية التي فُرضت عليه. وفقد المجتمع عناصر التلاحم

والوحدة، وغابت القيادة الفاعلة التي يمكنها التقاط زخم اللحظة التاريخية الحرجة والتأسيس لبديل يجنّب

البلد السقوط السياسي والحضاري.

لم تحقق المشاريع الدستورية نتائج إيجابية على مستوى التنزيل والتنفيذ، بل أنتجت مشكلات معنوية ومادية

للمخزن، كما أنها فقدت المقدّمات المجتمعية والسياسية الكفيلة بتوفير فرص النجاح.

من جانب آخر دُونت المشاريع الدستورية السالفة ضمن نسيج تربوي غابت فيه ملامح مدرسة وطنية ذات

عمق تاريخي ونجاعة، على مستوى استيعاب الواقع وإكراهاته الداخلية والخارجية.

66 محمد عابد الجابري، المغرب المعاصر: الخصوصية والهوية.. الحداثة والتنمية (الدار البيضاء: مؤسسة بنشرة؛ بيروت: المركز الثقافي

العربي، 1988)، ص.19

خاتمة

بالرغم ممّا قلناه سابقًا عن محدودية أثر المشاريع والمذكرات الدستورية في الرقي بالممارسة السياسية إلى درجة الفعل

الديموقراطي في فترة ما قبل الحماية، فإن تواترها سمح بتحقيق قيمة تراكم تاريخي دستوري تعرّفت من خلاله

النخبُ السياسية والثقافية في المغرب على ما كان يعرفه المشرق العربي من حراك سياسي وصحافي ودستوري انتقلت

أصداؤه إلى المغرب ووجد أرضية مناسبة للتنزيل، كما شكّل مقدّمة رئيسة أسست لكثير من التحولّات السياسية

والحزبية التي عرفها المغرب في أثناء فترة الحماية، وخاصة بعد إصدار الظهير البربري عام 1930، وتأسيس كتلة

العمل الوطني، وتقديم مذكرة الإصلاحات إلى سلطات الحماية قبل أن تتحول إلى مطلب للاستقلال عام.1944 كما أشرنا في مقدّمة البحث، استقل المغرب عن فرنسا في 2 آذار/مارس 1956، وتم إقرار أول دستور للمغرب

في 10 آذار/مارس 1962، وجرى تعديله أو مراجعته في 1970 و 1972 و 1980 و 1992 و 1996، قبل

أن يأخذ المغرب بدستور جديد عام 2011، ضمن ظروف إقليمية ووطنية أطاحت عددًا من الأنظمة الشمولية

والاستبدادية في العالم العربي. لقد قرأت الدولة في المغرب الوضع الجديد الذي أفرزته موجات الربيع العربي الهادرة بشكل مختلف عن

باقي الدول العربية، وبادرت إلى تقديم مشروع دستوري تباينت الآراء في تقييم نصوصه وفصوله، بالنظر إلى

المرجعيات السياسية والفكرية التي تؤطّر هذه المواقف وترسم لها علاقتها السياسية إزاء صنّاع القرار في المغرب. لقد ترسخت الممارسة الدستورية في المغرب وأضحت قيمة حقيقية تؤثث المشهد التعاقدي بين المؤسسات

ومجموع المواطنين؛ ولا شك أن عمق التجربة تكمن في ما ذكرناه سالفًا عن التجارب الدستورية والمذكرات

التنظيمية التي برزت أصداؤها عند بداية القرن العشرين. منحت التجارب الدستورية لفترة ما قبل الحماية عمقًا تاريخيًا ساهم في بلورة فكر دستوري مغربي بلغ أوجه في

عريضة المطالبة بالاستقلال في 11 كانون الثاني/ يناير 1944، وفي أدبيات رواد الحركة الوطنية كعلال الفاسي

ومحمد بن الحسن الوزاني. وتأسس آنذاك عقد سياسي بين الملك والحركة الوطنية جعل منهما مكوّنين متكاملين في بناء المشهد السياسي

الداخلي خلال عهد الملكين الراحلين محمد بن يوسف والحسن الثاني. في عهد الحسن الثاني، تم في 1962، 1970، 1972، 1980، 1992، 1996 إقرار ستة دساتير وتعديلها.

وقد جرى ذلك ضمن أجواء سياسية اتّسمت بالصراع الخفي والمعلن بين المعارضة السياسية والقصر، حيث

سادت بين الطرفين أجواء عدم ثقة، وحملت المدونات الدستورية بصمات ذلك من خلال السلطات الواسعة

وشبه المطلقة التي تمتع بها الملك في مجمل الدساتير المذكورة آنفًا. في تموز/ يوليو 1999 توىلّ الملك محمد السادس السلطة في أثناء فترة حكومة التناوب التي قادها الكاتب العام

للاتحاد الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي والكتلة الديمقراطية، بتوافق سياسي مع الملك الراحل الحسن الثاني.

ودشن الملك الجديد عهده بإعطاء الأولوية للعمل الاجتماعي، وتقوية مؤسسات الدولة، وتجهيز البلاد بالبُنى

التحتية الأساسية، والأخذ بسياسة التنمية البشرية، والحد من التباينات الجهوية على مستوى التنمية الداخلية.

67 الظهير البربري، أي المرسوم البربري، هو قانون أصدره الاحتلال الفرنسي للمغرب في 17 ذي الحجة 1340 ه 16/ مايو 1930 م.

