العودة إلى تفاصيل المؤلَّف دسترة الشورى: الكيفية والإشكاليات

دسترة الشورى: الكيفية والإشكاليات

Making Shura Part of the Constitution: Means and Problems

عبد الحكيم أبو اللوز

Abdelhakim Aboulloz

الملخّص

في كتاب الحريات العامة في الدولة الإسلامية، وعلى عكس الكتابات العامة في الموضوع ،تتوزّع مقاربة راشد الغنوشي لمفهوم الديمقراطية على مرحلتين، مرحلة حاول فيها تطبيق معنى المفهوم حتى يفقد الكثير من دلالاته الفلسفية العامة، ويتحول إلى مجرد وسائل إجرائية يتم بها تنظيم ممارسة السلطة؛ ومرحلة تم فيها تعميم مجال العمل بهذا المفهوم، بتأكيد قابليته للاشتغال في جميع الفضاءات الثقافية. ولذلك، فإن قراءة الغنوشي لم يحكمها فقط هاجس تكوين معرفة موضوعية بمفهوم الديمقراطية. وإنما كان هدفها الأقصى تبيئته داخل المنظومة الإسلامية عبر مواءمته مع مفهوم الشورى.

Abstract

In his book "General Freedoms in the Islamic State" and contrary to usual writings on the subject, Rached Ghannouchi divides his approach to the concept of democracy into two stages: one in which he strips the general philosophical signification associated with democracy so that it becomes merely a procedural tool to exercise power, and one in which he universalizes the operating field of the concept of democracy by ensuring its operability in all cultural spaces. Ghannouchi's reading is therefore not only governed by the obsession of creating objective knowledge about the concept of democracy.

الكلمات المفتاحية:
  • الفضاءات الثقافية
  • دسترة الشورى
  • الدولة الإسلامية
  • الديمقراطية
Keywords:
  • Shura
  • Constitution
  • Islamic State
  • Cultural Spaces

الكتاب: الحريات العامة في الدولة الإسلامية الكاتب: راشد الغنوشي مكان النشر: بيروت تاريخ النشر 1993: الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية عدد الصّفحات 382:

في كتاب الحريات العامة في الدولة الإسلامية،

وعلى عكس الكتابات العامة في الموضوع،

تتوزّع مقاربة راشد الغنوشي لمفهوم الديمقراطية على

مرحلتين، مرحلة حاول فيها تطبيق معنى المفهوم حتى

يفقد الكثير من دلالاته الفلسفية العامة، ويتحول إلى

مجرد وسائل إجرائية يتم بها تنظيم ممارسة السلطة؛

ومرحلة تم فيها تعميم مجال العمل بهذا المفهوم، بتأكيد

قابليته للاشتغال في جميع الفضاءات الثقافية. ولذلك،

فإن قراءة الغنوشي لم يحكمها فقط هاجس تكوين

معرفة موضوعية بمفهوم الديمقراطية، وإنما كان هدفها

الأقصى تبيئته داخل المنظومة الإسلامية عبر مواءمته مع

مفهوم الشورى.

لدى محاولتنا المقارنة بين تردد مفهومي الديمقراطية

والشورى من خلال كتاب الحريات العامة في الدولة

الإسلامية، اتضح أنه رغم ورود كلمة الديمقراطية

بنسبة تفوق نسبة ورود كلمة الشورى (53.33 في المئة

للأولى و 46.67 في المئة للثانية)، فإن المساحة التي يحتلها

الحديث عن الشورى أكبر كثيرا (83.46 في المئة) من

المساحة المخصصة للحديث عن الديمقراطية (16.54

في المئة). وتجد هذه المفارقة تفسيرها في أمرين؛ فمن

جهة، تدل نسبة تردّد مصطلح الديمقراطية على ارتباط

الغنوشي بمفهوم معاصر، أي إنه يفضّل استعمال أحد

أهم العناصر في الجهاز المفهومي للحداثة السياسية، على

حساب ما يمكن أن يكون له من معادلات ومقابلات

في منظومة المفاهيم التراثية كالشورى.

