العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التخطيط الدستوري في مجتمعات منقسمة لإريند ليبهارت

التخطيط الدستوري في مجتمعات منقسمة لإريند ليبهارت

Constitutional Design for Divided Societies

أريند ليبهارت

Arend Lijphart

الملخّص

اعترى التخطيطَ الدستوري الديمقراطي تغير كبير على مدى نصف القرن المنصرم. فقد اكتفت البلدان المستقلة حديثًا، بعد الحرب العالمية الثانية، بنسخ القواعد الدستورية الأساسية الموجودة لدى سادتها المستعمرين السابقين، من دون أن تمعن النظر جديًا في البدائل. أمّا اليوم، فيختار كتّاب الدساتير بمزيد من التروّي بين مجموعة واسعة من النماذج الدستورية ذات المساوئ والحسنات المتنوعة. وفي حين يبدو هذا التطور للوهلة الأولى تطوّرًا مفيدًا ونعمة، إلا أنه فعليًا نعمة مشوَّشة، ذلك أن اضطرار كتّاب الدساتير في هذه الحالة إلى التعامل مع بدائل تفوق في كثرتها ما يستطيعون تدبّره بيسر، يجعلهم يخاطرون باتخاذ قرارات سيئة المشورة. وما أراه، هو أنه يمكن للخبراء الأكاديميين أن يكونوا أكثر عونًا لكتّاب الدساتير من خلال صوغ نصائح وإرشادات محددة بدلاً من إغراق صنّاع القرار بوابل من الممكنات والخيارات.

Abstract

Over the past fifty years, democratic constitutional design has undergone a sea change. After the Second World War, newly independent countries tended simply to copy the basic constitutional rules of their former colonial masters, without seriously considering alternatives. Today, constitution writers choose more deliberately among a wide array of constitutional models, with various advantages and disadvantages. While at first glance this appears to be a beneficial development, it has actually been a mixed blessing: Since they now have to deal with more alternatives than they can readily handle, constitution writers risk making ill-advised decisions. In my opinion, scholarly experts can be more helpful to constitution writers by formulating specific recommendations and guidelines than by overwhelming those who must make the decision with a barrage of possibilities and options. This essay presents a set of such recommendations, focusing in particular on the constitutional needs of countries with deep ethnic and other cleavages. In such deeply divided societies the interests and demands of communal groups can be accommodated only by the establishment of power sharing, and my recommendations will indicate as precisely as possible which particular power-sharing rules and institutions are optimal and why. (Such rules and institutions may be useful in less intense forms in many other societies as well).

الكلمات المفتاحية:
  • التخطيط الدستوري
  • الديمقراطي
  • المجتمعات العميقة
  • السلطة
Keywords:
  • Democratic
  • Independent Countries
  • Divided Societies
  • the Second World War

ترجمة: ثائر ديب **

اعترى التخطيطَ الدستوري الديمقراطي تغريٌّ كبير على مدى نصف القرن المنصرم. فقد اكتفت

البلدان المستقلة حديثًا، بعد الحرب العالمية الثانية، بنسخ القواعد الدستورية الأساسية الموجودة

لدى سادتها المستعمرين السابقين، من دون أن تمعن النظر جديًا في البدائل. أمّا اليوم، فيختار

كتّاب الدساتير بمزيد من التروّي بين مجموعة واسعة من النماذج الدستورية ذات المساوئ

والحسنات المتنوعة. وفي حين يبدو هذا التطور للوهلة الأولى تطوّرًا مفيدًا ونعمة، إالّ أنه فعليًا

نعمة مشوَّشة، ذلك أن اضطرار كتّاب الدساتير في هذه الحالة إلى التعامل مع بدائل تفوق في

كثرتها ما يستطيعون تدبّره بيسر، يجعلهم يخاطرون باتخاذ قرارات سيئة المشورة. وما أراه، هو

أنه يمكن للخبراء الأكاديميين أن يكونوا أكثر عونًا لكتّاب الدساتير من خلال صوغ نصائح

وإرشادات محددة بدالً من إغراق صنّاع القرار بوابل من الممكنات والخيارات. تقدِّم هذه الورقة مجموعة من مثل هذه النصائح، مركّزةً بالأخصّ على الحاجات الدستورية

للبلدان ذات الانقسامات العميقة الإثنية وغيرها. ففي مثل هذه المجتمعات العميقة الانقسام لا

يمكن تسوية مصالح الجماعات الطائفية ومطالبها إالّ من خلال ترسيخ تقاسم السلطة. وسوف

توضح نصائحي بأفضل ما يمكن من الدقّة ما هي أفضل قواعد تقاسم السلطة والمؤسسات،

وما الذي يجعلها أفضل القواعد (علامً أن هذه القواعد والمؤسسات قد تكون مفيدة في صِيَغ أقلّ

حدّة في كثير من المجتمعات الأخرى أيضًا).

يكاد يتّفق معظم الخبراء في شؤون المجتمعات المنقسمة والهندسة الدستورية على أن الانقسامات

الاجتماعية العميقة تطرح مشكلة مهمة أمام الديمقراطية، الأمر الذي يزيد بوجه عام من صعوبة

الانتخاب في المجتمعات العميقة الانقسام.

ترسيخ الحكم الديمقراطي والحفاظ عليه في البلدان المنقسمة قياسًا بالبلدان المتجانسة (*). كما يتفق الخبراء على

أن مشكلة الانقسامات العميقة، الإثنية وغيرها، تكون أعظم شأنًا في البلدان التي لم تَغْدُ ديمقراطية بعدُ أو لم

تكتمل ديمقراطيتها قياسًا بما تكون عليه في الديمقراطيات الراسخة، وأن مثل هذه الانقسامات تطرح عقبة

كبرى أمام التحول الديمقراطي والحفاظ عليه في القرن الواحد والعشرين. ويبدو أن الاتفاق الأكاديمي حول

هاتين النقطتين هو اتفاق شامل. املاش نكي لم نإ، عساو قافتا الوهح دقعنا ةثلاث ةطقن ةمثً، وهي أن النجاح في ترسيخ الحكم الديمقراطي

في المجتمعات المنقسمة يتطلب عنصرين أساسين: تقاسم السلطة واستقلال الجماعات الذاتي. يعني تقاسم

السلطة مساهمة ممثلّي الجماعات الطائفية المهمة جميعها في صناعة القرار السياسي، خصوصًا على المستوى

التنفيذي؛ ويعني الاستقلال الذاتي أن لهذه الجماعات سلطة إدارة شؤونها الداخلية، خصوصًا في مجاليّ التعليم

والثقافة. هاتان الخاصيتان هما الميزتان الأوليتان لذلك النوع من النظام الديمقراطي الذي غالبًا ما يشار إليه

باسم ديمقراطية تقاسم السلطة، أو «الديمقراطية التوافقية» إذا ما استخدمنا مصطلحًا تقنيًا من العلوم

السياسية. ولقد حلَّلت مجموعة من الأكاديميين الدور المحوري الذي تقوم به هاتان السمتان، ودعت إلى تبنّيهما

في المجتمعات المنقسمة. بيد أن الاتفاق يمتد إلى أبعد من حدود المدرسة التوافقية. والمثال الجيد على ذلك هو

تيد روبرت غُر (Gurr. R. T)، صاحب كتاب أقليات في خطر: نظرة عالمية إلى النزاعات الإثنية السياسية،

الذي لا يستلهم النظرية التوافقية في هذا الكتاب (والواقع، أنه لا يكاد يذكرها)، بل يستند إلى تحليل تجريبي

مكثّف يصل من خلاله إلى خلاصة فحواها أنه يمكن في العادة تسوية مصالح الجماعات الطائفية ومطالبها عبر

