مدارات التسامح
Cycles of Tolerance
الملخّص
تحفر هذه الورقة في الطبقات التاريخية والفلسفية-السياسية التي ساهمت في بناء مفهوم التسامح في السياق الغربي، من دون أن تخوض في المعضلات والمخاطر التي تستدعيه في العالم العربي. وهي تتقصّى الجذر اللاهوتي لمفهوم التسامح عند أُغسطين الذي نقله عنه مارتن لوثر، ومفاده الصبر على المارقين من الدّين وانتظار عودتهم إلى جادة الصواب والدّين الحقّ. كما تتقصى بداية تبلور المفهوم في سياقات مختلفة –مرسوم نانت في فرنسا، ومعاهدة الديانة في الأراضي الواطئة، وإعلان التسامح في إنكلترا- كانت مقدمات وإرهاصات لميلاد فكرة التسامح الديني والعقيدي والبداية الفعلية للفصل بين الدائرة العمومية والدائرة الخصوصية، وذلك قبل الانتقال إلى المفهوم ذو الأصول سياسية وفلسفية مع فلاسفة القرن الثامن عشر، خاصةً جون لوك في رسالة في التسامح، حيث جرى الصَّوغ العلماني لمفهوم التسامح في علاقة وثيقة بالمذهب الليبرالي: الفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية؛ حيادية الدولة تجاه المعتقدات؛ تصوّر فضاء محايد لا يخضع لتدخّل الدّين والمعتقد، هو فضاء الحرية.
Abstract
This study investigates the historical and politico-philosophical origins of the rise of “tolerance” in the West. To this end, Abdelali delves into the ecclesiastical root of the word in the writings of St. Augustine and, later, Martin Luther. Further, he looks into the formation of the concept of tolerance in its various manifestations, such as the Edict of Nantes, the Pacification of Ghent, and the Declaration of Indulgence. These developments took place before “tolerance” came to take political and philosophical meanings, such as it does in John Locke’s Letter Concerning Toleration. It was in this secular formulation that tolerance was tied to a liberal school of thought that promoted the separation between religious and secular authorities; the “neutrality” of the state on religious beliefs; and the conceptualization of a neutral sphere not subject to the pressures of religion and belief—the sphere of liberty. Taking in contemporary, post-modern understandings of the concept of tolerance, the study also presents the ideas of communitarian political thinker Michael Walzer in contrast to the approach toward Liberalism represented by philosopher John Rawls.
- السلطة الدنيوية
- الحرية
- المعتقد
- الايمان
- tolerance
- Augustine
- neutrality
- religion
- John Rawls
تحفر هذه الورقة في الطبقات التاريخية والفلسفية-السياسية التي ساهمت في بناء مفهوم
«التسامح» في السياق الغربي، من دون أن تخوض في المعضلات والمخاطر التي تستدعيه في العالم
العربي. وهي تتقصىّ الجذر اللاهوتي لمفهوم التسامح عند أُغسطين الذي نقله عنه مارتن لوثر،
ومفاده الصبر على المارقين من الدّين وانتظار عودتهم إلى جادة الصواب والدّين الحقّ. كما تتقصى
بداية تبلور المفهوم في سياقات مختلفة – مرسوم نانت في فرنسا، ومعاهدة الديانة في الأراضي
الواطئة، وإعلان التسامح في إنكلترا- كانت مقدمات وإرهاصات لميلاد فكرة التسامح الديني
والعقيدي والبداية الفعلية للفصل بين الدائرة العمومية والدائرة الخصوصية، وذلك قبل
الانتقال إلى اختّاذ المفهوم أصوالً سياسية وفلسفية مع فلاسفة القرن الثامن عشر، خاصةً جون
لوك في رسالة في التسامح، حيث جرى الصَّوغ العلماني لمفهوم التسامح في علاقة وثيقة بالمذهب
الليبرالي: الفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية؛ حيادية الدولة تجاه المعتقدات؛ تصوّر
فضاء محايد لا يخضع لتدخّل الدّين والمعتقد، هو فضاء الحرية. بيد أنَّ الورقة لا تتوقف هنا، بل تتعدّاه إلى تناول القراءة المعاصرة، ما بعد الحداثية، لمفهوم
التسامح واستكشاف حدودها وآفاقها من خلال وضع مثالها الأبرز، المفكّر الجماعويّ مايكل
والزر، إزاء ممثّل جديد للمقاربة الليبرالية هو جون راولز. ففي حين يخرج والزر من الدلالة
اللاهوتية لمفهوم التسامح وينتقد المقاربة الليبرالية التي تقول بكونية هذا المفهوم، ويرى أنه ليس
ثمة بُعد كوني لمفهوم التسامح بل أنظمة متسامحة أو تسامح بحسب أنظمة مخصوصة، وأنَّ مفهوم
التسامح لا يعلو على شروطه التاريخية وسياقاته المحددة، الأمر الذي يقوده إلى استقصاء المدى
الذي تبلغه إجازة الاختلاف الراديكالي والتسامح تجاه الغيرية المفرطة في العالم الجديد الذي هو
أرض هجرة ومهاجرين وتعدد ثقافي، فإنَّ جون راولز يعاود الدفاع عن كونية التسامح التي
يستمدّها هذه المرّة من الحرية ذاتها، حيث لا سبيل إلى التضحية بالحرية إلاّ في سبيل المزيد منها. لا يزال مفهوم التسامح Tolérance) (راهنًا رغم انصرام أربعة قرون على مرسوم نانت (Edit de
Nante) الذي سنَّه ملك فرنسا هنري الخامس، وأنهى الحروب الدينية في أوروبا نسبيًا، خصوصًا مع
تصاعد التعصب واللاتسامح Intolérance)) في مناطق مختلفة من العالم في ما يخص حرية الاعتقاد والتعايش
السلمي والعيش المشترك. نُحِت مفهوم التسامح تدريجيًا، فاكتسى في البداية طابعًا دينيًا لاهوتيًا، لكنه اتخذ في ما
بعد لبوسًا سياسيًا، واصطبغ بصبغة مدنية، واتخّذ أشكاالً شتى ودلالات عدَّة، نحوية ودلالية ولسانية، وسُمِّي
تسميات أخرى أو اقترن بها، مثل الاحترام أو الاعتراف المتبادَل، أو الحياد الذي يوحي به لفظ «عَلمْانية». وفي
البداية أقترح الحفر في الطبقات التاريخية التي ساهمت في بناء المفهوم وتشكّله. أرمي في هذا البحث إلى مساءلة هذا المفهوم فلسفيًا، مع التعريج على مخاضه بأشكاله اللاهوتية والسياسية
والمدنية بدءًا من جون لوك، ووصولا إلى المناقشات الليبرالية والجماعوية في الفكر السياسي الأميركي المعاصر.
ونحن، إذ نستقصي المفهوم في دلالاته المتعددة والمتشابكة، لا تغرب عن بالنا المعضلات المذهبية والمخاطر
الطائفية في أصقاع العالم، خاصة في عالمنا العربي، غير أنَّ الحدود التي رسمناها للبحث تجعل من المتعذر الخوض
في تلك المعضلات والمخاطر التي تحتاج وحدها إلى بحث آخر موسَّع.
دلالة مرسوم نانت السياسية والدينية
في الوقت الذي ينبغي أ نحمِّل هذا المرسوم ما لا يحتمل، فإنه رغم ذلك دشَّن بداية عهد جديد؛ إذ عمل، بصفته
مرسومًا ملكيًا ممهورًا بتوقيع ملك فرنسا هنري الخامس، على إنهاء الاضطهاد الديني الذي كان الكاثوليك
يسِومونه للبروتستانت، مدشنًا مرحلة جديدة في تاريخ الملَكية في فرنسا من حيث إعلانه التعايش السلمي بين
النِّحلَتين، وبفضله انبثقت فكرة حرية الضمير التي اعرتُف بها معيارًا جديدًا للتعايش السلمي. ليس في المرسوم
ذكر لمفهوم التسامح حرفيًا، ولكن الحقل الدلالي للمفهوم موجود وإن بكيفية مضمرة. وأن يُدان الاضطهاد
الديني في المرسوم هو في حد ذاته تعبير -وإن كان بالسلب- عن حضور المفهوم.
لم حيَُالف مرسوم نانت النجاح، ولم يُكتَب له البقاء والاستمرار، إذ أُلغي في عهد لويس الرابع عشر نظرًا إلى أنه
كان يشكِّل عقبة أمام الحكم المطلق في فرنسا. كما أظهر عدم نضج النظام القديم لتقبُّل فكرة التسامح. ومثلما
أن للحوادث شروط ظهورها، فإن للأفكار أيضًا أسبابًا لنزولها فوجَب الانتظار حتى مطلع القرن الثامن عشر
ليتبلور مفهوم التسامح مع فلاسفة الأنوار، ويمهد الطريق لانبثاق فكرة العلمانية بحسب النموذج الفرنسي. فما
ملابسات هذا المرسوم وما دلالاته؟ في أوروبا منتصف القرن السادس، بدأ ظهور البوادر الأولى للإصلاح الديني، وطُرِحت ضرورة تجديد الدِّين.
ولأول مرة تتعرَّض المسيحية للانشقاق في ألمانيا بزعامة راهب مغمور يُدعى مارتن لوثر في دير يُسمّى فيتنبورغ.
وكان ذلك الراهب قد أيقن بعد قراءة متأنية للقديس أُغسطين أن السبيل الوحيد إلى خلاص الإنسان هو الإيمان
والاحتكام إلى سلطة النص الديني، وهو ما ترتب عنه قيام البابا بطرده من الكنيسة الكاثوليكية سنة 1521. دبَّ
الشقاق داخل الكنيسة وتكرَّس ظهور البروتستانتية الذي كان رهن شروط تاريخية واجتماعية اقتضت إصلاح
الكنيسة بالعودة بالمسيحية إلى أصلها في الكتاب المقدس، وإلى مبدأ الإيمان الديني وإلى حرية الضمير بدل الخضوع
للهرمية الكهنوتية. ووُجِدت خلْف الإصلاح البروتستانتي قوى اجتماعية وسياسية جديدة بدأت بالتعبير عن
توقها إلى التحرر من ربقة الكنيسة الرومانية والسلطة البابوية التي سادت القرون الوسطى في أوروبا الغربية. ما يهم من هذا الحقائق التاريخية هو أن النِّحلة الناشئة، ونعني بها البروتستانتية، ومعتنقيها، لم يجدا من المؤسسة
الدينية الرسمية سوى عدم التسامح، وإنْ كانا هما بحد ذاتهما غير متسامحين. لكن عدم تسامح الكاثوليكية تجاه
هذه النِّحلة الناشئة مردّه إلى كونها مؤسسة قائمة اكتست طابع الديانة الرسمية التي لا تقبل منافسًا لها. أمّا عدم
تسامح البروتستانتية، فيمكن أنْ يجد تفسيره في كونها مذهبًا دينيًا ناشئًا ينازع المؤسسة الدينية الرسمية في مسألة
الشرعية التي لم تعد تنحصر في الدائرة الدينية، بل تمتد إلى الشؤون الدنيوية.
لا يوجد تلازم بين الإصلاح الديني والتسامح، بدليل إن البروتستانتية أَبدت عدم تسامح تجاه مذاهب أخرى
وإنْ كانت قد دعت هي نفسها إلى إصلاح الكنيسة. كما بدا جليًا عدم تسامحها مع النِّحل الناشئة من بعدها، مثل
المذهب المناوئ لتعميد الأطفال بوصفه مبدأً منافيًا للمسيحية. لهذا رأيتُ أن الحدود بين التسامح واللاتسامح
متغيرة باستمرار بحسب مواقع القوة وعلاقاتها بين المذاهب والنِّحل الدينية)لم يكن التسامح ملازمًا لروح
الإصلاح البروتستانتي)، كما لم يكن المعتقَد اللوثري ولا إصلاح زوينغلي وكالفن يبديان أي نزوع نحو تنسيب
الحقيقة، أو أي اعتراف لخصومه بالحق في التفكير أو في الاعتقاد وإنْ كانوا مخطئين. دعت البروتستانتية، التي هي تيار إصلاحي داخل الكنيسة، إلى العودة إلى الأصول والكتاب المقدس، وإلى نبذ كل
ما علق بقراءته من بدع وخرافات من طرف الكاثوليكية، وذلك كله في سبيل إثبات حرية المعتقد الذي لا يتأتى عن
طريق تعلّم مذهب أو غيره، واعتبار أن المغفرة مِنَ الله وحده لا من شفاعة غيره، وبالتالي فالعلاقة بين الله والإنسان
علاقة مباشرة. ويمكن القول إن دعوة البروتستانتية إلى الأصول قد تكون علامة لما يميّزها من الكاثوليكية، وقد
نعثر في ذلك على توق إلى التحرر من القراءة الرسمية للنصوص المقدسة، وعلى رغبة في تمكين الإنسان المسيحي من
وسائل استقلاله عن الكهنوت، ومن ثم رفض جميع الوسائط بين العبد وربه. إذن، ثمة رفضٌ ما في البروتستانتية:
رفض للوسائط، رفض للهرمية، رفض للتمايز داخل الكنيسة، وهو ما يمكن تسميته الرفض البروتستانتي: رفض
البابا، رفض مريم، ورفض القدّاس، وإثبات الله وحده، المسيح وحده، والكتاب المقدس وحده ضد سلطة التقليد.