أمّا ارتفاع نسبة المساحة المخصصة للحديث عن مفهوم

الشورى، فيجد تفسيره في الهاجس الذي يشغل الغنوشي،

أي تجديد الفكر الإسلامي، ومحاولة التجديد هذه لا

تتم بمجرد مقارنة بين المفاهيم وقياس بعضها ببعضها

الآخر، بل عبر تفكيك المفاهيم التقليدية إلى أجزائها

التفصيلية، وإدخال المعاني الجديدة إلى هذه الأجزاء. وتم

الانتهاء عبر ذلك إلى تعديل المضمون الكلي للمفهوم،

لكي يصبح عبر أجزائه موافقًا منطقيًا للصيغة الجديدة

التي يراد قراءة المفهوم التقليدي من خلالها.

وبصدد مفهوم الشورى، فإن التجديد يتم أوالً بتحديث

المفاهيم المتفرعة عنه، وجعلها متقاربة مع المفاهيم

الحديثة بشأن النواب أو المنتخبين والرأي العام، وبذلك

يصبح مفهوم الشورى معربًّا منطقيًا عن الديمقراطية.

لذلك، كان من الطبيعي أن تستغرق هذه الصيغة

التركيبة التي تطبع الحديث عن الشورى حيزًا أكبر،

مقارنةً بما يستغرقه الحديث عن الديمقراطية. إذن، يكاد لا يمكن تتبّع الطريقة التي يطور بها الغنوشي

مفهوم الشورى إالّ من خلال الدلالات الجديدة التي

يعطيها للمفاهيم المرتبطة به، وهي مفهوم أولي الأمر،

ثم مفهوم الإجماع. مفهوم أولي الأمر ظهرت في محيط التراث الفقهي ثلاثة مصطلحات مفرسّة

لأولي الأمر، هي: أهل الشورى، وأهل الحل والعقد،

ثم أهل الاختيار. وقد استنتج فقهاء السياسة الشرعية،

كالماوردي مثالً، أن المقصود بأولي الأمر هم أهل الاختيار

الذين يقومون باختيار الإمام. أمّا البغدادي، ففسر

اللفظ بأنه يعني أهل الاجتهاد الذين وصلوا إلى درجة

من العلم بالأحكام الشرعية وبطرق استنباطها. أمّا

الحنفية، فرأت أن الأمر يتعلق بطبقة الأعيان وعلية القوم.

نستطيع القول عمومًا، إن الاجتهاد الفقهي خلص،

رغم هذه التمايزات، إلى حصر مفهوم أولي الأمر في طبقة

المجتهدين العارفين بأصول الشرع، وبطرق الاجتهاد

وتنزيل الأحكام على الواقع واستنباطها بالنسبة إلى ما

ليس فيه نص. ويدل على رجاحة هذا التفسير، طبيعة

الشروط التي كان الفقه يتطلبها في أولي الأمر، وأهمها

العدالة والعلم وغيرهما من المعايير الشخصية التي تركز

على كفاءات الشخص الدينية والاجتهادية التي تحدد

مدى أحقيته بعضوية مجلس الشورى.

كما نجد الوصول إلى درجة الاجتهاد في الأحكام

الشرعية والظنية، شرطًا متطلبًا في أعضاء هيئة

الشورى، حاضرًا أيضًا في كتابات المفكرين ذوي

المرجعية التراثية؛ فمع أن الشورى أصبحت تعني

عمليًا عند هؤلاء النظام البرلماني، فإن الشروط

التقليدية مازالت تحتفظ بمكانتها، وهو ما يدفع إلى

التساؤل عن سر هذا الاستمرار، فهل تتصل الشروط

أعلاه بالنظام العام في الدولة الإسلامية، بحيث يصبح

أي تخلٍ عنها إخ الً بهذا النظام؟

يعتقد الغنوشي أن المسألة اجتهادية بحتة، وليست

متصلة بأساسيات النظام العام، وبناء على ذلك يحاول

مناقشتها وإيراد البراهين على عدم تطلبها في أعضاء

هيئة الشورى. فمن البراهين:

- «أن العمل التشريعي ليس عمالً فنيًا من قبل إصدار

فتوى أو تحقيق حديث أو استجلاء معنى آية، بل كثيرًا

ما يكون مناطه أحوال الناس وعلاقات بين الجماعات،

تقتضي إصابة الرأي فيها إلمامًا بتلك الأحوال».

- «أن العلماء المجتهدين قد يكونون بمنأى عن كراسي

السلطة ومواقعها فلا تكون لفتاواهم وسائل التنفيذ».