«توليف ما لسياسات الاستقلال الذاتيوتقاسم السلطة ومؤسساتهما». كانت ردّات أفعال المعلّقين على إنشاء مجلس الحكم في العراق قد أوضحت ذلك الإجماع على أهمية تقاسم

السلطة: فقد انتُقد المجلس انطلاقًا من أسس متعددة، لكن أحدًا لم يشكّك في تركيبته التمثيلية العريضة. كما

تُصاغ المجتمعات وتُدار وتُفهم على أساسها بحيث تغدو الهويات مرجع الدولة الوطنية بدل أن يكون الإطار المرجعي هو الدولة الوطنية،

وعلاقة المواطنة كرابط بين الإنسان والدولة. ومثل هذا المنطلق يؤسّس في الواقع لكيانات سياسية متعددة وليس لكيان واحد. ودعوته إلى

تقاسم السلطة والتعايش هي نوع من إدارة الحرب المفترضة المخبوءة التي قد تغدو حربًا أهلية في أي لحظة. وإلى هذا، فإن وجود الطوائف

والإثنيات في معظم الدول لم يمنع هذه الأخيرة من جعل الدولة الوطنية والمواطنة إطارها المرجعي. على أنَّ ذلك كلّه لا ينتقص من أهمية

ما تقدّمه مثل هذه الأبحاث من تقنيات متطورة في إدارة الانقسام، فضالً على ما تقدّمه من فرصة مناقشتها ونقدها.

1 هناك خاصيتان ثانويتان، هما النسبية، خاصةً في الانتخابات التشريعية (بغية ضمان قيام هيئة تشريعية واسعة التمثيل، على نحوٍ مشابه

للهدف المتمثّل في قيام هيئة تنفيذية واسعة التكوين)، و إعطاء الأقلية حقالنقض (الفيتو) بشأن معظم القضايا الحيوية التي تؤثّر في حقوق

الأقليات واستقلالها.

Dirk Berg-Schlosser, William T. Bluhm, Laurence J. Boulle, Hans Daalder, Edward Dew, Robert 2 من بين هؤلاء الباحثين: H. Dix, Alan Dowty, Jonathan Fraenkel, Hermann Giliomee, Theodor Hanf, Jonathan Hartlyn, Martin O. Heisler, Luc Huyse, Thomas A. Koelble, Gerhard Lehmbruch, Franz Lehner, W. Arthur Lewis, Val R. Lorwin, Diane K. Mauzy, John McGarry, Kenneth D. McRae, Antoine N. Messarra, R.S. Milne, S.J.R. Noel, Eric A. Nordlinger, Brendan O’Leary, G. Bingham Powell, Jr., Andrew Reynolds, F. van Zyl Slabbert, Jürg Steiner, Albert J. Venter, Karl von Vorys, David Welsh, and Steven B. Wolinetz.

ويمكن للقارئ أن يجد دراساتهم المهمة في هذا الموضوع (إن كانت منشورة قبل أواسط ثمانينيات القرن العشرين) في مصادر ومراجع

Arend Lijphart, Power-Sharing in South Africa, Policy Papers in International Affairs; no. 24 (Berkeley: Institute of كتابي: International Studies, University of California, 1985), pp. 137–171. 3 Ted Robert Gurr, Minorities at Risk: A Global View of Ethnopolitical Conflicts , with Contributions by Barbara Harff, Monty G. Marshall, James R. Scarritt (Washington, DC: United States Institute of Peace Press, 1993), p. 292.

التشديد من عندي.

تأكّدت قوة نموذج تقاسم السلطة من خلال التطبيقات العملية المتواترة. ذلك أن السياسيين وكتّاب الدساتير

كانوا قد اتخذوا تقاسم السلطة حالً يعالج مشكلات مجتمعاتهم المنقسمة في النمسا وكندا وكولومبيا وقبرص

والهند ولبنان وماليزيا وهولندا وسويسرا (على سبيل المثال)، قبل فترة طويلة من بدء الأكاديميين تحليل ظاهرة

ديمقراطية تقاسم السلطة في عقد الستينيات من القرن العشرين. وما فعله علماء السياسة هو أنهم اكتشفوا

وحسب ما كان الممارسون السياسيون قد ابتدعوه مرارًا قبلهم بأعوام، على نحو مستقل عن الخبراء الأكاديميين

ومستقل بعضهم عن بعض.

نقّاد تقاسم السلطة

تلقّى نموذج تقاسم السلطة قدرًا كبيرًا من النقد منذ أن أصبح موضوعًا للفكر الأكاديمي قبل ثلاثة عقود؛ فقد

رأى بعض النقّاد أن ديمقراطية تقاسم السلطة ليست ديمقراطية ولا ناجعة على النحو الأمثل، وركّز آخرون

على قضايا منهجية وإجرائية. لكن من المهم أن نلاحظ أن قلة قليلة من النقاد هي التي طرحت بدائل جدية

لنموذج تقاسم السلطة. ويمكن أن نعثر على أحد هذه الاعتراضات في النقد الباكر الذي قدّمه برايان بيري،

الذي نصح في حالة إيرلندا الشمالية ب«التعاون من دون احتواء»، أي بحكم الأكثرية الصريحة التي تتعهد فيها

الأكثرية والأقلية ببساطة أن تتصرفا بشكل معتدل. وكان معنى اقتراح بيري أن تكون الأكثرية البروتستانتية،

إنما المعتدلة، في إيرلندا الشمالية في سدّة السلطة على الدوام، وأن تؤدي الأقلية الكاثوليكية على الدوام دور

المعارضة «الموالية». ولو طُبِّق ما يقدّمه بيري لنموذج تقاسم السلطة على حالة مجلس الحكم العراقي لاستلزم

البديل مجلسًا مؤلفًا بشكل رئيس أو حصري من أعضاء معتدلين من الأكثرية الشيعية، في حين يأخذ السنّة

والأكراد المستبعدون موقع المعارضة. وهذا حلّ بدائي للتوترات الإثنية والتطرف، ومن السذاجة أن نتوقع من

الأقليات المحكومة بالبقاء في المعارضة على نحو دائم أن تظل موالية ومعتدلة وداعمة. ولذلك، فإن اقتراح بيري

لا يمكنه -ولم يمكنه عمليًا- أن يكون بديالً من تقاسم السلطة. المقاربة الأخرى الوحيدة التي حظيت باهتمام كبير هي اقتراح دونالد. ل. هوروفيتز وضع آليات انتخابية

متنوعة (خصوصًا استخدام «الاقتراع التفض لي» (alternative vote أو instant runoff (الذي من شأنه

أن يشجّع انتخاب ممثلين معتدلين. وهذا يشبه اقتراح بيري في كونه يهدف إلى تمثيل المعتدلين بدالً من

التمثيل الواسع في السلطتين التشريعية والتنفيذية، ما عدا أن هوروفيتز يحاول وضع طريقة يحثّ بها على

4 لقد ردَدْتُ على هذا الانتقاد بإسهاب في غير مكان. انظر خاصة:ً Arend Lijphart: “The Wave of Power Sharing Democracy,” in:

Andrew Reynolds, ed., The Architecture of Democracy: Constitutional Design, Conflict Management, and Democracy, Oxford Studies in Democratization (Oxford, UK; New York: Oxford University Press, 2002), pp. 40–47, and Power-

Sharing in South Africa, pp. 83–117. 5 Brian Barry, “The Consociational Model and Its Dangers,” European Journal of Political Research , vol. 3, no. 4 (December 1975), p. 406. 6 Donald L. Horowitz: A Democratic South Africa?: Constitutional Engineering in a Divided Society , Perspectives on Southern Africa; 46 (Berkeley: University of California Press, 1991), pp. 188-203, and “Electoral Systems: A Primer for Decision Makers,” Journal of Democracy , vol. 14, no. 4 (October 2003), pp. 122–123.