ونصّ هذا الظهير على جعل إدارة المنطقة البربرية تحت سلطة الإدارةالاستعمارية، فيما تبقى المناطق العربية تحت سلطة «حكومة المخزن»

والسلطان المغربي، وتم إنشاء محاكم على أساس العرف والعادة المحلية للبربر، وإحلال قانون العقوبات الفرنسي محل قانون العقوبات

«الشريفي» المستند إلى الشريعةالإسلامية؛ ومن ثم قام هذا القانون بنوعين من العزل تجاه المناطق البربرية؛ أولهما عزل الإدارة السلطانية

عنهم، وعزل الشريعة الإسلامية عن التقاضي بينهم، على اعتبار أن العادات والأعراف البربرية كانت سابقة على الإسلام.وكان البربر

يشكلون حوالي 45 في المئة من سكان المغرب في تلك الفترة، وينتشرون في بلاد الريف وجبال أطلس.

وجاءت أحداث الربيع العربي لتغريّ المشهد السياسي داخل كثير من الأنظمة الشمولية في العالم العربي، حيث ساد

الاستبداد السياسي وحكم الفرد والأوليغارشية التي احتكرت الشأن السياسي واقتسمت المنافع الاقتصادية، وفي مقابل ذلك انحسرت الحريات الفردية والجماعية، وغابت الدساتير الديمقراطية وأفكار العقد الاجتماعي، من الفصل بين السلطات ودعم للتعددية السياسية..، فنشأت بذلك هوة عميقة بين الدولة والمجتمع ازداد حجمها بتواتر الانتخابات المزوّرة ومصادرة الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية...وكان سقوط

الأنظمة في تونس ومصر واليمن نتيجة تاريخية حتمية لكل هذه التناقضات الداخلية. ضمن هذا السياق اختار الملك محمد السادس أسلوبًا جديدًا في احتواء تداعيات الربيع العربي وخروج المكوّنات

السياسية المهمشة إلى الشارع، في إطار ما يسمّى حركة 20 فبراير: ففي 9 آذار/ مارس 2011، تحولت عيون

المغاربة وآذانهم إلى شاشات التلفزة وهي ترقب خطاب الملك الذي أمر فيه بإعداد دستور، وأوكل مهمة إنجازه

إلى عقول دستورية مغربية ترأسها اليساري سالفًا عبد اللطيف المنوني. وفي 17 حزيران/ يونيو، ألقى الملك خطابًا آخر بنيّ من خلاله الخطوط العريضة للنصوص الدستورية الجديدة التي عُرضت على الاستفتاء يوم فاتح

تموز/ يوليو 2011، حين صوّت المواطنون المسجلون في اللوائح الانتخابية لصالحه بأغلبية مطلقة.

وقد أكد الدستور الجديد المبدأَ الدستوري للملكية المواطنة والملك المواطن، وتمت دسترة اللغة الأمازيغية وجميع حقوق الإنسان، كما هو متعارَف عليها عالميًا، وانحسرت سلطة الملك نسبيًا لصالح رئيس الحكومة،

حيث خضع الانبثاق الديمقراطي للسلطة التنفيذية من الحزب الذي تصدر الانتخابات، من جانب آخر أصبح للبرلمان بغرفتيه سلطة برلمانية تمارس اختصاصات تشريعية رقابية واسعة. وبالرغم من هذه السمّات الجديدة التي طبعت الدستور الجديد، فإن أصواتًا معارضة لا ترى جديدًا طرأ على

المشهد الدستوري الجديد، وتمثّلها قوى اليسار الراديكالي وبعض القوى الإسلامية الوازنة التي رفعت شعار الملَكية

البرلمانية، حيث يسود الملك ولا يحكم كما هي الحال في الملَكيات الغربية في إسبانيا وإنكلترا وبلجيكا وغيرها. ما يمكن قوله في الخاتمة إن التجربة الدستورية في المغرب ليست وليدة اللحظة الراهنة، بل تمتد عميقًا في التاريخ، ويتضح ذلك من التعاقدات السياسية التي كانت تحاك بين الأمراء من جهة والعلماء والأعيان والرعية من جهة أخرى، وبرز ذلك بشكل واضح في الفترة الحديثة والمعاصرة، حيث كانت البيعة السياسية مشروطة بأدوار محددة يقوم بها السلطان، كما بدا ذلك جليًا في بيعة السلطان عبد الحفيظ عام 1907.

ولا شك أن المناخ السياسي الذي كان المغرب يشهده، والانفتاح على التيارات السياسية والفكرية في المشرق العربي أثريا بشكل كبير مدوّنة الفقه الدستوري، ممثَّلة في مجمل المشاريع الدستورية في فترة ما قبل الحماية

الفرنسية عام.1912 وقد أحدثت فرنسا قطيعة في مسيرة التطوّرات السياسية والدستورية في المغرب، حيث احتكرت السلطة

التنفيذية وواجهت بالقمع والاعتقال والتقتيل روادَ الحركة الوطنية وعمومَ الشعب المغربي. ورغم ذلك، برزت نخب سياسية أنتجت حفريات دستورية رائدة مع علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني، وأضحت المسألة الدستورية أحد العناصر الاستراتيجية التي لا يمكن لطرف واحد، مهما تكن مرتبته، أن يبتّها

بمعزل عن جميع القوى المؤثرة في المشهد السياسي العام في المغرب. لن يكون دستور 2011 آخر دستور: فقد اعتاد المغاربة على مراجعة تعاقداتهم السياسية انسجامًا مع تطوّر

الأحداث الداخلية والخارجية، وقد يصل المغرب يومًا ما إلى إقرار دستور أكثر تقدمًا من سابقيه.