المجتمع المدني والتحوّل الديمقراطي:قراءة نقدية
Civil Society and the Democratic Transition: A Critical Reading
الملخّص
العجز الديمقراطي هو مصطلح رديف للاستعصاء الديمقراطي ، وهو استعصاء مزمن ولا سبيل إلى الخلاص منه، بدليل أنه على رغم التحولات العالمية، الإقليمية والداخلية، لم يحرّك الوطن العربي ساكنًا، ولو خطوة ذات معنى نحو الديمقراطية، وهذا على الرغم من تحوّل حوالي أربعين دولة في العالم إلى أنظمة ديمقراطية منذ نهاية الحرب الباردة. ومازالت الدولة التسلطية تعمل من خلال أجهزتها القمعية على صيانة الإذعان الاجتماعي في هذه المنطقة من العالم.
Abstract
Democratic deficit is a term synonymous with democratic intractability, a chronic intractability that cannot be overcome, as demonstrated by the fact that despite the global transformations, regional and domestic, the Arab homeland has not budged or taken any meaningful step towards democracy, despite the transition of around 40 of the world's states into democratic regimes since the end of the Cold War. The authoritarian state is still operating by means of oppressive agencies to preserve the submission of society in this region of the world.
- المجتمع المدني
- الدولة التسلطية
- التحول الديمقراطي
- الوطن العربي
- Civil Society
- Democratic Transition
- Authoritarian States
- Arab Homeland.
قراءة نقدية
جرت العادة، عند الحديث عن المجتمع المدني
والتحوّل الديمقراطي، أن يشار إلى تأثير
النجاحات التي حققها المجتمع المدني في أوروبا الشرقية
في إعادة الاعتبار والحيوية إلى المجتمع المدني في الحياة
السياسية المعاصرة. وقد كان مفهوم المجتمع المدني يبدو
وكأنه يتراجع «حتى أعيد تقديمه إلى الساحة السياسية
بفضل حركة التضامن [البولندية] ونضالها ضد النظام
البولندي الشمولي. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، وما
تبعه من إخفاق الشيوعية، أصبح المجتمع المدني النداء
الذي اجتمع حوله الكثير من الناشطين المعارضين
للدكتاتوريات العسكرية أو للأشكال الأخرى من
الحكومات التسلطية. ولقد نجح هذا المفهوم في
إلهام، إضافة إلى الناشطين، عددًا من العلماء والمراقبين
البارزين. وعلاوة على هذا، أخذ المفهوم يسافر، بسرعة
وسهولة، إلى آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق
الأوسط». وأصبح المجتمع المدني، عندئذٍ، بمنزلة
تقليعة أو «موضة سائدة»، بل تحوّل إلى واحدة من
«الأرثوذكسيات العظيمة» داخل مراكز دراسات
الشرق الأوسط في الولايات المتحدة الأميركية، وصار ذكره على كل لسان، وتصدّر جدول أعمال جمع ضخم
من المفكرين الأكاديميين، والناشطين في مجال حقوق الإنسان والتنمية، والفنانين والمثقفين، والمسؤولين الحكوميين التقدميين، والمقرضين والمخططين في الوكالات السياسية والمالية الدولية. وتصادف أن الشرق الأوسط كان يمرّ، في مطلع التسعينيات، بكارثة
تطلّبت إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة برمّتها، وهي
كارثة الغزو العراقي للكويت. كما كانت الفرصة مواتية لكل هذا العدد الضخم من المهتمين بالمجتمع المدني لينخرطوا في هذا الجدل الموسّع من داخل المجتمع
المدني ومن أجل المجتمع المدني، وفي سبيل تأكيد دوره في التحوّل الديمقراطي المطلوب في هذه المنطقة من
العالم التي بدت لكثيرين، آنذاك، أنها صارت على أهبة التحول من الدكتاتورية إلى الديمقراطية.