- «هناك مسائل عامة أخرى من أحوال الرعية واتجاهات

الرأي فيها ليست بحال من المسائل الفنية التي تعود إلى

علماء الشريعة أو أصناف أخرى من العلوم والفنون،

وإنما تعود إلى القادة الشعبيين..من رؤساء الأحزاب

والنقابات وزعماءالطوائف والقبائل»، الذين يكون

اختيارهم لرأي أو قرار مدخالً كافيًا لرضاء الناس به

ودخولهم فيه وانصياعهم لحكمه.

بعد ذلك، يوسّع الغنوشي معنى شرط العلم الذي

تطلّبه الفقهاء في أولي الأمر، بالشكل الذي يتلاءم مع

المسؤوليات الجديدة والضخمة التي تقع على الهيئة

الشورية، وتتجاوز المسائلَ الشرعية إلى مباحث أخرى

متشعبة يطرح الإلمام بها صعوبات على أرقى البرلمانات

في العالم المعاصر، حيث يصبح شرط الاجتهاد في

الأحكام واستنباطها مستحسنًا توافُره في النائب

البرلماني لكنه غير واجب، إذ الواجب معرفة أحوال

الناس ومعاشهم ووضعية علاقات القوى، ذلك أن

إصابة الرأي تقتضي إلمامًا بتلك المسائل.

ينتقل الغنوشي بعد ذلك إلى مناقشة الشروط التقليدية

الأخرى المتطلبة في أولي الأمر، وهي الإسلام، وسكنى

دار الإسلام، ثم شرط الرجولة. فبالنسبة إلى شرط

الإسلام، وانسجامًا مع أفكاره السابقة، يرى أنه، في

إطار الفهم الجديد للشورى، لا يوجد شيء يمنع غير

المسلمين من أن ينضموا إلى الهيئة الشورية، طالما أعطوا

ولاءهم الكامل للدولة الإسلامية، وطالما اعترفوا

واحترموا هويتها العقائدية، وطالما أن المجلس يعمل

في إطار الشريعة وتحت رقابة هيئة من كبار العلماء

تنهض بمهمة الرقابة على دستورية القوانين. هذه

الضمانات كلها تجعل إسلامية النائب البرلماني شرطًا

نسبيًا، بحيث يصبح تطلبه مقتصرًا على أغلبية أعضاء

الهيئة، ورئيس الدولة خاصة.

وفيما يخص شرط سكنى الدولة الإسلامية، يساند

الغنوشي رأي المودودي في ما يتعلق بضرورة الإقامة

في الدولة الإسلامية من أجل التمتع بحق الترشح

لعضوية مجلس الشورى، خاصة أن عمل الهيئة ليس

مجرد عمل فني، بل هو أساسًا عمل سياسي تشريعي

يقتضي تتبّع أحوال الناس ومكابدة همومهم، فأنّى لغير

ساكن القطر أن يقدر على ذلك.

وإذا كان الحديث عن شرط الرجولة يستتبع بالضرورة

الحديث عن أهلية المرأة في عضوية مجلس الشورى،

فإنه يتطرق إلى أصل عام هو حقوق المرأة في الإسلام،

لذلك يمكن أن يندرج التطرق إلى هذا الشرط في

مناقشة أكبر تطرح التساؤل التالي: هل تتمتع المرأة

بالحقوق نفسها التي تشترك بمقتضاها في شؤون

الحكم والإدارة، كحق الانتخاب وحق الترشيح

لعضوية الهيئات النيابية؟

نلمس لدى الغنوشي جرأة تتمثّل في السير بحقوق

المرأة السياسية إلى حدودها المنطقية، من خلال

الاعتراف الكامل وغير المنقوص بجميع هذه الحقوق،

بما فيها حق العضوية داخل الهيئة الشورية، وكل

ذلك عن طريق لغة سياسية حجاجية تستند تارة إلى

إعادة تأويل النصوص الدينية الواردة في الموضوع،

وطورًا إلى القيام بقراءات مضادة للتاريخ والواقع

الإسلاميين، في الأحوال التي لا تساعد فيها القراءات

الرسمية، التي قام بها الفقهاء، على تأصيل الحقوق

السياسية للمرأة.