في الأنظمة التي تتبع قواعد الاقتراع التفض لي، يُطل ب من المقترعين أن يرتبوا مرشحيهم. فإذا نال مرشح معنيّ أغلبية التفضيلات الأولى

المطلقة، يُنْتخَب، وإذا لم ينَل فإن المرشحين الذين نالوا أدنى الأصوات يخرجون من العملية الانتخابية، ويعاد توزيع الأصوات التي نالوها

تبعًا للتفضيلات الثانية. وتستمر هذه العملية إلى أن ينال أحد المرشحين أغلبية الأصوات.

الاعتدال الذي يكتفي بيري بأن يأمل بقيامه. ولو ط بِّق نموذج هوروفيتز على مجلس الحكم العراقي لأسفر

ذلك عن هيئة مؤلفة بصورة أساسية من أبناء الأغلبية الشيعية، مع تدبير احتياطي مفاده اختيار معظم هؤلاء

الممثلين من المؤيدين لمصالح الأقليتين السنّية والكردية. ويصعب، بالطبع، أن نتخيّل أن تظلّ هاتان الأقليتان

راضيتين على المدى الطويل بهذا النوع من التمثيل الشيعي المعتدل، بدالً من ممثّلين من أبناء جماعتيهما. كما

يصعب بالدرجة ذاتها أن نتخيّل أن يوافق الأعضاء الأكراد والسنّة في الجمعية التأسيسية ذات التمثيل الأوسع

على أي دستور يقرّ مثل هذا النظام. يعاني اقتراح الاقتراع التفض لي الذي يقدّمه هوروفيتز نقاط ضعف أخرى كثيرة، لا أجد ضرورة لتحليلها

في هذه الورقة. والنقطة الرئيسة المهمة هنا هي أنه لم يكد يحظى بأيّ دعم من الخبراء الأكاديميين أو كتّاب

الدساتير. وتطبيقه العملي الوحيد، والجزئي، في الانتخابات التشريعية في مجتمع منقسم إثنيًا هو ذاك الذي جرى

في النظام الدستوري القصير الأمد وذي المصير البائس في فيجي، حيث قامت محاولة للجمع بين الاقتراع

التفض لي وتقاسم السلطة، وتمّ تبنّي ذلك سنة 1999 لينهار سنة 2000. ومع كل الاحترام الواجب للطابع

الأصيل الذي تتّسم به أفكار هوروفيتز وللحماسة التي دافع بها عنها، فإن حججه لا يبدو أهنّا استثارت ذلك

القدر الكبير من الموافقة أو المحاكاة.

«هل ثمّة مقَاس واحد يناسب الجميع»؟

باختصار، ثبت أن تقاسم السلطة هو النموذج الديمقراطي الوحيد الذي يبدو أنه يحظى بأكبر فرصة لتبنّيه في

المجتمعات المنقسمة، والذي يجعل، بدوره، من غير المفيد الطلب من كتّاب الدساتير أن يفكّروا في بدائل عنه.

والحال، أن ثمة ما يكفي ويزيد من الخلط والارتباك المحتملين يلازم اعتبار كثير من البدائل المتعددة من ضمن

نموذج تقاسم السلطة. وخلافًا لزعم هوروفيتز أن ديمقراطية تقاسم السلطة هي نموذج فجّ ل «مقَاس واحد

يناسب الجميع»، فإن أنظمة تقاسم السلطة التي جرى تبنّيها قبل العام 1960 (أشرنا إليها سابقًا) وكذلك

الحالات الأحدث عهدًا (مثل بلجيكا، البوسنة، تشيكوسلوفاكيا، إيرلندا الشمالية، وجنوب أفريقيا)، تبدي

تنوعًا هائالً. وعلى سبيل المثال، تحقق التمثيل الواسع في السلطة التنفيذية من خلال شرط دستوري يقضي بأن

تتألف هذه السلطة من عدد متساوٍ من الجماعتين الإثنيتين اللغويتين الرئيستين (كما في بلجيكا)؛ أو بمنح جميع

Arend Lijphart: “The Alternative Vote: A Realistic Alternative for South Africa?,” Politikon , يجد القارئ نقدًا مفصاّل: فيً7

vol. 18, no. 2 (June 1991), pp. 9–101, and “Multiethnic Democracy,” in: Seymour Martin Lipset, ed., The Encyclopedia of Democracy , 4 vols. (Washington, DC: Congressional Quarterly, 1995), pp. 863–864.

8 جرى استخدام الاقتراع التفض لي أيضًا في الانتخابات الرئاسية لسنتي 1982 و 1988 في سري لانكا وفي الانتخابات الرئاسية لعام

2000 في جمهورية صرب البوسنة. ولقد استخدمت نيجيريا في انتخاباتها الرئاسية نظامًا مشابهًا حبّذه هورفيتز (ويتطلب الفوز فيه تعددية

مضافًا إليها 25 في المئة على الأقل من الأصوات في ثلثي الولايات على الأقل). والإرشادان الثالث والسادس اللذان أعرض لهما في هذه

المقالة ينصحان بنظام برلماني من دون رئيس منتخَب شعبيًا، أي من دون انتخابات رئاسية على الإطلاق.

9 يدافع بنيامين ر لي عن هورفيتز، غير أن ذلك لا يتم من دون تعديلات كبيرة؛ وعلى سبيل المثال، فإن ر لي يعارض دفاع هورفيتز عن

Benjamin Reilly, Democracy in Divided Societies: Electoral Engineering for:الاقتراع التفض لي في حالة جنوب أفريقيا. انظر Conflict Management , Theories of Institutional Design (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2001). ويدافع أندرياس فيمر عن الاقتراع البديل في العراق، في: Andreas Wimmer, “Democracy and Ethno-Religious Conflict in Iraq,” Survival, vol. 45, no. 4 (Winter 2003–2004), pp. 111–134. 10 Donald L. Horowitz, “Constitutional Design and the Problem of Adoption: Proposals Versus Processes,” in: Reynolds, ed., p. 25.

الأحزاب التي تتخطى نسبة 5 في المئة من المقاعد التشريعية الحقّ في التمثّل في مجلس الوزراء (كما في جنوب

أفريقيا، 1999-1994)؛ أو بالتمثيل المتساوي للحزبين الرئيسين في مجلس الوزراء، مع التناوب بين هذين

الحزبين في الرئاسة (كولومبيا، 1964-1958)، أو بالتخصيص الدائم لموقع الرئاسة لإحدى الطوائف ولموقع

رئاسة الوزراء لطائفة أخرى (لبنان). غير أن هذه الخيارات ليست مواتية جميعًا بالقدر ذاته، ولا تعمل بالنجاعة ذاتها في الواقع العملي، ذلك أن

النجاح النسبي لنظام تقاسم السلطة مشروط بالآليات النوعية المصمَّمة لإنتاج التمثيل الواسع الذي يشكّل

لباب هذا النظام. والحال أن الإخفاقات الكبرى التي مُنيت بها أنظمة تقاسم السلطة، كما حصل في قبرص سنة

1963 ولبنان سنة 1975، ينبغي أالّ تُعزَى إلى افتقاد تقاسم السلطة الكافي بل إلى اختيار كتّاب الدساتير قواعد

ومؤسسات ليست مُرضية. تلقي هذه الإخفاقات الضوء على الأسلوب الذي يمكن للخبراء الأكاديميين من خلاله مساعدة كتّاب

الدساتير، وذلك عبر إبداء نصائح تخصّ قواعد تقاسم السلطة ومؤسساته. بهذا المعنى، ينبغي أن تعمل تهمة