إالّ أن أزمة الخليج الكبرى مرّت من دون أن تخلّف
وراءها أي تغيير حقيقي في بنية الدولة العربية التسلطية. كما مرّت «الموجة الثالثة» من التحوّل
الديمقراطي في أواخر القرن العشرين من دون أن
تترك وراءها أثرًا بالغًا يذكر في أي دولة عربية. كما
مرّ وقت قبل أن تظهر قراءات نقدية لمفهوم المجتمع
المدني ولاستعمالاته المتسرّعة والمتفائلة به، كما لو كان
«سفينة النجاة» وقاطرة التحوّل الديمقراطي في
العالم العربي. ومن هذه القراءات التي راحت تنتقد
استعمالات المجتمع المدني في العالم العربي قراءة كل
من دلال البزري ووحيد عبد المجيد والطاهر لبيب
وآخرين، غير أن القراءة النقدية الأهم، في هذا
السياق، هي قراءة عزمي بشارة.
لقد كان المجتمع المدني موضوعًا لرهان النخبة
العربية في الثمانينيات، واستفاض الحديث عن دوره
في التحول الديمقراطي طوال التسعينيات. وبهذا،
استغرق الرهان على المجتمع المدني كامل العقدين
الأخيرين من القرن العشرين، وذلك قبل (بالتأكيد
من غير أن يعني هذا أن الرهان توقّف نهائيًا بعد
ذلك!) أن يقدّم عزمي بشارة قراءته النقدية لا لفكرة
المجتمع المدني التي قد تكون «مفيدة في المعركة العربية
من أجل الديمقراطية» كما يقول، بل هي نقدية،
وهذا هو الأهم، لاستعمالات المجتمع المدني عربيًا،
وهي الاستعمالات التي تجنّبت تناول المفهوم تاريخيًا
ونقديًا، فما كان منها إالّ أن انزلقت إلى تحويله، كما ينبّه
عزمي بشارة، إلى «مقولة ضارّة بقضية الديمقراطية
وتحرّر الإنسان العربي»، وذلك من خلال الإصرار
على تحييد المجتمع المدني سياسيًا، والتعامل معه كما لو
أنه أداة تُعفي صاحبها من المغامرة بطرح مسألة نظام
الحكم والتداول على السلطة، الأمر الذي دفع عزمي
بشارة إلى توجيه الاتهام إلى الدور «المشبوه» الذي قام
به المجتمع المدني خارج أوروبا، وهو دور «شاهد
زور يبرّر الغياب عن ساحة المجتمع السياسي»،
أو «دور القابلة المتسترة على عملية إجهاض سياسية،
عملية لاتسييس، أو دور العميل المزدوج الذي
يعادي السياسة باسم الديمقراطية، ثم يدير ظهره
للديمقراطية باسم كونها معركة سياسية، والواجب
هو ليس خوضها وإنما بناء المجتمع المدني»، في حين
أن الوعي بحقيقة تعثّر التحول الديمقراطي عربيًا
يجعل الحاجة ماسّة «إلى مفهوم المجتمع السياسي
الديمقراطي، وليس إلى الانتقال إلى مفهوم غامض
يسترخي خارج السياسة في أسوأ الحالات، وتتيح
كثرة معانيه وغموضه أن يتمّ تطويعه في خدمة عدة
أنواع من السياسات في أفضلها»، كما هي الحال مع
مفهوم المجتمع المدني. اكتسب المجتمع المدني الكثير من حيويته الجديدة،
كما يلاحظ عزمي بشارة، في «سياق مناقشة الخيارات
الديمقراطية التي تطرحها أزمة الأنظمة السلطوية
العربية الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية».