يقول مارتن لوثر: «لقد تم ابتداع فكرة أنَّ البابا والأساقفة والقساوسة ورجال الأَدْيرَة سُمّوا الدولة الكنسية،
وأنَّ الأمراء والسادة والصنّاع والفلاحين سُمّوا الدولة العلمانية، وهذا حقًا محض كذب ونفاق»؛ فالمسيحيون
كلهم، بحسب مارتن لوثر، رجال كنيسة، لأن الكنيسة اجتماع أو مؤسسة مكوّنة من المسيحيين كلهم وليست
جهازًا مغلَقًا.
تحثّ البروتستانتية على اقتران الإيمان بالعمل والكدّ، وعلى نفي أن يكون الاعتقاد الديني أَعلى قيمة ممّا هو
دنيوي، فثمة مساواة بين الدِّين والدنيا، وهو ما شجّع على اقتران مطلب الإصلاح الديني بالشرط التاريخي
لصعود البرجوازية: «تتسع العبادة والصلاة لكل نشاط دنيوي في ما وراء الطقوس الجماعية، وهو ما يمكن أن
يصير عربونًا وشهادة على الإيمان». تلك هي الأخلاق البروتستانتية ذات الملامح الدنيوية التي مهدت لظهور الرأسمالية. والمهم في البروتستانتية هو
أنها ساهمت في إرساء الحرية الفردية التي تُعتبر من مكتسبات الحداثة ضد سلطة المؤسسة الدينية. حرية الضمير
الفردي في الدِّين قبل الخضوع المؤسسي تلك هي خلاصة الدعوة البروتستانتية. ثمة إذن علاقة مؤكدة بين الحداثة والبروتستانتية. وقد تبنّى عدد كبير من البروتستانت قيم الحداثة التي ساهم
الفكر البروتستانتي في صعودها، من ديمقراطية وحقوق إنسان وإعلاء من قيمة الفرد. أمّا الكالفينية، فتقوم
على فكرة الإصلاح الديني الموروثة عن مارتن لوثر، وترى أن المبرر الديني الوحيد لنيْل الثواب، ومن ثم
1 Tolérance et Réforme: Eléments pour une généalogie du concept de tolérance , textes réunis par Nicolas Piqué et Guislain Waterlot, la philosophie en commun (Paris; Montréal: l’Harmattan, 1999), p. 169. 2 Encyclopédie du protestantisme , publié sous la direction de Pierre Gisel et Lucie Kaennel, Quadrige. Dicos poche, 2eme éd. revue, corrigée et augmentée (Paris: PUF; Genève: Labor et fides, 2006), p. 1124.
3 المصدر نفسه، ص.1124
4 المصدر نفسه، ص.1126
الخلاص، يكون عن طريق الإيمان لا عن طريق الشعائر، وعن طريق الكتاب المقدسلا عن طريق التقاليد
الموروثة: فالله إله واحد، ومنبع الإيمان هو الكتاب المقدس. وقد ساعدت الكالفينية في عَلْمنَة العاملَ والاقتصاد
والسياسة: «لقد جذبت الكالفينية الطبقات الوسطى الجديدة، الحضرية منها والبرجوازية». بدَا الإصلاح الدِّيني مع ظهور البروتستانتية ضرورة تاريخية، ويمكن أن نلتمس لصعود المذهب البروتستانتي تفسيرًا
لا في الإصلاح الديني فحسب، بل أيضًا في الشروط المادية والعوامل التاريخية التي بدأت أوروبا تشهدها في تلك
الفترة، وخاصة في الصعود التدريجي للبرجوازية التجارية. لقد مثّلت البروتستانتية في الواقع عامالً من عوامل الحداثة
الغربية، كما ورد في كتاب Protestantisme، فقد تمكنتْ من تحرير الفرد من هيمنة الكهنوت، وساهمت من ثم في
استقلالية الفرد البرجوازي الحديث، وفي إعادة النظر في العلاقة بين الكنيسة والدولة، وفي مراجعة الصلة بين الديني
والدنيوي. ثمة إذن علاقة غير مباشرة بين الإصلاح الديني ونشوء البروتستانتية وصعود البرجوازية في أوروبا وما
ترتب عنه من استقلال تدريجي للفرد. وتجدر الإشارة هنا إلى ماكس فيبر، وإلى كتابه الأخلاق البروتستانتية وروح
الرأسماليةالذي برهن فيه على وجود صلة وثقى بين العقل العملي البروتستانتي ونشوء الرأسمالية. كان هذا الانشقاق بداية الإصلاح الديني في أوروبا، وإرهاصًا بالعنف الديني أو العنف الذي يتخذ أبعادًا رمزية.
ويتضح من وجهة نظر أنثروبولوجية أن العنف الرمزي راسخ في الإنسان ويتلبس لبوسًا دينيًا. يتوسّل العنف
الرمزي بحجج وذرائع قد لا تخلو من عقلانية، لكنه سرعان ما يتخلى عنها عندما يطلق لنفسه العنان، لأن العنف
أساسًا لا عقلاني، يتّخذ من الحجج العقلانية ذريعة ومطية. وعليه، فما العنف الدِّيني سوى مظهر من مظاهر العنف
الرمزي. ويتغذّى اللاتسامح الديني من هذا العنف مهما قدم من مسوغات عقلانية. يقول رينيه جيرار «يُقال غالبًا
إن العنف لا عقلاني. ومع ذلك لا يعدم العنف حججًا، بل يعرف كيف يعثر على أقواها. ولكن مهما كانت الحجج
قوية، فلا ينبغي أخذها مأخذ الجد؛ إذ سرعان ما يتناساها العنف ما دام الهدف الأولي لم يتم بلوغه. إن العنف
المتعطش دومًا للإشباع يبحث وينتهي به الأمر إلى العثور على ضحية بديلة. وقد استعرتُ مفهوم العنف في
علاقته بالمقدس من رينيه جيرار الذي يعتبر العنف مرتبطًا بالمقدس أيما ارتباط. ويتجاوز مفهوم المقدس المظهر
الديني لأنه يشمله ويحتويه. يقتضي المقدس التضحية ويستدعيها، وتكتسي هذه الأخيرة دلالة مزدوجة، فهي من
جهة تعتبر ما ينبغي القيام به قيمة عليا، ولا يخلو في الوقت نفسه من نية إجرامية: «إنه من قبيل الفعل الإجرامي
قتلُ الضحية، ولكن لن تكون الضحية مقدسة إذا لم تُقتل». ما يهمنا هنا هو العنف الذي يبلغ مداه عندما يرتبط
بالمقدس أو بالديني، وكان قد اتخذ أشكاالً مختلفة في عصر الإصلاح الديني. في فرنسا الكاثوليكية سينبثق حادثان: أولهما تاريخي، ويتمثّل في محنة البروتستانت التي ستتوَّج بمجزرة سانت
بارتيليمي الرهيبة. وثانيهما فكري، أو لنقُل ذهني، وهوما سيُعرف بمرسوم نانت الذي يدشِّن مرحلة جديدة
تتسم بالتعايش بين المذاهب والنِّحل.
يمكن القول إن فكرة التسامح الديني بدأت تتبلور تدريجيًا في سياقات مختلفة من خلال مرسوم نانت في فرنسا،
ومعاهدة الديانة في الأراضي الواطئة، وإعلان التسامح في إنكلترا. ولم يولَد مرسوم نانت من فراغ، وإنما جاء
كمحاولة لإنهاء الحروب الدينية الطاحنة التي عرفتها فرنسا، ولم يرَ النور إالّ بعد مخاض عسير. فما هي القلاقل
التي عرفتها فرنسا قبل إقرار هذ المرسوم؟
5 المصدر نفسه، ص.179
6 Hubert Bost et Jean Baubérot, Protestantisme , entrée libre; 49. Dossiers de l’encyclopédie du protestantisme; 9 (Genève: Labor et Fides; Paris: Cerf, 2000). 7 René Girard, La Violence et le sacré (Paris: B. Grasset, 1979), p. 11.
8 المصدر نفسه، ص.2
تمثّلت هذه القلاقل في حروب أهلية طالب فيها البروتستانت بالحرية الدينية بعد مرحلة من القمع سادها
شعار إيمان واحد، قانون واحد، ملك واحد. وبرز الميل إلى التوافق السلمي المؤقت تحت إلحاح فكرة
التسامح المدني. ولم يكن ممكنًا إحلال نوع من السلم المدني إالّ بعد مرحلة سادها الاضطهاد، وفُرضت فيها
الرقابة على الكتب التي يمكن أن تروج لمعتقد آخر. وجرت ملاحقة كل من لا يدين بالكاثوليكية، وا م
بالهرطقة وحُكم عليه بالإعدام. شهدت فرنسا حربًا أهلية، وتعالت الأصوات بضرورة عدم اللجوء إلى
القوة في مسألة الضمير. وجاء قرار أمبواز سنة 1562 قبل مرسوم نانت من أجل إقرار نوع من التهدئة بين
الفرقتين المتصارعتين: «لا يجوز إكراه الضمائر، أيًا كان السبب. هذا هو المبدأ الأساسي الذي سنراه ينتشر في
فرنسا ابتداء من عهد شارل التاسع». لم يكن قرار أمبواز سوى قرار مرحلي أو هدنة مؤقتة سادت فيها
فترة سلام نسبي أعقبتها مجزرة سانت بارتيليمي في حق الهوغونوت، أي الفرنسيين البروتستانت، على يد
الملكة كاترينا. واعتبرها البعض إجراءً سياسيًا وتطبيقًا لمصلحة الدولة العليا، غير أنها أسدلت الستار على
أكثر الفصول دموية في تاريخ فرنسا. ولكن مع صعود ملك بروتستانتي، هو هنري الرابع، إلى الحكم بين
سنتي 1589 و 1598، برز الأمل في انفراج ما، فتوصل الملك إلى توافق مؤسسي يجمع بين بقائه على معتقده
البروتستانتي والسماح بإرشاده بواسطة مجمع كنسي، وبين الإبقاء على الكاثوليكية كديانة رسمية للدولة.
وتمخضت الظرفية التاريخية عن قرار نانت أو مرسوم نانت. يشير هذا المرسوم إلى كونه أفضل حل في ذلك العصر الرازح تحت وطأة النظام القديم، والمتسم بالحكم المطلَق
من أجل فَضِّ النزاع بكيفية مؤقتة، وإحلال تسوية اجتماعية مرحلية. ولكنه يمثّل أيضًا علامة بالغة الدلالة على
الحاجة الأكيدة إلى التسامح الذي لن يتبلور كمفهوم سوى مع إطلالة القرن الثامن عشر. وقد سُبقَ مرسوم
نانت 1598 بمرسوم بواتيي 1577، وكلاهما يقوم بتمهيد الطريق للسلم الاجتماعي والسياسي والديني،
وإنهاء الحروب الدينية المميتة. ولا يمكن فهم دلالة مرسوم نانت من دون استحضار الواقعة التاريخية المسماة سانت بارتيليمي سنة 1572،
وهي تُعتربَ دليالً على الهمجية التي يمكن أن يُفضي إليها التعصّب الديني أو التعصب الذي يتلبَّس لبوسًا دينيًا،
ويمكن أن تمدّنا بصلاحية توسيع المقارنة إلى حدود الألفية الثالثة. كيف يمكن التوفيق بين ممارسة أشنع أشكال
العنف والمبرّر الديني أو العقدي، أو لنقُل بين الهمجية والشعور بالمقدَّس؟
لم تقتصر الدعوة إلى التسامح على مرسوم نانت ولا على فرنسا وحدها، بل صار هذا مطلبًا في الأراضي الواطئة
التي شهدت بدورها أبشع أشكال اللاتسامح الديني بين المذاهب الدينية المتصارعة، ونقصد الكالفينية
والكاثوليكية. وقد تجىلّ مطلب التسامح هذا في معاهدة الديانة في عهد الأمير دورانج. ظهرت الحاجة إلى إقرار السلم الأهلي بواسطة السماح بحرّية العبادة ونبذ اضطهاد المخالفين في المعتقد رغم
تذرّع رافضي التسامح بحجة درء الانقسام والتشبث بمبدأ الدِّين الواحد: «ولسنا ننكر أن البعض، في رفضهم
التسامح، يتذرّعون بالمبدأ القائل إيمان واحد، قانون واحد، ملك واحد...لكنها اعتراضات واهية... ما يجعل
كل اعتداد ببلوغ الإجماع في الإيمان عن طريق القوة دليل غباء بالغ». ولهذا النوع من الخطابات نظائر في الكتابات السياسية الفرنسية في ذلك العصر، أي حوالي نهاية القرن السادس
عشر. ويتضمن الخطاب نصائح لملوك الأراضي الواطئة بضرورة إقرار التسامح بين النِّحل الناشئة، والكالفينية
9 جوزيف لوكلير، تاريخ التسامحفي عصرالإصلاح، ترجمة جورج سليمان (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)، ص.519
10 مقتطف من خطاب موجّه إلى الملك فيليب، ورد في: المصدر نفسه، ص.763
منها على الخصوص من جهة، والكاثوليكية من جهة أخرى. وقد استلهم الأمير دورانج هامش الحرية الدينية
في فرنسا، وشجع، إلى بعض الحدود، حرية العبادة لما كان لمنْعها من نتائج كارثية (إفلاس اقتصادي، قمع ضمائر،
تنامي زندقة وإلحاد). فحرية العبادة هي، بحسب دورانج، الكفيلة بتحقيق السلم الأهلي وبتدعيم الوحدة
المدنية في الأراضي الواطئة من أجل تحقيق الاستقلال الوطني عن الاحتلال الإسباني، فلا طريق آخر سوى
نبذ التشدد من كلا الجانبين الكاثولكي والكالفيني وإقرار معاهدة الديانة التي تقوّي اللُحمة الوطنية. فالدعوة
إلى التسامح وضرورته واضحة وجلية: «يجب أن نضع اتفاقًا آخر مفاده أالّ يمس أحدنا الآخر في حرية ضميره
وممارسة ديانته». وتحض معاهدة الديانة على حرية الضمير التي تُعتبر حجر الزاوية في مبدأ التسامح. لكن
هذا لم يمنع في ما بعد من العودة إلى الاضطهاد الديني. ويمكن إبداء ملاحظة عامة: إن جدلية الصراع الديني
والتسامح العقائدي بين المسيحية الرومانية والديانات المُصْلَحة كانت محكومة بجدلية سياسية قوامها تحالف
ملوك أوروبا تارة والنزاع في ما بينهم تارة أخرى. أمّا الوضع الديني في إنكلترا، فهو خاص لأن الملَكية أقرت قانون السيادة الدينية التي يكون من يتربع على
العرش بمقتضاها حامي الدِّين والرئيس المطلَق للكنيسة، ومن ثم عدم الاعتراف بالبابا ولا بالكنيسة الرومانية.
