العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مصر على أعتاب الجمهورية الثانية

مصر على أعتاب الجمهورية الثانية

Egypt on the Threshold of the Second Republic

محمد طه عليوه

Mohammed Taha Aliwa

الملخّص

تعود الدولة المصرية الحديثة، وما ارتبط بها من مفاهيم ومؤسسات ونُظُم إدارية حديثة، إلى عصر محمد علي. ففي تلك الفترة أُعيد صوغ الدولة المصرية العتيقة وتحديث مكوناتها وقواعد إدارتها طبقًا لمفاهيم الدولة الحديثة، ودخلت فكرة الدستور عالم القانون المصري. وما تتناوله هذه الورقة –بعد إلقاء نظرة عامة على تطور النصوص الدستورية في مصر في إطار تشكّل مؤسسات الدولة الحديثة- هو سبر الاتجاهات العامة التي يمكن أن يتّخذها تطور الجدل والصراع السياسيين-الدستوريين في أعقاب ثورة كانون الثاني/يناير 2011 ، حول علاقة الدولة بالدين، ومكانة الشريعة الإسلامية كمصدر للقوانين، وأثر ذلك في الحريات والحقوق الشخصية والأسرة ووضع المرأة والتربية والأخلاق، وما يُعتبَر دينًا مسموحًا بممارسة شعائره،و تنظيم المؤسسات المرتبطة بالدّين...إلخ. ويبقى لافتًا ومثيرًا لمزيد من النقاش ما تنتهي إليه الورقة من أن المشكلة في مصر ليست في علاقة الدولة الحديثة بالدِّين، ولا في الدور الذي يمحضه النظام الدستوري المصري للدِّين، بل هي في الأزمات الاجتماعية والدولة المستبدة.

Abstract

The modern Egyptian state, along with the concepts, institutions, and modern administrative apparatus that come with it, is the product of Muhammad Ali Pasha’s dynasty, who ruled Egypt from the 19th to mid-20th century. During his rule, the Egyptian state was reshuffled and modernized to model a modern state, giving rise to Egypt’s first constitutional experience. Following a broad examination of the evolution of constitutional texts in Egypt, this paper examines the potential directions of the ongoing political and constitutional debates and controversies following Egypt’s revolution. Aliwa analyzes the key issues entailed in this debate, including the relationship between religion and state; the role of the Sharia as a source of legislation, as well as its effect on freedom; personal and family status law; the role of women; education; ethics; and the organization and regulation of religious institutions.

الكلمات المفتاحية:
  • الحقوق
  • الجمهورية الثانية
  • مصر
  • الدين
  • الدولة الحديثة
Keywords:
  • Modern Administrative
  • The Egyptian state
  • Second Republic

تعود الدولة المصرية الحديثة، وما ارتبط بها من مفاهيم ومؤسسات ونُظ م إدارية حديثة، إلى

عصر محمد علي. ففي تلك الفترة أُعيد صوغ الدولة المصرية العتيقة وتحديث مكوناتها وقواعد

إدارتها طبقًا لمفاهيم الدولة الحديثة، ودخلت فكرة الدستور عالم القانون المصري. وما تتناوله

هذه الورقة – بعد إلقاء نظرة عامة على تطور النصوص الدستورية في مصر في إطار تشكّل

مؤسسات الدولة الحديثة- هو سبر الاتجاهات العامة التي يمكن أن يتّخذها تطور الجدل

والصراع السياسيين-الدستوريين في أعقاب ثورة كانون الثاني/يناير 2011، حول علاقة

الدولة بالدين، ومكانة الشريعة الإسلامية كمصدر للقوا ين، وأثر ذلك في الحريات والحقوق

الشخصية والأسرة ووضع المرأة والتربية والأخلاق، وما يُعتبرَ دينًا مسموحًا بممارسة شعائره،

وتنظيم المؤسسات المرتبطة بالدّين...إلخ. ويبقى لافتًا ومثيرًا لمزيد من النقاش ما تنتهي إليه

الورقة من أن المشكلة في مصر ليست في علاقة الدولة الحديثة بالدِّين، ولا في الدور الذي

يمحضه النظام الدستوري المصري للدِّين، بل هي في الأزمات الاجتماعية والدولة المستبدة.

وأن المعركة السياسية التي دارت رحاها خلال الأشهر التي تلت الثورة حتى الآن، حول طبيعة

الدولة: دينية أو مدنية، هي معركة زائفة؛ فلا الإخوان يسعون إلى دولة دينية، ولا الليبراليون

والعلمانيون يسعون إلى الإخلال بالواجهة المزدوجة للدولة المصرية الحديثة التي ظهرت منذ بدء

تشكيلها على يد محمد علي وخلفائه. وسيعمل جميع فرقاء السياسة من خلال مؤسسات الدولة

وجهازها في مصر الذي هو جهاز علماني، من حيث تركيبته وأهدافه.

فرضت الدول القومية الحديثة، التي ظهرت في الغرب الأوروبي أوالً، هيمنتها على العالم بأسره،

فانتقل نموذجها إلى أرجاء المعمورة. ومع انتقال هذا النموذج إلى مجتمعات أخرى لم تشهد مراحل

تطوره التي شهدها «بلد المنشأ»، جرت أقلمته مع الواقع الاجتماعي والتاريخ الخاص لكلٍّ من تلك المجتمعات.

وأدى ذلك، لا سيما جوانبه المتعلقة بعلاقة الدِّين بالدولة والقانون، إلى إشكاليات ناتجة من تلاقح الثقافات

والأنظمة القانونية. وصاغت مصر – باعتبارها من الدول القديمة المحدَّثة - موفّقة إلى حد بعيد لتلك حلوالً

الإشكاليات في نظُمها الدستورية، عندما سعت (لا سيما في الفترة الليبرالية بين سنتي 1919 و 1952) إلى

إعادة تنظيم أركانها، من أرض وبشر وسلطة، في صورة إقليم وشعب وسلطة ممركزة ممأسسة، على غرار الدول

الأوروبية. وما يحاوله هذا المقال، المكتوب على وقْع الجدال الحاد الدائر في مصر حول وضع دستورها الجديد،

الذي سيعيد تنظيم الأسس القانونية لحكمها وإدارتها في أعقاب ثورة كانون الثاني/يناير 2011، هو إلقاء نظرة

عجلى على تاريخ الحياة الدستورية في مصر، في ارتباطها بمسار تطورها الاجتماعي والسياسي العام، مع التركيز

على زاوية معيّنة تتعلق بالمعالجات الدستورية لدور الدِّين في الدولة، في الماضي كما في الوضع الراهن، والعلاقة

بين الشريعة والقانون.

الحياة الدستورية في مصر

وسمَ قِدَمُ الدولة المصرية تاريخَها بعدد من السمات، منها اكتمال أجهزة الدولة منذ فجر التاريخ، وثقل وطأتها

على المجتمع، والإخفاق في صوغ نظام ديمقراطي لإدارة السلطة. وسبب ذلك – إلى حد بعيد – هو الدور الذي

تقوم به الدولة في تنظيم الريّ النهري، وغياب الملْكية الخاصة للأرض الزراعية قبل العصر الحديث، وهو ما

يشار إليه في الأدبيات الاجتماعية-السياسة الحديثة ب«نمط الإنتاج الآسيوي». وعلى العكس من ذلك، سمح

غياب الدولة المركزية في أوروبا في العصر الإقطاعي بظهور المدن المستقلة، التي وجد فيها التجار الأحرار مجاالً

مناسبًا لمراكمة الثروة، ومن ثم تطور نمط الإنتاج الرأسمالي وما ارتبط به من الأفكار والعلاقات الاجتماعية،

وهو ما أسفر في النهاية عن ظهور الدولة الحديثة بسِماتها المعروفة. أمّا الدولة المصرية الحديثة، وما ارتبط بها من مفاهيم كالسيادة والمواطنة والمساواة بين المواطنين، ومؤسسات

كالمجالس والوزارات، ونظم إدارية حديثة في مجالات التجنيد والتعليم والضرائب، فتعود جذورها إلى عصر

محمد علي. وقد بدأ في إثر ذلك ظهور ملامح النظام الدستوري والتحول إلى الاقتصاد النقدي ونمط الإنتاج

الرأسمالي تدريجيًا. وعلى ذلك، يكون تاريخ الدولة في مصر قد عكس تاريخها في أوروبا، التي ظهرت فيها

الرأسمالية أوالً، ثم طورت رموز الدولة القومية وأنشأت أجهزتها ثانيًا، وتمكنت بذلك من تدعيم المركزية

في النهاية. ويمثّل ذلك إحدى السمات الفارقة في تطور الدولة المصرية الحديثة، ومن ثم يصح القول إن

مصر «قد عانت من تقدمها المبكر.. بينما استطاعت أوروبا الإقطاعية المتخلّفة، بفضل المرونة التي تصحب

التخلّف، أن تتغلب على تأخرها في مدة قصيرة وأن تسبق غيرها في إنجاز النقلة الكيفية التي فتحت عصر

الرأسمالية الحديثة». لقد سعى محمد علي إلى بناء جهاز حكومي قادر وفعّال وممركز، ومتمحور حول حاكم مطلق وفقًا للطرائق

الحديثة، بتأثير من النموذج الفرنسي الذي جرى التحديث على غراره. وكان بناء جيش كبير معتمد على

1 انظر على سبيل المثال: أحمد صادق سعد، تاريخ مصر الاجتماعي -الاقتصادي: في ضوء النمط الآسيوي للإنتاج: مصر الفرعونية،

الهيلينية، الامبراطورية الإسلامية، الفاطمية من المغرب إلى مصر، عهد الممالك (بيروت: دار ابن خلدون، 1979)، ص -7.33

2 نزيه نصيف الأيوبي، الدولة المركزية في مصر، مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي. محور المجتمع والدولة (بيروت: مركز

دراسات الوحدة العربية، 1989)، ص -12.13

3 سمير أمين، «ملاحظات حول أزمة الرأسمالية في مصر،» قضايا فكرية (القاهرة)، العدد 5 (أيار/ مايو 1987)، ص 283 –. 285

التجنيد الإجباري لأبناء الفلاحين هو قاطرة التنمية، فأُقيمت المصانع لتلبية حاجاته. ولتزويد المصانع بالمواد

الخام، جرى «تتجير» الزراعة وبسط سيطرة الباشا على ناتجها من خلال احتكار إنتاج المصانع، واحتكار

توريد المواد اللازمة له، وهو ما أدى إلى تراكم متصاعد لرأس المال، وإعادة استخدام جزء مهم منه في تطوير

صناعة حديثة. ترادفت مع عملية التحديث الاقتصادي والإداري إعادة صوغ للدولة المصرية العتيقة، وتحديث لمكوّناتها

والقواعد التي تحكم إدارتها، طبقًا لمفاهيم الدولة الحديثة، المكوَّنة من إقليم يحلّ محلّ الأرض المغفلة التي

تقوم عليها الدولة التقليدية، وشعب يرتبط بالإقليم والحدود بدالً من الأمة التي تجمع شعوبًا شتّى، وسلطة

مرتبطة بإقليم محدَّد وممارَسة على شعب محدَّد. وجرت إعادة تنظيم أجهزة الدولة تبعًا للنموذج الدستوري

للدولة الحديثة، في عملية يصعب الفصل فيها بين ما كان متعلقًا بتطوير الإدارة الحكومية وما كان متعلقًا

بتطوير المجالس السياسية والتشريعية، وما كان متعلقًا بتنظيم السلطة القضائية. وفي أعقاب ذلك، دخلت فكرة

الدستور (بما هو تحديد لماهية الدولة ومقوِّماتها ومؤسساتها وحقوق المواطنين) عالم القانون المصري. في 28 آب/ أغسطس 1878، وعلى خلفية الأزمة المالية الطاحنة وتدخلات الدول الأجنبية للدفاع عن مصالح

الدائنين، أصدر الخديوي إسماعيل أمرًا بتشكيل وزارة مسؤولة أمامه، نصّ فيه على «أن أمور البلاد تدار ابتداء

من تاريخ هذا الأمر بواسطة الخديوي، بالاستعانة بمجلس النظار وبالمشاركة معه، وأن مجلس النظار يتفاوض

في جميع الأمور المهمة المتعلقة بالقطر، ويؤخذ برأي أغلبية المجلس، ويصدق الخديوي على رأي الأغلبية، وأن

أعضاء مجلس النظار يكونون متضامنين في المسئولية». وبمقتضى أمر عال صادر في 10 كانون الأول/ ديسمبر

من السنة نفسها، وزِّعت أعمال الحكومة على سبع نظارات، يرأس كلاًّ منها ناظر، وهي الخارجية، والمالية،

والجهادية والبحرية، والمعارف والأوقاف، والداخلية، والحقانية، والأشغال، ونصّ ذلك الأمر على اختصاص

كل ناظر بادارة الشؤون المتعلقة بنظارته، وجعل له حقّ تعيين الموظفين التابعين له وعزلهم، وإصدار الأوامر

بالمصروفات الخاصة لنظارته. وفي حزيران/ يونيو 1879، نشُرت لائحة جديدة لمجلس شورى النواب تضمنت كثيرًا من الملامح الدستورية

الحديثة، كالحصانة البرلمانية والمسؤولية الوزارية وعدم نفاذ القوانين واللوائح، ما لم يوافق عليها مجلس النواب،

وحُدِّد عدد النواب بمئة وعشرين نائبًا عن مصر والسودان، يُنتخبون على درجتين. إالّ أن خلع الخديوي إسماعيل

في 26 من الشهر نفسه وحلول توفيق محله وسعي هذا الأخير للاستبداد بالسلطة، مدعومًا من إنكلترا وفرنسا،

كلُّ ذلك حال دون إجراء انتخابات المجلس وعقد اجتماعاته. وأجبرت أحداث الثورة العرابية الخديوي على

إسناد الوزارة إلى شريف باشا، الذي أعاد تقديم لائحة مجلس شورى النواب إلى المجلس المعاد انتخابه. وأدى

خلاف حول اللائحة الداخلية للمجلس بشأن المسؤولية الوزارية وحق المجلس في مناقشة الميزانية (كان ذلك

موضع اعتراض من المراقبيَن الإنكليزي والفرنسي) إلى استقالة الوزارة وإسنادها إلى محمود سامي البارودي.