وجرى، في سياق هذه المناقشة، استحضار النموذج
البولندي لتأكيد دور المجتمع المدني في مواجهة الدولة
الشمولية وقدرته على قيادة عملية التحول الديمقراطي
في هذا النوع من الدول. وقد تحمّس لهذه المناقشات
تياران سياسيان وأيديولوجيان عربيان كانا قد
انسحبا من ساحة العمل السياسي بعد هزيمة 1967
وتداعياتها، وراحا ينتظران حسم المعركة في ساحة
أخرى غير ساحة المجتمع السياسي. وهذان التياران
هما التيار القومي والتيار اليساري، اللذان استفاقا بعد
انحسار الزخم الثوري منذ منتصف القرن العشرين
ليجدا أن ساحة المجتمع السياسي قد «احتلها» فاعلون
آخرون، وتحديدًا «أنظمة ملَكية محافظة وديكتاتوريات
حديثة من مختلف الأنماط من ناحية، ومن ناحية أخرى
تيارات العمل الإسلامي المختلفة. في هذه الظروف
أدار مثقفو اليسار والحركات القومية ظهورهم للعمل
السياسي أو للمجتمع السياسي، وبدل الاعتراف
بالإخفاق راح بعضهم ينظر إلى حسم المعركة في مكان
آخر غير المجتمع السياسي، وهذا المكان هو المجتمع
المدني»، الأمر الذي كان يعني أن معترك العمل
السياسي الفعلي المتصل بشؤون الدولة والتنافس على
التداول على السلطة، كان في وادٍ، وكانت تنظيرات دعاة
المجتمع المدني واحتفالاتهم وسعادتهم ب«تقليعتهم
الجديدة» في وادٍ آخر. ليس معنى هذا أن هؤلاء بقوا
في عزلة كاملة عن ساحة العمل السياسي، لكن الذي
حصل هو أن معظمهم قنع بالبقاء على الهامش،
وانصرف بعضهم إلى استخدام المجتمع المدني ك«أداة
أيديولوجية جديدة بيد خطاب التحديث الفاشل في
الوطن العربي في مواجهة الخطاب الإسلامي»،
الذي كان آخذًا في التعاظم، فيما تطوّع بعضهم الآخر
لتأدية دور المؤيّد والمحتفل بأي إجراء إصلاحي يقوم
به أي نظام رسمي عربي، وتسويق ذلك على أنه تحول
ديمقراطي ناجز أو سائر على طريق اكتماله. وقد رأينا
كيف كان أبرز دعاة المجتمع المدني، وهو سعد الدين
إبراهيم، ينظر إلى «عبقرية» صدّام حسين التي ستمثّل
«قوة مستقبلية» لجميع شعوب الأمة العربية لا لشيء إالّ
لكون هذه «القيادة العبقرية» وعدت بإجراء انتخابات
تعددية. واللافت أن سعد الدين إبراهيم كتب مقالة
في سنة 1988 حول «المسألة الديمقراطية» في العراق،
راهن فيها على إقدام «عبقرية» صدام حسين على
استكمال انتصاره الخارجي على إيران بانتصار سياسي
داخلي بالتحول الديمقراطي. وكانت المفاجأة سارة
«حينما أعلن الرئيس صدّام حسين منذ أسبوعين عن
خطوات واضحة للتحول نحو الديمقراطية، وأهم
هذه الخطوات هو السماح بإنشاء أحزاب جديدة، وعقد
انتخابات نيابية حرة وغير مقيّدة». واستحقت هذه
«الخطوات الواضحة نحو الديمقراطية» أن يهنئها
الكاتب بمقالة أخرى تحت عنوان «رياح الديمقراطية
تهب على العراق» ونشرها في كانون الأول/ ديسمبر
