العودة إلى تفاصيل المؤلَّف عن الإباحية وصناعتها في أميركا:الهيمنةُ بالتعرّي

عن الإباحية وصناعتها في أميركا:الهيمنةُ بالتعرّي

On the Pornography Industry in America: The Hegemony of Nudity

مالك ونوس

Malek Wannous

الملخّص

ثمّة صناعة جديدة اصطفّت إلى جانب الصناعات الأخرى التي تسيطر عبرها الفئة الحاكمة الأميركية على مجتمع الولايات المتحدة ومن بعده على عديد من مجتمعات العالم، على اختلاف أحجام هذه السيطرة وأشكالها. إنها صناعة الإباحية التي تأخذ أشكالا تبدأ بالإعلان التجاري ولا تنتهي بأفلام البورنو.لقد حظي سعار الجنس المتصاعد وصناعته وتجارته بكثير من الدراسات والنقد في الولايات المتحدة والعالم، بقصد زيادة الوعي حيال أخطار الانزلاق إلى ذلك المستنقع والانغماس فيه.

Abstract

There is a new industry alongside the others by means of which the ruling class in America controls US society and many societies around the world to varying degrees and in various forms. This is the pornography industry that ranges from commercials to porn films and beyond. The rising sex fever and its industry and commerce has been the subject of many studies and much critique in the United States and globally in the aim of raising awareness about the risks of slipping into this swamp and becoming submerged.

الكلمات المفتاحية:
  • الهيمنة
  • الاباحية
  • السعار الجنسي
  • الترويج
Keywords:
  • Pornography
  • sex
  • Hegemony
  • United States
  • The rising sex

الكتاب Gail Dines: الكاتب مكان النشر: Boston Beacon Press: الناشر تاريخ النشر 2010: عدد الصّفحات 256:

ثمّة صناعة جديدة اصطفّت إلى جانب الصناعات الأخرى التي تسيطر عبرها الفئة الحاكمة الأميركية على مجتمع الولايات المتحدة ومن بعده على عديد من مجتمعات العالم، على اختلاف أحجام هذه السيطرة وأشكالها. إنها صناعة الإباحية PORNOGRAPHY التي تأخذ أشكاالتبدأ بالإعلان التجاري ولا تنتهي بأفلام البورنو.

Pornland: How Porn Has Hijacked our Sexuality:

لقد حظي سعار الجنس المتصاعد وصناعته وتجارته بكثير من الدراسات والنقد في الولايات المتحدة والعالم، بقصد زيادة الوعي حيال أخطار الانزلاق إلى ذلك المستنقع والانغماس فيه. وفي هذا السياق، يبرز إلى الواجهة مؤخرًا كتاب Pornland: الإباحيّة: كيف اختطفت الإباحية نشاطنا الجنسي) للكاتبة الأميركية جيل دينيس، أستاذة علم الاجتماع ودراسات المرأة في جامعة ويلوك في بوسطن التابعة

لولاية ماساتشوستس الأميركية. وقد صدر الكتاب أواسط عام 2010 عن دار بيكون بريس الأميركية في 256 صفحة من القطع المتوسط تضمنت مقدمة وثمانية فصول وخاتمة. وحفل باستطلاعات للرأي وبوصف لزيارات ميدانية ولقاءات تكللت جميعها بتحليلات الكاتبة التي فرسّت الظواهر وخلفياتها والدوافع التي تقف خلف تضخّم هذه الصناعة. أول ما يلحظه قارئ كتاب جيل دينيس هو إحاطتها الوافية بكل ما يدور في فلك هذه الظاهرة، واطلاعها الوافر على ما يفاجئ من أرقام وحقائق عادة ما تغيّبها السلاسة التي تدخل بها تلك الثقافة عالم المرء. غير أنّ السياق الذي يندرج فيه الكتاب يبقى لافتًا أيضًا، إذ كان موضوعه، بالخطورة التي يتّسم بها، قد فرض نفسه على اهتمام عديد من الباحثين والكتّاب لتظهر عشرات الأفلام الوثائقية والكتب ومئات المقالات التي تخوض فيه، من قبيل فيلم الفيلم الوثائقي ثمن اللذّة: الإباحية والنشاط الجنسي والعلاقاتلتشاينغ سَن، أستاذ الإعلام في جامعة نيويورك، وكتاب الرعشة: الإباحية ونهاية الذكورة للأستاذ الجامعي روبرت جنسن الصادر عام 2007، وكتاب فخ الإباحية: المرشد الأساس في التخلص من المشكلات الناجمة عن الإباحية من تأليف ويندي مالتز ولاري مالتز الصادر عام 2010، وكتاب خفايا الاستغلال الجنسي في وسائل الإعلام للكاتب والباحث ولسون براين كي الذي سوف أعود إليه لاحقًا، وغيرها الكثير.