وفي 8 شباط/ فبراير 1882 صدر القانون الأساس («اللائحة») موافقًا لرأي المجلس. ويمكن اعتبار ذلك

القانون الأساس دستورًا صادرًا عن جمعية وطنية (لأن مجلس النواب المنتخب سنة 1882 هو الذي أملى

4 صلاح السعيد أبونار، «مصر في عهد محمد علي،» (رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة 1984)،

ص.357-355

5 عمر ممدوح مصطفى، أصول تاريخ الفنون (القاهرة: دار المعارف، 1963)، ص.474

6 المصدر نفسه، ص 475، وزكي عبد المتعال، تاريخ النظم السياسية والقانونية والاقتصادية غلى الأخص من الوجهة المصرية (القاهرة:

].[د. ن، 1935)، ص.204-203

إصداره)، أقام نظامًا برلمانيًا كانت الوزارة فيه مسؤولة أمام مجلس النواب المنتخَب من الشعب، وكان للمجلس

حق التقرير التشريعي. عقب الاحتلال البريطاني لمصر، أعدَّ اللورد دوفرين، سفير إنكلترا في الأستانة ومندوبها فوق العادة في مصر،

تقريرًا أسّسه على أن النظام الدستوري لا يستقر في أرض إالّ إذا نما فيها تدريجيًا، وأن كل أمة أمضت دهرًا طويالً

في الرق والعبودية تكون اليد القوية أصلح لها من الحكم الدستوري اللين، مقترحًا أن ينتخب كل مركز أو قرية

مندوبًا عنه/ عنها، ويدعى هؤلاء المندوبون إلى انتخاب أعضاء مجلس يشترك مع المدير في إدارة مديريته. وتكون

الخطوة الثالثة إيجاد مجلس عام لا يكون أعضاؤه كلهم منتخبين بمعرفة الأهالي «لأن ذلك يفضي إلى تشكيل

المجلس من أفراد قل لي الخبرة بالمسائل العامة، عاجزين عن المباحثة في الشئون الإدارية والأمور المالية، والأوفق

أن يكتفى بمجلس قليل الأعضاء، يكون عددهم نحو ثلاثين، ويكون للخديوي تعيين نحو نصفهم والباقون

ينتخبون بمعرفة المندوبين الناخبين بالمدن والأقاليم، ويكون لهذا المجلس حرية البحث والمناقشة فيما تعرضه

الحكومة من مشروعات القوانين مع بقاء رأيه استشاريًا... ويحسن إنشاء مجلس آخر أوفر عددًا.. واجتماعاته

أقل من اجتماعات الأول.. وظيفته البحث في مسائل أكثر أهمية وأوسع نطاقًا، كفرض الضرائب وتسويتها

وإنشاء الترع العامة، ويدخل في تشكيله أعضاء المجلس الأول ومجلس النظار ليكونوا مرشدين لبقية الأعضاء

في أساليب البحث والمناقشة». بناءً على هذا التقرير، أصدر الخديوي توفيق في أول أيار/مايو 1883 القانون النظامي الجديد، وذلك بتشكيل

ثلاث هيئات استشارية: الأولىهي مجالس المديريات التي يختلف عدد أعضاء كل منها تبعًا لاختلاف حجم

المديرية، وتجتمع مرة واحدة في السنة، وتختص بالأمور المحلية في المديرية؛ الثانية هي مجلس شورى القوانين

المكوَّن من 03 عضوًا تنتخب مجالس المديريات 16 منهم، ويعنيّ الخديوي الباقين لمدة ستة أعوام، كما يعنيّ رئيس

المجلس وأحد وكيليه، بينما يختار الأعضاء المنتخبون الوكيل الآخر. وجلسات المجلس غير علنية، ويجتمع مرة

واحدة كل شهرين لينظر في القوانين والأوامر العالية قبل إصدارها، ورأيه استشاري إالّ أن العرض عليه لازم.

وفي سنة 1912 حصل المجلس على حق توجيه أسئلة إلى النظار للاستفسار عن بعض المسائل الإدارية فقط؛

الثالثة هي الجمعية العمومية المكوَّنة من 83 عضوًا هم أعضاء مجلس النظار (وعددهم 7)، وأعضاء مجلس

شورى القوانين (وعددهم 03)، والباقون (عددهم 46) ينتخبهم مندوبو الناخبين، ومدة عضوية المنتخبين

ستة أعوام. ورئيس مجلس شورى القوانين هو رئيس الجمعية العمومية. وتعقد الجمعية اجتماعاتها مرة واحدة

كل عامين، وتختص بإقرار الضرائب، ورأيها في هذا الشأن قطعي، وإبداء رأي غير ملزم في السلف العمومية،

وإنشاء وإبطال أي ترعة أو أي خط من خطوط السكة الحديد إذا كان مارًا بجملة مديريات، وفرز عموم أطيان

القطر لتقدير درجات أعمالها. في أول تموز/يوليو 1913، ومع تصاعد نضال الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل من أجل الاستقلال،

وتصاعد الحملات على النظام الدستوري الزائف، صدر قانون نظامي بإنشاء الجمعية التشريعية وتحديد

كيفية تأليفها وإدارة أعمالها، وإعادة تنظيم مجالس المديريات. وبه حلَّت الجمعية التشريعية محل مجلس شورى

7 السيد صبري، مبادئ القانون الدستوري، ط 4 (القاهرة: مكتبة سيد عبدالله وهبه، 1949)، ص.281-279

8 المصدر نفسه، ص.284-283

9 صوفي حسن أبو طالب، تاريخ القانون في مصر، ط 3 (القاهرة: دار النهضة العربية، 2000)، ج 2، ص: العصر الإسلامي.228

10 مجدي المتولي، التشريعات المصرية، الجزء الأول: دساتير مصر ([القاهرة: دار النهضة العربية، 2002])، ص 13 (وهو موسوعة

تجميعية للنصوص.)

القوانين والجمعية العمومية. وتكوَّنت الجمعية التشريعية من 83 عضوًا، منهم 17 تعيّنهم الحكومة و 67

منتخبون، ونظامها شبيه بنظام مجلس شورى القوانين، مع تجديد تعيين، وانتخاب ثلثي أعضائها كل عامين.

وأصبح لها، بالإضافة إلى إصدار القوانين التي تقترحها الحكومة، حق اقتراح القوانين عدا القوانين النظامية.

وللخديوي حق حل الجمعية. وتختص الجمعية بفرض الضرائب والرسوم، ولها إبداء الرأي في القوانين

واللوائح قبل صدورها، كما أن لها إبداء الرأي في الميزانية. ومن حقها توجيه أسئلة إلى الوزراء للاستفسار

عن موضوع معي. ولم تعقد الجمعية سوى دورة انعقاد واحدة؛ إذ نشبت الحرب العالمية الأولى، وأعلنت

إنكلترا حمايتها على مصر، وعطّلت أعمال الجمعية، وظلت معطَّلة حتى أُلغيت بإصدار دستور 1923 في

19 نيسان/ أبريل 1923. على الرغم من أن هذا الدستور صدر على شكل منحة من الحاكم الخاضع لسلطة الاحتلال، فإن الظروف

الثورية التي وضِع فيها وأُصدر خلالها، والوعي السياسي وتجذُّ ر الروح الديمقراطية في نفوس الشعب المصري،

جعلت الدستور مع ا عن هذا الواقع، بصرف النظر عن الأداة التي صدر بها. وقد اتّبع الدستور أسس الملَكية

الدستورية طبقًا للنظم الدستورية الحديثة؛ فهو يعلن مصر دولة ذات سيادة، حرة مستقلة، مُلكها لا يجزأ ولا

ينزل عن شيء منه، وحكومتها مستقلة وراثية وشكلها نيابي (م 1)، والسلطات فيها مصدرها الأمة (م 23)،

وأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، فالسلطة التشريعية يتولاها الملك بالاشتراك مع مجلس الشيوخ والنواب

(24 م)، والتنفيذية يتولاها الملك في حدود الدستور (م 29)، والقضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها

(0 م.)3 والنظام النيابي المنصوص عليه في الدستور هو النظام البرلماني، فالوزارة مسؤولة بالتضامن أمام مجلس

النواب (م 61)، ويحق للسلطة التنفيذية حل مجلس النواب (م 83)، ورئيس الدولة غير مسؤول (م 33) إذ يتولى

سلطته بواسطة وزرائه (م.)48 ونظم دستور 1923 في الباب الثاني منه حقوق المصريين وواجباتهم، فقرر (م 2) أن المصريين لدى القانون

سواء في تمتعهم بالحقوق المدنية والسياسية، وفي ما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة، لا تمييز بينهم في

ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدِّين. وكفل الدستور الحرية الشخصية (م 4) وحرمة المنازل (م 8)، ونصت

المادة (12) على أن حرية الاعتقاد مطلقة. ونصت المادة (13) على أن «تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان

والعقائد طبقًا للعادات المرعية في الديار المصرية، على أالّ يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب». ونصت

المادة (14) على أن حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو بالكتابة والتصوير، أو بغير

ذلك، في حدود القانون. ونصت المادة (17) على أن التعليم حر ما لم يخل بالنظام العام أو ينافي الآداب. ونصت

المادة (20) على حق الاجتماع، ونصت المادة (21) على حق تكوين الجمعيات، ونصت المادة (149) على أن

«الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية» وعقب انقلاب 1952، المتحول لاحقًا إلى ثورة من حيث مضمونه وأثره في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية

والسياسية، تعاقب على مصر أربعة إعلانات دستورية ودستوران قبل دستور عام 1971. أولها الإعلان

الدستوري الصادر في 10 شباط/ فبراير 1953 من القائد العام للقوات المسلحة وقائد ثورة الجيش في إحدى

11 صبري، ص 291-290، وأبو طالب، ص -229.230

12 مصطفى، أصول تاريخ القانون، ص 483-482؛ أبو طالب، ص 231-230، وعبد المتعال، ص.209-206

13 من أجل دراسة تفصيلية لدستور 1923، انظر: صبري، ص 674-307، ويحيى الجمل وأنور رسلان، القانون الدستوري والنظام

الدستوري المصري (القاهرة: دار النهضة العربية، 2006)، ص.186-137

عشرة مادة مقسَّمة إلى قسمين: الأول في سبع مواد مخصصة لبيان المبادئ العامة، وخلاصتها أن الأمة مصدر

السلطات، والمصريون لدى القانون سواء، وحرية الرأي والحرية الشخصية وحرمة المنازل مكفولة في حدود

القانون، وحرية العقيدة مطلقة، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد من دون إخلال بالنظام

العام والآداب، ولا ضريبة ولا إعفاء منها إالّ بقانون، واستقلال القضاء. أمّا القسم الثانيالخاص بنظام الحكم،

فقد جعل أعمال السيادة لقائد الثورة المتمثّل ب«مجلس قيادة الثورة»، وبصفة خاصة ما يلزم من تدابير لحماية

النظام القائم على الثورة وتحقيق أهدافه وتعيين الوزراء وإقالتهم، وجعل السلطة التشريعية لمجلس الوزراء،

والتنفيذية لمجلس الوزراء وللوزراء، كلٌّ في ما يخصه. وفي 18 حزيران/يونيو 1953، صدر إعلان دستوري

بإلغاء الملَكية وإعلان الجمهورية وإسناد رئاستها إلى اللواء محمد نجيب. كان مجلس قيادة الثورة قد أصدر في كانون الثاني/يناير 1953 مرسومًا بتشكيل لجنة من 50 عضوًا لوضع

مشروع دستور. وبعد عامين، قدمت اللجنة مشروعها الذي كان «طبعة جمهورية منقحة من دستور 1923»، لم

تر الثورة الأخذ به لأنه «لا يحقق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة بصورة كاملة»، وعهد الرئيس جمال

عبد الناصر إلى مكتبه الفني مهمة وضع مشروع دستور جديد أُقر في استفتاء أُجري في 23 تموز/ يوليو 1956.

ونصّت مادته الأولى على أن مصر دولة عربية مستقلة ذات سيادة، وهي جمهورية ديمقراطية شعبها جزء من

الأمة العربية. ونصّت مادته الثانية على أن السيادة للأمة تمارسها على الوجه المب في الدستور، ونصت مادته

الثالثة على أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية. وجمع ذلك الدستور بين بعض جوانب النظام

الرئاسي وبعض جوانب النظام البرلماني، موليًا اهتمامًا للحقوق الاجتماعية، إلى جانب إدخال الاستفتاء، الذي

هو أحد مظاهر الديمقراطية المباشرة، في إقرار الدستور وتعديله (استفتاء دستوري)، وفي المسائل المهمة التي

تتصل بمصالح البلاد العليا (استفتاء سياسي). كما استحدث تنظيامً سياسيًا وحيدًا هو الاتحاد القومي (م 192)

«للعمل على تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة، ولحَثّ الجهود لبناء الأمة بناءً سليامً من النواحي

السياسية والاجتماعية والاقتصادية». في 13 آذار/مارس 1958، وبعد الوحدة مع سورية، صدر الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة.