بداية، ينتقد الغنوشي الأفكار السنّية التقليدية (أفكار

الماوردي وابن حزم)، ملاحظًا أنها استندت إلى

عموميات الإسلام التي تؤكد عدم المساواة بين الذكر

والأنثى، مدعامً رأيه بحجج، منها ما يتعلق بتأويل

النصوص الشرعية التي تبدو، في ظاهرها، مقررة لعدم

المساواة، ومنها ما يتعلق بالأحوال الاجتماعية التي

كانت تبرر عدم المساواة في التاريخ الإسلامي.

من ناحية النصوص الشرعية، يقدم الغنوشي تأويالً

جديدًا للحديث القائل «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم

امرأة»، فهذا الحديث في نظر الغنوشي «لا يمثّل أساسًا

لتخصيص عموم المساواة، ذلك أن الحديث المذكور

ورد بخصوص حادثة معينة، صورتها أنه لما ورد على

النبي (صلعم) أن كسرى فارس مات وأن قومه ولّوا

ابنته مكانه، قال عليه السلام ذلك القول تعبيرًا عن

سخطه على قتلهم رسوله إليهم، فالحديث لا يتعدى

التعليق على الواقعة المذكورة حتى يكون مرجعًا في

القانون الدستوري».

أمّا من ناحية الأحوال الاجتماعية، فإذا كانت المرأة لم

تشترك عبر التاريخ الإسلامي في شؤون الدولة بمقياس

واسع، فإن مرد ذلك إلى طبيعة الحياة الاجتماعية، وليس

من شأنه تعطيل الأحكام والتلقينات القرآنية. ومن ثم

ينتقد الغنوشي الفكر الإسلامي، قديمه وحديثه، متسائالً

إذا كانت طبيعة الحياة الاجتماعية تشفع للماوردي وابن

حزم في منعها الوظائف السياسية على المرأة، فأي عذر

نلتمسه للمودودي وغيره من المفكرين الإسلاميين

المعاصرين، الذين يتبعون نفس الآراء في زمن الحريات

السياسية وعدم التمييز بين الجنسين، غير التقليد والانبهار

بتراث القدامى والتعامل معه بانتقائية؟

وبعد أن أقام البرهان على ضعف حجج القائلين

بإقصاء المرأة من المشاركة السياسية، ينتهي الغنوشي

إلى إعلان موقفه قائالً: «ليس في الإسلام ما يبرر إقصاء

نصف المجتمع الإسلامي من دائرة المشاركة والفعل في

الشؤون العامة.. بل إن ذلك من الظلم للإسلام ولأمته

قبل أن يكون ظلامً للمرأة ذاتها.. لأنه على قدر ما تسمو

مشاركة المرأة في الحياةالعامة، على قدر ما يزداد وعيها

العالم وقدرتها على السيطرة عليه».

واضح من خلال هذه الأفكار بشأن حقوق المرأة

أنها أصبحت تتسم بنوع من المرونة، مقارنة بالفكر

السياسي الإسلامي القديم وبعض الأفكار الإسلامية

المعاصرة، التي تبقى متحفظة إزاء الأهلية الكاملة غير

المنقوصة في تويلّ المرأة وظائف سياسية؛ فميزة الغنوشي

هنا أنه يتجاوز التحفظ ليعترف بأهلية المرأة المطلقة

لممارسة حقوقها السياسية، وأن كل مشكلة تثار في

هذا الصدد تظل مشكلة سياسية واجتماعية لا مشكلة

دينية أو قانونية، وهو ما يعني أن الرأي فيها يتقرر

تبعًا للظروف الاجتماعية والسياسة والاقتصادية، مع

مراعاة ما تقتضيه قواعد العدالة.

من خلال هذه القراءة الجديدة لشروط ولوج مجلس

الشورى، يتضح أن مناط التحوّل يكمن في اللغة التي

يعربّ بها الغنوشي عن هذه الشروط، وهي لغة ذات

استدلالات قانونية دستورية حديثة تستحضر مبدأ

النسبية وتضفيه على هذه المعايير. فبعد أن كانت هذه

الشروط متطلبة بصفة مطلقة في فترة سابقة، استتبعت

الشروط الاجتماعية والسياسية المعاصرة التخفيف

من هذه الإطلاقية، الأمر الذي يسمح بتوسيع دائرة

الفئات التي لها حق العضوية في هيئة الشورى. يضاف

إلى ذلك أن التجديد الذي قام به الغنوشي حيال مفهوم

«أولي الأمر» أصبح معربًّا عامّ يتخذ في اللغة الدستورية

المعاصرة والنظام الأساسي للنائب البرلماني (Le statu

de député parlementaire)، وذلك قبل أن ينتقل

مباشرة إلى مناقشة الطريقة الممكنة لممارسة الشورى

عن طريق تجديد مفهوم تقليدي آخر، وهو الإجماع. مفهوم الإجماع ينتهي الغنوشي عبر مفهوم الإجماع إلى التأكيد بأن