1988، وأشاد فيها ب«بصيرة» صدام حسين الذي
«أدرك أن نظام الحزب الواحد في العراق قد أدى دوره،
ولا بد من دخوله مرحلة تجديدية أخرى»، والذي
أدرك، كذلك، أن «عقد التسعينات سيكون عقد
التحول الديمقراطي عالميًا». وقد بلغ الأمر حدًّا
من التساهل والتجوّز سمح لباحث وناشط من نشطاء
المجتمع المدني بحجم سعد الدين إبراهيم، بتوزيع
«صكوك» التحوّل الديمقراطي على أي نظام عربي
يعلن أنه بصدد إجراء تعديل في قانون الانتخابات
بحيث يسمح بالتعددية، وتشمل القائمة العربية
العراق ومصر والسودان وتونس والمغرب واليمن الشمالي آنذاك واليمن بعد الوحدة والأردن والبحرين والكويت والإمارات وعمُان. والحاصل أنه من التجوّز والتساهل المخلّ القول
إن دولة عربية أنجزت تحواّلً ديمقراطيًا حقيقيًا
طوال عقد التسعينيات. وقد فتح هذا الفشل المحريّ
لتجارب التحوّل الديمقراطي في المنطقة المجال
واسعًا لذلك السؤال القديم الذي طُرح في البداية على
نحو استفهامي بحت، فيما صار الآن سؤاالًاتهاميًا
ولا يخلو من مدلولات سلبية مبطنة، وهذا السؤال
هو: لماذا تحولّت بلدان كثيرة إلى الديمقراطية في مطلع
التسعينيات فيما بقيت البلدان العربية دوالً تسلطية؟ ثم سرعان ما تحوّل النقاش إلى هجوم على أطروحة
المجتمع المدني ودوره في التحوّل الديمقراطي. وفي
هذا السياق لاحظ كريمر، وهو باحث لا يخفي عداءه للعرب والمسلمين، أن الحديث عن المجتمع المدني كقاطرة للتحوّل الديمقراطي في الشرق الأوسط قد
تزايد بعد حرب الخليج الثانية في مطلع التسعينيات،
إالّ أن تداعيات هذه الحرب لم تخلق – على خلاف ما كانت توهم به تنظيرات دعاة المجتمع المدني والتحول الديمقراطي – أي اضطراب حقيقي لأي نظام عربي، بدليل عدم سقوط أي نظام عربي، بما في ذلك نظام صدّام حسين نفسه الذي كان يترنّح آنذاك. ويُرجع
كريمر سبب هذه الظاهرة إلى أن الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل، ليس مكانًا مناسبًا للمجتمع
المدني، وأن الأنظمة العربية قادرة على إعاقة أي تحول ديمقراطي لكونها تمتلك مصادر قوة كانت غائبة، كما يدّعي، عن أذهان المتحمسين للمجتمع المدني.
وتتمثّل مصادر قوة هذه الأنظمة، كما يقول، في
تحالفها مع كلٍّ من النخبة والجماعات والطوائف والعوائل والقبائل التي تمتلك مصالح حيوية مع هذه الأنظمة، الأمر الذي سيجعلها مستعدة للدفاع عنها في حال تعرّضها لأي تهديد جدّي.
الأمل الذي ميّز مطلع التسعينيات برهاناته الكبيرة على
دور المجتمع المدني في التحوّل الديمقراطي في الشرق
الأوسط، تبنيّ أنه لم يكن سوى ومضة خاطفة سرعان
ما انطفأت وغرق الشرق الأوسط مجددًا في الظلام.
وبدت الشكوك تطفو على السطح حتى بين الدعاة
المتحمسين للمجتمع المدني والتحوّل الديمقراطي.