كما وُضع كتاب للتوجيه الديني، سُمّي كتاب الصلاة، يحدد المعايير الواجب اتّباعها في المسألة الدينية: «وضعت
السلطة المدنية يدها على الإصلاح منذ نشأته في إنكلترا، حيث قام الملوك ومستشاروهم بفرضه على الأمّة»،
وهو ما يمكن تسميته الانفصال الأنغليكاني، ومنه نشوء الكنيسة الأنغليكانية المؤتمرة بأوامر الملك هنري الثامن،
وعُرفت بالإراستية (أصبحت لفظة إراستية مألوفة في بريطانيا العظمى للدلالة على تبعية الحياة الكنسية الشاملة
لمصالح الدولة)، التي مارست على المنشقين أعمال الاضطهاد باسم المصلحة العليا للدولة مثلما حدث في حق
منكري التعميد الذين أمهلتهم اثنيْ عشر يومًا لمغادرة البلاد.
ظل الاضطهاد الديني سيد الموقف، فكان تارة اضطهادًا كاثوليكيًا للبروتستانت في عهد الملكة ماري تيودور
(1553-1549)، وكان تارة أخرى اضطهادًا بروتستانتيا للكاثوليك على عهد الملكة إليزابيت (1558 –). 1603
غير أنَّ الاضطهاد الديني لم يمارَس بتوجيه هتَُم دينية بقدر ما كان يُصاغ وفْق هتَُم سياسية بانتهاك السيادة. لقد
ارتبط الإصلاح الأنغليكاني بالمصالح السياسية للدولة، ومن خاصياته أنه مزيج عجيب من الكاثوليكية من جهة
والبروتستانتية والكالفينية من جهة أخرى، لكن في ظل السيادة التي تمثّلها المؤسسة الملكية. وقد أدى الاضطهاد
الديني والاضطراب السياسي الذي شهدته إنكلترا إلى إقرار البرلمان إعلان التسامح Act of Toleration)) سنة
1689، من أجل إنهاء الحرب الأهلية التي أطاحت التاج البريطاني. وقد حثّ إعلان التسامح هذا على حرية
العبادة للطوائف والنِّحل الدينية المنشقة عن الكنيسة الأنغليكانية من مناصري التعميد شريطة ولائها للمل، كية
باستثناء الكاثوليك والرافضين للتثليث، وهوما يجعل التسامح في هذا الإعلان مقيَّدًا لا مطلَقًا.
إذا وقفنا على هذه النماذج الثلاثة، فإنه سواء تعلق الأمر بمرسوم نانت في فرنسا أو بمعاهدة الديانة في الأراضي
الواطئة أو بإعلان التسامح في بريطانيا، يمكن اعتبارها مقدمات وإرهاصات لميلاد فكرة التسامح الديني
والعقدي وتبلورها. وكلها وثائق ومعاهدات ومراسيم أُريد لها أن تحد من الاضطهاد الديني الناجم عن
التعصب المذهبي ولو بشكل مؤقت، وفي مساحة محدودة للحرية الدينية. إذا حاولنا قراءة ظاهرة العنف الديني نجد أن طبيعتها لاعقلانية، كما رأينا مع رينيه جيرار، ولو اتخذت مسوغات
11 المصدر نفسه، ص.784
12 المصدر نفسه، ص.917
13 المصدر نفسه، ص.919
عقلانية، لأن مدار الأمر فيها هو رهان القوة على احتكار المقدس، والانفراد بالحقيقة الإلهية، وهوما يفسر سبب
تقاتل الإخوة الأعداء على امتلاك الرموز الدينية نفسها، وتقاتل المؤمنين على الإله نفسه. وإذا حاولنا مقاربة
العنف الديني، فلا مناص من الاستعانة بالأنثروبولوجيا وبالتحليل النفسي لفهم جذوره الضاربة في اللاشعور. تكمن المشكلة في أن اقتراف هذه الجرائم وارتكاب هذه الإبادة لا يُعتبران في أنظار المخلصين أو من يعتقدون
أنهم كذلك خطيئة أو ذنبًا أو شرًّا ما داموا يعتبرون الآخرين المعارضين لمذهبهم ومعتقدهم هم منبع الشر. إنها
الصورة المقلوبة عن الذات التي لا يستطيع الأعداء المتخاصمون على محبة الله تقويمها ليروا حقيقة ما ارتكبوا
من فظائع، بل يعتبرون ممارسة العنف في حق غيرهم جائزة، بل واجبًا دينيًا. هذا التعصب الديني ينهل من
اللاشعور الرمزي لدى الجماعات الدينية. وتخُ لَق على المستوى اللساني – بعد الاستثمار الرمزي - الألفاظ
والعبارات والتسميات ذمًا وقدحًا، وتكون مهيَّأة سلفًا لاستقبال معاني المروق من الدِّين ونشر البدع، وهو ما
يجعل النظر إلى التصفية والإبادة الدموية فعل تطهير. تكثِّف واقعة سانت بارتيليمي الحدث التاريخي الذي جعل العنف الديني يطفح ويتجاوز الحدّ المسموح به.
إنها الحادثة التي تمثّل أوج التعصب الديني، الشيء الذي سيفرز تاريخيًا إمكان مجاوزته. وما كان يمكن مجاوزة
العنف الديني لولا وثيقة أُريدَ لها أن ترقى إلى أن تكون مرسومًا ملكيًا، وهي بمكانة إعلان عن إرادة سياسية
للنظام القديم في البحث عن أحسن السبل للملَكية من أجل أن تنقذ نفسها من مآل الهلاك الذي اندرجت فيه. يتضمن مرسوم نانت الاعتراف بالطقوس الدينية للأقلية البروتستانتية، ويحتوي على ضمانتين: تأمين أماكن العبادة
وتعويض سنوي من الخزينة الملَكية. وما يضفي قيمة حقوقية ومدنية على مرسوم نانت هو كونه يقرُّ تسامحًا دينيًا قبل
الأوان رغم أننا لا نعثر على هذه الكلمة البتة في نصه. ويب منطوق المرسوم الملكي أن ثمة وعيًا جنينيًا بضرورة إقرار
التسامح الديني، وإن اعتورته بعض النقائص، وفيه إرهاص ببعض الحقوق والحريات مثل ضمان حرية الضمير
وحرية الشعائر والطقوس والمساواة في الحقوق المدنية. لقد مثَّل المرسوم انعطافًا في تاريخ الذهنيات، وأسس
البداية الفعلية للفصل بين الدائرة العمومية والدائرة الخصوصية رغم كونه يعاني حدودًا بحيث لم يُسمَح بممارسة
البروتستانتية إالّ في مناطق مخصوصة في فرنسا، كما أنه نص عامل البروتستانت كاستثناء والكاثوليك كقاعدة. لقد ألغى لويس الرابع عشر مرسوم نانت، وهو ما يدل على أن الشروط السياسية لم تنضج بعدُ لتقبّل التسامح
الديني بين النِّحل المسيحية، الأمر الذي أفضى إلى محنة البروتستانت المسمَّون الهوغونوت في فرنسا، وإلى
اختيارهم المنفى للدول المعتنقة للمذهب الجديد، مثل هولندا، وهو ما كان من شأنه جعل هذه التجربة مختبرًا
للتسامح. ولم يكن مرسوم نانت وحيدًا في هذا الباب، إذ تمَّ التراجع عن معاهدة الديانة في الأراضي الواطئة
بعد انفصالها في ما بينها. ومهما كان من أمر نكث المعاهدات والمواثيق والمراسيم التي تُقر بنوع من التسامح، فإنها
كانت مختبرًا لتجريب الفكرة أو المفهوم.
الجذر اللاهوتي لمفهوم التسامح
إن لفظ تسامح Tolérance (تسامح) مشتق من اللاتينية Tolerentia. وقد استعمله القديس أُغسطين ونقله عنه
اللاهوتي الألماني الذائع الصيت مارتن لوثر. ومن الجدير بالذكر أن المسيحية في عهودها الأولى، كما انجلت عند
القديس أُغسطين، لم تكن على قدر كبير من التسامح، إذ أُثر عنه قوله في إحدى رسائله: «أكرههم على الدخول
إلى المسيحية»، وفي موضع آخر: «الكنيسة تضطهد عن حب، أمّا الآخرون فعن كراهية»، وهو ما يعني أن ثمة
تسليامً بالتعصب أو بعدم التسامح. أمّا بوادر التسامح فبدأت مع الإصلاح الديني.