الأمة في الإسلام مصدر التشريع بعد الالتزام بالكتاب

والسنّة، وأنها صاحبة السيادة، تمارسها نيابة عن الله

بواسطة الاستخلاف. عبر مفهوم الإجماع إذًا، جرى

الاعتراف بمكانة الأمة وسيادتها قبل أن يظهر روسو

ليتكلم على الإرادة العامة.

هل يعني استحضار روسو ومفهوم الإرادة العامة أنه

يسير في اتجاه إقرار نظرية «السيادة الشعبية»، باعتبارها

الأقرب إلى تجسيد مفهوم الشورى الإسلامي؟

إن أهمية هذا السؤال تنبع من تعقّد فكرة الإجماع ذاتها؛

فبالرجوع إلى التعريفات التي أعطاها الفقهاء قديامً،

يتضح أنهم اعتبروا الإجماع اتفاقًا بين مجتهدي أمة

الإسلام في أي عصر بعد وفاة النبي على حكم شرعي

في واقعة لم يرد بشأنها نص. وتأسيسًا على هذا المفهوم،

الذي يحصر أهل الإجماع في الفقهاء المجتهدين، يرفض

بعض الإسلاميين المماثلة بينه وبين مفهوم السيادة، ف

«إذا كان الإسلام يأخذ بمبدأ الإجماع، فإنه ليس من

صواب الرأي ما يظن البعض من أن هذا المبدأ ينطوي

على الأخذ بسيادة الأمة... ثم إن المقصود بسيادة

الأمة هو أن تكون لإرادة الأمة السلطة العليا التي لا

توجد سلطة أعلى منها، وهو ما يخالف بالقطع التصور

الإسلامي».

لقد اعترف الغنوشي بصعوبة الانطلاق من المفهوم

التقليدي للإجماع من أجل التأصيل لمقولة سيادة الأمة

داخل المرجعية الإسلامية. لذلك، فإنه كان مدعوًّا إلى

إعادة تأويل المفهوم بشكل يجعل فكرة سيادة الأمة

داخلة في مشمولاته، فأكد أن «الشورى ليست إالّ

الصورة التطبيقية للإجماع في شكل من أشكاله»،

فالإجماع إذن يحتمل عدة أشكال، ولا يصح تأويله

بشكل ضيق بحيث يقتصر على المعنى الذي قال به

العلماء قديامً. وفي إطار تكييف الإجماع مع متطلبات

العصر، يشير الغنوشي إلى مفهوم الرأي العام كمقابل

حديث لمفهوم الإجماع.

وهناك على الأقل صورتان تدلي الأمة بموجبهما بإجماعها

أو برأيها العام، وتقوم بالتالي بوظيفتها التشريعية أو

التكميلية أو الاستنباطية في الدولة الإسلامية.

- الاستفتاء أو الانتخاب العام، وهي صورة تمكّن

الأمة من التشريع مباشرة.

- إنابة أهل الحل والعقد، وهنا تمارس الأمة حقها في

التشريع بطريقة غير مباشرة.

الحقيقة أن الصيغ الجديدة التي اكتسبها مفهوم الإجماع

عند الغنوشي لا تصادف قبوالً سوى من بعض

اتجاهات الخطاب الإسلامي المعاصر.وإذا ما كان

الغنوشي يذهب إلى الأخذ بهذه الأنظمة (الاستفتاء،

الانتخاب العام، الإنابة) باعتبارها شكالً من أشكال

الإجماع، ومن ثم يؤصلها داخل المرجعية الإسلامية،

فإن هناك اتجاهات أخرى ترفض إعمالها في النظام

السياسي الإسلامي. فبعض المفكرين الإسلاميين

يعطون آلية «الاستفتاء» تأويالً خاصًا، منطلقين من

أن الاعتراف بسيادة الأمة لا يبرز «إلا عند مساندتها

للحق الذي يصدر عن جهة مخصوصة وهي العلماء،

فلا اجتهاد فيما يتطلب الاجتهاد من العلماء».