وينقل كريمر أن بعض هؤلاء وقع في حيرة من أمره،
فهو يرى أمامه «أنظمة تفتقر إلى الشرعية»، وهذا
يعني أنها آيلة إلى السقوط لا محالة، إالّ أنها ظلت باقية
ولم تسقط بالرغم من ذلك كله، بل إن «كل تجارب
الدمقرطة قد فشلت، تاركة وراءها عدم تناسب بين
التوقعات النظرية والوقائع التجريبية. وواحدة من
هذه الوقائع تتمثّل في أن أجهزة الدولة بقيت كبيرة
ومنتشرة، والأنظمة استمرت تتمتع بميزات القوة على
حساب أحزاب المعارضة، ودولة المخابرات قد تكون
تراجعت قليالً، إالّ أنها ما زالت قائمة كعقبة هائلة أمام
الدمقرطة». وقد تسببت هذه الحيرة والتناقض
القائم بين الوقائع والتنظيرات في خيبة أمل كبيرة
في نفوس كثير من الباحثين والدارسين والمتحمسين
ودعاة المجتمع المدني والتحوّل الديمقراطي، وبدا
العالم العربي وكأنه أحبط جميع «منظّري المجتمع المدني
بشكل عام». وقد وفّرت خيبة الأمل هذه الفرصة
أمام كثيرين، وكريمر واحد منهم، لاستحضار الإرث
الاستشراقي والعنصري تجاه العرب والمسلمين،
وذلك من أجل تأكيد أن هذه البلدان ليست مؤهلة
للديمقراطية ولا للمجتمع المدني، وأنه «إذا كان
هناك من مكان في الشرق الأوسط تتقلّص فيه الدولة
لصالح المجتمع المدني، فهذا المكان هو إسرائيل،
حيث التحرير الاقتصادي، والخصخصة، وإصلاح
النظام الانتخابي، وانتعاش الإعلام ». وفي ما
عدا إسرائيل، فإن بلدان الشرق الأوسط كلها، وفي
مقدمها البلدان العربية طبعًا، بقيت غارقة في الفساد،
وخاضعة لدول تسلطية مخابراتية وقفت كعقبة كأداء
تحول دون نجاح أي تحوّل ديمقراطي.
وفي السياق ذاته شنّ باحث آخر، وهو شون يوم،
هجومه على أطروحة المجتمع المدني القائلة إن
هذا الأخير يمكنه أن يؤدي دورًا حيويًا في تحويل
بلدان الشرق الأوسط ديمقراطيًا. ويلاحظ يوم،
تمامًا كما لاحظ كريمر، أن «المراقبين الغربيين تبنّوا،
في وقت مبكر في التسعينيات، وبشكل أخص منذ
11 أيلول/ سبتمبر 2001، المجتمع المدني كشرط
مسبق للتحوّل الديمقراطي في الدول العربية في
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، الأمر الذي
استدعى نشاطًا وحماسة غير مسبوقين من جانب
المنظمات ووكالات التنمية والدبلوماسية الغربية،
وذلك سعيًا لتعزيز هذا الشرط المسبق للتحوّل
الديمقراطي عبر تمكين المجتمع المدني. ومع هذا،
باءت هذه «الرعاية المتّقدة للنشاط المدني بالفشل
في جلب أي ربيع عربي ديمقراطي»، ويرجع
هذا، كما يُنقل عن ليزا أندرسون، إلى أن الدولة
العربية عبارة عن «متغريّ تراكمي يتضمن الكثير
من المتغريّات الفرعية الأخرى ومنها: البيروقراطية
الإدارية، والقوة العسكرية، والموارد المالية،
وتكاملها الإقليمي، وشرعيتها الأيديولوجية،
وربما متغيرات أخرى» ساهمت مجتمعة في صنع
هذه الظاهرة التي جرى الاصطلاح على تسميتها
«الاستثنائية العربية». وقد طُرحت تفسيرات كثيرة لهذه الظاهرة التي تسمّى