يهمّني أن أبنيّ أن للفظ أصوالً دينية لاهوتية قبل أن يتخذ الدلالة السياسية والفلسفية التي أُضفيت عليه مع فلاسفة
القرن الثامن عشر. وأول من نحت مفهوم التسامح هم رجال الدِّين واللاهوت قبل الفلاسفة. كما كانت للمفهوم
دلالة لاهوتية تفيد الصبر على المارقين من الدِّين في سبيل محبة الله وانتظار أن يعودوا إلى جادة الصواب والدِّين
الحق. مَنْ هُمْ هؤلاء المارقون؟ إنهم جميع الذين وُصفوا بالهراطقة وا موا بالهرطقة، التي هي البدعة أو التبديع في
العقيدة، أي إضافة ما ليس في الدٍّين. وفي العمق تأرجح آباء الكنيسة البروتستانت، وعلى رأسهم مارتن لوثر، بين
تعليم التسامح في البداية، لما كان يخدمهم كأقلية، وعدم التسامح اتجاه بعض النِّحل المسيحية مثل المناوئين للتعميد
Anabaptistes))، الأمر الذي يدل على أن التسامح الديني شَابَهُ التأرجح والتذبذب: فعندما يكون أصحاب نحلة
أو معتقد في موقع ضعف ينشدون التسامح، وعندما يشتد عودهم يصيرون أقل تسامحًا. لم يكن مفهوم التسامح يُفيد المعاني والدلالات التي أضفيت عليه في القرون اللاحقة، وخاصة القرن الثامن
عشر، أي التعامل النِدّي مع المعتقدات الأخرى. كان يُفيد تحمُّل المخالفين أو المعتنقين للنِّحل المختلفة داخل
الدِّين المسيحي والصبر على المُبَدّعة منهم في انتظار أن يعودوا إلى الصراط المستقيم وإلى جادة الصواب. يفيد
التسامح في هذا المقام وفي هذا السياق اللاهوتي بغضّ الطرف، وفي أحسن الأحوال التجاهل واللامبالاة. وقد
بدأت تظهر بالتدريج نظرة فلاسفة النزعة الإنسانية أمثال إرازم)Erasme) (1536-1466) الذي عُرفَ بقوله
بالوحدة الدينية داخل المسيحية الغربية، ونقولا الكوزي (N. de Cues) 1401(– 1464) ونظرته المختلفة إلى
الإيمان، مثل الحديث عن دين واحد داخل تعدُّد الطقوس والحديث عن كنيسة كونية. مَنْ هو نقولا الكوزي؟ عاش في مطلع القرن الخامس عشر، وعُرفَ بفلسفته في الجهل، إذ دعا إلى اعتبار أن أول
خطوة في المعرفة هي الجهل. وما دام العاملَ بلا مركز، لا في الأرض ولا في غيرها، فلا يمكن الارتكاز على يقين
كيفما كان. لا حد للعاملَ ولا نهاية، وهو ما يعني أن الكون لا متناه، فيزيد في الاعتراف بالجهل. وثمة نزعة شكية
عميقة عند نقولا الكوزي دمغت فلسفته ومذهبه في الإيمان المسيحي بمسحة منها. وما فتئت ظلال الشك تحوم
حول اليقين والمعرفة والإيمان، وهو ما يعني البحث المستمر، فلا يُسْتقَرّ على مذهب في الإيمان المسيحي ولا
على فلسفة قارّة. وكان بيكو ديلا ميراندولا P. de la Mirandole) (قد استلهم أفكاره من مثل تأملات نقولا
الكوزي في الكرامة الإنسانية في كتابه De digntate hominis، وقد أعلى فيها من شأن الإنسان وارتقى به إلى
درجة من السمو كانت إيذانًا بقدوم النزعة الإنسانية. صحيح أن نقولا الكوزي لم يفكّر كفيلسوف فحسب بل
كمسيحي أيضًا، لأنه كان لاهوتيًا وقسًّا مسيحيًا، لكنه ساعد في الوقت نفسه على بلورة نزعة إنسانية عميقة
لم تكن سوى في بداياتها الأولى. كان داعيةً لإصلاح الكنيسة إصلاحًا عميقًا قبل الأوان. ومن أهم الأفكار
التي دعا إليها فكرة التوافق الديني بين الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام، وفكرة وحدة الكنائس
والفِرَق المسيحية في ما خص الحقائق الكبرى.
الصياغة العلمانية لمفهوم التسامح
من أجل بيان التصوّر العلماني للدِّين عند جون لوك، وقد بسطه في رسالة في التسامح، يجمل بنا أن نعود إلى
خلفيته الدينية وإلى الشرط التاريخي الذي حكم تصوره ذاك للمسألة الدينية. اعتنى جون لوك بالدِّين أشد ما يكون الاعتناء، وتناوله من منظور التسامح. بل إن تصوره للدِّين أقرب إلى
تصور الدِّين الدنيوي. وقد اهتم بالمسألة الدينية بالقياس إلى ما يمكن أن تمنحه للإنسان من سعادة. ورأى أنَّ
الدِّين واللاهوت شيء واحد: كلاهما يفضي إلى البحث عن السعادة، بحسب الطبيعة العاقلة للإنسان: «قدّم
جون لوك صيغة مستنيرة وكونية للديانة المسيحية خيمت عليها غيوم الأُغسطينية والكالفينية لكنها لم تحجبها
قط». وهذا أشبه بالدِّين الطبيعي. وعلى الرغم من أن لوك بروتستانتي، فإنَّ دينه أقرب إلى اللاهوت العقلاني.
ولا يتعارض الوحي والعقل عنده وإالّ أُقصي الوحي وبقي العقل. ويلتقي عنده الدِّين الطبيعي والوحي: «آمن
جون لوك بأن للاهوت منبعين: الطبيعة والوحي». لم يكن لوك مع تأميم الكنيسة لإنكلترا ولا مع إلحاقها بالتاج البريطاني. وكان يرى أن لا إكراه في الدِّين، وأن
لا سلطة للكنيسة كيفما كان نوعها على الفرد، فحرية الفرد أوىلَ من الولاء للكنيسة، وما دامت الكنيسة اجتماعًا
طوعيًا وإراديًا، فلا يمكن إجبار المنتمي إليها على البقاء فيها.
تندرج رسالة في التسامحلجون لوك في سياق إعلان البرلمان الإنكليزي التسامح سنة 1689، ذلك الإعلان
الذي شمل البروتستانت المنشقين عن الكنيسة الأنغليكانية، لكنه استثنى أعضاء النِّحلة التي كان جون لوك
ينتمي إليها. كما تندرج الرسالة في سياق المطالبة بالحرية الدينية. وحتى نفهم النبرة التي كُتبت بها رسالة في
التسامح، وهي أقرب إلى نبرة التنديد، وجب أن نستحضر المذهب أو النِّحلة المسيحية التي كان لوك ينتمي إليها،
والتي دعته إلى اختيار المنفى في هولندا.
كان لوك ينتمي إلى بروتستانتية هي مزيج من ثلاث نحل: الأولى هي المنفتحون latitudinarian sect))،
ويمكن تلخيصها في فكريتَْ المحبة المسيحية والسلم العالمي. والثانية هي السوسينيانية socianism) (نسبة إلى
مؤسسها فاوست سوسينوس F. Socinus() الذي عاش بين سنتي 1539 و 1604، ويمكن تلخيصها في نفْي
فكرة التثليث القائلة بالله والمسيح والروح القدُس وإثبات وحدة الله. و الثالثة التوحيدية الإنكليزية (English
Unitarianism) بزعامة جوزيف بريستلي J. Priestly) (، الرافضة بدورها للتثليث. لكنه ظل، على الرغم من
ذلك، أنغليكانيًا، وينتمي بالتدقيق إلى الجناح البروتستانتي الأنغليكاني الذي استُثني من التسامح. كما كتب لوك
رسالة في التسامحبعد إلغاء مرسوم نانت مباشرة وعقب الفظائع التي ارتكبها الخيّالة les Dragonades() في
حقّ البروتستانت الفرنسيين أو الهوغونوت. والرسالة هي بمنزلة صرخة غضب أطلقها التوحيديون الإنكليز
والجماعة السوسينيانية بسبب إقصائهم من إعلان التسامح، ومن ثم فهي بيان في الحرية الدينية. وكان لها أثر
تاريخي ملموس في تغيير الأوضاع. يحمل توقيت تأليف رسالة في التسامحدلالة عميقة، إذ إنه أعقب إلغاء مرسوم نانت في فرنسا الذي مثّل إيذانًا
بتردّي الأوضاع الدينية والسياسية، وأدى إلى انتصار أنظمة الحكم المُطْلقَة: «يبدو لي أنْ لا مراء في أن جون لوك
كان يفكر في مشكلة التسامح الديني في ظل مشاعر كانت تغمره في إثر العنف الأخلاقي والمادي الذي عاناه
الهوغونوت الذين عقدوا العزم على التشبث بإيمانهم، وعقب الخوف من احتمال أن تدفع الحماقة المتمثّلة في
كثلكة البلاد الملك جيمس الثاني إلى إرساء سيادة قسوة الكاثوليك في إنكلترا وعنفهم». وليست الرسالة من
قبيل الحديث المجرد، وإنما هي مستلهَمة في مجملها من حوادث سنة 1685 التي اضطرت لوك إلى الانتقال إلى
المنفى في هولندا. لا يستقيم الحديث عن التبلور والتشكُّل العلمانيين لمفهوم التسامح من دون ربطهما بالمذهب الليبرالي؛ ففي
الوقت الذي تتب فيه الأصول المسيحية واللاهوتية لمفهوم التسامح، لا يمكن الجزم بتطور المفهوم من دون
14 Victor Nuovo, ed., John Locke: Writings on Religion (New York: Oxford University Press, 2002), Introduction, p. xviii. 15 Ibid, p. xxi. 16 Mario Montuori, John Locke on Toleration and the Unity of God (Amsterdam: J. C. Gieben, 1983), p. xvi.
تأكيد المكوِّن الليبرالي للمفهوم. معلوم أن الليبرالية هي المكوّن الثقافي والفلسفي للرأسمالية. ومن دون النزعة
الليبرالية تكون الرأسمالية بلا روح. ويُعتبر لوك منظّر وفيلسوف المجتمع الليبرالي الناشئ في إنكلترا. والسؤال
هنا: ما علاقة الفكر الليبرالي بتشكّل مفهوم التسامح في صيغته المدنية والسياسية؟
في معرض حديث جون لوك عن الاعتقاد أو الإيمان كنحلة أو مذهب نشأ داخل المسيحية، ولا يتفق بالضرورة مع
الكاثوليكية، يمكن القول عمومًا إن الأهم بالنسبة إلى لوك ليس صحة هذا المذهب وخطأ ذاك المذهب، وإنما الفصل
بين السلطة الدينية التي تمثّلها مؤسسة الكنيسة، والسلطة الدنيوية التي يمثّلها سلطة الحاكم المدني أو سلطة الدولة. لقد ارتبط مبدأ حيادية الدولة تجاه المعتقدات باسم جون لوك، الذي يُعتبر أول من اكتشف مبدأ العلمانية بمعنى
تصوّر فضاء محايد لا يخضع لتدخُّل الدِّين و/أو المعتقد، وهو بالضبط فضاء الحرية. ويُعتبر أيضًا من أكبر دعاة
الحرية السياسية. ولا غرابة في أن يُصنَّف ضمن التيار الليبرالي لأن أساس أطروحة الليبرالية تحجيم جهاز الدولة
وحصره في حفظ الأمن والسهر على سيادة القانون، والإعلاء من الحرية الفردية. ويثبت مفهوم التسامح نسبية
القيم وعدم إطلاقها، وأن الاعتقاد مسألة فردية، كما يؤكِّد في صيغته الليبرالية أن لا أهمية للحقيقة والخطأ في
مسألة الإيمان أو الاعتقاد، وأن التسامح ينبغي أن يشمل حتى الحق في الوقوع في الخطأ. تقوم رسالة في التسامحالتي ألَّفها جون لوك سنة 1667 على ثلاث أفكار أساسية: غايات السلطة السياسية
ليست هي نفسها غايات السلطة الدينية؛ ضرورة تسامح السلطة المدنية إزاء الآراء والمعتقدات؛ لا إكراه يقوى
على تغيير الآراء والمعتقدات. ابتداء من القرن الثامن عشر، سيكتسي مفهوم التسامح صبغة سياسية ودلالة مدنية، وستظهر نجاعته وفعاليته
الإجرائية بدءًا من صلاحيته في الفصل بين السلطتين السياسية والروحية. فهو المعيار الذي بواسطته يمكن الحد
من صلاحيات السلطة السياسية، ويمكن بالتالي من وضْع أسس الحكم المدني. وأول مطلب لمفهوم التسامح
هو أن يضيء المناطق المعتمة بين السلطة والإيمان، وأن يوضح ما التبس بينهما. ينطلق جون لوك من فكرة مؤداها
أالّ إكراه ولا قمع في ميدان المعتقد، إلى حد أنه يعتبرُ أن مَنْ يعتقد صادقًا في خطأ لهو أفضل كثيرًا وأقرب إلى الله
ممَّن ينشر حقيقة ليس صادقًا فيها؛ ففيما يخص المعتقد، لا شيء من دون إقناع واقتناع. وهو لا يرى أن خلاص
الأرواح موكول إلى الحاكم المدني، ومن ثم لا يختص بإنقاذ أرواح الناس في الآخرة أو في العالم الآخر، وليس
مسؤوالً ولا وصيًا على مصير البشر. ويدحض لوك جميع الحجج التي تدافع عن الأطروحة القائلة بوجوب
حماية الحاكم المدني للدِّين الحق لأن لا سبيل إلى تغيير معتقدات الناس بالقوة، وأقصى ما يمكن بلوغه من
الإرغام والإكراه والإجبار هو دون المأمول، وفي الغالب تكون النتيجة عكسية، ولا ننال من الناس الذين نريد
إخلاصهم وصدقهم سوى نفاقهم الديني. وقد صار التسامح مفهومًا إجرائيًا على مستوى الحق في الاعتقاد
وحرية المعتقد. وهذه الحرية التي يتيحها تتحول تلقائيًا إلى حق سياسي ودستوري، ولا غرابة في اعتماد الآباء
المؤسسين للولايات المتحدة على مفهوم التسامح كما بلوره لوك في الرسالة. وتتمثّل استراتيجية جون لوك في
محاربة اللاتسامح أو التعصُّب الديني من خلال بلورته مفهوم التسامح، لكنه تعدَّى حدود التسامح المسيحي
ذي الأصول اللاهوتية إلى الكشف عن أبعاده السياسية، وإلى استلهامه في رسم حدود واضحة قدر الإمكان بين
الديني والدنيوي. ويمكن القول إن بلورة المفهوم ساهم بشكل كبير في ظهور إرهاصات العلمانية. يستهل لوك رسالة في التسامحبالتساؤل عن الدافع الخفي وراء عدم تسامح البشر – وهنا يتعلق الأمر
بالمسيحيين- إن لم يكن العنف المتحكِّم فيهم؟ فلا مبرر -في نظره- لاضطهاد الآخرين بدعوى الحرص على
الدِّين، أو بحجة إرجاعهم إلى الصراط المستقيم والرغبة في خلاص أرواحهم وإنقاذهم يوم الآخرة، وما يقف
وراء ذلك هو ميل دفين إلى الاضطهاد والعنف. وها نحن نرى، منذ البداية، دحض لوك الدعوى القائلة إن
الدافع إلى الاضطهاد الديني هو الدِّين، وتكذيبه إيّاها. يخلص لوك إلى نتيجة مؤداها أن ثمة ضرورة قصوى لتمييز ما يهمّ الحكم المدني وما يعود إلى الدِّين، ومن ثم وضع
الحدود الفاصلة بين خلاص النفوس وخيرات الدولة. ويمكن أن نقرأ في هذا البداية الأولى لفكرة العلمانية. وهنا
يطرح لوك سؤاالً أساسيًا: ما الدولة وما الكنيسة؟ الدولة مؤسسة بشرية أرساها الناس لحفظ مصالحهم المدنية.