كما يتحفظ بعضهم على مبدأ «الاقتراع العام»، لأنه

يؤدي إلى اتخاذ القرارات عن طريق الأكثرية، والحال

«أن الشورى في الإسلام ليست مسألة عدد، فالأكثرية

ليست مناط الصواب في الشريعة الإسلامية، فضالً

على أنها تتعارض مع القرآن الذي يبطل حجية الأكثرية

بكثير من الآيات».

ويعارض بعضهم إدماج هذه الآليات في النظام

الإسلامي، على خلفية انعدام السوابق التي يمكن

الانطلاق منها لتأصيلها في الإسلام، بل لتعارضه مع

بعض عناصر التراث الإسلامي.

في ردود على هذه الآراء، يستعمل الغنوشي شكلين

من أشكال البرهنة، يتمثّلالأولفي وضع الوقائع

التي يستند إليها لرفض هذه الآليات في سياقها

التاريخي الخاص؛ فحتى مع فرض أن هذه الوقائع

صحيحة وثابتة تاريخيًا ودالة على أن الشورى غير

ملزمة، فإننا في كل جيل مفروض علينا أن نطبق مبدأ

الشورى في ضوء ظروف كل عصر، فلا نتقيد بتطبيق

بشري تختلف ظروفه عن ظروف عصرنا. وعبر هذه

البرهنة، يدعو الغنوشي إلى الوعي بتاريخية الأحداث

ومشروطيتها الاجتماعية والسياسية، وهو ما يضفي

عليها بعض النسبية، وبالتالي عدم اعتبارها ملزمة حين

تزول المعطيات التاريخية التي صاحبتها.

أمّا الشكل الثانيمن البرهنة، فهو عبارة عن قراءة

مضادة للأحداث المنطلَق منها للقول بعدم إلزامية

الشورى، فلو أمعنا النظر في تكوين المجتمع الإسلامي

لتبنيّ أن الخلفاء الراشدين طبّقوا مبدأ الشورى فيما

يقتضيه من انتخاب أهل الشورى تطبيقًا يتناسب مع

ظروفهم، وذلك عن طريق الانتخاب الطبيعي، بحيث

لو كان هناك انتخاب بالمعنى المعاصر لما نجح غيرهم.

بمعنى أن الخلفاء طبّقوا اجتهادهم باعتبارهم ممثّلين

للأمة ومتكلمين نيابة عنها.

من ناحية أخرى، يدل وجود مبدأ الإنابة ومجلس

الشورى والانتخابات على ميول الغنوشي إلى نظرية

السيادة الوطنية القائمة على مبدأ التفويض، حيث

تفوض الأمة ممارسة سيادتها عن طريق مجموعة من

المنتخبين يتولّون التشريع باسمها ونيابة عنها. لكنه يرى

في الوقت نفسه أنه يجب أالّ يُنظَر إلى مجلس الشورى

من جهة تمثيله لسيادة الأمة فقط، فالعلاقة بين المجلس

والأمة نابعة من تلقّي المنتخبين وكالة إلزامية من طبيعة

وكالة القانون الخاص، ومن ثم يكلفون بتقديم حساب

لناخبيهم أوالً بأول، كما يجوز للناخبين إقالة منتخبيهم

قبل نهاية الدورة التشريعية، الأمر الذي يضع المجالس

تحت رقابة دائمة من جانب المنتخبين.

من هنا يظهر تبنّي الغنوشي أفكارًا تنتمي إلى كلتا

النظريتين: نظرية السيادة الوطنية، حيث تمارس الأمة

السيادة بواسطة منتخبين مفوضين، ونظرية السيادة

الشعبية، حيث يرتبط النائب بالناخب عن طريق وكالة

تفقده كل استقلالية في أداء وظيفته وممارسة نشاطه.

هذا المزج بين النظريتين، الذي يقوم على الأخذ ببعض

عناصرها وإهمال العناصر الأخرى (عنصر الوكالة

الاختيارية بالنسبة إلى نظرية السيادة الوطنية وعنصر

تمثيلية الشعب بالنسبة إلى السيادة الشعبية)، يضفي

نوعًا من الغموض على فلسفة النظام السياسي الذي

ينادي به الغنوشي، فالأكيد أنه يستقي بعض عناصره

من فلسفة النظام البرلماني، من دون أن يكون مرادفًا

له بشكل تام، على اعتبار أن هذا الأخير يستقي معظم

عناصره من نظرية السيادة الوطنية حصرًا.