يلقي كتاب جيل دينيس نظرة على صناعة الإباحية في وقتنا الحاضر وأثرها على ثقافتنا وتأثيرها في الرجال والنساء من جميع الأعمار. كما يلقي نظرة على عالم الأعمال الذي أوجد هذه الصناعة وفتح لها أسواقها. وهو يسلط الضوء على شرعنة تسللها إلى أجهزة الإعلام السائدة. كما يبحث في الطريقة التي شكلت فيها هذه الصناعة نشاط المتلقين (الزبائن) الجنسي وحددته بأشكال من الممارسات المختلفة عن المألوف والمسلوبة الإنسانية، بل الأقرب إلى الوحشية. وهو بحث وصفي تضع فيه الكاتبة حصيلة نشاطها وخلاصة أبحاثها الاستقصائية في هذا المجال خلال سني حياتها العلمية الممتدة على عقدين من الزمن درست خلالهما تأثير الإباحية في حياتنا، ونشرت تلك الدراسات في أهم الدوريات العالمية، فضالً عن حضورها كثيرًا من المؤتمرات التي تتمحور حول هذه الصناعة، وزيارتها أماكن الإنتاج (استوديوهات التصوير) وإجرائها لقاءات مع منتجي الأفلام وممثليها وموديلاتها، واستطلاعها في كل عام آراء مئات المتلقين أو الزبائن ذكورًا وإناثًا ومربيّن وطلابًا واستعراضها تجاربهم في هذا المجال. تقول الكاتبة في مقدمتها الموسومة «الإباحية وتصنيع الجنس» إنها حين زارت أحد مواقع صناعة الإباحية وجدت الحياة روتينية، ورأت من خلال الحديث مع بعض العاملين في الموقع من مصورين وغيرهم أنّ «هؤلاء الأشخاص لم يكونوا مهتمين بالجنس على نحو خاص. وإن ما يحركهم هو السعي لجني المال. واللحظات الوحيدة التي يتهيجون فيها هي لحظات مناقشة ما لهم من حصة في السوق وتنافسهم مع الشركات الأخرى والمنتجات الأكثر تخصصًا». وهنا يعترف بعض الذين التقتهم الكاتبة بأن «الإباحية غدت أكثر تطرفًا وبات نجاح المنتجين متوقفًا على توفير مشاهد جديدة تبلغ أقصى حدود التطرف الكفيل بجذب مزيد من المستهلكين». كما لاحظت الكاتبة أن العاملين في ذلك الموقع كانوا يتنقلون عراةً أو بملابس خفيفة تستخدم في الإنتاج وسط زحمة المصورين والمنتجين وبقية الطواقم. وأن هؤلاء لم تكن تثيرهم مشاهد العري الوافرة التي يعج بها المكان ولا الوحشية التي تتصف بها المشاهد المصورة. تقول: «لم يبد أيّ من الأشخاص الذين التقيتهم مهتامً بالمشاهد التي ستجري فيها ممارسة ذلك التطرف على أجساد نساء حقيقية، تلك الأجساد التي ستُدفَع إلى