«الاستثنائية العربية»، بعضها يقول إن سبب هذه
«الاستثنائية» يرجع إلى افتقار هذه البلدان إلى المجتمع
المدني القوي، فيما ركّزت تفسيرات أخرى على افتقار
هذه البلدان إلى الطبقة البرجوازية، أو ارتكاز اقتصادها
على قاعدة ريعية، أو اعتمادها على الحماية الدولية، أو
هيمنة الإسلام كدين لا يرحّب بالديمقراطية...إلخ،
إالّ أن هذه التفسيرات كلها تبقى، في نظر إيفا بيلن،
ناقصة وغير مرْضية. ومشكلة هذه المنطقة من العالم لا
تتمثّل في كونها «استثنائية» من حيث انعدام الشروط
المسبقة للديمقراطية، بدليل أن بلدانًا أخرى كانت
تفتقر إلى هذه الشروط تمكنت من التحوّل الديمقراطي
بدرجة أو بأخرى، لكن مشكلة «استثنائية» هذه المنطقة
تكمن تحديدًا في لغز آخر، و«اللغز الذي تطرحه بلدان
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليس هو لماذا فشل
توطيد الديمقراطية في هذه المنطقة (وهو فشل متوقَّع)،
بل لماذا فشلت الغالبية العظمى من دول الشرق
الأوسط وشمال أفريقيا في الشروع/ البدء في التحول
بشكل مطلق. هنا تكمن استثنائية المنطقة». أمّا حل
لغز هذه «الاستثنائية»، فيكمن في «الشروط الراهنة
التي تعزّز التسلطية القسرية، وبخاصة أجهزة الإكراه
القسري في هذه الدول. إن إرادة أجهزة هذه الدول
القسرية وقدرتها على قمع أي مبادرة ديمقراطية أخمدتا
أي إمكانية للتحوّل الديمقراطي. وهنا تكمن استثنائية
المنطقة الحقيقية»، أي في كون الدولة في هذه المنطقة
تتمتع ب«متانة الأجهزة القسرية» والقمعية. وهي
دولة تجسّد، كما جاء في «تقرير التنمية الإنسانية العربية
لعام 2002 »، «التجلي السياسي لظاهرة ‹الثقب
الأسود› الفلكية، حيث تشكّل السلطة التنفيذية ‹ثقبًا
أسود› يحوّل المجال الاجتماعي المحيط به إلى ساحة لا
يتحرّك فيها شيء ولا يفلت من إسارها شيء». والنقاشات التي بدأت في محاولة لتفسير «الاستثنائية
العربية» بالتشديد على غياب المجتمع المدني ومتانة
الدولة القسرية والقعمية...إلخ، سرعان ما انزلقت
إلى حدّ اتهام المجتمع العربي والمسلم بشكل عام بأنه
عاجز ديمقراطيًا بشكل ميؤوس منه. وقد وجدت
هذه التفسيرات الاتهامية ما يفي بغرضها في الإرث
الاستشراقي، القديم منه والجديد. وتندرج هذه
التفسيرات الاتهامية في سياق الإجابات الثقافية
أو الثقافوية التي راحت تُرجع سبب فشل التحوّل
الديمقراطي في البلدان العربية إلى أسباب ثقافية
متأصّلة في طبيعة الإسلام، وطبيعة الفرد والمجتمع
العربيين، وطبيعة إرث هذه المجتمعات الثقافي المثقل
بالاستبداد وبأخلاقيات طاعة ولي الأمر. وهذا الرأي
الأخير هو رأي سعد الدين إبراهيم نفسه الذي
تحمّس للمجتمع المدني ونادى بالتحوّل الديمقراطي،
إالّ أنه اكتشف حقيقة مُرّة وقاتمة وهي «أن هناك شيئًا
في الثقافة العربية إمّا أنه يعادي الديمقراطية صراحة،
أو لا يعطيها أهمية مركزية في منظومة القيم والمعايير