وبعد الانفصال عن سورية عام 1961، واتجاه النظام الناصري إلى «الاشتراكية»، أقر المؤتمر الوطني للقوى

الشعبية ميثاق العمل الوطني في 03 حزيران/ يونيو 1962، وصدر إعلان دستوري في 27 أيلول/ سبتمبر من

السنة نفسها، مقرِّرًا الأخذ بمبدأ جماعية القيادة وإنشاء مجلس للرئاسة يكوّن الهيئة العليا لسلطة الدولة، ومجلس

تنفيذي يكوّن الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة، واستمرار العمل بأحكام دستور 1958 في ما لا يتعارض

مع أحكام ذلك الإعلان. وفي 23 آذار/ مارس 1964، صدر إعلان دستوري جديد يتضمن أحكام النظام

الدستوري المؤقت كي يُتم مجلس الأمة وضع مشروع الدستور الدائم وطرحه على الشعب للاستفتاء، مع إنهاء

العمل بدستور 1958 والإعلان الدستوري 1962. ونصّت المادة الأولى من دستور 1964 على أن الجمهورية

العربية المتحدة دولة ديمقراطية اشتراكية تقوم على تحالف قوى الشعب العاملة، ونصّت المادة الثانية على أن

السيادة للشعب، ونصّت المادة الثالثة على أن تحالف قوى الشعب العاملة، وهي الفلاحون والعمال والجنود

14 من أجل دراسة وافية بشأن ذلك الدستور، الذي يبدو أنه كان من الفرص الكبرى الضائعة في تاريخ مصر الدستوري، انظر: صلاح

عيسى، دستور في صندوق القمامة: قصة مشروع دستور 1954: دراسة ووثيقة، تقديم عوض المر (القاهرة: مركز القاهرة لدراسات

حقوق الإنسان،.)2001

15 الجمل ورسلان، ص 233-229، وطعيمة الجرف، النظرية العامة للقانون الدستوري وتطور النظام السياسي والدستوري في مصر

المعاصرة الفترة من إعلان الاستقلال سنة 1922 وحتى الآن، ط 3 (القاهرة: دار النهضة العربية، 2001)، ص.325-306

والمثقفون والرأسمالية الوطنية، تقيم الاتحاد الاشتراكي العربي (التنظيم السياسي الوحيد الذي حل محل الاتحاد

القومي) ليكون السلطة الممثِّلة للشعب والدافعة لإمكانات الثورة، والحارسة على قيم الديمقراطية السليمة.

واستمر تعزيز السمات الرئاسية في تلك الجمهورية في ظل التنظيم السياسي الواحد. ولم تجد نصوص الدستور

الخاصة بحقوق المواطنين طريقها للنفاذ في الواقع العملي في ظل ذلك الوضع. ونصت المادة الخامسة من ذلك

الدستور على أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية. في سنة 1971 صدر الدستور «الدائم» الذي وعد به دستور 1964، متّبعًا خطواته في التوجه الاشتراكي

الديمقراطي، والأخذ بنظام الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي) في وقت كانت تتجمع العوامل التي أدت، في

غضون أعوام قليلة، إلى التحرر من تلك «الاشتراكية» التي نص عليها الدستور، وتنظيمها الواحد، وانعكاسات

ذلك في نصوص الدستور. ونصّت مادته الأولى على أن جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي واشتراكي

يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة، والشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها

الشاملة. ونصّت مادته الثانية على أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة

الإسلامية مصدر رئيس للتشريع. عُدِّل الدستور في 22 أيار/ مايو 1980 بتعديل نص المادة الأولى في فقرتيه الأوليين المتعلقتين باسم

مصر ونظامها، لتصبحا «جمهورية مصر العربية نظامها اشتراكي ديمقراطي». وتعديل عجُز المادة الثانية

ليصبح «...ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع»، أي بإضافة «ال» التعريف. وعُدِّل نص

المادة الرابعة المتعلقة بالأساس الاقتصادي، وهو الاشتراكي الديمقراطي القائم على الكفاية والعدل بما

يحول دون الاستغلال بإضافة عبارة «ويؤدي إلى تقريب الفوارق بين الدخول، ويحمي الكسب المشروع،

ويكفل عدالة توزيع الأعباء والتكاليف العامة»، بدالً من أن «يهدف إلى تذويب الفوارق بين الطبقات».

وعُدِّل نص المادة الخامسة الخاصة بالاتحاد الاشتراكي العربي وأهدافه ليصبح: «يقوم النظام في جمهورية مصر

العربية على أساس تعدُّد الأحزاب، وذلك في إطار المقومات والمبادئ الأساسية للمجتمع المصري المنصوص

عليها في الدستور، وينظم القانون الأحزاب السياسية». وعُدِّل نص المادة السابعة والسبعين لتجيز إعادة

انتخاب رئيس الجمهورية «لمُدد أخرى» بعد أن كانت إعادة انتخابه جائزة «لمدة تالية ومتصلة». وأضيف

إلى الدستور باب سابع يضم المواد من 194 حتى 211، يتضمن أحكامًا جديدة في فصلين، استحدث أولهما

مجلس الشورى وحدّد اختصاصاته وانتخاب أعضائه، ونظم الثاني «سلطة الصحافة». وبموجب استفتاء

أُجري في 25 أيار/مايو 2005، عُدِّلت المادة (76) من الدستور، استجابة للضغوط الداخلية والخارجية

الهادفة إلى إضفاء مسحة من الديمقراطية على طريقة اختيار رئيس الجمهورية، فجعلها بالانتخاب عوضًا

عن الاستفتاء. على أن المادة المعدَّلة وضعت شروطًا متعددة للترشيح للرئاسة على نحو يفرغ ذلك التعديل

من مضمونه، ويجافي جميع أصول الصياغة الفنية للمواد الدستورية على نحو لا مثيل له في الدساتير الحديثة،

وكان محالً لانتقادات كثيرة. وبموجب استفتاء أُجري في 26 آذار/ مارس 2007، أُدخلت على 33

مادة من مواد الدستور تعديلات استهدفت تحقيق أغراض متعددة، أولها تحقيق التلاؤم بين مواد الدستور

والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي حدثت في المجتمع المصري منذ إقرار الدستور سنة

1971، وأبرزها الانتقال من الاقتصاد المخطط مركزيًا إلى اقتصاد السوق، وتخليّ الدولة عن كثير من التزاماتها

16 المتولي، ص -361.365

17 حسنين توفيق إبراهيم، التعديلات الدستورية ومستقبل التطور السياسي والديمقراطي في مصر، كراسات استراتيجية؛ 185

(القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام،.)2008

تجاه مواطنيها، والأخذ بنظام تعدد الأحزاب (مع التحفظ على حدود هذا التعدد) بدال من التنظيم السياسي

الواحد. وفي هذا الإطار، عُدِّلت المواد 1، 4، 24، 30، 33، 37، 2/56، 59، 73، 179، فحُذفت الإشارة

إلى الاشتراكية والنظام الاشتراكي وتحالف قوى الشعب العامل والمكاسب الاشتراكية وسيطرة الشعب على

وسائل الإنتاج والمدعي العام الاشتراكي، باعتبار أنها تفرض بالنص الدستوري توجهات مكانها السياسة

العامة. وأضيفت فقرة ثالثة إلى المادة الخامسة من الدستور (قيام النظام السياسي على أساس تعدد الأحزاب)

جرى نصها على النحو: «وللمواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية وفقًا للقانون، ولا تجوز مباشرة أي

نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أية مرجعية دينية أو أساس ديني أو بناء على التفرقة بسبب الجنس

أو الأصل»، وجاءت تلك الإضافة في إطار صراع النظام ضد التيار الدِّيني. وعُدِّلت المادة (62) المتعلقة

بالنظام الانتخابي، لإطلاق يد السلطة في الأخذ بأي نظام انتخابي في مواجهة أحكام المحكمة الدستورية

بإبطال الانتخابات التي أُجريت على أساس القوائم الحزبية فقط سنة 1984 وجمعت بين القوائم والنظام

الفردي سنة 1987، وإجازة ضمان حد أدنى لتمثيل المرأة بموجب القانون. وعُدِّلت المادة (88) لحسم

الجدل نهائيًا بشأن حدود الإشراف القضائي على الانتخابات، وذلك بإلغائه نهائيًا وتخويله للجنة عليا «تتمتع

بالاستقلال والحيدة... يبين القانون طريقة تشكيلها وعملها.. على أن يكون من بين أعضائها أعضاء من

هيئات قضائية حاليين وسابقين»، بعد ما كان من فشل الحزب الحاكم النسبي وإنجاز جماعة الإخوان غير

المسبوق في انتخابات سنة 2005 التي أشرف عليها القضاء فعالً بناءً على حكم المحكمة الدستورية سنة

2000 بعدم دستورية نظام الانتخابات، الذي لا يحقق الإشراف القضائي المنصوص عليه دستوريًا. كما تم

تعديل المادة (76) الخاصة بانتخابات رئيس الجمهورية، في محاولة غير مجدية لتلافي الانتقادات التي وجِّهت

إليها. وعُدِّلت المواد 82، 84، 85 لتحديد من يحل محل رئيس الجهورية في مختلف الحالات التي يتعذّر

عليه فيها ممارسة مهامّته (في ضوء عدم تعيين نائب للرئيس) بتخويل ذلك لرئيس الوزراء – إلى جانب نائب

الرئيس – في حال المانع المؤقت أو توجيه اتهام للرئيس، ورئيس مجلس الشعب (أو رئيس المحكمة الدستورية

في حال حلّ المجلس) في حال خلوّ المنصب، أو عجز الرئيس الدائم.

الجدل الدستوري بعد ثورة كانون الثاني/ يناير 2011

في ظل هذا الدستور المعدَّل، أُجريت الانتخابات البرلمانية عام 2010، وكانت بمنزلة القشة التي قصمت ظهر

البعير؛ إذ كانت عوامل السخط تتجمع منذ أمد بعيد، وقاعدة النظام تضيق وتتأكّل، وحجم السخط وعوامل

الاحتجاج تتجمع وتتكاثف. فقد كان تطبيق برنامج البنك الدولي لإعادة الهيكلة منذ منتصف الثمانينيات يعني

أن جيالً على الأقل من فقراء الشعب المصري (وهم الأغلبية الكاسحة) محكوم عليه أن يعبر الحياة من دون

عيش حقيقي، وأن ينشأ أبناؤه من دون أمل فيه، بينما كانت السموات المفتوحة وحرية النشر الواسعة تملأ

الأنفس ببخار السخط على الفساد المعمم والسلطة العاجزة عن تقديم أي حلول تتجاوز دعم بعض سلع

الاستهلاك الواسع (الذى يتسرب أغلبه إلى الطبقات المنحطة من المستغلين) والقمع البوليسي، حتى انفجر

البركان في كانون الثاني/ يناير.2011 لقد كانت الظروف مهيأة منذ زمن بعيد للانفجار الثوري، وكان وقوع الانفجار واردًا في أي لحظة، لكن

غياب قيادة مؤهلة كان يحول دون تطور الاحتجاجات المطلبية والجزئية إلى عمل كبير. وجاءت ثورة شعب

تونس لتعطي المثال على إمكان إطاحة الديكتاتوريات المتهاوية، وجاءت إشارة الانقضاض في 25 كانون

الثاني/ يناير من شباب مصر، الم عرضين عن الأيديولوجيا والمقبلين على التكنولوجيا. وتطور الحدث إلى

اشتباكات مع الشرطة، خاصة في السويس. ومن ثم توالت الدعوة إلى تجمعات، في أماكن متعددة، تحركت

في تظاهرات مراوغة أدى فيها شباب الأحياء العشوائية من المفقرين المتعطلين عن العمل دورًا بطوليًا كبيرًا

في مواجهة قوات البوليس والأمن المركزي، التي أخذت تستخدم الرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين

الذين لم يعد لديهم هدف أسمى من كسر قوات البوليس والانتصار عليها، وهو ما تحقق بالفعل في جمعة

الغضب (28 كانون الثاني/ يناير 2011). واستُدعيت قوات الجيش، للنزول إلى الشوارع، فوجد قادته

في ذلك فرصة سانحة لخلع الرئيس وحاشيته لإنقاذ النظام برمّته. وفي عشية التظاهرة المليونية الأولى، التي

دُعي لها في ميدان التحرير يوم الثلاثاء 1 شباط/ فبراير 2011، أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة بيانًا

شجعت لهجته الجماهير على الانضمام إلى الاعتصام الذي تحوّل إلى عصيان مدني عمّ مدن مصر كلها تقريبًا،

واستمر حتى تنازل الرئيس عن سلطاته للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي أعلن منذ البداية أنه لا

ينوي البقاء في السلطة، وأن مهمته قاصرة على إصلاح النظام الانتخابي والإشراف على انتخابات جديدة

تفرز مؤسسات دستورية تعكس إرادة الأمة (مجلس الشعب ومجلس الشورى ورئيس الجمهورية)، وإدارة

البلاد حتى استكمال بناء تلك المؤسسات، ومن ثم تسليم السلطة إلى المؤسسات المنتخَبة والعودة إلى ثكنه،

محددًا لهذه المهمة جدوالً زمنيًا مدته ستة أشهر. شكل المجلس لجنة لتعديل بعض مواد الدستور وما يرتبط بها من تشريعات لازمة، لإنجاز المهمة المعلنة. ورأى

أهل السياسة، الموجودون في الإعلام أكثر ممّا هم موجودون على الأرض، في تركيب تلك اللجنة تحالفًا بين

المجلس الأعلى للقوات المسلحة والإخوان المسلمين، كما رأوا أن الاستمرار في هذه الخطة سيؤدي إلى انتخابات

يحوز فيها الإخوان وبقايا الحزب الوطني الأغلبية الساحقة، ومن ثم يُصاغ الدستور وتشكَّل المؤسسات طبقًا

لمكوّنات هذا التحالف، مطالبين بفترة انتقالية طويلة إلى حين تأسيس أحزاب وائتلافات سياسية قادرة على

المنافسة، يتولى الحكم خلالها مجلس رئاسي مدني-عسكري يتم التوافق على أعضائه، وتُنتخب جمعية تأسيسية

تضع دستورًا جديدًا، داعين إلى رفض التعديلات الدستورية. وعلى الفور، تكوّنت جبهة مؤيدة للتعديلات

الدستورية ضمّت الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى الجهاديين الذين تبنّوا العمل السياسي بدالً من الكفاح

المسلح، والسلفيين الداخلين بقوة إلى ميدان السياسة بعد إعراض طويل عن الخوض في غمارها في ظل

النظام القديم، مستجلبين وراءهم جماهير حاشدة مستنفرة، سبق أن جُرّدت من الوعي السياسي. وتحوّل الصراع

في شأن التعديلات الدستورية إلى صراع بين الإسلام وخصومه. وكما كان السؤال المطروح للاستفتاء مغلوطًا؛

إذ لم يكن المطروح مجتمعيًا وسياسيًا هو القبول بالتعديلات أو رفضها، بل كان الخيارَ بين تعديلات دستورية

محدودة ودستور جديد؛ فكان الجواب عن السؤال من جانب النخبة السياسية المدنية -إذ دعت إلى رفض

التعديلات- خاطئًا بدوره، إذ ليس من المتصور أن تكون تلك النخبة مع إبقاء النظام الانتخابي المعيب. في خضم الجدال الدستوري المستعر في وسائل الإعلام حينها، تنبّه المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى أن

الاستمرار في التعديلات على أساس ترميم دستور 1971 يعني أن تؤول سلطة الرئاسة إلى رئيس المحكمة

الدستورية العليا، فأعلن قبل الاستفتاء بيومين أنه سيصدر إعلانًا دستوريًا يمثّل دستورًا للمرحلة الانتقالية،

سواء قُبلت التعديلات أو رُفضت.