آخر حدود قدراتها الفيزيائية». كانت تلك الأجساد وتلك النسوة مجرد أدوات للإنتاج في نظر القائمين على هذه الصناعة. وثمة صدمة أولى يصدم بها الكتاب القرّاء، إذ يورد حقيقةً تكرّست مؤخّرًا مفادها أنَّ أول مشاهدة للأفلام الإباحية باتت تبدأ في سن الحادية عشرة والنصف مع دخول الإنترنت والهواتف النقالة حياتنا. كما ازداد استهلاك منتجات هذه الصناعة في السنوات الأخيرة ازديادًا حادًا. وتلاحظ دينيس في الفصل الأول، المعنون « مجلات أمام الصناعة الإباحية الحالية» أن هذه الصناعة خرجت من عباءة المجلات الإباحية التي تبعتها الأفلام الإباحية، وصوالً إلى القنوات التلفزيونية الإباحية التي تكتسب شرعية متزايدة وتدخل كلّ منزل دون أي قيود بعد توافُرها دون مقابل عبر اللواقط التلفزيونية. وخلافًا لمنتجات ال Playboy القديمة، فإنَّ وتيرة استخدام الشذوذ والعنف الجنسي والتمييز العنصري والممارسة الجنسية لدى المراهقين تحت السن القانونية قد زادت كثيرًا بغية إحداث مزيد من التأثير وتوسيع طيف الجمهور، بل وجذب جمهور من المتحجرين عاطفيًا. يُضاف إلى هذا أنَّ الصناعة الإباحية الحالية قد عممت السادية وما بات يُعرف بالعبودية الجنسية. وهي ممارسات لم تكن واسعة الانتشار من قبل، ومنها ما لم يكن مطروقًا في هذه الصناعة لعقود خلت، لكنه استُنبطَِ أو أُعيدَ إنتاجه ليظهر على ما هو عليه في هذه الأيام. في الفصل الثاني، وعنوانه «الثقافة الشعبية تغدو ثقافة إباحية: الإباحية ثقافة سائدة »، تعرض الكاتبة الطريقة التي يسرّب بها القائمون على صناعة الإباحية هذه الأخيرة إلى حياتنا اليومية وجميع أوجه النشاط فيها لتظلل حياتنا من المهد إلى اللحد وتغدو مندرجةً في الثقافة الشعبية، ومنتشرةً في أرجاء الدنيا على أوسع نطاق، ومستقطبةً استثمارات تقدّر بمليارات الدولارات بغية زيادة إنتاجها وتسويقها ومن ثم أرباحها. أمّا الفصل الثالث، «من باكستريت إلى وول ستريت، الشركات الإباحية الكبرى»، فيتناول تطور هذه الصناعة ويتتبع خيط التمويل الذي يقف وراءها ليكتشف أنه لا يقل ضخامة عن أي استثمار آخر، بل يضاهي صناعة التبغ من حيث الحجم واتساع رقعة المستثمرين، فضالً عامّ تجده هناك من أيدي رجالات الحكومة ودوائر صناعة القرار وجماعات الضغط. ذلك أنهم لا يقتصرون على بيع المنتجات، بل يستخدمونها في التأثير في التشريع وسير القضاء والصفقات، ناهيك عن تطوير هذه الصناعة وزيادة حجمها لتصبح شريكًا في الإعلام السائد الذي يعتبر أداةً بيد الحكومة الأميركية تستخدمها في الهيمنة وتوجيه الرأي العام والسيطرة على العالم. أما كيف يتحقق ذلك للولايات المتحدة، فتقول دينيس إن الذين يواظبون على استهلاك الأفلام الإباحية يصبحون أقلّ اهتمامًا بالآخرين بوصفهم بشرًا، وهو ما يقلل من اهتمامهم بالشأن العام ويساعد المتحكمين بالشعوب على خلق أجيال غير مبالية وتفتقر إلى حسّ مقاومة ما يفرض عليها، الأمر الذي يُسَهِّل بسط الهيمنة وتكريسها. لقد سبق للمفكر وعالم اللسانيات الأميركي نعوم تشومسكي أن قال إنَّ أفضل وسيلة للسيطرة على أمة هي عبر فرض لغتك عليها. ويبدو أن الولايات المتحدة -بعد أن تكرّست هيمنة اللغة الإنكليزية على كل مفاصل التواصل الإنساني، خاصة بعد الانحسار التدريجي للغة الفرنسية التي كانت تشكل فيما مضى قطبًا مكافئًا للإنكليزية من حيث الانتشار، وبعد أن سيطرت على كثير من دول العالم بهذه الطريقة أو تلك- راحت تسعى إلى إحكام سيطرتها عبر وسيلة جديدة ألا وهي الإباحية وفنونها ومنتجاتها. وغدت هذه الصناعة إحدى أدوات الهيمنة التي تعتمدها الولايات المتحدة في استراتيجياتها التي من