«المقاس الواحد الذي يناسب الجميع» التي يلقيها هوروفيتز، كمحفِّز لمحاولة توصيف الشكل الأمثل لتقاسم

السلطة. ومع أنه ينبغي تبنّي نموذج تقاسم السلطة تبعًا للسمات الخاصة بالبلد موضع الاعتبار، فإنه ليس

صحيحًا أنَّ كلَّ شيء يعتمد على هذه السمات الفردية. وسوف أعرض في المقاطع التالية لتسعة من مجالات

الاختيار الدستوري، وأقدّم نصائحي في كلّ مجال منها، وهو ما يشكّل نموذجًا لتقاسم السلطة من «مقاس

واحد» يتيح الأنسب لمعظم المجتمعات المنقسمة، بصرف النظر عن ظروفها وخصائصها الفردية. - النظام الانتخابي التشريعي: الاختيار الأكثر أهمية الذي يواجه كتّاب الدساتير هو اختيار النظام الانتخابي

التشريعي، ويقع في ثلاثة أصناف واسعة، هي التمثيل النسبي proportional representation()، وأنظمة

الأغلبية majoritarian systems()، والأنظمة الوسيطة intermediate systems(). وبالنسبة إلى المجتمعات

المنقسمة، فإن ضمان انتخاب سلطة تشريعية ذات صفة تمثيلية واسعة ينبغي أن يكون ذا أهمية حاسمة، ولا ريب

في أن التمثيل النسبي هو الطريقة الأمثل للقيام بذلك. أمّا بالنسبة إلى فئة أنظمة الأغلبية، فيمكن إثبات أن اقتراح هوروفيتز بشأن الاقتراع التفض لي هو اقتراح جيد،

أوافق على كونه أفضل من كلٍّ من طريقة الأغلبية النسبية plurality method() وطريقة الأغلبية على دورتين

)two-ballot majority runoff(. ومع ذلك، ثمة إجماع أكاديمي ضدّ أنظمة الأغلبية في المجتمعات المنقسمة.

ويشرح ذلك لاري دياموند: إن التعميم الأكثر استدامة بين التعميمات المتعلقة بالتخطيط المؤسسيّ... هو أن أنظمة الأغلبية لا

تصلح للبلدان ذات الانقسامات العميقة الإثنية أو الإقليمية أو الدينية، أو سواها من الانقسامات

الانفعالية والاستقطابية. وحيثما تكون الجماعات المنقسمة ذات حدود واضحة، والهويات الجماعية

(والشكوك والقلاقل بين الجماعات) محسوسة على نحو عميق، وجب أن تتمثّل الضرورة المهيمنة

في تفادي إقصاء أيّ جماعة من الجماعات المهمة عن السلطة دونما تمييز.

11 بخلاف طريقة الأكثرية النسبية، يضمن الاقتراع التفض لي انتخاب المرشح الفائز بأكثرية المقترعين، ويكون ذلك على نحوٍ أدق ممّا

نجده في طريقة الانتخاب بالأكثرية، ومن دون حاجة إلى جولتين من الاقتراع.

12 Larry Diamond, Developing Democracy: Toward Consolidation (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1999), p. 104.

أمّا الأنظمة الوسيطة، فيمكن تقسيمها فرعيًا إلى أنظمة شبه نسبية semi-proportional Systems) (، وأنظمة

«مختلطة» mixed” systems(“)، وأخيرًا أنظمة أكثرية توفّر تمثيالً مضمونًا لأقليات معينة (majoritarian

. وربما يكون بمقدور الأنظمة systems that offer guaranteed representation to particular minorities)

شبه النسبية - كالاقتراع التراكمي والمحدود cumulative and limited vote() الذي استُخدم في البداية على

مستوى الولاية والمستويات المحلية في الولايات المتحدة، والاقتراع المفرد غير القابل للتجيير أو التحويل (the

single nontransferable vote) الذي استخدم في اليابان حتى سنة 1993- أن تنتج تمثيالً للأقليات، لكن

هذا التمثيل لن يكون دقيقًا البتّة ولا منسجامً كما هي الحال في التمثيل النسبي. وخلافًا لهذه الأنظمة شبه النسبية

النادرة، أصبحت الأنظمة المختلطة واسعة الانتشار منذ أوائل التسعينيات. وفي بعض الأنظمة المختلطة

(كالنظامين الألماني والنيوزيلندي) يطغى عنصر التمثيل النسبي على عنصر الأغلبية النسبية، ولذلك ينبغي أالّ

تُعتبر هذه الأنظمة مختلطة بل أنظمة تمثيل نسبي. وبمقدار ما لا يكون عنصر التمثيل النسبي تعويضيًا، أو بمقدار

ما يكون تعويضيًا على نحو جزئي فقط (كما في اليابان وهنغاريا وإيطاليا)، فإن النتائج ستكون بالضرورة أقلّ من

نسبية تامة، وسيكون تمثيل الأقلية أقلّ دقّة وضمانًا. أمّا جمع الأغلبية النسبية إلى التمثيل المضمون لأقليات معيّنة

(كما في الهند ولبنان)، فيستتبع بالضرورة قرارًا محتمالً مؤذيًا ومثيرًا للحسد حول أيّ الجماعات ستكون ذات

تمثيل مضمون وأهيّا لن متُثَّل. وعلى عكس ذلك، فإن الجميل في التمثيل النسبي، إضافة إلى إنتاجه نسبيةً وتمثيالً

للأقليات، هو أنه يتعامل مع الجماعات جميعًا – إثنية أو عرقية أو دينية أو حتى غير مذهبية – بأسلوب متساوٍ

تمامًا وغير متحيّز. فلماذا الانحراف عن التمثيل النسبي التام بأي حال من الأحوال؟

- إرشادات ضمن نظام التمثيل النسبي: ما إن يتمّ حصر الاختيار وصوالً إلى التمثيل النسبي حتى يحتاج كتّاب

الدساتير إلى الاستقرار على نمط محدد ضمن ذلك النظام. فالتمثيل النسبي لا يزال فئة عريضة جدًا، تمتدّ على

طيف واسع من الممكنات والبدائل المعقدة. فكيف يمكن تضييق الخيارات مزيدًا من التضييق؟ ما أنصح به هو

أن تُعطى أولوية قصوى لانتقاء نظام تمثيل نسبي يكون بسيطًا من حيث الفهم والإجراء: وهذا معيار ذو أهمية

خاصة في الديمقراطيات الجديدة. وانطلاقًا من معيار البساطة، يمكن التطلّع إلى اشتقاق عدد من التمنيات:

درجة من النسبية عالية (دون أن تكون مثالية بالضرورة)؛ دوائر متعددة المتقاعد Multimember Districts() لا

تكون كبيرة جدًا، لتجنّب المسافات الشاسعة بين المقترعين وممثليهم؛ نظام القائمة النسبية (List Proportional

Representation)، حيث تقدّم الأحزاب للمقترعين قوائم المرشحين، بدالً من الاقتراع المفرد القابل للتحويل

الذي نادرًا ما يُستخدم، ويكون فيه على المقترعين ترتيب المرشحين الأفراد؛ قوائم مغلقة أو مغلقة تقريبًا، حيث

يختار المقترعون بصورة أساسية أحزابًا بدالً من مرشحين أفراد ضمن القائمة. والحال أن نظام القائمة النسبية ذا

القوائم المغلقة يمكن أن يشجّع على قيام أحزاب سياسية قوية ومتماسكة والحفاظ عليها. يُعَدُّ نظام القائمة النسبية المطبَّق في الدنمارك من بين النماذج اللافتة ضمن هذه الخطوط العامة، حيث توجد

17 دائرة، تنتخب كلّ واحدة منها ما معدله ثمانية ممثلين ينتمي كلٌّ منهم إلى قائمة مفتوحة جزئيًا. والدوائر

13 تستخدم هذه الأنظمة الثلاثة جميعها نظام الدوائر الانتخابية المتعددة المقاعد Multimember Election Districts) (. ويشبه نظام

الاقتراع التراكمي نظام الأكثرية النسبية في دائرة متعددة المقاعد الذي يكون فيه لكل مقترع من الأصوات بقدر المقاعد المتاحة لتلك

الدائرة، غير أنه، بخلاف الأكثرية النسبية، يتاح للمقترع أن يراكم اقتراعه على واحد أو قلة من المرشحين فقط. وفي أنظمة الاقتراع

المحدود، يكون لدى المقترعين من الأصوات أقل من عدد المقاعد المتاحة للدائرة. أمّا الاقتراع المفرد غير القابل للتجيير، فهو حالة خاصة

من الاقتراع المحدود خيُْتزَل فيه عدد الأصوات التي للمقترع الواحد إلى صوت واحد.