أُجري الاستفتاء يوم 19 آذار/ مارس 2011، وكان الإقبال الشعبي الجارف على الإدلاء بالأصوات فيه

(نحو 25 مليون، وبنسبة 50 في المئة ممّن لهم حق التصويت) علامة أخرى على عودة الشعب المصري، بفئاته

وطوائفه كلها، إلى الوعي وساحة الحركة السياسية بعد موات طويل. وجاءت نتيجته الموافقة على التعديلات

من ق 77ِبل في المئة تقريبًا من المشاركين، ورفضها من ق 23 في المئة منهم تقريبًا. وعكست نتيجة التصويت بل

اعتبارات الوضع السياسي والتباس صيغة الاستفتاء. ومع التسليم بأن قطاعًا كبيرًا من المصريين صوَّت لصالح

التعديلات من منطلق ديني، فإن كثيرين صوّتوا لصالحها باعتبارها طريقًا موصالً إلى الاستقرار. عمومًا، لم يكن للاستفتاء في حد ذاته أثر في الحياة الدستورية المصرية؛ إذ جاء الإعلان الدستوري الذي أعقبه

متضمنًا تعديل بعض المواد التي جرى الاستفتاء عليها مع إضافة 55 مادة انتُقيت من دستور 1971، تتعلق

بتعريف الدولة وأركانها والحقوق والحريات العامة، وتنظيم السلطات المؤقتة التي آل أغلبها إلى المجلس الأعلى

للقوات المسلحة، ورسم خارطة الطريق التي تم التصويت عليها في الاستفتاء، بإجراء انتخاب مجلسي الشعب

والشورى، ليختارا معًا جمعية تأسيسية تضع دستورًا يُطرح للاستفتاء، وانتخاب رئيس للجمهورية يكون

تسليمه للسلطة آخر مهمات المجلس الأعلى للقوات المسلحة. إذ توقّع أنصار الدولة المدنية أن تؤدي الانتخابات إلى سيطرة الإسلاميين على الجمعية التأسيسية التي ستضع

مشروع الدستور، عملوا على تحاشي تكوينها بتلك الطريقة بكل وسيلة، داعين إلى وضع الدستور أوالً وقبل

الانتخابات، وهي دعوة منطقية مقبولة، لكنها ترادفت مع الدعوة إلى تشكيل الجمعية التأسيسية من ممثلين

للنقابات والاتحادات والمؤسسات والخبراء، لا بالانتخاب، وهو ما يعني في النهاية إحلال إرادة المجلس الأعلى

للقوات المسلحة، الذي سيعنيّ هؤلاء الممثلين، أو توافق أطراف المباراة السياسية على هؤلاء الأعضاء، محل إرادة

الشعب المع عنها بالانتخابات، وكلاهما دعوة غير ديمقراطية. وسمح ذلك للتيار الإسلامي بأن يظهر بمظهر

المدافع عن الديمقراطية والاختيار الشعبي، ويجعل أنصار الاتجاهات المدنية في صورة الساعين إلى الوصاية على

الإرادة الشعبية والعداء للديمقراطية، فزاد ذلك من ضعفهم وقلل من فرص فوزهم في الانتخابات. وامتدت

حالة سوء الأداء السياسي إلى التحالفات الانتخابية، التي كانت «اعتباطية» إلى حد بعيد، إذ بُنيت أساسًا على

الموقف من الإخوان المسلمين، وغاب عنها التقدير الصحيح لحجم القوى والرؤى البرنامجية المحددة، فآل

الأمر إلى اكتساح حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين) وتحالف حزب النور

السلفي انتخابات مجلسي الشعب والشورى على النحو الذى بات معروفًا الآن. شكّل المجلسان اللجنة التأسيسية على نحو يعكس أغلبيتهما فيها ويشي بنيّة الاستئثار بوضع الدستور، فتصاعد

الهجوم من جانب القوى السياسية المدنية. وأقيمت دعوى أمام مجلس الدولة ببطلان تشكيلها، فقضى المجلس

(في 10 نيسان/ أبريل 2012) في شق مستعجل بوقف تنفيذ قرار المجلسين بتشكيل الجمعية التأسيسية. ومع

كون هذا الحكم محل نظر من وجهة النظر القانونية البحتة (لأن أعمال البرلمان – من حيث الأصل – ليست

قرارات إدارية تخضع لرقابة مجلس الدولة)، فقد أوّلته المحكمة على أنه، ما دام أنه ليس تشريعًا، فإنه يكون

قرارًا إداريًا وأخضعته لاختصاصها؛ فقد وجد فيه الجميع – بمن فيهم الإخوان المسلمون – مخرجًا مقبوالً من

أزمة تشكيل الجمعية التأسيسية، التي وصلت إلى مأزق حقيقي بين إصرار القوى المدنية على المقاطعة وإصرار

التيارات الإسلامية على الاستمرار بمفردها في وضع الدستور. لقد ألقت السياسة بظلالها على حكم القضاء في هذه القضية، شأنها شأن حكم المحكمة الدستورية بقبول

طعن الفريق أحمد شفيق في قرار استبعاده من انتخابات الرئاسة، وحكمها بعدم دستورية مادة في قانون

انتخابات مجلس الشعب سمحت بخوض المرشحين المنتمين إلى أحزاب الانتخابات لمقاعد المستقلين، مشيرة

في أسباب حكمها إلى ما يستتبعه ذلك من حل المجلس، وكان الحكمان صدرا في يوم واحد (14 حزيران/

يونيو 2012). وممّا تجدر ملاحظته أن نقل القوى المدنية نضالها إلى ساحات المحاكم عوضًا عن ميدان العمل

السياسي، الذي ظهر فيه تفوق الإسلام السياسي، هو أحد مظاهر أزمة القضاء وأزمة العمل السياسي اللتين

لا يمكن إنكارهما. على كل حال، أعاد المجلسان تشكيل الجمعية التأسيسية بأغلبية من غير أعضاء المجلسين، وتمثيل أكبر إلى حد

ما للقوى المدنية، مع المحافظة على أغلبية ملحوظة بين أصحاب اتجاه الإسلام السياسي، بالإضافة إلى إغفال

كثير من ذوي العلم والخبرة في مجالات السياسة والعلم الدستوري، وبما يعكس الرغبة في وجود كتلة تصويتية

لا تثري النقاش ولا تساهم فعليًا في وضع الدستور بقدر ما تفيد عند التصويت على ما يراه أهل الحل والعقد

في ذلك التيار الغالب أوفى بمقصودهم منه. وأقيمت دعاوى أخرى ببطلان ذلك التشكيل، وهي ما زالت

مطروحة على القضاء، الذي أجّل النظر فيها مرات عدة، ربما لظروف العطلة القضائية، وربما ليمنح الجمعية

التأسيسية فرصة لإنجاز عملها.

الدِّين والدولة

إن الجدال بشأن الصيغة التي سيضعها الدستور الجديد (في حال أتمّت الجمعية التاسيسية الثانية وضعه) لعلاقة

الدولة بالدِّين والمكانة التي سيوليها للشريعة الإسلامية كمصدر للقاعدة القانونية، وأثر ذلك في الحريات

والحقوق الشخصية، يحتل مكان قلب النقاش السياسي والقانوني الدائر في مصر الآن. والواقع أن الجدال الدائر

حول جدوى هذه العملية، وهو يعكس أزمة البحث عن هوية حضارية للمجتمع المصري، لا يني ينبعث مع

كل أزمة كبرى يواجهها هذا المجتمع منذ تبلور الملامح التاريخية لعملية تحديث جهاز الدولة المصرية، على

صعيدي الدستور والقانون، في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، ولا يزال التساؤل حول جدوى

ذلك التحول وشرعيته، ومدى اتساقه مع الموروث القانوني والثقافي، من الموضوعات الكبرى للجدل الثقافي

والقانوني في المجتمع المصري رغم مضي نحو قرنين من السير على درب التحديث. ولا يبدو الجدال الدائر الآن

مجرد إحياء لجدال قد حُسم وانتهى أمره، بقدر ما يبدو استمرارًا لجدال لم يستوف حقه وجرت مصادرته أو

تمويهه في بعض الفترات. كان أول نص دستوري على دين رسمي للدولة المصرية هو نص المادة (149) من دستور 1923: «الإسلام

دِين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية». وخلت النصوص «الدستورية» السابقة على دستور 1923 من

نص يتعلق بدِين الدولة (أو النص الذي ارتبط به في دستور 1923 وما بعده من دساتير على أن لغتها

العربية). ويرجع إغفال ذلك النص قبل 1923 – في رأينا – إلى عوامل عدة، منها أن مصر كانت جزءًا

من دولة الخلافة العثمانية التي كان من المسلَّمات أنها دولة إسلامية وغير عربية، ومنها أن أغلب الدساتير

الأوروبية المتخَذة مثاالً للصيغة الدستورية في تلك الحقبة لم تكن تعني ببيان هذه المسألة اتساقًا مع توجهاتها

العلمانية. وقد ورد ذلك النص -الذي لم يلق أي اعتراض لدى عرضه على لجنة الدستور- في بابه السادس

المعنون «أحكام عامة».

18 مصر، مجلس الشيوخ، الدستور: تعليقات على مواده بالأعمال التحضيرية والمناقشات البرلمانية ([القاهرة]: مطبعة مصر، 1940)،

ج 3، ص.3381

لا نجد في وصف أثر هذا النص عند وضعه (ومثيله الحالي كذلك) أبلغ من عبارات الدكتور طه حسين:

«ذلك النص كان مصدر فرقة بين المسلمين، فقد رضيت القلة المسيحية وغير المسيحية هذا النص ولم تر فيه

على نفسها غضاضة أو خطرًا بينما المسلمين لم يفهموه على وجه واحد ولم يتفقوا في تحقيق النتائج التي يجب أن

تترتب عليه. أمّا عامة الناس فلم تلتفت إلى هذا النص ولم تحفل به، فهم منصرفون بطبعهم إلى حياتهم العملية

مستعدون أحسن الاستعداد وأقواه للاتصال بأزمنتهم وأمكنتهم والملاءمة بين حياتهم وحياة التطور....... إنما

وقعت الفرقة حول هذا النص بين فريقين من المسلمين المصريين، أحدهما المستنيرون المدنيون والآخر شيوخ

الأزهر ورجال الدِّين، فأمّا المستنيرون فهموا أن الدستور حين ينص أن الإسلام دين الدولة لا يريد إلا أن

يعلن احترامه لدين الكثرة وما توارثته من تقاليد ويكلف الحكومة مقدارًا قليالً من الواجبات التي تتصل بهذه

التقاليد... وقالوا: نص فيه إرضاء لعاطفة السواد وطمأنة للشيوخ، فهو لا يضر وأكبر الظن أنه قد يفيد...

ولكن الشيوخ فهموا هذا النص فهامً آخر،.... واتخذوه تكئة وتعلة يعتمدون عليها في تحقيق ضروب من المطامع

والأغراض السياسية وغير السياسية. فهموا أن الإسلام دين الدولة أي الدولة يجب أن تكون دولة اسلامية

بالمعنى القديم حقًا، أي أن الدولة يجب أن تتكلف واجبات ما كانت لتتكلفها من قبل،... ومعنى ذلك أن

الدولة مكلفة بحكم الدستور أن تسمع ما يقوله الشيوخ في هذا الباب». وأصبح نص المادة (149) نصًا ثابتًا في الدساتير المصرية حتى يومنا هذا، مع تغريّ موضعه في كلٍّ منها، فتكرر

بصيغته في دستور 1930 (المادة 138). وخلا الإعلان الدستوري لسنة 1953 من نص مماثل، وذلك مفهوم

في ضوء أنه اكتفى بما يلزم لتسيير الأمور لحين وضع دستور جديد. وأصبح موضعه في الباب الأول من دستور

1956 (المادة.)3 وخلا منه الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة لسنة 1958، وربما كان ذلك راجعًا

إلى طابع الإيجاز الذي ميز ذلك الدستور وكونه مؤقتًا، وربما كان مراعاة لخصوصية الأوضاع في الإقليم الشمالي

(سورية)، وربما كان لصعود المدّ القومي والعلاقة المتوترة بين النظام المصري والإخوان المسلمين أثر في ذلك.

وأعاد دستور 1964 النص على دِين الدولة (المادة 5)، وتضمّنها دستور 1971 (المادة 2)، مضيفًا إلى النص

القديم أن «مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع»، وعدّل ذلك النص عام 1980 ليجعل من مبادئ

الشريعة الإسلامية «المصدر الرئيسي» للتشريع. وفي هذا الإطار، وإن يكن من منظور مختلف، يقيّم الدكتور

عبد الحميد متولي النص في الدستور المصري على أن دِين الدولة الإسلام بأنه نص لا يترتب عليه التزام على

الدولة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وما هو إالّ بمثابة تحية كريمة للعقيدة الدِّينية التي تدين بها الأغلبية،

أو هو بمثابة «كفارة» تقدّمها الدولة لعدم التزام أحكام الشريعة في تشريعاتها. أمّا ما يتعين على الدولة، وفقًا لنصوص الدستور، القيام به من واجبات تجاه الدِّين الرسمي للدولة، فينظّمه

بعض نصوص الباب الثاني من دستور 1971 المعنون «المقومات الأساسية للمجتمع»، فتنص المادة (9)

على أن «الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدِّين والأخلاق والوطنية». وتنص المادة (11) على أن «تكفل

الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة

السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية». وتنص المادة (12)

على التزام المجتمع برعاية الأخلاق وحمايتها... «وعليه مراعاة المستوى الرفيع للتربية الدِّينية والقيم الخلقية

19 القاهرة، 2007/3/13، وغير معروف أين ومتى نشُر المقال أول مرة. وقصة العثور عليه وتحقيق نسبته إلى الدكتور طه حسين

معروضة في العدد المشار إليه.