وما المصالح المدنية؟ إنها الحياة والحرية وصحة الجسم وامتلاك الخيرات الخارجية، مثل المال والأرض وغيرها
من الخيرات المادية. وتحرص الدولة، ممثَّلة في الحاكم المدني، على عدم انتهاك أي واحد للقوانين التي تحمي هذه
الخيرات. ومَنْ ينتهك القوانين يعرِّض نفسه للعدالة العمومية وللقمع بواسطة العقاب. ويستمد الحاكم المدني
قوته من تفويضه القوة اللازمة والضرورية التي تمكِّنه من فرض احترام القوانين الحامية للممتلكات الأفراد
الزمنية والدنيوية، وهو ما يعني أن مهام الدولة تنتهي عند المنافع الدنيوية لا تتعدَّاها إلى المنافع الأخروية التي
غالبًا ما تهم خلاص النفوس يوم الآخرة. ويورد جون لوك مجموعة من البراهين يرى أنها مقنعة كي لا تتعدى
السلطة القضائية للحاكم المدني حدود ما هو زمني ودنيوي إلى ما هو أخروي: - لا يمكن استسلام الإنسان لغيره من أجل أن يدلَّه على الطريق الذي يمكِّنه من إنقاذ نفسه وخلاص روحه
إذا هو لم يفعل ذلك بنفسه، ومَنْ هو أدرى بنفسه من غيره حتى يسمح لغيره بأن يوجِّهه الو جهة التي يراها أنفع
له في ميدان الإيمان والاعتقاد. مهما اتّبعنا وصايا الآخرين في الاعتقاد، فإننا لن نعتنق عقيدة أو نحلة حقًا ما لم
نقتنع بأنفسنا، فلا يعود إلى أي سلطة كيفما تكن، بما في ذلك الحاكم المدني، أن يوجه الناس عقديًا أو أن يدلهم
على الدِّين أو المعتقد الذي يصلح لهم. - ليس من اختصاص الحاكم إنقاذ النفوس والأرواح، ولا من اختصاصه الأمور الأخروية، لأن قوّته تقتصر
على الخارج لا الداخل، بحجة أن لا معتقد من دون اقتناع داخلي. لا تنال من الحكم الداخلي أي قوة مهما تكن،
وإذا كان من الضروري أن يعيد المبدِّعة والهراطقة إلى طريق الحق، فلا امتياز له عن بقية الناس في الهدي والنصح
والوعظ. ولا مجال لسنِّ قوانين أو فرض عقوبات وقوة خارجية في مجال الإيمان والاعتقاد، لأن هذا المجال لا
يسير وفق قوانين دنيوية. - لا يهم خلاص الأرواح والنفوس اختصاص الحاكم المدني ما دام الخلاص لا يتأتى من اعتناق ديانة الحاكم. السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما الكنيسة؟ أو بعبارة أخرى ما المؤسسة الدينية؟ إنها جمع من الناس ينضمون
بعضهم إلى بعض إراديًا من أجل خدمة الله علنًا وأمام الملأ وفي العموم، وذلك في سبيل تقديم الطقوس التي
يرونها مقبولة عنده ومُرْضية له من أجل الفوز بالخلاص الأخروي. وينص لوك على أن الكنيسة اجتماع إرادي
وحر، ولا أحد ينتمي إليها بالفطرة أو بالإرث. وما دام الدافع إلى ولوجها إراديًا فكذلك يكون سبب هجرانها
والتخليِّ عنها. وما يتوجَّب الآن فحصه هو سلطة الكنيسة، فنقول إن سلطة الكنيسة محدودة في أسوارها،
وقوانينها لا تنطبق على مجموع أعضاء المجتمع بل على من انضموا إليها إراديًا فحسب. ولكن حتى هذه
القوانين لا تتعدى النصيحة والوعظ، ولا تذهب إلى حد العقاب، وأقصى ما هو متاح للكنيسة كي تُلحقه
بأعضائها غير المنضبطين هو طردهم وإقصاؤهم وفصلهم. فالعقاب مخصوص بالقوانين المدنية، ويهم أساسًا
الأمور الدنيوية والزمنية، أمّا الأمور الأخروية فليس فيها مجال للعقاب أو إلحاق الأذى. ونلاحظ هنا أن جون
لوك يجرِّد الكنيسة، أو لنقُل المؤسسة الدينية، من أي سلطة ومن أي قوانين عقابية لأنها اجتماع إرادي حر لا جيُيز
إلحاق الأذى بأي واحد من أعضائه أو تجريده من حقوقه المدنية تحت ذريعة أنه مارق أو مهرطق.
يتساءل لوك في سياق الرسالة عن الواجبات التي يقتضيها مبدأ التسامح. ويعمد، أولا، إلى تعريف الخطوة
الأولى نحو التسامح بأالّ يتعرض المتهم بالإخلال بالمراسيم الداخلية إلى العنف الرمزي أو الجسدي. يقول
لوك: «قبل هذا كله، ينبغي الحذر من أن قرار الطرد وتنفيذه لا يكونان مرفقين بعبارات نابية ولا بعنف جارح
للجسم أو كل ما يلحق ضررًا بخيرات الشخص المطرود». ويقرر، ثانيًا، أنَّلا حق لأي كان في تجريد المعنيّ
من حقوقه المدنية ولو كان من كنيسة أخرى أو حتى من ديانة أخرى. وهنا بدأ مفهوم التسامح يشمل حتى
المنتمين إلى ديانات أخرى، بل حتى الذين لا يدينون بأي ديانة، فلا امتياز لكنيسة على أخرى ولا لدين على آخر.
ومهما يكن دين الحاكم المدني، فلا يزيد ولا ينقص من قوته المفوضة إليه بحكم القانون. ولا مجال لتحالف بين
الدولة والكنيسة، «لأن الدولة لا يمكنها منح امتياز للكنيسة ولا الكنيسة للدولة»، كما يقول لوك. ويتساءل
لوك، ثالثًا: ما الواجب الذي يتطلبه التسامح من رجال الدِّين إزاء الذين يُسمّون علمانيين؟ فعلى الرغم من أن
لأولئك حقوقًا كنسيَّة، فإن هذه الحقوق لا تخوِلّهم امتيازًا على الآخرين. كما يتساءل، رابعًا: ما هي الواجبات
التي يقتضيها مبدأ التسامح من الحاكم المدني؟ فضالً عن كون الحاكم المدني لا يُملْي شيئًا في ميدان المعتقد، لأنه
لا يتمتع بصلاحية إنقاذ الأرواح وخلاص النفوس في اليوم الآخر، فإنه لا يملك صلاحية أن يأمر الآخرين بأن
يحافظوا على صحتهم وأموالهم وممتلكاتهم وإن كان من واجبه أن يمنع الاعتداء عليها. لا يملك الحاكم المدني
أن يملي على الناس ما يراه كفيالً بنجاتهم الأخروية، فما بالك بنجاتهم الدنيوية، فالطرق المؤدية إلى السماء كثيرة،
ولا يوجد طريق واحد بإمكانه أن يؤدي إليها. يستند لوك إلى حجة دامغة في ما يخص دحضه أطروحة أن الحاكم يهمه إنقاذ من يراهم ضالين عن الدِّين
الحقيقي، وتتمثل هذه الحجة في تصوره إمكانية الخطأ في الطبيعة الإنسانية، بل وإمكان أن تقع في الزلل من
دون أن يشكِّل هذا خطيئة قاتلة كما كانت الكنيسة تتصور. وعليه، لا يلُام الإنسان إن وقع في الخطأ أو في
الزلل شريطة أالّ يُلحق الضرر بغيره، فإن أساء إلى صحته فعليه تقع مضارُّها، وإن بدد أمواله فعليه يقع
الضرر، وإن أخطأ الطريق الصحيح المؤدي إلى نجاته في اليوم الآخر فهو المسؤول عن ذلك. ليس الدِّين
والمعتقد، إذًا، شأنًا مدنيًا أو مسألة عمومية مادام أنّ الضرر، إن وقع على صاحبه جرّاء سوء اختياره الدِّين
الصحيح، لا يقع على غيره ولا يمس حقوقهم. أما إذا نجم عن تأويل الدِّين أو تفسيره ضرر مدني فيكون
ذلك آنئذ ضمن اهتمام الحاكم المدني.
يحتج لوك بحجة أخرى وهي أن المسألة الدينية متروكة لحرية الضمير بوصفها مبدأً ليبراليًا؛ فمن دون اقتناع
الشخص المعني بما يعتقد وبما يفعل، لا مبرر للإجبار أو الإملاء أو الإكراه. وإذا لم يكن الفرد مقتنعًا بما يفكر وبما
يفعل، فلا جدوى من نصحه أو من هديه أو من وعظه. يقول لوك: «مهما تكن الحمية والحماسة اللتان ندَّعيهما
من أجل خلاص الناس ونجاتهم في الآخرة، فلا يمكننا إجبارهم على النجاة بالرغم من أنوفهم، وفي نهاية
المطاف ينبغي أن نتركهم لضمائرهم». يتناول لوك بعد ذلك مسألة مهمة تتعلَّق بالواجب الذي يقتضيه التسامح من طرف الحاكم المدني، لكن
في مسألة مخصوصة هي الطقوس الدينية. وعليه، وجب التمييز في كل مؤسسة دينية بين الإيمان والاعتقاد
17 John Locke, Lettre sur la tolérance , GF (Paris: Flammarion, [s. d.]), p. 175.
أورد في ما لي نص العبارة من ترجمة عبد الرحمن بدوي: «ومع ذلك يجب أن يحتاط، فلا يُضاف إلى قرار الحرْمِ توجيه كلمات مهينة
وارتكاب أعمال عنف تؤذي البدن أو تضر بخيرات من طُرِد». انظر: جون لوك، رسالة في التسامح، ترجمها عن اللاتينية مع مقدمة
مستفيضة وتعليقات عبد الرحمن بدوي (بيروت: دار الغرب الإسلامي،.)1988
18 Locke, p. 176.
19 المصدر نفسه، ص.188
foi((من جهة، والطقوس والشعائر rites) (من جهة أخرى؛ فالحرية الدينية تقتضي حرية ممارسة الطقوس
والشعائر. وهنا يتطرق لوك إلى مسألة التعميد التي يعتبرها طقسًا دينيًا: هل يأمر الحاكم المدني بتعميد الأطفال
في أثناء الولادة بحجة أن في ذلك إنقاذًا لأرواحهم ونجاة لأنفسهم يوم الآخرة؟ ألا يتعارض ذلك مع مهمته
التي هي الحرص على المنفعة العامة؟ وما القول إذا تعلَّق الأمر بطفل يهودي أو ما شابه، ألا يُعتبر هذا الأمر
إجبارًا أو إكراهًا في مسألة بعيدة عن أن تكون شأنًا عامًا، أي شأنًا متعلّقًا بالمصالح الدنيوية للآخرين؟ يقول
لوك: «إن الخير العام (أو الصالح العام) هو قاعدة القوانين ومقياسها»، وعليه، لا يجوز استصدار قوانين
في شأن الطقوس الدينية، فكلٌّ يملك الحق في تبجيل الله بالطريقة والطقس والشعيرة التي يراها ملائمة. ومثلما أن الحاكم المدني لا يأمر باتّباع طقوس بعينها، فإنه لا يملك حق منع طقوس بعينها، شريطة أالّ ينجم عنها
ضرر أو يلحق بواسطتها أذى بالخيرات الدنيوية، مثل تهديد الحياة أو نهب الممتلكات أو الحرمان من الحرية.