14 Matthew Soberg Shugart and Martin P. Wattenberg, eds., Mixed-Member Electoral Systems: The Best of Both Worlds? , Comparative European Politics (Oxford, UK; New York: Oxford University Press, 2001).

صغيرة بما يكفي أن تحظى الأحزاب الأقلوية التي تحوز أكثر من 8 في المئة من الأصوات بفرصة جيدة للفوز.

وبالإضافة إلى 135 ممثالً يُنتخبون في هذه الدوائر، فإن هناك 40 مقعدًا تعويضيًا) compensatory seats(

على المستوى الوطني موزّعة على أحزاب (حصلت على 2 في المئة من الأصوات على المستوى الوطني) بطريقة

تهدف إلى تعظيم التمثيل النسبي على المستوى الوطني إجمالا. والنموذج الدنماركي مفيد جدًا في المجتمعات

المنقسمة، لأن المقاعد التعويضية التي تخص من يتجاوزوا عتبة 2 في المئة تعطي الأقليات الصغيرة غير المتركّزة

جغرافيًا في منطقة معيّنة فرصةً معقولة للتمثّل في الهيئة التشريعية الوطنية. ومع أنني أحبّذ فكرة تعظيم النسبية،

فإن هذا النظام ينتقص إلى حدّ ما من هدف إقامة نظام انتخابي بسيط وشفاف قدر الإمكان. أضف إلى ذلك

أن المقاعد التعويضية ليس لها كبير معنى في تلك المجتمعات المنقسمة التي لم تتطور فيها بعدُ أحزاب واسعة

الانتشار على مستوى وطني. - حكم برلماني أم رئاسي: القرار المهم التالي الذي يواجه كتّاب الدساتير هو ما إذا كان من الواجب إقامة شكل

للحكم برلماني أم رئاسي أم شبه رئاسي. وفي البلدان ذات الانقسامات الإثنية وغيرها، ينبغي أن يستند الاختيار

إلى أساس الإمكانية النسبية المتفاوتة التي تتمتع بها هذه الأنظمة المختلفة من حيث تقاسم السلطة التنفيذية.

وبما أن مجلس الوزراء في النظام البرلماني هو هيئة جماعية لصناعة القرار – بعكس السلطة التنفيذية الرئاسية التي

يتخذ القرار فيها شخص واحد ويكون مجلس الوزراء استشاريًا- فإن النظام البرلماني يتيح وضعًا مثاليًا لتشكيل

سلطة تنفيذية على قاعدة تقاسم السلطة الواسع. وتتمثّل الفائدة الثانية للأنظمة البرلمانية في عدم الحاجة إلى

انتخابات رئاسية، هي بطبيعتها وبالضرورة انتخابات تقوم على نظام الأغلبية. وكما يقول جوان لينز في نقده

الشهير للحكم الرئاسي، «ربما كان المضمون الأكثر أهمية بين مضامين النظام الرئاسي هو أنه يُدخل إلى السياسة

الديمقراطية عنصرًا قويًا يتمثّل في لعبة صفرية المحصّلة (*) ذات قواعد تميل باتجاه نتيجة تتمثّل في أنينال الفائز

كلّ شيء». كما أن الحملات الانتخابية الرئاسية تشجّع السياسة المعتمدة على الشخص وتحجب سياسة

الأحزاب المتنافسة والبرامج الحزبية. وتشكّل الأحزاب في الديمقراطية التمثيلية رابطة حيوية بين المقترعين

والحكومة، وهي في المجتمعات المنقسمة جوهرية وحاسمة في التعبير عن مصالح الجماعات الطائفية. وقد شدّد

سيمور مارتن ليبست مؤخرًا، ومن جديد، على هذه النقطة؛ إذ رأى أن «لا غنى» عن الأحزاب السياسية في

الديمقراطيات، ويستحضر تصريح إلمر إريك شتشنايدر الشهير الذي فحواه أن «الديمقراطية الحديثة مستحيلة

من دون أحزاب».

15 يقوم هذا التقدير على المعادلة T=75%(M+1)، حيث T هي العتبة الفعّالة أو الحدّ الأدنى الفعّال و M هي عدد الممثلين المنتخبين

في دائرة. وهي معادلة اقترحها رين تاغيبيرا؛ انظر: Arend Lijphart, “Electoral Systems,” in: Lipset, ed., p. 417.

وهنالك تنوّع واسع حول معدّل 8 في المئة من الممثلين لكلّ دائرة. لكن 9 دوائر من مجموع 17 دائرة كانت قريبة من هذا المعدّل، حيث

راوحت مقاعدها بين 6 و 9 مقاعد. أمّا قواعد القائمة المفتوحة، فهي معقدة، وما أراه هو أنها تجعل القوائم مفتوحة جدًا. وإضافة إلى

ال 175 مقعدًا الموصوفة هنا، فإن جزيرة غرينلاند وجزر فارو تنتخب اثنين من الممثلين لكلّ منهما. وعليَّ أن أشير أيضًا إلى أن تزكيتي

النموذج الدنماركي تنطوي على قَدْر ضئيل من المفارقة أو التناقض؛ فهو نظام مناسب جدًا للبلدان المنقسمة إثنيًا ودينيًا، مع أن الدنمارك

هي من أكثر بلدان العالم تجانسًا.

16 قد تستفيد الأحزاب تحت عتبة 2 في المئة من المقاعد التعويضية إذا ما لبّت مطالب معيّنة، كأن تربح مقعد دائرة واحدة على الأقل. الباقي من طرح حساب خسارة أحدهما من حساب ربح الآخر هو الصفر. (المترجم)

17 Juan J. Linz, “Presidential or Parliamentary Democracy: Does It Make a Difference?,” in: Juan J. Linz and Arturo Valenzuela, eds., The Failure of Presidential Democracy , 2 vols. (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1994), p. 18. 18 Seymour Martin Lipset, “The Indispensability of Political Parties,” Journal of Democracy , vol. 11, no. 1 (January 2000), pp. 48-55, and Elmer Eric Schattschneider, Party Government (New York: Farrar and Rinehart, 1942), p. 1.

ثمة مشكلتان إضافيتان في النظام الرئاسي شدّد عليهما لينز، وهما: الأزمات المتكررة التي تنشب بين

السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكذلك الصلابة التي تتّسم بها مدّة شغل هذا المنصب. ويأتي ترجيح

نشوب الأزمات من أن كلاًّ من الرئيس والسلطة التشريعية يستطيع ادّعاء الشرعية الديمقراطية بسبب

انتخابهما شعبيًا، لكن قد يكون انتماء الرئيس الحزبي مختلفًا عن انتماء أغلبية السلطة التشريعية الحزبي، وقد

تكون أفضليات الطرفين متباعدة رغم الانتماء إلى الحزب نفسه. أمّا الصلابة التي تلازم النظام الرئاسي،

فتنجم عن انتخاب الرؤساء مدة ثابتة يصعب إطالتها في الغالب بسبب القيود المفروضة على ذلك، كما

يصعب تقصيرها حتى لو ثبت عدم أهلية الرئيس بسبب مرض خطِر أو فضائح تحفّ به من كل جانب.