20 عبد الحميد متولي، أزمة الفكر السياسي الإسلامي في العصر الحديث: مظاهرها، أسبابها، علاجها، تقديم عبد الحليم محمود، ط 3

منقحة (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985)، ص.23

والوطنية... وتلتزم الدولة باتّباع هذه المبادئ والتمكين لها»، والمادة (19): «التربية الدِّينية مادة أساسية في

مناهج التعليم العام». إلى جانب تلك المواد التي جاءت صياغتها متسمة بقدر من العمومية، بما يجعلها أقرب إلى «الأهداف السامية»

الملقاة حينًا على عاتق الدولة وحينًا على عاتق المجتمع، تضمّن الدستور مواد تتسق مع طبيعة الدولة الحديثة

المحايدة تجاه الدِّين. ومن ذلك نص المادة (40) من الباب الثالث (الحريات والحقوق والواجبات العامة)

الذي جرى كما لي: «المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز

بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدِّين أو العقيدة». ونص المادة (46) من الباب ذاته على

ما لي: «تكفل الدولة حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدِّينية». ونص المادة (47) على أن «حرية الرأي

مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير

في حدود القانون...». لقد أثيرت في التطبيقات القضائية إشكالية متعلقة بتحديد ما يُعتبر، في نظر القانون، دِينًا من الأديان المسموح

لأتباعها بممارسة شعائرهم وما لا يُعتبر كذلك. وعلى خلاف المنظومة القانونية والقضائية الفرنسية المتسقة مع

علمانيتها، وهي لا تسمح للقانون أو للقضاء بتحديد ما يعتبر دينًا، درج بعض التشريعات والقرارات الإدارية

والأحكام القضائية في مصر على تحديد ما يُعتبر دينًا معترفًا به في المنظومة التشريعية والقضائية المصرية بأنه

الأديان السماوية الثلاثة دون سواها، اعتمادًا على فتاوى وقرارات للجهات المخولة قانونًا في تلك المنظومة النطق

باسم الشريعة الإسلامية (مجمع البحوث الإسلامية، وإدارة الفتوى في الجامع الأزهر، ودار الإفتاء المصرية).

وقد اطردت تلك التقريرات في كثير من الفتاوى القانونية والأحكام القضائية حتى يمكن القول إنها أصبحت

قاعدة تحكم الموقف الدستوري-القانوني في مصر من تلك المسألة. يمكن رد ذلك الاتجاه إلى أصل دستوري هو نص المادة (153) من دستور 1923: «ينظم القانون الطريقة التي

يباشر بها الملك سلطته طبقًا للمبادئ المقررة بهذا الدستور فيما يختص بالمعاهد الدِّينية وبتعيين الرؤساء الدِّينيين

وبالأوقاف التي تديرها ووزارة الأوقاف، وعلى العموم بالمسائل الخاصة بالأديان المسموح بها في البلاد. واذا لم

توضع أحكام تشريعية تستمر مباشرة هذه السلطة طبقًا للقواعد والعادات المعمول بها الآن». وهناك حكمان يمكن اعتبارهما حجر الأساس في تحديد الموقف القضائي لما يعتبر دينًا مسموحًا بممارسة شعائره،

أولهما الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري في جلسة 26 أيار/ مايو 1952 في الدعوى رقم 195 لسنة 4

قضائية، وقد صدر في دعوى أقامها بهائي بطلب إضافة علاوة الزواج لراتبه وعلاوة الغلاء المقررة للأبناء، وفيه

رفضت المحكمة الدعوى استنادًا إلى فتاوى مفتي الديار المصرية مقررة أن «الدستور لا يحمي المذاهب المبتدعة

التي تحاول أن ترقى بنفسها إلى مصاف الأديان السماوية والتي لا تعدو أن تكون زندقة وإلحادًا». ورتبت على

ذلك عدم الاعتراف بالزواج ولا بآثاره. والحكم الثانيهو الذي صدر في الدعوى رقم (7) لسنة 2 قضائية «دستورية» التي أقامها 47 بهائيًا أمام

المحكمة العليا، بطلب الحكم بعدم دستورية القرار بقانون رقم 263 لسنة 1960، الصادر من رئيس

الجمهورية بحل المحافل البهائية ومصادرة أموالها. وفي جلسة أول آذار/ مارس 1975 أصدرت المحكمة

حكمها برفض الدعوى، وكان ممّا ورد فيه: “ إن المشرع قد التزم في جميع الدساتير المصرية مبدأ حرية العقيدة

وحرية إقامة الشعائر الدِّينية باعتبارهما من الأصول الدستورية الثابتة المستقرة في كل بلد متحضر – فلكل

إنسان أن يؤمن بما يشاء من الأديان والعقائد التي يطمئن إليها ضميره وتسكن إليها نفسه، ولا سبيل لأي

سلطة عليه فيما يدين به في قرارة نفسه وأعماق وجدانه، أمّا حرية إقامة الشعائر الدِّينية وممارستها، فهي مقيدة

بقيد أفصحت عنه الدساتير السابقة وأغفله الدستور القائم (1971) وهو قيد عدم الاخلال بالنظام العام

وعدم منافاة الآداب. ولا ريب أن إغفاله لا يعني إسقاطه عمدًا وإباحة إقامة الشعائر الدِّينية ولو كانت مخلة

بالنظام العام أو منافية للآداب. ذلك أن المشرّع رأى أن هذا القيد غني عن الإثبات والنص عليه صراحة،

باعتباره أمرًا بديهيًا وأصالً دستوريًا يتعين إعماله ولو أغفل النص عليه – أمّا الأديان التي يحمي هذا النص

حرية القيام بشعائرها، فقد استبان من الأعمال التحضيرية لدستور سنة 1923 عن المادتين 12 و 13 منه

وهما الأصل الدستوري لجميع النصوص التي رددتها الدساتير المصرية المتعاقبة، أن الأديان التي تحمي هذه

النصوص 46 – ومنها نص المادة من الدستور الحالي – حرية القيام بشعائرها إنما هي الأديان المعترف بها وهي

الأديان السماوية الثلاثة. خلافًا لذلك، أضيف إلى النصوص التي تشير إلى الموقف الدستوري الوسطي أو التوفيقي بين الطبيعة العلمانية

للدولة المصرية الحديثة وسعيها إلى الحفاظ على إرثها التاريخي ودورها في ما يخص الدِّين تعديل نص المادة الأولى

في استفتاء 26 آذار/ مارس 2007 بحيث يكون نظام الدولة قائامً على «المواطَنة» لتأكيد حداثة الدولة وحرصها

على المساواة بين مواطنيها، بصرف النظر عن أديانهم. ويندرج في هذا السياق حكم المحكمة الدستورية العليا في

القضية رقم (8) لسنة 17 قضائية دستورية، وهو الحكم الذي قررت فيه أنه «[] لا يجوز كذلك في المفهوم الحق

لحرية العقيدة أن يكون صونها لمن يمارسونها إضرارًا بغيرها، ولا أن تيسر الدولة – سرًا أو علانية – الانضمام إلى

عقيدة ترعاها إرهاقًا لآخرين من الدخول في سواها، ولا أن يكون تدخّلها بالجزاء عقابًا لمن يلوذون بعقيدة لا

تصطفيها. وليس لها بوجه خاص إذكاء الصراع بين الأديان تمييزًا لبعضها على البعض». على أن المعالجات الدستورية للعلاقة بين الدولة المصرية الحديثة والدِّين الإسلامي لم تقتصر على النصوص

الدستورية المذكورة وتطبيقاتها القضائية والإدارية، وإنما تجلى أثرها بشكل أكبر في إعادة تنظيم الدولة المصرية

الحديثة لعدة مؤسسات مهمة ارتبطت بالدِّين الإسلامي، وهي الفتوى والأوقاف والأزهر، فضالً عن القضاء

والقانون. فأصبحت الفتوى إدارة من إدارات وزارة العدل، وتم استيعاب مؤسسة الأوقاف في بنية الدولة

وتذويبها فيها، ونزوع الدولة الحديثة إلى القضاء على الأوقاف مفهوم في ضوء ارتباط نموذج هذه الدولة

بالاقتصاد الرأسمالي الذي ينزع إلى تعميم اقتصاد السوق القائم على التبادل، ولا يقبل بوجود جزء ضخم من

الثروة خارج دائرة التبادل. واستكملت الدولة الناصرية إدماج الأزهر في بنيتها وتحويله إلى إدارة من إداراتها،

متوّجة بذلك مسيرة طويلة بدأت منذ أيام محمد علي وإقصائه قيادة المشايخ في سياق استئثاره بالسلطة. وكان

ذلك كله اتساقًا مع اتجاه الدولة الحديثة إلى بسط سيادتها على جميع الكيانات على إقليمها، وضرورة أن تمر

التجمعات الأهلية والدِّينية كلها بمصاهر التنظيم الدولاني.

21 حكم المحكمة الدستورية في القضية رقم (8) لسنة 17 قضائية بجلسة 1996/5/18 موقع المحكمة الدستورية على الموقع

<www.hccourt.gov.eg/Rules/getrule> (accessed on 17/8/2009). الإلكتروني:

22 محمد طه عليوه، «دور الدِّين في النظام الدستوري المصري على ضوء الاتجاهات العامة للأنظمة المعاصرة،» (رسالة دكتوراه، كلية

الحقوق، جامعة القاهرة، 2010)، الباب 1، الفصل.2

الدِّين والقانون

فرضت عملية التحديث، على صعيد التشريع والقضاء، إعادة صوغ قواعد الضبط الاجتماعي من طريق

التشريع الصادر عن مؤسسات الدولة الحديثة وسلطتها، التي لا تقبل بوجود منازع لها في السيادة، واستحداث

جهاز قضائي قادر على تطبيق تلك التشريعات الجديدة. ولقد سار التطور في المجالين بشكل متواز ومتساوق،

وإن كان في مجال تنظيم القضاء أسبق، لأن تنظيم إدارة القضاء نقالً عن تجارب الدول الأحدث بما لا يصادم

تنظيامً موروثًا أيسر من تحديث مضمون القاعدة القانونية الموروثة والمرتبطة بالعقيدة الدِّينية. فبقي الاختصاص

الموضوعي للمحاكم الشرعية في مجالها التقليدي، وإلى جوارها جرى إنشاء مجالس مُستحدثة تطبّق تشريعات

الوالي الجديدة ذات الطابع العلماني التي أخذت تظهر شيئًا فشيئًا. وأخذ محمد علي، وخلفاؤه من بعده،

والإدارة الحكومية المستحدثة في نقل اختصاصات المحاكم الشرعية في المسائل الجنائية والتجارية والمدنية إلى

تلك المجالس التي كانت تجمع في بدء أمرها بين الإدارة والقضاء. وظلت المحاكم الشرعية موجودة إلى جانب

المحاكم المدنية التي ظلت تتطور حتى اكتمل بنيانها بإنشاء محكمة النقض. وتم إلغاء المحاكم الشرعية وتوحيد

جهة القضاء بموجب المرسوم بقانون رقم 462 لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية والملّية، وأصبحت المحاكم

المدنية هي المخولة بتطبيق القواعد الدِّينية ذات المصدر الدِّيني في مجال الأحوال الشخصية. أمّا على صعيد القاعدة القانونية، فقد كان الدِّين في مصر الإسلامية هو المصدر الرئيس للقواعد القانونية، وهو

الحاكم على بقية المصادر. ومع ظهور الدولة الحديثة، احتلت إرادة الدولة المع عنها في تشريعها هذه المكانة، مع

بقاء الدِّين مصدرًا لطائفة من القواعد القانونية، هي قوانين الأحوال الشخصية. استغرقت عملية تحديث النظام القانوني التي بدأت مع محمد علي، مدة تزيد على القرن، وعربّت مقدمة

قانون السياستنامة الصادر عام 1837 عن تلك النزعة بقولها «إن الممالك المختلفة الكائنة بأوروبا موجود

لكل منها قوانين متفرقة بحسب طبيعة وأخلاق ودرجة تربية أهاليها وجاري إجراء حكم أمورهم الملكية

على مقتضاها». كما ورد في مقدمة قانون جمعية الحقانية الصادر سنة 1259 ه 1843/م: «وحيث إن

الأوروباويين هم رجال قد دبّروا أشغالهم ووجدوا السهولة لكل مصلحة ونحن مجبورون على تقليدهم. إن

جميع الأحكام السياسية تنظر في هذه الجمعية ويلزم الحكم فيها وبعد العلم بما يقدم لدى نجابتكم تستعلمون

وتستفهمون من المترجم بك عما هو جار في أوروبا». كما نصت المادة التاسعة من قانون تشكيل الدواوين على

أن «أعضاء المجلس يصير انتخابهم من العبيد الذين هم مجربو الأطوار وأصحاب قابلية ومفهومية لدى ولي

الأمر حكم الجاري بممالك أوروبا». لقد كانت الوحدة القانونية أمرًا ضروريًا ولازمًا لإقامة نسق معياري موحد يحكم الدولة والمجتمع الجديدين

اللذين بدأت ملامحهما في التبلور مع محمد علي، وبرزت ظاهرة في عصر إسماعيل. وانطلاقًا من التغيرات التي

طرأت على مدار القرن التاسع عشر كله على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، وحصول مصر على

حقها في إصدار تشريعاتها، صدرت التقنينات المختلطة سنة 1876 والأهلية سنة 1883، في أعقاب محاولة غير

ناجحة لتطوير الأحكام الشرعية وصوغها في نصوص واضحة تنتظمها مجموعات. ولا شك أن هذه التشريعات كانت تعاني عيوبًا جسيمة، ولكن، وكما يقول السنهوري، «الجيل المصري الذي