مثالً، يجوز للحاكم المدني منع الطقوس التي يمكن أن تؤدي إلى الموت، كتقديم الأطفال قرابين أو ما شابه
ذلك. فالطقوس التي تؤذي الآخرين هي الممنوعة، أما تلك التي لا ينجم عنها أي ضرر مادي فغير ممنوعة بل
ولا يجوز منعها. وهذا يفيد في فهم غياب مشكلة النقاب أو الحجاب في الولايات الأميركية بينما هي موجودة
في المفهوم الفرنسي للعلمانية. ولا غرابة في ذلك، فقد تبنَّت الولايات المتحدة التصور الليبرالي لدى جون لوك
ونهل آباؤها المؤسسون من الرسالة في صوغ الدستور الأميركي. ونجد عند لوك مفهومًا موسَّعًا للتسامح يشمل
الإنسانية جمعاء، ومن ثم يمكن ادعاء أن المفاهيم بدأت تنحو منحى كونيًا، مثل مفهوم الحق ومفهوم الشخص
الإنساني. والدليل هو هذه الفقرة التي يتكلم فيها لوك عن الهنود الحمر في أميركا جرّاء الاكتشافات الجغرافية
الكبرى. لقد أُثير في الكنيسة نقاش واسع في القرنين الخامس والسادس الميلاديين حول ما إذا كان للهنود الحق
في أن يملكوا أراضيهم أم لا، وما إذا كان يُمنع سلبها منهم أم يجوز تحت ذريعة أنهم غير مسيحيين ولا يدينون
بالمسيحية؟ يقول لوك: «حتى شعوب أميركا الرازحة تحت حكم أمير مسيحي ينبغي أالّ تُسلب حياتهم منهم
ولا أراضيهم بحجة أنهم لا يعتنقون المسيحية». صار التسامح تجاه ممارسة الطقوس ضرورة سياسية ومدنية في القرن الثامن عشر، فماذا عن الإيمان والاعتقاد؟
ليس الحاكم مطالَبًا بإحلال التسامح في ما يخص ممارسة الطقوس وحتى في ما يخص المذهب أو المعتقد نفسه.
ومن غير المعقول فرض الحكم المدني عقيدة أو مذهبًا على الناس بقوة القانون لأن قوة القانون تتجه إلى حماية
الخيرات والخيرات المدنية. ولا تتجاوز قوانين الدولة ما يهدد السلم المدني والمنفعة العامة أو الخير العام. يهم
المعتقد أو المذهب أو الإيمان سؤال الحقيقة، فهل يستقيم سن قوانين تع ما هي الحقيقة وما هو الخطأ؟ لا يمكن
أن ينجم عن ذلك سوى جعل الناس يخفون ما يُعلنون، ويسلكون طريق المراء والنفاق.ِ يورد لوك أمثلة في هذا الصدد: هل يُمنَع كاثوليكي روماني من الاعتقاد بأن الخبز يرمز إلى جسد المسيح الحقيقي،
وهل يُمنَع يهودي من أن يكفر بأن العهد الجديد هو كلام الله، وهل يعاقَب وثني على إنكاره العهدين القديم
والجديد معًا؟ وهل يجعل منه ذلك الإنكار والجحود مواطنًا سيئًا. لا يعود إلى الدولة وقوانينها تعيين المذهب
أو المعتقد الصحيح من الخاطئ. الحقيقة كفيلة بأن تُدافع عن نفسها بمعزل عن القوانين المدنية نفسها. يقول
لوك: «ليست الحقيقة بحاجة إلى العنف حتى تنطبع في ذهن الناس ولا تلقِّنها القوانين المدنية. وإذا لم تنوِّر العقل
بتألقها وإشعاعها فلا تجديها القوة الخارجية نفعًا».
20 المصدر نفسه، ص.189
21 المصدر نفسه، ص.194
22 المصدر نفسه، ص.200
ماذا عن العمل المترتّب عن الإيمان والاعتقاد؟ يرى لوك أن الجانب العملي في الدِّين لا يبتعد عن مقتضيات
الدائرة المدنية. والأخلاق المدنية تستفيد لا محالة من الأخلاق التي يحث عليها الإيمان أو المعتقَّد. ولوك أميل إلى
تبعية الأخلاق الدينية إلى الحياة المدنية واحتوائها لها، أأخطأ الإنسان في معتقده أو في عبادته وطقوسه أم لم يخطئ،
المهم أالّ يجعل ذلك منه مواطنًا سيئًا، أي أالّ يُلحق الضرر المادي بأقرانه. لا يمكن المساس بالحقوق المدنية مهما
تكن الذرائع الدينية، وثمة استثناء وحيد في أالّ يتحلى الحاكم المدني بالتسامح هو عندما يهدد معتقد أو مذهب
سلامة المجتمع المدني.
قراءة معاصرة لمفهوم التسامح: الحدود والآفاق
نروم من هذه الفقرة بيان آفاق التسامح وحدوده في ضوء قراءة مايكل والزر M. Walzer()، المفكّر السياسي
الأميركي المعروف، الذي ينافح عن فلسفة سياسية جديدة تعترف بحقوق الأقليات، وتنتصر لمختلف
الهويات والجماعات المكونة للمجتمع الأميركي تُعرف بالجماعوية COMMUNITARIANISM(). يعرض
في كتابه مقالة في التسامح) Traité sur la tolérance) وجهة نظره التي تقوم على منازعة الفكرة التي مفادها
كونية مفهوم التسامح على نحو ما أفضت إليه المقاربة الليبرالية مع لوك في القرن الثامن عشر وحتى اليوم.
فليس في نظره ثمة بُعد كوني لمفهوم التسامح بل أنظمة متسامحة أو تسامح بحسب أنظمة مخصوصة. ولا يعلو
مفهوم التسامح على شروطه التاريخية المحِّدِّدَة له. وإذا جاز في نظره اعتبار أن مفهوم التسامح يُفيد دلالة
التعايش السلمي، فلا توجد مقاربة واحدة وإنما ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار شروط الواقع، أي مجموع
السياقات التاريخية لممارسة التسامح. يقول في هذا السياق: «إن المقاربة البديلة التي أقترحها وأود الدفاع
عنها تتمثَّل في أن نأخذ بعين الاعتبار الشروط التاريخية والسياقات المختلفة التي مورس فيها مفهوم التسامح
وأُرسي التعايش داخلها».
يعني التسامح التعايش السلمي. ويمكن اعتبار هذا كافيًا لكي يمثِّل مبدأً أخلاقيًا، خصوصًا إذا استحضرنا
الأنظمة الشمولية والأنظمة الدينية المغلقة التي لا مكان فيها للتعايش. والأنظمة التي يوجد فيها تعايش سلمي
بين مجموعات وأفراد مختلفين لا تُسامح بالدرجة نفسها ممارسات شاذة أو طقوسًا بشعة. وكل نظام يُسامح
بدرجات متفاوتة، وبناء على ذلك يمكن اعتبار مفهوم التسامح نسبيًا لا كونيًا، وهي الأطروحة التي يُدافع عنها
والزر. كما يمكن اعتبار مفهوم التسامح مفهومًا مركَّبًا بحيث يتعذر اختزاله في نموذج واحد. وفضالً عن ذلك،
فإنَّ والزر يحلِّل مفهوم التسامح في ضوء الواقع الأميركي. ينطلق والزر من أوجه التسامح التي يضعها جانبًا أو التي لا تهمُّه بقدر كاف كفيلسوف سياسي، منها مثالً
الوجه الفردي للتسامح، بمعنى أنه لا يهمه كيف يسامح المجتمع المدني أو يتسامح مع شذوذ الأفراد وغرابة
أطوارهم. وما يعني والزر بالدرجة الأولى هو التسامح في منحاه السياسي، أو بعبارة أخرى طرح السؤال: كيف
يتسامح نظام ما أو سلطة سياسية ما مع المجموعات المنشقة؟ فالاهتمام هنا بالتسامح مع المختلف أكثر ممّا هو
مع المتشابه؛ التسامح لا مع مَنْ يشاطرك شيئًا بل مع من لا يشاطرك أي شيء ولا يقاسمك أي قاسم مشترك.
إنه التسامح مع المختلف ثقافيًا ولا يندرج في خانة المجتمعات الليبرالية والديمقراطية. فما معنى التسامح مع
مثل هذه المجموعات؟ ثمة درجات متفاوتة من التسامح، بل وأنواع مختلفة منه، هي التي أسفرت عنها التجارب التاريخية المختلفة:
23 Michael Walzer, Traité sur la tolérance , trad. de l’anglais par Chaïm Hutner, NRF essais ([Paris]: Gallimard, 1998), p. 15.
- التسامح ذو الأصول الدينية، الذي يقبل على مضض الاختلاف من منطلق الحفاظ على الأمن العام؛ إنه المعنى نفسه الذي اتخذه التسامح مع مؤسس البروتستانتية مارتن لوثر، والتسامح نفسه الذي أعقب الحروب الدينية،
ومفاده الصبر على الآخر المُبَدِّع والمُهَرْطق حتى يهتدي إلى الصراط المستقيم؛ إنه التسامح الذي يفيد النظر إلى
الآخر بعنَيْ الرحمة بل وبعنَيْ الشفقة؛ - التسامح بمعنى اللامبالاة المعطوفة بالاختلاف؛ - التسامح بالمعنى الرواقي الذي يتمثَّل في قبول الآخر المختلف على أساس أنه يتمتع بحقوق رغم أنه لا حيُسن استعمالها؛ - النوع الأخير من التسامح هو الذي يع عن موقف إيجابي من الاختلاف، بل وعن فضول تجاه كل ما هو
مختلف، وبالتالي الوقوف منه موقف الإعجاب. بعد إحصاء أنواع التسامح التي أفرزتها التجربة التاريخية الغربية، يرى والزر أن أصعب أنواع التسامح هو ذاك الذي يتحدى معايير المجتمعات الغربية الليبرالية والديمقراطية؛ إنه التسامح تجاه الاختلاف الراديكالي؛ اختلاف الدِّين والثقافة ونمط الحياة. وحتى نفهم فكر والزر السياسي، من الضروري أن نستوضح بعض منطلقاته وعلى رأسها أنه فيلسوف سياسي جماعوي، وأنه مع التعدد الثقافي، وأنه متحفظ إزاء الليبرالية والنزعة الفردية السائدة فيها. وهذا يذلل بعض الصعوبات في فهم فكره، خاصة مفهوم التسامح؛ فوالزر يبحث عن مفهوم جديد للتسامح أكثر تركيبًا وتعقيدًا من المفهوم الليبرالي، خاصة تصور لوك العلماني، مفهوم يتلاءم مع التعدد الثقافي
الذي تتسم به المجتمعات المعاصرة، خاصة المجتمع الأميركي المعاصر. ومن ثم فهو مهتم بالتسامح الذي يهم
الاختلاف الراديكالي، الاختلاف الذي يصدم والمتعلِّق بالمجموعات الثقافية الغريبة في طقوسها وفي ممارساتها وفي نظامها الغذائي. إن السؤال الجذري الذي يطرحه والزر هو: إلى أي حدّ نجيز الاختلاف الراديكالي ونتسامح
تجاه الغيرية المفرطة في غرابتها؟ ذلك هو التحدي الكبير الذي تواجهه المجتمعات المعاصرة، فالأمر لم يعد يتعلَّق
بالتسامح تجاه نحلة ما أو مذهب ديني ينتمي إلى المنظومة عينها.ِ ما مستقبل التسامح في المجتمعات المعاصرة، خاصة في المجتمع الأميركي المعاصر؟ يتسم هذا المجتمع بكونه مجتمع هجرة أو مجتمع مهاجرين، فهل يقبل هذا المجتمع الاختلافات الدينية والثقافية التي تخترقه من أقصاه إلى أقصاه؟ هل يصل به التسامح إلى درجة الاعتراف بالاختلافات الثقافية والدينية؟ هل ينجح هذا النظام من التسامح في صهر تلك الاختلافات؟ يتخذ التسامح في المجتمع الأميركي شكلين أساسين: إمّا الإدماج والصَّهر Assimilation)) والسعي إلى
التوحيد والتشابه، وإمّا الاعتراف بالاختلاف Reconnaissance)) والمغايرة. يكون الشكل الأولمن التسامح
موجَّهًا إلى دمج الأفراد في بوتقة واحدة، ويكون الشكل الثانيموجَّهًا إلى الاعتراف بالمجموعات الثقافية
والدينية. وفي كلتا الحالتين، نجد أنفسنا أمام تسامح من نوع جديد خارج الدلالة اللاهوتية من جهة، وخارج الدلالة الليبرالية الضيقة من جهة أخرى. لقد مهّد لوك الطريق لمفهوم التسامح في عصر الليبرالية المتأخرة وفي
عصر الرأسمالية المتطورة. لكن مفهوم التسامح إشكالي يحمل قيمة اجتماعية وسياسية هي موضوع نقاش فلسفي وجدل اجتماعي دائم، فماذا عن التسامح في عصر ما بعد الحداثة؟
التسامح في عصر ما بعد الحداثة
عرف مفهوم التسامح تطورات جديدة في ضوء التجربة الأميركية الشمالية، وأُعلي من شأنه في الدستور
الأميركي إلى حد القداسة، خاصة في صيغة حرية الضمير وحرية الفكر. وبما أن الولايات المتحدة الأميركية
أرض هجرة ووفادة واستقبال، إذ تتسع لديانات ومعتقدات جميع الوافدين إليها الذين أُذيقوا ألوان
الاضطهاد في أوروبا، مثل أتباع لوثر الألمان وأتباع كالفن الهولنديين ون حل صغرى مثل التقويةِpiétisme))
والمسيحيين غير المؤمنين بالتعميد، والجامع بينها هو أنها جميعًا أقليات دينية معارضة للمسيحية الرسمية
المتمثّلة في الكاثوليكية في هذا العالم الجديد، فلم يكن بد من التسامح بين الأديان لأن أغلبها وقع ضحية
الاضطهاد في أوروبا، وإن لم يكن الأمر هينًا في البداية، خاصة أن بعض الولايات اكتسحها الطهرانيون
البروتستانت، وهم الفئة الأقل تسامحًا.