ضمنها تسويق أسلوب الحياة الأميركية ومنتجاتها الاستهلاكية، ودفع مزاج المتلقي أينما وجد في العالم إلى تقبل كل ما تقدمه له الولايات المتحدة، ومن ضمنه أفلام هوليود وأفلام العنف والجريمة والرعب والغرابة التي تخلو من أي وجبة فنية أو فكرية أو حتى معرفية، علاوة على إعطاء الجريمة صفة جمالية وتعويد المتلقي على مشاهد الدم التي تصبح معها أي حرب تشنّها واشنطن على شعب من الشعوب وأي مجازر ترتكبها في سعيها إلى السيطرة، من الأمور المقبولة. تعزو الكاتبة، في الفصلين الرابع والخامس، بروز هذه الصناعة في خمسينيات القرن الماضي ثم تضاعف حجمها على هذا النحو الانفجاري إلى الربحية المرتفعة التي تحققها، والسوق الكبيرة التي جرى تحضيرها بعد الحرب العالمية الثانية عبر تمجيد الفردية المتوافقة والفكر الرأسمالي، وما ارتبط بذلك من دفع الرجال إلى مقاومة الحياة الزوجية وتفضيل حياة العزوبية، وتصوير المرأة كمفترس لرجولة الرجل وحريته وفرديته واتهامها باستعباد الزوج مما يدفعه إلى العيش عازبًا منزويًا داخل واقعٍ افتراضي يكون استهلاك المنتجات الإباحية فيه تعويضًا وبديالً عن الواقع الفعلي الذي يرفضه أو يخشى عيشه. والحال، أنَّ خطورة منتجات هذه الصناعة على المجتمع الأميركي والمجتمعات المستوردة لا تبين إلا حين نعلم حجم استثماراتها (96 مليار دولار في العام 2006 وحده) وعدد شركات الإنتاج التي تعمل فيها (أكثر من 500 شركة) وضخامة جيشها من العاملين، وإنتاجها السنوي الذي بلغ 13000 فيلم إباحي و 420 مليون صفحة إنترنت و 4200000 موقع إنترنت تقدّم منتجاتها على شكل صور لموديلات وأفلام قصيرة وإعلانات لمنتجات تستخدم في ممارسة الجنس. كما يصل عدد طلبات البحث عن الإباحية في محركات البحث الأكثر انتشارًا إلى 68 مليون طلب يوميًا لكل محرك. علاوةً على العدد الكبير من القنوات التلفزيونية التي تقدم وجباتها الإباحية مجانًا أو لقاء مقابل. وتشير الكاتبة، بصدد تأثير الإباحية في حياتنا ونشاطنا الجنسي والإنساني، إلى أن عموم الجمهور لا يدرك العواقب التي يمكن أن تترتب على إتخام ثقافتنا بالإباحية وتأثير ذلك في الحياة الجنسية للأزواج أو الأفراد وما يتبعه من تأثير على الصحة العامة والصحة النفسية أيضًا. فقد لوحظ بعد انتشار هذه الصناعة غياب الحب والحميمية والمودة في العلاقة بين الجنسين ليحل مكانها العنف وإساءة معاملة المرأة والحطّ الدائم من كرامتها. كما لوحظ تغريّ نظرة الرجل إلى المرأة، فبات يرى أنها وجدت كي يُقفَل عليها المنزل، ولتستخدم ثم توضع جانبًا إلى حين الاستخدام التالي. تقول دينيس: «وجدتُ أنه بقدر ما يُبَكِّر الرجال باستهلاك منتجات الإباحية يزيد احتمال تعرّضهم لمشكلات حين يقدمون على إقامة علاقات حميمة مع نساء واقعيات. حتى إن بعضهم يفضل مشاهدة هذه المنتجات على إقامة علاقة جنسية حقيقية مع امرأة. أما حين يخوضون تجربة حقيقية فيرتبكون ويغضبون عندما تمتنع النساء عن مشاركتهم الجنس الإباحي». أما من ناحية التأثير في النساء، فترى دينيس في الفصل السادس، «مرئيّ أم مستتر: تنشئة الأنثى في ثقافة إباحية»، أن تأثير ثقافة الخلاعة لا يقتصر على الرجال، بل يتعدّى ذلك إلى «تغيير طريقة تفكير النساء والفتيات بأجسادهن ونشاطهن الجنسي وعلاقاتهن. وبقدر ما ترشح الصور الإباحية إلى الثقافة السائدة يزيد تجرد النساء والفتيات من حالتهن الإنسانية وتحولهن إلى بضاعة جنسية، فضالً عامّ لهذه الصور من تأثير رهيب في هوية الفتيات الجنسية إذ تخطف منهن رغبتهن الجنسية». وتعتبر صناعة الموضة شريكًا في تكريس هذه النظرة عبر منتجاتها التي تسبغ على الجسد الأنثوي صفة الإثارة. تقول الكاتبة: «لطالما واظبت صناعة الموضة