23 محمد نور فرحات، المجتمع والشريعة والقانون (القاهرة: دار الهلال، 1986)، ص.137

24 محمد نور فرحات، البحث عن العقل: حوار مع فكر الحاكمية والنقل (القاهرة: دار الهلال، 1997)، ص.239

تلقّى هذا التقنين في أواخر القرن الماضي كان مغتبطًا سعيدًا بقانونه الجديد. فقد كان فيه تقدم على الحالة التي

سبقته، حيث كان القضاء فوضيًا، والقوانين غير محددة ولا معروفة، والعدل يوزع في البلاد توزيعًا سيئًا. فأعقب

النظام الفوضى وتنفست البلاد الصعداء، إذ أحست أنها تستقبل عهدًا جديدًا من الإصلاح». أخذت هذه التشريعات المنقولة عن النماذج الغربية تتأقلم مع الواقع والاجتماعي والثقافي، وأخذ الفقه والقضاء

يسبغان عليها من اجتهادهما ما يحقق توافقها مع طبيعة المجمع وثقافته وحاجاته. وقد أدى ذلك، قُبيل منتصف

القرن العشرين، إلى إصلاح قانوني ثانٍعلى أيدي فقهاء ومشرّعين مصريين، أقاموا بحق بنيانًا تشريعيًا وقضائيًا

مصريًا شامخًا. وإذا حاولنا تفهّم الأسباب التي أدت إلى ذلك التطور، ضاربين صفحًا عن التفسيرات التي لا ترى فيه سوى

مؤامرة غربية علمانية تهدف إلى قطع صلة الأمة بماضيها الزاهر، وهي تمثّل تعبيرًا عن حنين إلى ماضٍ مجيد أكثر

منه محاولة للفهم، وانتصارًا للهوية بدالً من أن تكون انتصارًا للعلم إذ يتردد صداها حاليًا مع صعود نجم تيار

الإسلام السياسي وسيطرته على مقاليد الحكم في مصر، لوجدنا أن تلك السيرورة يمكن ردّها إلى سبب رئيس

هو منطق تطور الدولة الحديثة، التي هي منظومة متكاملة من الأفكار والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية

يستدعي بعضها بعضًا ويؤدي إليه، ولا يمكن الأخذ ببعضها دون البعض الآخر. وحصر دافع التحول في

جمود الفقه وعزوف الفقهاء عن تطويره وفساد المحاكم الشرعية (مع صحته) هو أخذ بالعرض دون الجوهر،

حتى وإن كانت تلك هي الحجج التي استخدمها رجال ذلك العصر في تبرير اتجاههم، شأنه شأن القول بأن

النفوذ الأجنبي وما جرت عليه معاملات الأهالي في ما بينهم أو مع الأوروبيين هي الدافع وراء ذلك التحوّل

أو القول بالتبعية القانونية المترتبة على التبعية الاقتصادية، فهي بدورها عوامل جزئية ورصد للآليات

التي تم بها النقل والنموذج الذي جرى النقل عنه. أمّا الجوهر، فهو تلك الدولة الحديثة التي تعني منظومة

كاملة من المفاهيم والمؤسسات والآليات التي بدأت مصر في السير على دربها قبل الإصلاح التشريعي بنحو

ستة أو سبعة عقود، والطبقة الرأسمالية الأجنبية والمحلية التي نشأت في ظلها، وعلاقات الإنتاج الرأسمالية

التي ظهرت معها، وما تستدعيه تلك العلاقات من إعادة صوغ للمنظومة القضائية والتشريعية المصرية،

وسلطة الدولة الحديثة وسيادتها التي لا تقبل تعدّد مراكز السلطة على إقليمها، وتستدعي إخضاع القضاء

والتشريع لها، وهي كلها أمور تندرج ضمن قانون التطور العام للمجتمعات؛ ذلك التطور الذي تحكمه

عوامل أقوى وأعمق من إرادات الحكام والفقهاء والمشرعين، وإن أدت دورًا فيه، ولا يملكون إالّ الاستجابة

لها وإن بدا أنهم من يقررون. ولقد رأينا في التاريخ مرارًا أن مسارات التطور كانت مفتوحة على احتمالات عدة، تحقق أحدها وظلت

الاحتمالات الباقية مجرد احتمالات تاريخية مضى وقتها واقتصرت على حيّز الاحتمال، بينما الاحتمال الذي

تحقق أصبح هو الواقع. وليست القوانين، بما هي عليه من أهمية باعتبارها أهم القواعد التي يقوم عليها وجود

المجتمع، أمورًا يمكن نقضها والعدول عنها بسهولة، أو حتى بصعوبة تدخل في حيّز الإمكان، لأن إلغاء التاريخ

مستحيل، ولا بد من السير إلى الأمام.

25 عبد الرزاق أحمد السنهوري، «تنقيح القانون المدني المصري وعلى أي أساس يقوم؟» القانون والاقتصاد (1933)، أعادت جامعة

القاهرة نشره في: عبد الرزاق أحمد السنهوري، مجموعة مقالات وأبحاث الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري، جمع وتقديم نادية

عبد الرزاق السنهوري وتوفيق محمد الشاوي (القاهرة: جامعة القاهرة، 1992)، ج 1، ص 56 –.57

26 فرحات، البحث عن العقل، ص.252

هكذا أصبح التشريع الوضعي هو المصدر الأول للقانون، ولم يعن ذلك فناء المصادر الأخرى، وإنما ظلت سارية

في ما لم ينظمه القانون بقاعدة آمرة، أو لم ينظمه الأطراف باتفاقهم؛ فالعرف والدِّين يظلان مصادر تكميلية في

حقل القانون، والقواعد الموضوعة نفسها – في الغالب الأعم – لا تتناقض مع القواعد المستمدة من الشريعة،

فضالً عن بقاء الدِّين مصدر القاعدة القانونية في مجال الأحوال الشخصية. أيًا يكن الأمر في شأن تلك القوانين، فإنها وضِعت موضع التطبيق، وأصبحت واقعًا يتعامل على أساسه الخصوم

والقضاة. وأدت خمسون سنة من العمل بها واجتهادات القضاء، وإعمال المصادر الأخرى للقانون إلى جانب

التشريع، إلى تطوير قواعدها إلى حد بعيد، بحيث أضفت عليها طابعًا محليًا، وأظهرت، في الوقت نفسه، الحاجة

إلى إعادة النظر فيها. وكان السنهوري، بما توافر له من علم وخبرة وإخلاص للبحث والوعي برسالة تاريخية

هو رافع لواء تجديد القانون المدني المصري – وهو الشريعة العامة في مجال القانون - وصاحب الدور الأكبر

في تجديده. ولقيت الدعوة إلى تنقيح القانون المدني استجابة واسعة حتى أعلن وزير الحقانية في الاحتفال الخمسيني في

المحاكم الوطنية سنة 1933 اعتزام الحكومة تعديل التقنين المدني والتقنينات الأخرى تعديالً شامل،

وأُنجزت المهمة سنة 1948 ليعمل بالتنقيح ابتداء من 15 تشرين الأول/ أكتوبر 1949، أي في اليوم الذي

توحد فيه قضاء مصر بزوال القضاء المختلط. علاوة على أحكام القانون المدني الأول، ونتاج عمل القضاء والفقه فيها لمدة سبعين سنة والقانون المقارن، أولى

القانون الجديد الفقه الإسلامي مكانة ملحوظة بين المصادر التي استقى منها أحكامه. وقد ذكرت ذلك لجنة القانون

المدني في مجلس الشيوخ في تقريرها، فقالت «وتبيّنت اللجنة كذلك أن المشروع اعتمد على الشريعة الإسلامية إلى

حد بعيد بين مصادره، فجعلها مصدرًا عامًا يرجع إليه القاضي إذا لم يجد حكامً في التشريع أو العرف، وجعلها

مصدرًا لطائفة لا يستهان بها من أحكامه، ولا ينكر ما للفقه الإسلامي من مكانة رفيعة بين مذاهب الفقه العالمي،

فكيف لا وقد كان ولا يزال معتربًَا القانون العام في كثير من المسائل في مصر. وفي تقوية الصلة بين المشروع وأحكام

الشريعة إبقاء على تراث روحي حري بأن يصان ويُنتفع به». وبعد أن عدّد التقرير الأحكام المأخوذة عن الفقه

الإسلامي خلص إلى القول: «.. كان مسلك المشروع قويامًارتاحت إليه اللجنة وآنست فيه اتجاهًا إلى تقدير ما للفقه

الإسلامي من مزايا أدركها علماء الغرب منذ زمن بعيد، وبقي على دول الشرق أن تحلها المحل الخليق بها، وأن تعربّ

عمليًا عن اعتزازها بها وحرصها على استدامتها. ولعل من نافلة القول أن يشار إلى أن هذا المسلك أمعن في رعاية

ما للماضي من حرمة، وأبلغ في قضاء حق القدماء الذين تعهدوا الفقه الإسلامي باجتهادهم وأسبغوا على أحكامه

من المرونة ما جعلها تتسع لما درج عليه الناس في معاملاتهم». وعن جعل الشريعة الإسلامية الأساس الأول الذي يُبنى عليه تشريعنا المدني، يقول الفقيه القانوني الكبير

السنهوري، العاملِ بما يعنيه القانون عمومًا والقانون المدني بشكل خاص: «فلا يزال أمنية من أعز الأماني التي

تختلج بها الصدور وتنطوي عليها الجوانح. ولكن قبل أن تصبح هذه الأمنية حقيقة واقعة، ينبغي أن تقوم نهضة

27 عبد الرزاق أحمد السنهوري: مجموعة مقالات، والوسيط في شرح القانون المدني، تنقيح أحمد مدحت المراغي (الإسكندرية، مصر:

منشأة المعارف، 2004)، ج 1: نظرية الالتزام بوجه عام، ص.17-12

28 غاي بيخور، مدونة السنهوري القانونية: نشوء القانون المدني العربي المعاصر (1932-1949)، ترجمة رشا جمال، مراجعة

عبد الحسين شعبان (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009)، ص -133.134

29 السنهوري، الوسيط، ص 20 –.28

03 المصدر نفسه، ص 45، نقالً عن: مصر، وزارة العدل، القانون المدني: مجموعة الأعمال التحضيرية، ج 1، ص.132-131

علمية قوية لدراسة الشريعة الإسلامية في ضوء القانون المقارن». ولقد وضع السنهوري علامة كبرى على

هذا الطريق بكتابه الرائد الفريد مصادر الحق في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة بالفقه الغربي الذي يدل على

معرفة عميقة بالفقه الإسلامي، أضيفت إلى معرفته العميقة بالقانون المقارن، فأنتجت عمالً لا نظير له، وقمة

لم يداهنِا أحد من الداعين إلى تطبيق الشريعة رغم تطاول العهد، في مفارقة تشهد على الفارق الكبير بين عمل

المحترفين من جيل المؤسسين الحقيقيين للقانون المصري، وضجيج من يرفعون شعار تطبيق الشريعة في أيامنا

هذه في شعبوية وخفّة، ومن دون امتلاك العلم أو القدرة اللذين يجب توافرهما فيمن يتصدى لوضع أسس حياة

المجتمع. وقد أشار السنهوري إلى أسلاف هؤلاء (ممّن كانوا بالمعايير العامة لتفاوت مستوى الفكر القانوني بين

الجيلين أكثر علامً) بقوله: «وقد حاول بعض رجال القانون أن يستبقوا الحوادث، فدرسوا الشريعة الإسلامية

دراسة سطحية فجّة لا غناء فيها، وقدّموا نموذجًا يشتمل على بعض النصوص في نظرية العقد، زعموا أنها

أحكام الشريعة الإسلامية، وهي ليست من الشريعة الإسلامية في شيء. ودار في شأن هذه النصوص حوار

عنيف في لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ». «وبديهي أن الشريعة الإسلامية لا تخُدم عن طريق أن ينسب

إليها ما ليس منها، وإنما تخدم عن طريق دراستها دراسة علمية صحيحة، وأول شرط لهذه الدراسة هي الأمانة

العلمية. ولا يعيب الشريعة الإسلامية أنها لا تطاوع في بعض نظرياتها ما وصل إليه القانون الحديث من نظريات

معروفة، ولكنها يعيبها أن تشوه مبادئها وأن تمسخ أحكامها». لقد تعامل السنهوري، وجيله من القانونيين العظام، مع الفقه تعامالً فنيًا قانونيًا موضوعيًا، ينزع عنه الغلاف

الدِّيني، وينظر إليه في إطار التاريخ، «على أنه لا يحتوي جماع البنية الحقوقية للمجتمع، بل على أنه من التاريخ

وإليه، يقوم في ظروف تقيمه، وتنزع عنه المناسبة». وكان من شأن هذا التوجه أن عارضه الإخوان المسلمون،

وعربّ عن ذلك حسن الهضيبي خلال مناقشة المشروع في مجلس الشيوخ بأن صواب المشروع وخطأه سيان لأن

كل قانون يجب أن يقوم على القرآن والسنّة، وأن ما يؤخذ من التشريعات الغربية يجب أن يكون قابالً للرد على

هذين المصدرين. كما عارضه حزب الوفد لموقف سياسي، إذ كان السنهوري قد انشق عن الحزب سنة 1937،

وأعلن الأزهريون معارضتهم بعدم إبداء الرأي رغم دعوتهم. وكانت المعارضة، وما زالت، غير معتمدة على

أكثر من ترداد الشعارات العامة، وكان جليًا في المناقشات التفوق الفكري والعلمي الكبير للسنهوري على

مناهضيه. ويبدو أن من لم يستطيعوا مناهضة السنهوري لم ينسوا ثأرهم مع قانونه المدني حتى الآن، وأنهم لم

يتخطوا مرحلة الشعارات العامة ومرحلة انتحال النظريات والقواعد القانونية الغربية ونسبتها إلى مذاهب في

الفقه الإسلامي، مع تبديل ألفاظها، كما سبق وأشار السنهوري نفسه! لقد توصل مشرّعو الفترة الليبرالية في التاريخ المصري، ضمن ما توصلوا له من حلول عملية مبدعة للعلاقة بين

الدِّين والدولة بسيرهم على درب المفكرين والمشرعين الأوروبيين، إلى حل ناجع لمشكلة مرجعية الشريعة في عالم

القانون المصري، هي فكرة النظام العام التي ظهرت بعد فصل القانون عن أساسه الدِّيني، لما ثبت من أن القاعدة

13 المصدر نفسه، ص.47

2 3 عبد الرزاق أحمد السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، دراسة مقارنة بالفقه الغربي، 2 ج (بيروت: دار إحياء التراث العربي؛

مؤسسة التاريخ العربي،.)1997

33 السنهوري، 1 الوسيط، ج: نظرية الالتزام بوجه عام، مصادر الالتزام، ص.47

43 المصدر نفسه، ص 48.