نعتقد أن مصدر الغموض يكمن في الأصل الذي

انطلق منه الغنوشي لتأسيس فكرة سيادة الأمة في

الإسلام، أي مفهوم الإجماع. فبرغم القراءة الجديدة

التي تحرر المفهوم من المعاني التراثية التي ارتبطت به،

فإنه ليس مبدأ متحررًا بإطلاق، بل يتسم بنوع من

التحكّم، إذ لا يمكن مخالفة ما يصدر عن الإجماع،

كما أن مفعوله لا يمكن أن يسري إالّ في الحالات التي

لم يتطرق إليها القرآن والسنّة. لذلك نجد الكثير من

الفقهاء يعارضون الحجج التي تدعو إلى إقراره بشكل

عام وغير محدود، رغم أن المجددين اعتبروا، انطلاقًا

من القرن التاسع عشر، بأنه يمثّل «مبدأ الحركة في

الإسلام»، أي دليالً على حركية الأحكام ومراعاتها

لقانون تطوّر الإنسانية التاريخي والاجتماعي.

نجد الاختلاف نفسه حاضرًا في أفكار الغنوشي، إذ

رغم اعتباره الإجماع «أهم فكرة تشريعية في الإسلام»،

فإن ذلك لا يعني أنه يمثّل المبدأ التشريعي الأول، لأنه

يورد الإجماع في الدرجة الثالثة من الترتيب بعد القرآن

والسنّة، أي أنه يظل محكومًا بهذين الأصلين، فهو إذًا،

وكما يقول الفقهاء: «إجماع توقيف» لا «إجماع توفيق»،

أي أنه لا يمكن أن يتفق المسلمون على شيء لتكتب

له الشرعية، بل يجب أن يكون اتفاقهم موافقًا لنيصّ

القرآن والسنّة.

هذا القيد نجده حاضرًا بصدد حديث الغنوشي عن

فكرة سيادة الأمة في الإسلام، حيث إن سعيه إلى تأصيل

فلسفة النظام البرلماني القائم في معظم عناصره فتح على

نظرية السيادة الوطنية إمكانية تفرُّد المنتخبين بالتشريع،

وهو ما قد يؤدي إلى تجاوز التشريع الأصلي الوارد في

القرآن والسنّة. لذلك، تم الاستناد إلى نظرية السيادة

الشعبية باعتبار ما في عنصر الوكالة الإلزامية من قيود

تجعل المنتخبين يقومون بوظيفة التشريع تحت رقابة الأمة

صاحبة السيادة الحقيقية، باعتبار استخلافها عن الله

مباشرة، ومتوافرة بناء على ذلك على مبدأ العصمة.

نخلص في نهاية هذا المبحث، إلى أن الغنوشي بذل

جهدًا للتوفيق بين الشورى والديمقراطية، من خلال

تمحيص مفهوم الديمقراطية، وإزالة ما يُعتبر مناقضًا

منه للمرجعية الإسلامية من جهة، ومن خلال تحديث

مفهوم الشورى وعصرنته من جهة أخرى. وقد تبين

أن المهمة الثانية هي التي استأثرت باهتمامه، لأنه كان

مضطرًا إلى إعادة قراءة مقولات الفكر الإسلامي الذي

غيّب إلى حد كبير الأبعاد السياسية لمفهوم الشورى،

ذلك أن التصور الإسلامي كان ينبني في ما يتصل

بالعلاقة بين الحاكم والأمة على أن الحاكم مسؤول

أمام الله فقط وليس أمام من بايعوه، فهو لا يلزم بشيء

سوى الحكم بما أنزل الله، وبالتالي طاعته واجبة.

طبقًا لهذا الفهم، كانت الشورى مندرجة تحت مفهوم

الطاعة وداخلة في أبوابه، من هنا كان الفقه الإسلامي،

على كثرة أبوابه، خاليًا من باب بعنوان الشورى. أمّا

مباحث المتكلمين في الخلافة، فهي لا تتطرق إلى

مسألة الشورى لا من قريب ولا من بعيد، والنتيجة

أن هذه الأخيرة كانت في باب فضائل الحكام لا

في باب الفروض والواجبات، أو كما فسرت الآية

الواردة بخصوص الشورى، «أنها طريقة للاستحباب

واستجلاب قلوب المسلمين، عن طريق إظهار التقدير

لآرائهم واحترامهم».