وفي المقابل، فإن الأنظمة البرلمانية لا تعاني هذه المشكلة، بما توفره من شروط للتصويت بمنح الثقة ومن

انتخابات سريعة وسهلة، وغير ذلك. ليست الأنظمة شبه الرئاسية سوى النظام الرئاسي ذاته وقد أُدْخِلَ عليه قدر ضئيل من التحسين. وعلى الرغم

من أنها قد تشتمل على تقاسم واسع كبيرة للسلطة بين الرئيس ورئيس الوزراء ومجلس الوزراء، فإن طبيعة

الانتخابات الرئاسية التي تتميّز بمحصلتها الصفرية تبقى على حالها. بل إن الأنظمة شبه الرئاسية تمكّن الرئيس

من أن يكون فعليًا أقوى منه في معظم الأنظمة الرئاسية المحضة؛ ففي فرنسا، أشهر مثال من أمثلة شبه الرئاسية،

عادةً ما يمارس الرئيس سيطرة على السلطة. وكانت المرحلتان 1974-1962 و 1986-1981 قد دعيتا

بالمرحلتين «الرئاسيتين المفرطتين». أمّا مشكلة الجمود، فلا يمكن أن حتَُلّ في الأنظمة شبه الرئاسية إالّ جزئيًا،

بتمكين النظام من التحوّل من نموذج رئاسي أساسًا إلى نموذج برلماني أساسًا إذا ما فقد الرئيس دعم حزبه أو

تحالفه الحاكم في المجلس التشريعي. وفي الديمقراطيات الرئاسية الأميركية اللاتينية، غالبًا ما دافع الإصلاحيون

الدستوريون عن حكم شبه رئاسي بدالً من الحكم البرلماني، لكن ذلك لم يكن إالّ لأسباب تتعلق بالظروف

ومدى ملاءمتها، حيث يبدو التحول إلى البرلمانية خطوة واسعة كثيرًا في بلدان ذات تقاليد رئاسية راسخة. ومع

أن مثل هذه القيود التراثية والعاطفية تُؤخَذ في الحسبان في المفاوضات الدستورية، فإنه ينبغي ان يكون الحكم

البرلماني مرشد كتّاب الدساتير في المجتمعات المنقسمة. ثمّة إجماع كبير بين الباحثين على استحسان الحكم البرلماني. وفي الأدبيات الكثيرة المتعلقة بهذا الموضوع،

لم يشكّك النقّاد القليلون نسبيًا إالّ في أجزاء من هذا الإجماع المؤيّد للبرلمانية. وعلى سبيل المثال، لاحظوا،

بالإشارة إلى مثال النظام الرئاسي في الولايات المتحدة الأميركية، أن مشكلة الأزمات لم تكن بالخطورة التي

زعمها لينز وآخرون، من دون أن يعني ذلك، بالطبع، إنكار صحّة الاتهامات الأخرى التي وُجَّهت إلى

الحكم الرئاسي.

19 John T. S. Keeler and Martin A. Schain, “Institutions, Political Poker, and Regime Evolution in France,” in: Kurt von Mettenheim, ed., Presidential Institutions and Democratic Politics: Comparing Regional and National Contexts (Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 1997), pp. 95-97.

يحبّذ هوروفيتز انتخاب الرئيس من خلال الاقتراع التفض لي أو أي طريقة مشابهة من طرق تجميع الأصوات، غير أن رئيسه لا يختلف من

النواحي الأخرى عن الرؤساء في الأنظمة الرئاسية المحضة؛ انظر: pp. 205-214. A Democratic South Africa?, Horowitz,

20 اقترح الباحثون أيضًا طرقًا للحدّ من مشكلة الأزمة الرئاسية- التشريعية، مثالً من خلال إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في

وقت واحد، وانتخاب الرئيس بالأغلبية النسبية بدال من الأغلبية المعتادة. مثل هذه الإجراءات قد تخفف المشكلة بالفعل إلى حدٍّ ما، لكنها

Matthew Soberg Shugart and John M. Carey, Presidents and Assemblies: Constitutional Design and:لا تحلّها تمامًا. انظر

Electoral Dynamics (Cambridge, [England]; New York: Cambridge University Press, 1992), and Mark P. Jones, Electoral Laws and the Survival of Presidential Democracies (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1995).

- تقاسم السلطة التنفيذية: تسهّل مجالس الوزراء التي تتخذ القرارات بصورة جماعية في الأنظمة البرلمانية

تقاسم السلطة التنفيذية، لكنها لا تضمن بحدّ ذاتها إضفاء الطابع المؤسساتي على هذا التقاسم. وتعدّ بلجيكا

وجنوب أفريقيا مثالين على الطريقتين الأساسيتين في قيام ذلك. ففي بلجيكا، ينصّ الدستور على أنه ينبغي

أن يتألف مجلس الوزراء من أعضاء يتكلمون الألمانية وأعضاء يتكلمون الفرنسية بالتساوي. وتتمثّل مساوئ

هذه المقاربة في أنها تتطّلب تحديد الجماعات التي يحقّ لها أن تتقاسم السلطة، وبذلك نكون أمام تلك الخيارات

التمييزية المتأصّلة في النظام الانتخابي الذي يضمن تمثيل أقليات محدّدة بعينها. أمّا في جنوب أفريقيا، فقد كان

هناك قدر كبير من الخلاف والنقاش بشأن التصنيفات العرقية والإثنية، وأن من غير الممكن استخدامها كأساس

لتسوية تقاسم السلطة التنفيذية في الدستور الانتقالي سنة 1994. وبدالً من ذلك، أُقيم تقاسم السلطة على

أساس الأحزاب السياسية: حيث مُنحَ كلّ حزب يحوز ما لا يقلّ عنِ 5 في المئة من مقاعد البرلمان الحقّ في أن

يشارك في مجلس الوزراء على أساس نسبي، أكان حزبًا إثنيًا أم لم يكن. ويُعتربَ الحل الذي تقدّمه جنوب أفريقيا

نموذجًا جذابًا للبلدان الأخرى التي تعيش أوضاعًا مشابهة. لكن حين لا يكون هنالك خلافات جوهرية حول

تحديد الجماعات الإثنية التي يحقّ لها تقاسم مجلس الوزراء، تبقى للمثال البلجيكي ميزتان اثنتان: أولاهما هي

أن هذا المثال يسمح بتقاسم السلطة من دون إقامة حلف كبير مؤلَّف من جميع الأحزاب المهمة، وتاليًا من دون

زوال المعارضة الحزبية المهمّة في البرلمان. وثانيتهما هي أنه يتيح قدرًا ضئيالً من الانحراف عن تقاسم السلطة

النسبي بإعطائه الجماعات الصغيرة بعض التمثيل الزائد، الأمر الذي قد يكون مرغوبًا فيه في بلدان تواجه فيها

أغلبية إثنية جماعة أو أكثر من الأقليات الإثنية. - استقرار مجلس الوزراء: قد تُقلِق كتّاب الدساتير واحدة من المشكلات المحتملة في الأنظمة البرلمانية،

ألا وهي حقيقة أن مجالس الوزراء تعتمد على دعم الأغلبية في البرلمان ويمكن عزلها بالتصويت البرلماني