رُسِّم مفهوم التسامح وأُسس دستوريًا في ميثاق الحقوق Bill of Rights)) سنة 1778، واعرتُِفَ به مبدأً أعلى
في هذا الدستور، ومن ثم فهو يكتسي قيمة تشريعية عليا. وتنص بنود الدستور الأميركي على منع أي ديانة
رسمية وحظرها. ولا دين رسميًا للجمهورية الأميركية سوى الدستور نفسه، منه تُشتق القوانين والتشريعات،
وبواسطته تُرسم الحدود بين الدِّين والدولة. يختلف هذا الفصل في الولايات المتحدة الأميركية عن نظيره في
فرنسا في كونه في الأولى محدَّدًا إيجابًا وفي الثانية محدَّدًا سلبًا. يُفسح التسامح في المثال الجمهوري الفرنسي للعلمانية
فضاء محايدًا تمام الحياد يُمنَع فيه على الفرد إبراز رموزه الدينية بينما لا يمنع التسامح في الدستور الأميركي من
إظهار ما يدين به الفرد في الفضاء العام نفسه. لا يمكن الحديث في المجتمع الأميركي المعاصر عن تسامح بروتستانتي-بروتستانتي، بل نظرًا إلى تعدد الأعراق
والديانات، عرف مفهوم التسامح مآلات أخرى، وأُعيد صوغه صياغات جديدة. فالنوع الأول من التسامح ساد
في المراحل الأولى لتأسيس الولايات المتحدة الأميركية، أي في فترة الآباء المؤسسين، أما اليوم فالأمر أكثر تعقيدًا. قام المجتمع الأميركي في لحظة تأسيسه على التسامح الديني وعلى التعدد السياسي والثقافي، رغم ما تخلل تاريخه
من تجاذب بين التسامح تارة وعدم التسامح أو اللاتسامح تارة أخرى. ولا شك في أن المطالب المتعلِّقة بالجماعات
والهويات والأقليات في العقود الأخرى قد كوّنت معجامً جديدًا في التسامح. ومهما يكن من أمر خضوع مفهوم
التسامح لمستجدات عصرية وحاجات جديدة، فإنه ينبغي لنا طرح السؤال التالي: ما مآل مفهوم التسامح في
العالم الجديد وفي أرض الهجرة والمهاجرين؟ وكيف تطوَّر نظريًا على يد الفلاسفة السياسيين الليبراليين من جهة،
وعلى يد معارضيهم من التيار الجماعوي من جهة أخرى؟ نتعرَّف بدايةً إلى نقد مفهوم التسامح في صيغته الليبرالية عند والزر، من حيث تنصيصه على أن المفهوم بحاجة
إلى إعادة صوغ في ضوء التعدد الثقافي، ثم تتبع كيفية استشكاله في مجتمعات ما بعد الحداثة. غير أننا بحاجة قبل
ذلك إلى طرح السؤال التالي: ما الفرق بين الحداثة وما بعدها؟ لفظ الحداثة هو توصيف للمرحلة التي أعقبت عصر النهضة الأوروبية واتّسمت بالسمات التالية: سيادة الفكر
العقلاني، وانقشاع الغشاوة الأسطورية عن العالم، وتحديث الدولة، وترشيد الحكم، والحد من السلطة المطلقة،
وصعود رأسمالية الاقتصاد، والقطيعة مع التعصُّب الديني، وبلورة مفهوم التسامح، وعلمنة المجال العمومي.
إن إعادة تعريف الحداثة مثَّل دومًا مسألة إشكالية، ولا يمكن أن نزعم تقديم أي تعريف شامل أو نهائي. جاءت ما بعد الحداثة post-modernité)) لا لهدم الحداثة بل لتفكيك مركزية العقل، والقطيعة مع السرديات الكبرى
مثل التقدم والعقل والتاريخ. وما بعد الحداثة هي، بحسب بعض المفكرين، حداثة مكثَّفة: حداثة مضادة للمركز،
حداثة مُقْحِمة للتعدد والاختلاف، حداثة بلا يقين، تقحم الشك والارتياب في منجزات التقنية وفي فتوحات العلم
الحديث. أمّا في المجال الذي يعنينا، فما بعد الحداثة تقتضي درجة كبيرة من التسامح، وتفترض قبوالً بالاختلاف غير
مشروط. يقول والزر، في معرض حديثه عن مجتمعات الهجرة كالمجتمع الأميركي: «صار البشر يختبرون ما يبدو أنه
واقع بلا حدود واضحة وبلا هويات يقينية أو متمايزة بوضوح». وفي مجتمعات ما بعد الحداثة، لا انتماء لمجموعة
أو لهوية ثقافية أو ما شابه ذلك، لأن الأفراد في هذه المجتمعات تعرَّضوا لنوع من المزج والامتزاج لم يعد ممكنًا معه
إثبات أي انتماء. وتولدت مع هذا الصهر والمزج واقعة لا سبيل إلى إنكارها في مجتمعات ما بعد الحداثة: إنها ظاهرة
التعدد الثقافي multiculturalisme)) التي لم يعد الاختلاف يبدأ فيها من خارج الأسرة بل من عقر الدار، خاصة مع
الزواج المختلط، وهو ما يتطلب تدبير الاختلاف بين الأبناء والآباء وبين الأزواج والأصهار. يتبنيّ من خلال ما تقدم أن مجتمعات ما بعد الحداثة تقتضي شكالً ونظامًا جديدين للتسامح لم يعرفهما تاريخ
البشرية من قبل. إنه التسامح الذي يبدأ من ملاحظة الاختلاف من الداخل لا من الخارج، وفي الشخصية لا في
الغير. لم يعد الغير وحده محل استغراب، بل الذات هي أول ما يستدعي الاستغراب والغرابة. يقول والزر: «إن
التسامح يبدأ اليوم من عقر الدار، حيث إن السلام بين الأعراق والديانات والثقافات ينبغي أَنْ حيَُل بين الأزواج
والأصهار والأبناء، بين شخصياتنا الخاصة سواء المتصلة أو المنقسمة».
لكن هذا الشكل الجديد من التسامح لا يخلو من الشك، وليس بمعزل عن محك الاختبار. ولا توجد ضمانات
بأالّ يستحيل التسامح إلى نوع من التعاطف، وعدم التسامح إلى نوع من النفور، علامً أن كلاًّ من التعاطف والنفور
موقف غير عقلاني. بل لا توجد ضمانة حتى في أن يستحيل التسامح مع الاختلاف الراديكالي إلى نوع من الارتياب
والشك. بل قد خيُلْي التسامح مكانه لحنين لا معقول إلى مجموعات موحَّدة وإلى هويات منيعة، وهو ما يمكن
أن يولِّد في النهاية نزعة أصولية. يقول والزر: «إن الأصولية هي التعبير الأيديولوجي عن هذا النوع من الحنين،
وتُبْدِي (الأصولية) أقلَّ قدر من التسامح تجاه الأرثوذكسيات الأخرى منها تجاه العلمانية التي تظهر على أنها حاملة
للغموض والفوضى». إن الأصولية في نظر والزر نتيجة حنين إلى الماضي، وهي بمنزلة ردة فعل أولية، أو لنقُل
ردة فعل آلية تجاه صدمة ما بعد الحداثة؛ ردة فعل قوية، وأحيانًا عنيفة، نحوها. لماذا؟ لأن ما بعد الحداثة تعمل على
اجتثاث كل ما يمكن أن يدلَّ على جذور أو أصول. يوضح والزر مشروع ما بعد الحداثة كما لي: «إن مشروع ما بعد
الحداثة يزيح منذ البداية كل فكرة عن هوية مشتركة أو عن سلوك نمطي: إنه يهدف إلى تأسيس مجتمع تكون فيه
ضمائر المتكلم الجمعنحن وهم خالية من كل مرجع حمُدَّد، ويشير إلى الاكتمال الأقصى للحرية الفردية ». يدل
ذلك على أن مشروع ما بعد الحداثة هو مشروع من أجل خلخلة كل انتماء أو هوية، حيث تسقط فيه ضمائر المتكلّم
التي تُعنَيّ «نحن» في مقابل «هم»، وتحدد هؤلاء في مقابل أولئك. الجميع في المجتمعات ما بعد الحداثة غرباء، ولا
يوجد في مثل هذه المجتمعات سكان «أصليون» وآخرون «وافدون». ذلك أنَّ تذَرِّي الأفراد قد بلغ الحد الذي لم
تعد لهم جذور، بل إن كلمتي «جذور» و«أصول» لم يعد لهما معنى. والغربة هي الوضعية الأصلية التي يجد الفرد
نفسه عليها في مجتمعات ما بعد الحداثة. الكل غريب والجميع غرباء، وليس في إمكان أحد ادّعاء أصالة أو محتد أو
أصل. لا وجود لأصيل في ما بعد الحداثة، بل كل شيء هجين ومهجَّن. والشرط القبلي لمعرفة الأنا هو الغير، كما
أن الشرط القبلي لمعرفة الغير هو الذات؛ ف«الأنا» لا يتحدد بمعارضة ال«أنت» وإنما بالانصهار معه والامتزاج به،
وهو ما يقتضي مراجعة مفهوم التسامح وإعادة صوغه كل مرة وحين.
24 المصدر نفسه، ص.128
25 المصدر نفسه، ص.128
26 المصدر نفسه، ص.129
27 المصدر نفسه، ص.130
يُعارض والزر بقاء مفهوم التسامح سجين أصوله اللاهوتية – وهنا الإشارة إلى آباء الكنيسة - أو حبيس المنظومة
الليبرالية -وهنا الإشارة إلى النظرية الليبرالية عند لوك- لكنه لا يرفض مفهوم التسامح نفسه الذي يحتاج إلى إعادة
صوغ في ضوء مجتمعات ما بعد الحداثة، وفي ضوء مجتمعات الهجرة التي آلت فيها الهويات إلى التفتت والتفكك. قبل الوقوف على الفروق بين مايكل والزر وجون راولز في ما يخص التصور الذي يطرحه كل منهما لمفهوم التسامح،
يمكن القول رأسًا إن راولز، صاحب الكتاب الإشكالي نظرية العدالة، لا يخرج عن التقليد الأميركي الذي يضع
حرية التَّديُّن والممارسة الدينية فوق جميع الأولويات، ويعطي الحق في إظهار الرموز الدينية، ويعارض التصور
الفرنسي للعلمانية حيث يقول بالحرف: «لهذا نرفض أيضًا مفهوم الدولة العلمانية المطلقة، إذ يترتَّب عن مبادئ
العدالة أن ليس من حق الحكومة ولا من واجبها أن تفعل هي أو الأغلبية ما تريد في ما يخص شؤون الأخلاق
والدِّين». يجد هذا التصور المَرن للعلمانية في الفكر السياسي الليبرالي الأميركي تفسيره في أن مفهوم الدولة ليس
مركزيًا بقوة كما هي الحال في فرنسا، ويجد تفسيره أيضًا في انحسار دورها ليقتصر على حماية المواطنين وسيادة القانون. ما مقام التسامح في فكر راولز وفلسفته السياسية؟ يمكن اعتبار فكرة التسامح عند راولز امتدادًا لنظيرتها عند لوك
رغم البُعْد الزمني الفاصل بينهما، الذي يناهز القرنين، لأن الأرضية النظرية المتمثِّلة في الروح الليبرالية مشتركة
بينهما. فأهم الأفكار متفق عليها: حياد الدولة تجاه الشؤون الدينية والأخلاقية؛ انحسار دورها في الحفاظ على
المصلحة العامة والمحدَّدة في الأمن والنظام العام على أالّ يُتخذ ذريعة لقمع حرية الدِّين والعبادة؛ اعتبار الدولة
اجتماعًا بشريًا إراديًا مكونًا من مواطنين متساوين؛ حرية التدين أو عدمه؛ عدم تمييز الدولة بين ديانة وأخرى، وذلك
كله في إطار الحرية الليبرالية الفردية. ها نحن نلاحظ عدم اهتمام راولز بمسألة التعدد الثقافي ومن ثم تركيزه على
انصهار الفرد بدل الاعتراف بهوية الجماعة. ويتلخص مفهوم التسامح في حرية الضمير liberté de conscience))
التي تُعَدُّ حقًا فرديًا بما يعزز النزعة الليبرالية عند راولز؛ فباسم الحرية الفردية لا باسم الاختلاف الثقافي للجماعة
يقوم التسامح عند راولز مقام الاعتراف بالاختلاف عند والزر. لا ثمن للحرية سوى الحرية نفسها، ولا يمكن
التضحية بالحرية سوى لمزيد من الحرية، ذلك هو الشعار الليبرالي الذي ما يفتأ راولز يردّده. يقول في هذا السياق:
«إن الحد من الحرية لا مبرر له إالّ إذا كان ضروريًا للحرية نفسها، من أجل الحيلولة دون المساس بالحرية بصورة
أخطر». ولا مكان لعدم التسامح في الفكر السياسي الليبرالي مهما تكن المبرٍّرات، دينية أو أخلاقية أو غيرها.