حتى عند اكتشاف مفهوم الديمقراطية، بمفهومها

المعاصر، فإن دافع إثبات الذات منع بعض المفكرين

من محاولة المواءمة بين المفهومين بداعي انتفاء الحاجة إلى

الديمقراطية في المنظومة الإسلامية التي تحتوي على بديلها

الخاص، أي الشورى، وبالتالي تعامل هذا التوجه مع

الشورى كشعار لا كفكرة تستأهل التفصيل والتأسيس.

إذا كانت أفكار الغنوشي تمثّل تقدمًا، مقارنة بهذا الاتجاه،

من خلال سعيه إلى التوفيق بين المفهومين، فإن توفيقيته

تنتهي إلى تفصيل الشورى على مقاس الديمقراطية

ومن ثم استعمالها، حيث قُرئت الشورى بمفاهيم

الديمقراطية، فأصبحت تعني عمليًا ما يُطلَق عليه اليوم

بالنظام البرلماني في تكوينه واختصاصه ومسؤولياته، في

حين استبعدت أغلب التراث الفقهي، لأنه لم يسعف في

الوصول إلى معنى للشورى يتلاءم مع العصر الحديث،

ويتحدى الديمقراطية كبديل محتمل وممكن. الهوامش:

1 أبو الحسن بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات

الدينية (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1958)، ص.5

2 عبد القاهر بن طاهر البغدادي، الملل والنحل (بيروت: دار

المشرق، 1970)، ص.76-75

3 راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الاسلامية،

ص.116

4 المرجع نفسه والصفحة نفسها.

5 المرجع نفسه، ص.118

6 المرجع نفسه والصفحة نفسها.

7 المرجع نفسه، ص.127-126

8 المرجع نفسه، ص.137

9 يقول الماوردي في هذا الشأن «لا يجوز أن تقوم بذلك امرأة

وإن كان خيرها مقبوالً لما تضمّنه معنى الولايات المعروضة عن

النساء... ولأن فيها من طلب الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه

النساء، ومن الظهور في مباشرة الأمور ما هو عليهن بمحظور..»،

أبو الحسن بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات

الدينية (بيروت: دارالكتب العلمية، 1958)، ص.31

10 الغنوشي، الحريات العامة، ص.129

11 المرجع نفسه والصفحة نفسها.

12 المرجع نفسه، ص.132

13 عبد الحميد متولي، أزمة الفكر السياسي الإسلامي في العصر

الحديث: مظاهرها، أسبابها، علاجها (القاهرة، الإسكندرية:

المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر، 1970)، ص.105

14 الغنوشي، الحريات العامة، ص.139

15 المرجع نفسه، ص.138

16 محمد إبراهيم مبروك، «السلطة في الدولة الإسلامية»،، النور

العدد 53، (أكتوبر 1995)، ص.25

17 عبد الحميد متولي، أزمة الفكر السياسي الاسلامي المعاصر،

ص.267

18 كان عمر وعثمان قد فرضا على الناس اجتهادهما، فعمر لم

يحارب المرتدين حيث امتنعوا عن دفع الزكاة عكس ما أشار

عليه الصحابة. أمّا عثمان، فلم يعمل بمشورة الصحابة بالكف

عن إيثار أصحابه بالسلطة والمال، وقد استند المفسرون إلى هاتين

الواقعتين ليقرّوا بأنه لا يوجد في النص القرآني ما يدل على أن

الشورى واجبة ملزمة، ويبقى من حق الحاكم فرض رأيه، سواء

وافق منشوره الصحابة أم خالفها. المصدر: أبو جعفر محمد بن

جرير الطبري، تفسير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن،

تحقيق محمود شاكر، 15 ج (القاهرة: دار المعارف، د.ت.).

19 فضل الله المهدي، الشورى وطبيعة الحاكمية في الإسلام

(بيروت: دار الأندلس، 1984)، ص 109-108 وقد،

استشهد بتفسير: أبو الفضل بن الحسن الطبري، مجمع البيان في

تفسير القرآن، والكشافللزمخشري، وتفسير ابن كثير، والدرّ

المنثور للسيوطي، وروح المعاني للألوسي.