على سحب الثقة، وهو ما يؤدي إلى عدم استقرار مجالس الوزراء هذه، وإلى عدم استقرار النظام تاليًا. لكن

ينبغي أالّ أن نبالغ في وزن هذه المشكلة؛ فالأغلبية الساحقة من الديمقراطيات المستقرة لديها أشكال حكم

برلمانية لا رئاسية أو شبه رئاسية. وعلاوة على ذلك، فإن من الممكن تعزيز وضع مجالس الوزراء إزاء

المجالس التشريعية عن طريق شروط دستورية توضع لهذا الغرض. وأحد هذه الشروط هو تقنين التصويت

على سحب الثقة الذي جرى تبنّيه في دستور العام 1949 في ألمانيا الغربية، وهو ينص على أنه لا يمكن

للبرلمان عزل رئيس الوزراء (المستشار) إالّ إذا انتُخِبَ رئيس وزراء جديد في الوقت ذاته. ومثل هذا الإجراء

يزيل خطر الفراغ الوزاري الذي يمكن أن تؤدي إليه أغلبية تشريعية «سلبية» عاجزة عن تشكيل وزارة

بديلة. وكانت إسبانيا وبابوا نيو غينيا قد تبنّتا شروطًا مماثلة تقنّن التصويت على سحب الثقة. أمّا مثالب

هذا التقنين، فتتمثّل في أنه قد يخلق سلطة تنفيذية يصعب على البرلمان عزلها لكنها لا تحوز أغلبية برلمانية

تكفي لتمرير برنامجها في المجلس التشريعي، وهذا يشبه تلك الأزمة التي ابتُلِيَت بها الأنظمة الرئاسية. ومن

الحلول المُقرْتحَة لهذه المشكلة المُحْتمَلة ما اشتمل عليه دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة عام 1958 في

هيئة اشتراط يعطي مجلس الوزراء الحقّ في أن يطرح اقتراحاته أو مشاريعه على الثقة في البرلمان، حيث يتمّ

21 وفّر 1998 اتفاق الجمعة العظيمة سنة تقاسامً للسلطة التنفيذية مماثالً لهذ التقاسم في إيرلندا الشمالية.

22 في دراستي المقارنة لديمقراطيات العالم المستقرة، والتي عرّفتها بأنها بلدان ظلّت ديمقراطية من سنة 1977 حتى سنة 1996

(وتعداد سكانها يزيد على 250.000)، وجدت أن 03 من مجموع 63 من هذه الديمقراطيات المستقرة هي أنظمة برلمانية. انظر: Arend

Lijphart, Patterns of Democracy: Government Forms and Performance in Thirty-Six Countries (New Haven: Yale University Press, 1999).

تبنّي هذه الاقتراحات بصورة آلية ما لم تصوّت أغلبية المجلس التشريعي المطلقة على عزل مجلس الوزراء. وما

من دستور إلى الآن حاول أن يجمع بين القواعد الألمانية والفرنسية، مع أن مثل هذا الجمع يمكن بلا شكّ أن

يوفّر حماية شديدة لمجالس الوزراء وفعاليتها التشريعية، من دون تجريد الأغلبية البرلمانية من حقّها الأساس

في عزل مجلس الوزراء وإحلال مجلس جديد محلّه يحوز ثقة أكبر في البرلمان. - اختيار رأس الدولة: عادةً ما يكون رئيس الوزراء في الأنظمة البرلمانية رئيسًا للحكومة وحسب، في حين

يشغل منصب رأس الدولة ملك دستوري أو رئيس شرفيّ. وبافتراض عدم توافر الملك، فإن على كتّاب الدساتير

أن يقرّروا كيف سيجري اختيار الرئيس. ونصيحتي في هذا المجال ذات شقين: التأكّد من أن الرئاسة سوف

تكون منصبًا شرفيًا أساسًا مع سلطة سياسية محدودة جدًا، وعدم انتخاب الرئيس عن طريق الاقتراع الشعبي.

فمثل هذه الانتخابات الشعبية تعطي شرعية ديمقراطية، ويمكن لها، إذ تتضافر مع سلطات تتجاوز الحدّ الأدنى

مذكورة في الدستور، أن تغري الرؤساء بأن يغدوا شركاء سياسيين فاعلين، وربما يحوّلون النظام البرلماني إلى نظام

شبه رئاسي. والبديل الأفضل هو انتخاب الرئيس من قِبَل البرلمان. ومن النماذج التي تتمتع بجاذبية خاصة ذلك التعديل الدستوري الذي جرى اقتراحه كجزء من تغيير النظام

البرلماني الأسترالي من ملكية إلى جمهورية، وقد نصّ على أن يجري تعيين الرئيس من خلال تسميته المشتركة

بين رئيس الوزراء وزعيم المعارضة، وتثبيت أغلبية الثلثين هذه التسمية في جلسة مشتركة لمجلسيّ البرلمان.

والفكرة التي تقف خلف قاعدة الثلثين هي تشجيع اختيار رئيس ليس حزبيًا وليس سياسيًا (لكن المقترعين

الأستراليين أحبطوا هذا الاقتراح في استفتاء سنة 1999، وذلك أساسًا لأن أغلبية مؤيدة للجمهوريين فضّلت

بقوة – وبعيدًا عن الحكمة – الانتخاب الشعبي للرئيس). والحلّ الأفضل، في رأيي، هو نظام جنوب أفريقيا

الذي يقضي بغياب رأس الدولة المستقل غيابًا تامًا: فالرئيس هناك هو رئيس للوزراء في حقيقة الأمر، خاضع

لثقة البرلمان، ويعمل في الوقت ذاته كرأس للدولة. - الفيدرالية واللامركزية: في المجتمعات المنقسمة التي تشتمل على جماعات متركّزة في مناطق جغرافية معيّنة، لا

شكّ أن شكالً من النظام الفيدرالي يشكّل سبيالً ممتازًا لتوفير استقلال هذه الجماعات. ونصيحتي المحددة تتعلّق

بالمجلس التشريعي الثاني (الفيدرالي) الذي عادةً ما يُشرْتَط وجوده في الأنظمة الفيدرالية. وهذا المجلس غالبًا ما

يتمتّع بقوة سياسية إذ يُفْرَط في تمثيل وحدات من الاتحاد الفيدرالي قليلة السكّان (انظر، على سبيل المثال، مجلس

الشيوخ الأميركي، الذي يعطي وايومينغ مقعدين بالغي الصغر ومثلهما لكاليفورنيا العملاقة). وفي الأنظمة

البرلمانية، ليس وجود مجلسين تشريعيين بسلطتين متكافئتين، أو متكافئتين إلى حدٍّ بعيد، بالترتيب الناجع أو

العملي؛ إذ يجعل تشكيل مجالس وزراء تحوز ثقة المجلسين أمرًا عسيرًا، وهو ما بيّنته الأزمة الدستورية الأسترالية

سنة 1975، حين رفض مجلس الشيوخ الذي تسيطر عليه المعارضة أن يوافق على الميزانية، في محاولة لفرض

استقالة مجلس الوزراء، مع أن هذا الأخير كان لا يزال يتلقى ذلك الدعم الثابت من مجلس النواب. وعلاوةً على

ذلك، فإن درجة كبيرة من فرط تمثيل الوحدات الصغيرة في المجلس الفيدرالي تنتهك المبدأ الديمقراطي القائل:

«شخص واحد، صوت واحد». وبهذا الصدد، فإن النموذجين الفيدراليين الألماني والهندي هما أكثر جاذبية من

النموذج الأميركي، أو السويسري، أو الأسترالي. وممّا يُنصح به، بوجهٍعام، أن يكون الاتحاد الفيدرالي لامركزيًا وأن تكون وحداته المكوِّنة (ولاياته أو مقاطعاته)