السائدة في مجتمعاتنا ». وتتطلب هذه الحقيقة
المواجهة الشجاعة مع ثقافتنا العربية؛ مع هذا
«الإرث الذي نحمله على ظهورنا»، ويستمر في
إنتاج وإعادة إنتاج الاستبداد، سواء في صورة الحكام
المتربعين على عروش الأنظمة الاستبدادية، أو «ينابيع
ثقافتنا المعاصرة التي تجعل جماهيرنا نفسها مهيأة لقبول
هذا الاستبداد، أو متواطئة في التعايش معه». ولا
يختلف الطاهر لبيب عن هذا الطرح كثيرًا رغم أن
قراءته أكثر نقدية، إذ يرى أن لا سبيل أمام المجتمع
العربي الإسلامي إلى تحقيق المشروع الديمقراطي،
والمجتمع المدني من قبله، إالّ بتحفيز مطلب الحرية
أوالً، وهذا لا سبيل إليه إالّ بالخروج على «براديغم
الطاعة» الذي تمكّن في هذا المجتمع حتى تجمّدت نواة
هذا البراديغم «في حدود الامتثال للأمر» وطاعة
ولي الأمر، وهو الامتثال الذي استفاد منه التاريخ
السياسي العربي في مراكمة الاستبداد. ينتقد وجيه كوثراني الرأي الذي يُرجع غياب
الديمقراطية في العالم العربي إلى طبيعة «الاستبداد
الشرقي» في التاريخ العربي الإسلامي، وإلى وجود
«دولة طاغية قابضة على المجتمع، ونافية لاستقلاليته،
ومدمرة لديناميته». وهذا نقد ينسحب على جميع
الأدبيات الاستشراقية أو ذات المنزع الاستشراقي،
من «مونتسكيو، صاحب نظرية ‹دولة الاستبداد
الشرقي› التي أملتها في رأيه اعتباراتٌ جغرافية وبيئية،
إلى ماركس، مطوّر النظرية في إطار ‹نمط الإنتاج
الآسيوي›، إلى ماكس فيبر، صاحب مصطلح ‹الدولة
السلطانية› المرتكز على النمط السياسي التقليدي الدِّيني
والحق الإلهي». هذا، من وجهة نظر كوثراني، خطأ،
ولا يخلو من تجنٍّ على المجتمع العربي الذي عرف،
بالفعل، دولة الطاغية، إالّ أنه تمتع، كذلك، بقسط كبير
من الحرية والحيوية والفاعلية والاستقلال عن الدولة،
وبحسب تعبيره، فإن «التجربة العربية الإسلامية
أنتجت ‹دولة سلطانية› لا يؤمن أهلها وأسرها
بتداول السلطة، ولكنها بالمقابل شهدت مجتمعًا أهليًا
تخللته تعبيرات من المبادرات والحريات والمشاريع
الاجتماعية والعلمية ومواقف معارضة وممانعة».
وإذا كانت هذه الحيوية الأهلية لم تخلق مجتمعًا مدنيًا كما
في الاستخدام الحديث، فإنها أسست «المجتمع الأهلي»
المؤلَّف من فعاليات الإنتاج الحرفي وطرق الصوفية
والأسواق والحارات ومؤسسات الوقف وغيرها. إالّ
أن هذا كله لا يجيب عن سؤال: لماذا لم يعرف المجتمع
العربي التجربة الديمقراطية والتداول على السلطة؟
ومن هنا يجد وجيه كوثراني نفسه، في نهاية المطاف،
مضطرًا إلى الإقرار بأن «المشكلة كامنة في عقل أهل
الدولة العربية المعاصرة الذي يأبى فكرة التداول، وفي
عقل المعارضة على اختلاف اتجاهاتها، التي تستعجل
أمر الاستيلاء على السلطة». وما دام الوضع العربي
محكومًا بهذه «العقلية»، فإن من المرجَّح أن تطول «محنة
الديمقراطية وتتعثّر نشأة المجتمع المدني العربي».