على فرض الثياب التي تتمثّل وظيفتها بإبراز مفاتن المرأة الجنسية، لكن الفارق هذه الأيام يتمثّل في أن هذه النظرة باتت تُستلهَم، في جزء منها، من صناعة الجنس. وبات من المتوقع من النساء أن يرتدين مثل هذه الأزياء في كل مكان: في المدرسة والطريق والعمل»، حتى إن المدرّسين، بمن فيهم مدرّسو المرحلة الابتدائية، راحوا يشتكون من أن الطالبات صرن يأتين إلى المدرسة بأزياء كأنهن آتيات إلى سهرة. وتورد الكاتبة قول إحدى النساء: «يبدو كأنَّ علينا نحن النساء في هذه الأيام أن نحمل سوق الجنس فوقنا طوال الوقت إلى درجة أننا تناسينا (أو تناسى الرجال) دورنا الحقيقي في هذا المجتمع». يُضاف إلى هذا أنَّ ثقافة الإباحية وضعت المرأة في ورطة كبيرة حين قللت من احتمالات انجذاب الرجل إليها، نظرًا إلى افتقارها في كثير من الأحيان إلى المقومات التي أفرزتها هذه الثقافة ونشرتها على نطاق واسع وأحّلتها محل العقل أو المهنة أو التحصيل العلمي كقيم جذابة تتمتع بها المرأة.