5 3 عزيز العظمة، العلمانية من منظور مختلف، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998)، ص.215

63 المصدر نفسه، ص.216

القانونية – أيًّا يكن مصدرها – تجد في القبول الجمعي العام سندها الأساسي في البقاء والفاعلية. وأنها -إذا

لم تلق هذا القبول الجمعي- تعرضت لجميع صور التملص والخرق كلما كان ذلك ممكنًا. وقد اكتشفت الدولة

الحديثة ذلك، ومن ثم لجأت إلى تلك الأداة القانونية لضبط السلوك الاجتماعي في ما لا يستطيع عنصرا الجبر

والجزاء تحقيقه. وقد عرّفت محكمة النقض النظام العام بأنه «يشمل القواعد التي ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة للبلاد سواء من

الناحية السياسية أو من الناحية الاجتماعية أو الاقتصادية والتي تتعلق بالوضع الطبيعي المادي والمعنوي لمجتمع

منظم، وتعلو فيه على مصالح الأفراد وتقوم فكرته على أساس مذهب علماني بحت يطبق فيه مذهبًا عامًا تدين

به الجماعة بأسرها ولا يجب ربطه البته بأحد أحكام الشرائع الدِّينية، وإن كان هذا لا ينفي قيامه أحيانًا على سند

ممّا يمت إلى العقيدة الدِّينية بسبب متى أصبحت هذه العقيدة وثيقة الصلة بالنظام القانوني والاجتماعي المستقر

في الجماعة، بحيث يتأذى الشعور العام عند عدم الاعتداد به». على أن هذه الحلول الموفقة لم يُكتب لها الدوام؛ فعلى الرغم من أن مصر شهدت في ظل دستور 1923

فترة من أزهى عصور تاريخها الحديث، أدى تآمر الملك والمحتلين الإنكليز المستمر على الحياة الدستورية

والديمقراطية من جانب، وقصور النظرة الاجتماعية للصفوة الحاكمة في ظل ذلك الدستور وما أدى إليه

من تفاقم الاحتجاج الاجتماعي من جانب آخر، وتأكّل الدور السياسي لحزب الوفد الممثّل الدائم للأغلبية

والركود الذي أصاب قضية إنهاء الاحتلال الإنكليزي لمصر من جانب ثالث، إلى تصاعد الأزمة السياسية –

الاجتماعية بحيث عجزت مؤسسات الحكم عن استيعابه أو تجاوزه، لاسيما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية

سنة 1945. وتفاقمت أزمة الحكم حتى استولى الجيش على السلطة في 23 تموز/ يوليو 1952. ثم جاءت

زعامة جمال عبد الناصر التاريخية المتميزة بخطابها الشعبوي، والتي أدت إلى توحيد الشعب خلف القائد،

كما أدت -باجتماعها مع تنامي النزوع السلطوي ومصادرة الحياة السياسية- إلى انطفاء الليبرالية، فأصبح

المجتمع موحَّدًا في الفكر والإرادة، رافضًا التنوع والاختلاف، أي باختصار أصبح شموليًا. وأدت سياسة

التأميم والتمصير إلى هجرة الجاليات الأجنبية التي كانت تضفي على مدن العصر الملكي المزدهرة تنوعًا

حضاريًا وثقافيًا واسعًا، وأحلت محلها جموعًا من سكان الريف الوافدين إلى عالم المدن بحثًا عن مستوى

معيشي أرقى، من خلال التوظيف في القطاع العام وجهاز الدولة الذي وسعته برامج التنمية الناصرية،

والحاملين – رغم تلقّيهم التعليم – لثقافة ريفية يغلب عليها الطابع الدِّيني. ومع الانفجار السكاني الذي

أتاحه الشعور بالأمان وانفتاح آفاق المستقبل خلال الفترة الناصرية، بدأت المدن -في الفترة التالية لحرب

-1973 تحاط بحزام من الفقر، فتم ترييف المدن على صعيد المظاهر الحضارية وعلى صعيد الأفكار، وحلت

73 عماد طارق عبد الفتاح البشري، «فكرة النظام العام في التشريع الإسلامي: النظرية والتطبيق، دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي

والقوانين الوضعي،» اشراف محمد كمال الدين إمام وعكاشة محمد عبد العال (رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية، [د.

ت.])، ص.130

83 المصدر نفسه، ص.132

93 حكم النقض في الطعن رقم 16 لسنة 48 ق، جلسة.1979/1/17

40 وفي هذا السياق ألغى الملك فؤاد الدستور 1923 وأصدر دستورًا جديدًا في 23 تشرين الأول/أكتوبر 1930 كان نقضًا لأسس

الديمقراطية والملكية الدستورية التي أقامها دستور 1923، اعتمادًا – كما يبين من بيان حكومة إسماعيل صدقي باشا في شأن مبررات

ذلك الانقلاب الدستوري – على حجج تماثل إلى حد بعيد حجج اللورد دوفرين في إلغاء دستور 1883.على أن الاحتجاجات الشعبية

المتواصلة بقيادة الوفد أرغمت الملك على إلغاء دستور 1930 في 03 تشرين الثاني/ نوفمبر 1934 والعودة إلى دستور 1923 في كانون

الأول/ ديسمبر 1935. انظر: المتولي، ص 158-119، وعلي شلبي ومصطفى النحاس جبر، الانقلابات الدستورية في مصر، -1923

1936 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1981)، ص.205-147

المفاهيم وطرائق التفكير الدِّينية (بعد هزيمة 1967) محل كلٍّ من الليبرالية الملكية والقومية الناصرية. وبدأت

عملية مراجعة اجتماعية وثقافية واسعة لمسيرة التحديث التي بدأت قبل ما يزيد على قرن ونصف قرن من

الزمان. وعمد النظام الساداتي إلى استغلال تصاعد الشعور الدِّيني بحثًا عن قاعدة شعبية في مواجهة أزماته

وبقايا النظام الناصري. وكانت هجرة المصريين إلى الخليج رافدًا زاد في أثر الوعي الدِّيني. وكما انفتحت

الدولة تجاه الخارج تراخت قبضتها على المجتمع في الداخل، وأخذت تنسحب من التزاماتها العامة، وتركت

الناس وشأنهم في تدبير معيشتهم، وفي الانفلات من القانون، وفي تنظيم أمور مجتمعهم، فلجأ الناس إلى

دينهم وشريعته، وانتشر التيار الاسلامي وازدهر على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. كان انبعاث التيار الإسلامي على نحو واسع وحادٍّ، وهو التيار الذي سبقه مد يساري يشابهه في الاتساع والحدة،

دلالةً على تفكك الأساس المعنوي للدولة وضعفها الفعلي بعد انكسار الناصرية، والحاجة إلى تأسيس جديد.

ولم يكن ذلك ناجمًا عن ضعف الدولة في فترة السادات فحسب، بل كان ناجمًا أيضًا عن قوة الدولة الناصرية

المتجاوزة حدّ الاعتدال، بحيث بدت الدولة الساداتية البالغة ما دون حد الاعتدال كأنها انهيار تام أو انحلال

يستدعي إعادة البناء على أسس مغايرة. وأدى ذلك كله إلى وضع مسيرة التحديث، التي بدأت قبل ما يقارب

قرنين، موضع التساؤل، وأصبح مفهوم الدولة القومية الحديثة مطروحًا لمراجعة فكرية واسعة، وتصاعدت

الدعوة إلى العودة إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها النظام القانوني المتجذر في مجتمعنا. في هذا الإطار، وفي سياق مساعي النظام الساداتي لاستقطاب تأييد الجماهير، تضمنت المادة الثانية من دستور

1971، إضافة إلى النص التقليدي على الإسلام كدين للدولة، أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسًا

للتشريع. وقد استدعى ذلك إعادة طرح عملية الانتقال من الشريعة الإسلامية إلى القوانين الحديثة على بساط

البحث مجددًا. وساهم رجال القانون بدورهم في ذلك. وتُوّج ذلك الجهد بتعديل المادة الثانية من الدستور

بجعل الشريعة المصدر الرئيس للتشريع، ضمن تعديل الدستور بموجب استفتاء 22 أيار/ مايو.1980 يمكن القول إن هذا التوجّه، أي أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، توجّه قديم في الجسم

القضائي والتشريعي المصري، وكان له مؤيدوه على الدوام، وهذا مفهوم في ضوء أن التوجّهات المنادية بكمال

الشريعة وأحقيتها في أن تكون القانون العام في البلاد لم تختفِ من الوجود بعد الأخذ بالتقنينات الحديثة. ونشير

في هذا الصدد إلى الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري في جلسة 26 أيار/ مايو 1952 في الدعوى رقم

195 لسنة 4 قضائية، وقد ورد في مدوناته، « ما نص عليه الدستور في المادة (149) من أن الإسلام دين الدولة

الرسمي؛ فعبارة مطلقة كهذه تقطع بأن أحكام الإسلام لها السيادة التامة في هذه البلاد، ترفع كل ما يعترضها

وتزيله، وكل تشريع يصدر مناقضًا لها يكون غير دستوري. وهذا النص من الإطلاق والشمول والعموم بحيث

لا يسمح بأي مدخل لريبة المستريب أو لظن من المتظننين».

41 في تفسير نشأة التيار الإسلامي الراهن وصعوده في مصر، انظر على سبيل المثال: عبد الله محمد حسنين شلبي، «الحركات السياسية

الإسلامية في المجتمع المصري 1985-1970: دراسة سوسيولوجية للفكر والممارسة،» اشراف سمير نعيم أحمد (رسالة دكتوراه، كلية

الآداب، جامعة عين شمس، 1994)؛ هاله مصطفى، الدولة والحركات الإسلامية المعارضة بين المهادنة والمواجهة في عهدي السادات

ومبارك (القاهرة: القاهرة: مركز المحروسة، 1996)، الكتاب في الأصل رسالة دكتوراه، قدمت إلى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية،

جامعة القاهرة، 1994؛ رفعت محمد سيد أحمد، «العلاقة بين الدِّين والدولة في مصر 1970-1952 رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد،» (

والعلوم السياسية، 1994)، ونبيل عبد الفتاح، المصحف والسيف: صراع بين الدين والدولة في مصر، رؤية أولية للقضايا الأساسية

(القاهرة: مكتبة مدبولي،.)1985

42 حكم محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم (195) لسنة (4) قضائية في جلسة 26 أيار/ مايو.1952

لم يمض وقت طويل على تعديل الدستور في أيار/ مايو 1980 حتى كانت الأزمة السياسية تأخذ بخناق نظام

السادات. وتصاعدت المعارضة له حتى عمّت الشعب المصري، وظهرت أنياب الجماعات الإسلامية. وفي 6

تشرين الأول/ أكتوبر 1981 اغتيل السادات، وشرعت الجماعة الإسلامية والجهاد في محاولة مسلحة للاستيلاء

على السلطة، مفتتحين بذلك عقدًا من الصدام الدموي بين النظام والتيارات الجهادية. في ذروة تلك الأزمة، انتبه مجلس الشعب، الداعي إلى تطبيق الشريعة كمصدر وحيد للقانون، إلى ما يجري

على الأرض، فانعقدت اللجنة الخاصة التي ألّفها المجلس للرد على خطاب الرئيس السادات مساء السبت

في 5 أيلول/ سبتمبر 1981، وجاء في تقريرها: «ولا يفوتنا أن ننوّه إلى أن الانتقال من النظام القانوني القائم

حاليًا في مصر والذي يرجع إلى أكثر من مائة سنة إلى النظام القانوني الإسلامي المتكامل يقتضي الأناة والتدقيق

العلمي، بل وتحف به الكثير من العقبات الفنية والصعوبات التشريعية، ومن ثم فإن تغيير النظام القانوني

جميعه ينبغي أن يتاح لواضعيه والقائمين عليه الفترة الزمنية المناسبة حتى تجمع هذه القوانين متكاملة في إطار

القرآن والسنّة وأحكام المجتهدين من الأئمة والعلماء، فضالً عن إتاحة الفرصة لضرورة إعداد وتدريب من

سيقومون بالتطبيق». في أعقاب ذلك، قدمت لجنة الشؤون الدِّينية والاجتماعية والأوقاف في مجلس الشعب إلى المجلس تقريرًا في

22 نيسان/ أبريل 1985، تناولت فيه موضوع تنقية القوانين ممّا يخالف أحكام الشريعة، وأهابت بالجميع أن

يعالجوا هذه القضية بالحكمة والهدوء والتروي، بعيدًا عن الإثارة والمزايدة، وصوال إلى الهدف الأسمى الذي لا

يختلف أحد عليه، وهو تنقية القوانين ممّا يخالف الشريعة الإسلامية، على أن يكون ذلك بأسلوب علمي ومتدرج؛

«فالشريعة الإسلامية ليست هي الحدود فحسب، أو الانغلاق والانفصال عن المجتمع، كما أن الإسلام ليس

قطعًا أو رجمًا، وأن الطريق إليه ليس بالعقاب وحده وإنما بالإصلاح الشامل أوالً». وفي 4 أيار/ مايو 1985 ألقى وزير الدولة لشؤون مجلسي الشعب والشورى في مجلس الشعب بيان الحكومة

في هذا الشأن، وكان في البيان ترحيب بتقرير اللجنة، مع تأكيد أن «مصر ينظم التشريع فيها قوانين مستقرة

أساس قواعدها من الشريعة السمحاء، نتيجة لتمسك المصريين بدينهم، والقانون المدني وغيره من القوانين

شاهد على ذلك. وإن المدرسة القضائية في مصر مدرسة راسخة استقرت نظمها في ضوء أحكام الدستور

والقوانين التي تتفق في جوهرها والشريعة الإسلامي، وليس من اليسير بناء نظام قضائي جديد على

هذا المستوى». وقد وافق المجلس في الجلسة ذاتها على تقرير لجنة الشؤون الدِّينية والاجتماعية والأوقاف، وما انتهى إليه من

توجيهات في مجال التشريع والدعوة الإسلامية، وعلى ما جاء في بيان الحكومة في هذا الصدد. هنا استُبدل الهدف، فحلّت تنقية القوانين ممّا يخالف أحكام الشريعة محل إصدار قوانين مستمَدة من الشريعة.