صغيرة نسبيًا، وذلك لزيادة احتمال أن تكون كل وحدة من وحداته متجانسة نسبيًا، وتفادي سيطرة الولايات

الكبيرة على المستوى الفيدرالي. وعلاوةً على ذلك، فإن هنالك حاجة إلى اتخاذ عدد كبير جدًا من القرارات

المتعلّقة بتفاصيل تختلف من بلد إلى بلد (مثل التحديد الدقيق لحدود كل ولاية). وليس لدى الخبراء أيّ نصيحة

واضحة يقدمونها بشأن مقدار اللامركزية المرغوب فيها ضمن الاتحاد الفيدرالي، كما أنه ليس هنالك إجماع بين

هؤلاء الخبراء على ما إذا كان النموذج الأجدر بالمحاكاة والتقليد هو النموذج الأميركي، أم الكندي، أم الهندي،

أم الأسترالي، أم الألماني، أم السويسري، أم النمساوي. - الاستقلال الذاتي غير المحدود بمنطقة: في المجتمعات المنقسمة، حيث لا تتركّز الجماعات في مناطق جغرافية

معيّنة، يمكن ترتيب استقلال هذه الجماعات على أساس غير محدود بمنطقة. وعلى سبيل المثال، في حال وجود

انقسامات دينية مهمّة، غالبًا ما تصرّ الجماعات الدينية المختلفة على فرض سيطرتها على مدارسها الخاصة.

والحلّ الذي أبان عن فعاليته في كلّ من الهند وبلجيكا وهولندا يتمثّل في توفير الاستقلال التعليمي عبر

تقديم الدولة دعامً ماليًا متكافئًا إلى جميع المدارس، العامة والخاصة، ما دام يتمّ فيها تلبية المعايير التعليمية

الأساسية. ومع أن هذا يجري ضدّ مبدأ الفصل بين الدِّين والدولة، فإنه يتيح للدولة أن تكون حيادية تمامًا

في قضايا التعليم. - تقاسم السلطة أبعد من مجلس الوزراء والبرلمان: في المجتمعات المنقسمة، يحظى تمثيل الجماعات بأهمية

أساسية لا في مجالس الوزراء والبرلمانات فحسب، بل أيضًا في الخدمة المدنية والقضاء والشرطة والجيش.

ويمكن تحقيق هذا الهدف بتحديد حصص إثنية أو دينية، غير أنه ليس من الضروري أن يكون هذا التحديد

تحديدًا صارمًا. وبدالً من القول إن جماعة محددة ينبغي أن يبلغ تمثيلها 20 في المئة على وجه الدّقة، فإن القاعدة

الأشدّ مرونة هي تحديد مجال يتراوح بين 15 و 20 في المئة. غير أنني وجدتُ أن مثل هذه الحصص غالبًا ما

تكون غير ضرورية؛ فيكفي أن يكون هناك شرط دستوري واضح يشير إلى الهدف العام المتمثّل في التمثيل

الواسع، والاتكال في تحقيق هذه الغاية على تقاسم السلطة في مجلس الوزراء وفي البرلمان الذي ينصّ الدستور

على ما فيه من تمثيل نسبي.

قضايا أخرى

في ما يتعلّق بكثير من القضايا الأخرى التي يمكن أن تثير الخلاف والنزاع، فإن نصيحتي تبدأ من نماذج شكلية

نجدها في ديمقراطيات العالم الراسخة، مثل أغلبية الثلثين المطلوبة لتعديل الدستور (مع عتبة ربما تكون أعلى

لتعديل حقوق الأقلية واستقلالها)، وحجم المجلس التشريعي الأدنى الذي هو تقريبًا الجذر التكعيبي لحجم

سكان البلد (الأمر الذي يعني أن بلدًا تعداد سكانه 25 مليونًا، مثل العراق، «ينبغي» أن يكون لديه مجلس

تشريعي أدنى يبلغ حوالي 140 نائبًا)، ومدّة الدورة التشريعية التي تبلغ أربعة أعوام. ومع أن الاستفتاء الذي يوافق على مسودة جديدة لدستور يمكن أن يضفي على هذا الدستور شرعية ديمقراطية

ضرورية، فإنني أنصح بوجود مادة دستورية تحدّ من عدد الاستفتاءات. وأحد الأشكال الأساسية للاستفتاء

هو ذاك الشكل الذي يقتضي حق إضافة تشريعات إلى الدستور وتعديله بمبادرة شعبية، وحقّ فرض الاقتراع

العام المباشر على مثل هذه الاقتراحات. غير أن ذلك قد يكون أداة أكثروية فظّة تُستخدم ضدّ الأقليات. ومن

23 اكتشف هذا النموذج رين تاغيبيرا؛ انظر: Social Science Research, Rein Taagepera, “The Size of National Assemblies,” vol. 1, no. 4 (December 1972), pp. 385 – 401.

جهة أخرى، بنيّ المثال السويسري أن استفتاءً تدعو إليه أقلية صغيرة من المقترعين لتحدّي قانون مررته أكثرية

النواب المنتخبين قد يكون له أثر إيجابي في تعزيز تقاسم السلطة. وحتى لو فشلت هذه المحاولة، فإنها تجبر

الأكثرية على دفع ثمن حملتها في هذا الاستفتاء؛ وبذلك تكون الدعوة المحتملة التي يمكن أن تطلقها أقلية

لإجراء استفتاء بمنزلة تحذير شديد للأكثرية لكي تهتم بآراء الأقلية. غير أن نصيحتي هي الاحتراس الأقصى

حيال الاستفتاءات، وحقيقة أن الاستفتاءات المتكررة لا تحصل إالّ في ثلاث من الديمقراطيات – هي الولايات

المتحدة وسويسرا وإيطاليا، خاصةً بعد سنة 1980 إنما تؤكّد هذه النصيحة. – وعلى كتّاب الدساتير أن يقدموا حلوالً لكثير من القضايا الأخرى التي لم أُرشِْ إليها، ولا أملك بصددها نصائح

محدَّدة. ومن ذلك، مثالً، حماية الحقوق المدنية، وما إذا كان من الواجب إقامة محكمة دستورية خاصة، وكيفية

جعل المحكمة الدستورية أو المحكمة العليا ذلك الحامي القوي للدستور والحقوق المدنية من دون أن تتحول

إلى قوة مفرطة التدّخل والتطفّل. وبينما يواجه كتّاب الدساتير هذه المهمة الصعبة والمبدِّدة للوقت المتمثّلة في حلّ

هذه المشكلات، فإن من المهمّ تمامًا أالّ يحمّلهم الخبراء أعباء مناقشات مطوَّلة بشأن المناقب والمثالب النسبية

للبدائل المطروحة، مثل النظام الرئاسي وأنظمة التمثيل النسبي. لا أريد أن يأخذ كتّاب الدساتير بنصائحي جميعًا من دون أن يتفحّصوا البدائل الأخرى المختلفة. وأنا أدرك

أن مصالح أحزاب محددة وسياسيين محددين وأجنداتهم قد تدفعهم صوب بدائل أخرى، وأن تاريخ البلد

وتراثه سوف يؤثران في أولئك الذين يضعون مسودة قانونه الأساسي، وأن النصيحة الاختصاصية عادة ما

تُطْلَب – وبحكمة كبيرة - من أكثر من خبير دستوري. ومع ذلك، فإنني على قناعة بأن نصائحي لا تقوم على

تفضيلاتي وحدها، بل على إجماع قوي بين الباحثين وعلى أدلة تجريبية متينة، وهو ما يجعلها تشكّل نقطة انطلاق

للمفاوضات الدستورية على الأقل.