إذا كان هدف الصناعة الإباحية هو خلق إنسان سهل القياد، مدمن على منتجاتها من دون أي حسٍّ نقدي، فإن وظيفتها هذه تكتمل بتسليمه إلى شركات الإنتاج التي تستخدم وسائل الإعلام في تسويق منتجاتها عبر إعلانات تجارية تستغل هي الأخرى الجنس في السيطرة على المستهلك وسلبه إرادة الاختيار بتحويله إلى كائن مستهلك تنحصر متع الحياة لديه بالتسوق وتتحقق سعادته بحشو منزله بسلع ومنتجات يمكنه الاستغناء عن أكثر من نصفها. والحال، أن هذا ما يتناوله كتاب الباحث الأميركي ولسون براين كي الذي سبق أن أشرت إليه، خفايا الاستغلال الجنسي في وسائل الإعلام، بحسب ترجمته العربية التي قام بها محمد الواكد وصدرت عام 2005 عن دار الأوائل للنشر والتوزيع في دمشق. وفيه يلاحظ الكاتب كيف وقع المجتمع الأميركي في تناقض مع ذاته، إذ رفع الديمقراطية شعارًا وسعى لنشرها على مستوى العالم في حين سلب مواطنه حرية الإرادة موجهًا إياه نحو ثقافة السوق التي تعمل الشركات الكبرى على تكريسها أسلوبَ حياة يلغي أنواع النشاط الإنساني الأخرى أو يحطّ من شأنها. يُعتبر كتاب ولسون براين كي هذا بحثًا في استيلاء الشركات على لاوعي المواطن. ذلك أنَّ هذا الإنسان الذي تحول من مواطن إلى مجرد مستهلك أو زبون يتم التوجّه إليه بخطاب إعلاني يحمل بين سطوره القليلة التي تستهدف وعيه أسطرًا كثيرة موجهة إلى لا وعيه. وهو توجه يرى الكاتب أنه تحوّل إلى هجوم مستمر يستهدف عقول الجميع من لحظة الاستيقاظ حتى النوم. وفي هذا الإطار، يرصد الكاتب استخدام الجنس في تحفيز اللاوعي عبر التضمين الخفي لكلمة «جنس» في معظم المنتجات وعلى أغلفتها وانتشاره في جميع الإعلانات التجارية التي تروج للبضائع، خاصةً إعلانات مواد التنظيف ومستحضرات التجميل والعطور والملابس، بل إنه وصل إلى كثير من أنواع بسكويت الأطفال. ومردّ ذلك، كما يقول الكاتب، هو أنَّ الشحنة العاطفية أو الكلمات المحرمة مثل كلمة «جنس» التي يتم إدراكها على نحو غير واعٍ تتثبت بإحكام، وتترسّخ في نظام اللاوعي، أي في العقل الباطن، وهو ما يضمن تاليًا انجذاب المستهلك اللاواعي إلى تلك السلع وشراءها من دون تردد. وبذلك نكتشف سبب هوس التسوق لدى كثير ممن يعيشون في الغرب، خاصة الأميركي. ونرى أيضًا تحوّل ذلك الهوس إلى ثقافة وأسلوب حياة أصبحا لخطورتهما يهددان باستنزاف موارد الكوكب بوتيرة متسارعة. لا تكتفي الباحثة جين دينيس بدراساتها حول خطر الإباحية على حياتنا، بل تقوم بدور توعوي من أجل لفت نظر المزيد من البشر إلى هذا الموضوع. وهي لذلك تكتب المقالات وتنظم المؤتمرات والندوات

وحلقات البحث التي تلقي مزيدًا من الضوء على هذه المسألة. وكان آخرها مؤتمرٌ مناهض للإباحية نظمته في شهر حزيران/يونيو من العام الحالي بالتعاون مع زملاء لها. كما أنها مؤسسة وعضو فاعل في مجموعة «أوقفوا ثقافة الإباحية» التي تضم أكاديميين وخبراء في مناهضة العنف، ومربين وناشطي مجتمع مدني ومهتمين. وهذا ما يجعل جين دينيس عرضة لهجوم لا يكلّ وانتقاد لا يفتر يشنهما أرباب هذه الصناعة عليها وعلى زملائها الناشطين في هذا المضمار. عن بلد الإباحيّة: كيف اختطفت الإباحية نشاطنا الجنسي، يقول الكاتب روبرت جنسن، الأستاذ في جامعة تكساس وأحد دعاة مقاطعة إسرائيل ومؤلف كتاب الرعشة: الإباحية ونهاية الذكورة الذي سبق ذكره: «إنّه بلا شك كتاب مكرّس لدراسة الإباحية والثقافة الدارجة في القرن الحادي والعشرين. وقد حققت دينيس شيئًا نادرًا، هو أنها تمعن النظر في مجتمع يزداد إباحية من دون أن تحجم عن إبراز الحقيقة البشعة ومن دون أن تفقد الأمل بعالم أفضل». وقال آخرون إن إنجاز هذا العمل كفيل بأن يصيب صاحبه بالقرف، لكن على أحد ما أن يُظهر لنا جبروت صناعة الإباحية ومدى التدمير الذي حتُدثه.