ويورد راولز مثال توما الإكويني الذي يبرر عدم التسامح تجاه المبدِّعة، ويشبِّه تزييف الدِّين بتزييف المال، وبأنه
إذا كان يُلحق الضرر بالآخرين وجب قمعه. ولا يفوق الأمن الروحي، أو بعبارة أخرى لا تفوق نجاة الأرواح،
في درجة الأهمية الأمن العام، ومن ثم لا يرُبَّرُ استعمال العنف ضد المبدِّعة تحت ذريعة أنهم يهددون الأمن العام.
ويعترف راولز -رغم اتفاقه مع لوك- بمحدودية التسامح عند هذا الأخير، بدليل عدم تسامحه مع الذين لا دين
لهم. ويتّسم مفهوم التسامح عند راولز بكونه مفهومًا موسَّعًا يشمل جميع مكوِّنات المجتمعات المعاصرة التي، إنْ
تحققت فيها شروط العدالة، لن يبقى مبرر لأي اضطهاد كيفما كان، وتزول الشروط الموضوعية لعدم التسامح. لا
إمكان لوجود تسامح مشروط أو مقيَّد، فإمّا أن يكون التسامح وإمّا لا يكون.
يُطرح بصدد مفهوم التسامح سؤال أساس، هو كالآتي: ما حدود التسامح، أو، بعبارة أخرى، في أي حال
وضمن أي شروط يستحيل الوقوف موقف التسامح؟ ويتساءل راولز في الاتجاه نفسه عن المدى الذي يبلغه
مفهوم التسامح؟ وبالتالي كيف يمكن استساغة الوقوف موقف التسامح من البشر الذين لا يبدون أي تسامح
نحو الآخرين؟ هل تقتضي العدالة التسامح حيال غير المتسامحين؟
28 John Rawls, Théorie de la justice , trad. de l’américain par Catherine Audard (Paris: Ed. du Seuil, 1987), p. 248.
29 المصدر نفسه، ص.251
ينبغي في البداية -بحسب جون راولز- فحص بعض صيغ السؤال: أولها، هل يجوز أن تتمتَّع نحلة غير متسامحةِ
بالحق في أن نعاملها معاملة متسامحة؟ ثانيها، ضمن أي شروط تمتلك النِّحل المتسامحة الحق في عدم التسامح
مع نحل أخرى؟ جيُِيب راولز عن السؤال الأول بقوله: «يبدو أن لا حق إطلاقًا لنحلة أو لمذهب غير متسامح
في أن يشكو أو أن يتذمر إذا رُفِضَت له حرية متساوية مع النِّحل الأخرى. ولا يحق لمذهب أن يكون غير
متسامح مهما تكن المبررات أو الحجج، خاصة تلك التي تقول إن تأويله للحقيقة الدينية هو التأويل الأصح.
يقول راولز: «لا وجود لتأويل للحقيقة الدينية يمكن اعتباره ضروريًا ومُلزِمًا للمواطنين كافة، ولا يمكننا قبول
سلطة يكون لها الحق في الحسم في أسئلة المذهب اللاهوتي». حتى في حال تسليم الفرد زمام نفسه للسلطة،
فإن ذلك لا يجبره على التخليِّ عن حريته التي لا مجال فيها للمساومة. للبشر حرية ضمير متساوية بالنسبة إلى
الجميع، وهو أمر ملائم لفكرة وجوب خضوعهم لإله واحد. وتكمن المشكلة لا في فكرة طاعة الله بل في جعل
هذا المبدأ مبدأ حيُتكَم إليه. والحال، أنه لا يكفي لكي نجعل منه مبدأ تحكيم Principe d’arbitrage))، والدليل
هو أنه لا يترتَّب عن الاعتقاد بضرورة الخضوع لله وتعاليمه أن تكون للفرد سلطة تسمح له بالتدخّل في تأويل
الآخرين لواجباتهم الدينية. وبمعنى آخر، تتساوى جميع التأويلات بخصوص الإيمان بالله وبلوغ الحقيقة. يقول
راولز: «إن هذا المبدأ الديني لا يبرر أن نحوز حرية شرعية وسياسية أكبر من حرية الآخرين». على الرغم من أن جواب راولز هو بالنفي عن السؤال: هل يجب أن نقف من مذهب ديني لا يؤمن بالتسامح
موقفًا متسامحًا، فإنه يعيد التفكير في المسألة مليًا فيقلّب السؤال على وجه آخر: هل يحق منعُ نحلة في الدِّين لا تؤمن
بالتسامح من أن تتذمَّر من عدم التسامح نحوها؟ باسم الحرية، لا يمكن منعها من أن تشكو وتتذمر إذا ما تم
التعامل معها بكيفية لا متسامحة. لا يمكن أن تمنع نحَل متسامحة نِحاَلًِ غير متسامحة من أن تتذمر من كونها ضحية
عدم التسامح، وذلك تبعًا لمبدأ الحرية الذي يتصدَّر أولويات الفكر الليبرالي عند راولز. نعلم أن راولز فيلسوف
سياسي ليبرالي، ولكن ليبراليته معدَّلة ومكيَّفة مع مطلب العدالة الذي هو أساسًا مطلب اجتماعي غير ليبرالي. تتحول صيغة السؤال إذن من: هل يستحق مذهب غير متسامح أن نقف منه موقف التسامح؟ إلى الصيغة التالية:
هل يحق أن نحدَّ من حريته بحجة أنه غير متسامح؟ لا يحق الحدُّ من حرية النِّحل غير المتسامحة سوى في حالة
واحدة، وهي عندما يكون الحق في البقاء مهدَّدًا. يقول راولز: «لا تسمح العدالة بأن يقف البشر متفرِّجين عندما
يتعرَّض أساس وجودهم للهدم». وبناء عليه نصير أمام سؤال آخر: هل تُفرَض على النِّحل غير المتسامحة قيود
حتى في حالة كونها لا تمثِّل تهديدًا ولا تشكِّل خطرًا على الحريات المتساوية بالنسبة إلى الجميع؟ لا يرى راولز
أي داع إلى تقييد حريات النِّحل والمذاهب غير المتسامحة ما دام أن الدستور في مأمن من أي تهديد. ولا غرابة في
هذا الجواب ما دام القانون الأعلى للولايات المتحدة هو الدستور الذي يميِّز المجتمع الحرّ، وتكمن قيمة الدستور
في كونه هو الضمانة العليا للحريات المدنية. لعل تمتُع جميع أفراد المجتمع بالحرية، بمن فيهم أعضاء النِّحل غير
المتسامحة، أن يدفعهم إلى الاقتناع بقيمة الحرية. إن مردَّ توازن المجتمع واستقراره أمران: الحرية والعدالة، أما في
حالة زحزحة استقراره، فمن الواجب التصدي للنِّحل والمذاهب غير المتسامحة بواسطة تقييد حرياتها. هذا يتطابق
مع فكرة أساسية في فكر راولز السياسي: لا سبيل إلى التضحية بالحرية سوى في سبيل مزيد من الحرية. يمكن القول، ختامًا، إن الاختلاف بين مايكل والزر وجون راولز يكمن في اقتناع الأول بضرورة تكييف
03 المصدر نفسه، ص.253
13 المصدر نفسه، ص.253
23 المصدر نفسه، ص.254
33 المصدر نفسه، ص.254
التسامح مع أنظمة وأنماط مخصوصة أفرزتها تاريخية المفهوم Historicité du concept() بينما لا يحيد الثاني عن
الاقتناع بأن مفهوم التسامح يستمدُّ طابعه الكوني من الحرية نفسها.
خاتمة
لقد مهد جون لوك الطريق لمفهوم التسامح في عصر الليبرالية المتأخرة، وفي عصر الرأسمالية المتطورة. إن مفهوم
التسامح مفهوم إشكالي حامل لقيمة اجتماعية وسياسية موضع نقاش فلسفي وجدل اجتماعي دائم. ومهما قيل
جوابًا عن الأسئلة: هل يحمل التسامح دلالة إيجابية أم سلبية؟ هل هو شرط مثالي لحل الصراعات أم ضرب
من العيش، أو ما يع عنه باللاتينية modus vivendi؟ هل هو ناجم عن موقف فعال أم عن موقف سلبي؟
هل يعربّ عن عدم توازن، حيث ترجح كفة المتسامِح على المتسامَح معه، أم عن حل مؤقت لفضّ النزاع وحل
الاختلاف في طرائق العيش والتفكير والاعتقاد؟ فإن هذه الأسئلة وغيرها لا يمكن الإجابة عنها بالنفي أو
بالإثبات والجزم، وإنما من خلال معرفة في ظل أي شروط، ووفْق أي ظروف يندرج مفهوم التسامح. تطور مفهوم التسامح من الدائرة الدينية، حيث عُني في البداية بالدفاع عن حرية المعتقَد، إلى الدائرة السياسية
القاضية بفصل المؤسسات السياسية عن المؤسسات الدينية، بين الحياة الخاصة والحياة العامة. وختامًا وجدنا
أن المفهوم متواز مع نشأة فكرة الليبرالية. وبقدر ما ابتُكرتْ فكرة التسامح ابتُكرتْ معها فكرة الليبرالية، فهما
فكرتان مبتكرتان حديثًا، أي مبتكرتان مع بزوغ فجر الحداثة: «إن التسامح بوصفه مبدأً أساسيًا متداخل مع
الليبرالية، ومن الناحية النظرية يوفر التسامح استراتيجيا من أجل جعل حرية كل واحد في المعتقدات والقيم
وطرق العيش متطابقة مع حرية الجميع، وتقليص إكراه الدولة». لقد صار التسامح حديثًا عنوانًا لحرية الضمير والفكر، ولهذا تحولت فكرة التسامح إلى حق كوني في حرية التفكير
وحرية الاجتماع، ومن ثم إلى علْمنَة الدولة الحديثة التي وجب أن تقف موقف الحياد وعدم التمييز بين المواطنين
على أساس المعتَقد. ولكن يبقى السؤال التالي معلقًا: ما حدود التسامح في الأزمنة المعاصرة؟ لقد فُهمَ التسامح على نحوين، أولهما من جهة كونه يفيد معنى الحياد، والمقصود به حياد الدولة الليبرالية التي
تنطلق من ادعاء الكونية، ومن حياد المجتمع الليبرالي بوصفه مجتمعًا مفتوحًا وقادرًا على إدماج كل واحد
وصهره في بوتقته. لكن تلك المجتمعات وجدت نفسها، مع صعود الأقليات وازدياد الأجانب، غير قادرة
على استيعاب الأعداد الكبيرة من المهمَّشين والمقصيين، ناهيك عن الأجانب والمهاجرين: «وكنتيجة يُعَاني
النموذج الحيادي من مفارقة خاصة»، إذ إنه يدّعي الإدماج في الوقت الذي يمارس الإقصاء. وثانيهما،
أن التسامح يُفهم في المقابل على نحو يفيد معنى التعدد لا معنى الحياد، تعدد الأقليات، تعدد المهمَّشين
والمقموعين والمعذَّ بين في الأرض والجماعات الهوياتية، وهو ما يتطلب أكثر من التسامح: الاعتراف. وبقدر
ما يُبدي التصور الليبرالي الحيادي الرغبة في إدماج كل شخص، بصرف النظر عن العرق والأصل والثقافة
واللغة والدين، يظهر نوعان من المقاومة: مقاومة من المجتمعات الليبرالية نفسها التي تبدو عاجزة عن القوة
الإدماجية التي تدّعيها، ومقاومة من لَدُن هذه الفئات نفسها التي لا تقبل هذا الفضاء المُحايد نفسه، وتحتج
عليه بخصوصيات متنطّعة ومتمردة.
34 Anna Elisabetta Galeotti, Toleration as Recognition (Cambridge, UK; New York: Cambridge University Press, 2002), p. 23.
53 المصدر نفسه، ص.75