وأضيفت هذه المهمة إلى مستقبل غير محدد، مع التشديد على أن قوانيننا القائمة – خصوصًا المدنية منها – متوافقة

مع الشريعة إالّ في النزر اليسير، والانتباه إلى أن التشريع مهمة يجب أن تؤخذ بما تستحقه من الجدية والمهنية. وإن

موقف مجلس الشعب والحكومة على هذا الصعيد جزء من تعديل شامل لسياسة النخبة التي كانت تحرك هذه

43 مصر، مجلس الشعب، موسوعة المبادئ الدستورية ([القاهرة: مطبوعات مجلس الشعب، 2000])، ج 1، ص.132

44 المصدر نفسه، ص 133 -.134

45 المصدر نفسه، ص -135.136

المؤسسات، في إطار السعي إلى احتواء الاتجاه الإسلامي المتصاعد ومواجهة الفهم الشعبوي لتعديل المادة الثانية

من الدستور، على أنه انقلاب يحدث بين ليلة وضحاها ويكفل تخلص مصر من جميع مشكلاتها. لم يمر وقت طويل حتى أبدت المحكمة الدستورية العليا رأيها، واختطّت لنفسها (ومن ورائها كثير من المحاكم،

خصوصًا في القضاء الإداري) منهجًا تصدت فيه للفصل في ما لا يتعارض من نصوص القوانين مع مبادئ

الشريعة، وأعادت به الكرة إلى ملعب الساسة والمشرعين، في ما وجدت فيه تعارضًا بين القوانين السابقة على

التعديل ونص المادة الثانية بعد تعديله. فجمعت، في طائفة من الأحكام، بين تعارض النص التشريعي المطعون

فيه مع المادة الثانية من الدستور، وتعارضه مع نصوص أخرى في الدستور، وأقامت حكمها بعدم دستورية

التعارض مع تلك النصوص مجتمعة. أمّا في المواد التي وجدت فيها المحكمة تعارضًا مع نص المادة الثانية بعد تعديله لا يؤازره تعارض مع قاعدة

دستورية، فقد أرست المحكمة في كثير من أحكامها قاعدة مؤدّاها أن نص المادة الثانية بعد التعديل يفرض على

المشرّع التزامين: الأولهو التقيد بأحكام الشريعة الإسلامية في التشريعات التي يصدرها بعد نفاذ التعديل

الدستوري، والثانيهو مراجعة التشريعات التي صدرت قبل التعديل لتنقيحها من أي مخالفة لأحكام الشريعة،

معتبرة أن ذلك من قبيل الالتزام السياسي. ورفضت طعونًا كثيرة كانت قد قُدمت إليها في شأن عدم دستورية

نصوص تشريعية عدة صادرة قبل نفاذ تعديل المادة الثانية من الدستور عام 1980، وأبرزها تلك المتعلقة

بنصوص القانون المدني بصدد الفوائد، ومنها حكمها في الدعوى رقم 20 لسنة 1 دستورية بتاريخ 4 أيار/ مايو

1985، برفض الطعن بعدم دستورية المادة 226 من القانون المدني التي تجيز المطالبة بفائدة محددة عند التأخر

في الوفاء بمبلغ من النقود، وهو الذي حدد أسس اتجاه المحكمة الدستورية في هذا الموضوع، وترددت عباراته

في كثير من أحكامها اللاحقة، فورد ضمن أسبابه «أن ما ذهب إليه المدّعي من أن مقتضى تعديل المادة الثانية من

الدستور هو جعل مبادئ الشريعة الإسلامية قواعد قانونية موضوعية واجبة الإعمال بذاتها ومن فورها على ما

سبق هذا التعديل من تشريعات، بما يوجب نسخ ما يتعارض منها مع تلك المبادئ، مردود بما سبق أن عرضت

له المحكمة عن حقيقة المقصود من ذلك التعديل، وهو أنه قيد استحدثه الدستور على سلطة المشرع في شأن

المصادر التي يستقي منها أحكامه التشريعية، وأنه لا يمكن إعماله إالّ بالنسبة للتشريعات اللاحقة على فرضه

دون التشريعات السابقة، كما ينقض القول ما تضمنته الأعمال التحضيرية لمشروع التعديل على ما سلف إيضاحه

من أن المنوط به إعمال القيد المشار إليه هو السلطة المختصة بالتشريع، بالإضافة إلى أن المشرّع الدستوري لو أراد

جعل مبادئ الشريعة الإسلامية من بين القواعد المدرجة في الدستور على وجه التحديد، أو قصد أن يجري أعمال

تلك المبادئ بواسطة المحاكم التي تتولى تطبيق التشريعات دون ما حاجة إفراغها في نصوص تشريعية محددة

مستوفاة للإجراءات التي عينها الدستور، لما أعوزه النص على ذلك صراحة». وبذلك انضمت المحكمة الدستورية، وهي أعلى مراتب السلطة القضائية، إلى السلطة التنفيذية في تقريرها المقدّم

إلى مجلس الشعب في 4 أيار/ مايو 1985 الآنف الذكر، والسلطة التشريعية التي وافقت عليه، أي إن الدولة

في سلطاتها الثلاث (أو النخبة التي كانت تسريّ تلك المؤسسات الثلاث وتحدّد توجهاتها)، تبيّنت الصعوبات

الحقيقية في تطبيق هذا الشعار، وانتبهت إلى مغزاه في تغيير أسس المعادلة التي استقرت عليها العلاقة بين الدولة

والدِّين في مصر منذ ما يقارب مئة وخمسين سنة، وانتبهت إلى الحدود التي يمكنها أن تصل إليها في مسايرة الرأي

العام والاتجاهات الدِّينية المتصاعدة، وغلّبت الطبيعة المحايثة للدولة الحديثة كدولة مدنية، بل وعلمانية، مهما بلغ

الاحترام والمكانة التي توليها للدِّين في دستورها وتشريعها.

والواقع أن الشُقّة، في حقل العاملين بالمهنة القانونية، بين المنادين بتقنين الشريعة والقائلين بعلمنة القانون،

ليست بعيدة، فالقائلين بعلمانية القانون يعترفون بالدِّين مصدرًا موضوعيًا له وجزءًا مهامً من مكونات

النظام العام، والقائلين بتقنين الشريعة يعترفون بضرورة مراعاة الواقع وتجنّب الحرج والمشقة. وتيارات

الإسلام السياسي الراهنة – إذا صرفنا النظر عن التيارات التكفيرية والجهادية المنعزلة عن المجتمع والسلفية

الداخلة بعد كانون الثاني/ يناير 2011 إلى عالم السياسة ولا يعوَّل عليها كثيرًا في مجال صوغ قواعد العيش

المشترك – قد قبلت، قوالً وفعالً، بمفهوم الدولة الحديثة، وتعريفها لأركانها، وأجهزتها، وحقوق مواطنيها

وعلاقتها بالعالم. إن النظر إلى القواعد القانونية التي يقوم عليها نظام المجتمع بما تستحقه من الجد والتجرد، والابتعاد عن

استخدام الدِّين في السياسة – من جانب الدولة كما من جانب مناوئيها – وترقية وعي الجمهور، ووعي رجال

الدولة بدورها وفلسفة نظمها، والتصدي الشجاع لمشكلات الواقع وأوهام الجمهور، كلّ ذلك كفيل بأن

يرسي العلاقة الصحيحة بين الدولة الحديثة وقوانينها وبين الدِّين. والمشكلة في مصر ليست في علاقة الدولة

الحديثة بالدِّين، ولا في الدور الذي يمحضه النظام الدستوري المصري للدِّين، بل هي في الأزمات الاجتماعية

والدولة المستبدة. والمعركة السياسية التي دارت رحاها خلال الأشهر التي تلت الثورة حتى الآن، وشغلت

الرأي العام وأدوات الاتصال الجماهيرية، من صحف وتلفزة، حول طبيعة الدولة: دينية أو مدنية، هي معركة

زائفة؛ فلا الإخوان يسعون إلى دولة دينية، ولا الليبراليون والعلمانيون يسعون إلى الإخلال بالواجهة المزدوجة

للدولة المصرية الحديثة التي ظهرت منذ بدء تشكيلها على يد محمد علي وخلفائه. وسيعمل جميع فرقاء السياسة

من خلال مؤسسات الدولة وجهازها في مصر الذي هو جهاز علماني، من حيث تركيبته وأهدافه. والإخوان

المسلمون وحزبهم لا ينوون، ولا يستطيعون، تغيير طبيعة الدولة هذه. والظلال الدِّينية التي يضعونها على

صورة الدولة في دعايتهم الرسمية قبل الثورة وقبل تأسيس حزب الحرية والعدالة، ويغضون الطرف عنها في

دعاية أنصارهم بعد ذلك، تندرج في إطار الدعاية السياسية واستقطاب الجمهور، والاستفادة من تدينّ وعيه كما

هو بدالً من السعي إلى تغييره وتنويره. في ظني – ونحن على أعتاب تلقّي مشروع دستور الجمعية التأسيسية الثانية – أن المعركة الحقيقية بصدد

الدستور هي بين الثابت والمتحول في جهاز الدولة؛ بين المؤسسات التمثيلية القابلة للتداول عبر الانتخابات،

وبين بيروقراطية الدولة العتيدة في مصر، وموضعها هو الباب الذي ينظم السلطات العامة واختصاصاتها في

الدستور. ولا أظن أن هناك خلافًا حقيقيًا حول مضمون الأبواب الأربعة الأولى من دستور 1971، التي تحدد

طبيعة الدولة ومقوّمات المجتمع وحقوق المواطنين وحرياتهم. إن المهمة المطروحة على عاتق الجمهورية الثانية تتجاوز أفق المطالب الاقتصادية للطبقات الكادحة إلى إعادة

بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة أكثر عدالً وإنسانية؛ فالدولة في حالة من الضعف والترهل نتيجة

46 في إطار موقف عقلاني مبكر من تطبيق الشريعة، انظر، أحمد كمال أبو المجد، «العقل وتطبيق الشريعة الإسلامية،» العربي،

العدد 214 (أيلول/ سبتمبر 1976)، وأعيد نشره في: أحمد كمال أبو المجد، حوار لا مواجهة (القاهرة؛ بيروت: دار الشروق، 1988)،

ص 82.91-

47 انظر على سبيل المثال: ناصيف نصار، تصورات الأمة المعاصرة: دراسة تحليلية لمفاهيم الأمة في الفكر العربي الحديث والمعاصر

(الكويت: مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، إدارة التأليف والترجمة، 1986)، وعبد الإله بلقزيز، الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر

(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، وهو ما يمكن أيضًا تلمسه في كثير من الدراسات والكتابات الإسلامية الحديثة

والمعاصرة.

تراجع دورها في الحقبة الساداتية، وعجزها، وفسادها الواسع في الحقبة المباركية. وقد نتجت من ذلك حالة من

الانحطاط الشديد في التعليم والأخلاق وتطبيق القانون، وغياب الوعي بماهية تلك الأمور وغيرها وضرورتها،

وهو ما أدى بالدولة إلى ما يقارب الزوال، وبالمجتمع إلى ما يقارب التحلل. لقد بُنيت تلك الدولة من أعلى،

واستنادًا إلى أساليب السلطة المستبدة للحكام المستنيرين المصريين، وغرست مفاهيمها المحايثة، بما فيها العلمانية،

عبر الأساليب ذاتها، لا عبر تطور واختمار في أحشاء المجتمع المصري، فاقترنت بالسلطة والاستبداد. كما أن

جهود المفكرين والسياسيين المستنيرين المصريين أثمرت عبر عقود تعزيزًا لمفاهيم الحداثة، ما دامت الدولة

في عهودها الليبرالية والناصرية قوية وقادرة على القيام بدورها السياسي والاجتماعي، فلامّ تراجعت وضعفت

نتيجة إخفاق المشروعين الليبرالي والناصري على السواء، علا نجم تيار الإسلام السياسي، وتحقق له أخيرًا

الوصول إلى مقاعد الحكم لتطبيق رؤاه التي لن يكون أمامه سوى التخلي عنها لصالح المحتوى الحقيقي: الحكم

والسلطة. ولعل في ذلك فرصة ليسلك الشعب طريقه نحو الحداثة والتنمية والعدالة الاجتماعية، عبر تطوره

الذاتي بطريقة ديمقراطية وشعبية وجذرية حقًا. من المفترض أن يكون يوم إعلان الدستور الجديد المزمع إصداره يوم ولادة الجمهورية الثانية، التي نأمل جميعًا

أن تكون أفضل من الجمهورية الأولى، ومتفوقة عليها، ومحققة لأهداف أغلبية المصريين الساحقة ورغباتها،

ومراعية للتوازن بين الحقوق السياسية والحقوق الاجتماعية، ولا تحمي حقوقًا على حساب حقوق أخرى، أي

لا تحمي الحقوق السياسية على حساب الحقوق الاجتماعية، كما فعلت ليبرالية ما قبل 1952 الملكية، ولا تحمي

الحقوق الاجتماعية على حساب الحقوق السياسية كما فعلت جمهورية ما بعد 1952 الناصرية، ولا تهدر الاثنين

لحساب مصالح فئة في المجتمع وتحالفاتها الدولية كما فعل خلفاء ناصر؛ جمهورية تحقق الديمقراطية السياسية

والديمقراطية الاجتماعية معًا.