وبهذه الطريقة يكون كوثراني كأنه لم يفعل شيئًا حقيقة،
اللهم إلا إزاحة موطن العلة والداء (داء الاستبداد)
عن كاهل التاريخ ورميه على كاهل «العقلية العربية»،
وهي الفكرة التي كان محمد عابد الجابري قد انتهى من
تأصيلها في كتابه العقل السياسي العربيالصادر أول
مرة سنة.1990
لم تكن إشكالية الديمقراطية والتعثّر الديمقراطي
هي الإشكالية المركزية في كتاب الجابري، بل إنها
إشكالية لا تحضر في الكتاب إالّ عرضًا وفي خاتمته
تحديدًا، فيما تكرّس الجهد الأكبر في الكتاب لمحاولة
إعادة تركيب ما يسمّيه الجابري «مسار تاريخ ظهور
تشكّل العقل السياسي العربي»، ومسار تشكّل
المجال السياسي لهذا العقل، والذي بدأ مع الدعوة
المحمدية. والخلاصة التي انتهى إليها الجابري هي
أن العقل والمجال السياسيين العربيين بقيا محكومين
بمحدّدات ثلاثة كانت تعيد صنعهما باستمرار وهي:
القبيلة، والغنيمة، والعقيدة. وهي محدّدات بقيت
متحكمة في العقل والمجال السياسيين العربيين
حتى العصر الحديث، ومعيقة لأي تحول ديمقراطي
يمكن أن ينشأ في هذه المجتمعات. وعلى هذا،
فإن تجديد هذه المحدّدات هو شرط ضروري لنشوء
الديمقراطية، وهذا تجديد لا يتمّ «إالّ بالعمل من
أجل تحقيق النفي التاريخي لها، وذلك بإحلال البدائل
التاريخية المعاصرة». ويتم هذا الإحلال من خلال
تحويلات ثلاثة: تحويل القبيلة إلى لا قبيلة، إلى
تنظيم مدني سياسي اجتماعي: أحزاب، نقابات،
جمعيات حرة...إلخ، وتحويل الغنيمة (الاقتصاد
الريعي) إلى اقتصاد ضريبي إنتاجي، وتحويل العقيدة
إلى مجرد رأي. ومن دون أن يتمّ هذا الإحلال، ستبقى
تلك المحددات متحكّمة في العقل السياسي العربي،
وستظهر في صورة «عودة المكبوت» الذي يصريّ
الحاضر إلى نسخة مكررة من الماضي. أضف إلى
هذا أن بقاء هذه المحدّدات الثلاثة (القبيلة، الغنيمة،
العقيدة) يعني غياب الديمقراطية في العالم العربي،
وتعثّر أي تحوّل ديمقراطي في هذه المنطقة من العالم،
وذلك لانعدام الشروط الضرورية اللازمة لأي
ديمقراطية.
إالّ أن تفاؤل الجابري بالديمقراطية كان يزداد كلما
ارتقينا في الزمن صعودًا؛ فقد لاحظ في مرحلة ما بعد
«العقل السياسي العربي» أن كثيرًا من العوائق التي
كانت تحول دون الانتقال الديمقراطي في بلدان العالم
العربي قد انزاحت. وهو يقصد نهاية الحرب الباردة
وتفكك الاتحاد السوفياتي و«تخلّص روسيا ودول
أوروبا الشرقية من الحزب الوحيد وهيمنته ودخولها
في مسلسل الديمقراطية». وهذا حدث، كما يقول،
عالمي عظيم الوزن، إالّ أن أهميته عربيًا تكمن في أنه
جعل المسألة الديمقراطية في هذه المنطقة من العالم
تتحرر من عائقين كبيرين كانا يحولان دون طرحها
طرحًا جديًا في السابق. أمّا العائق الأول، فهو الاقتداء
بالنموذج السوفياتي الذي انزاح بسقوط هذا النموذج،
وأمّا العائق الثاني، فهو التدخّل الغربي لمناصرة المستبدين
الحلفاء ضد الديمقراطية وضد الإرادة الشعبية، وهو
عائق انزاح بانسحاب الاتحاد السوفياتي من مركز
القطب المنافس للغرب، الأمر الذي كان ينبغي، كما
كان الجابري يتوقّع، أن يجعل الغرب في غير حاجة
إلى أصدقاء وحلفاء في المنطقة. وهذا لن يدفع الغرب
إلى التخىلّ عن إمبرياليته ليناصر ديمقراطية لا تخدم
مصالحه بالضرورة، ولكن لا شيء يمنع من افتراض
أنه سيكون أقل حماسًا للتدخّل في الأقطار «النامية»
التي لا يرى أن الوضع فيها يهدد مصالحه، وذلك
نظرًا إلى غياب منافس له على هذه الأقطار. إن هذا
سيفتح الباب بصورة أوسع من ذي قبل أمام النضال
الديمقراطي من أجل الانتقال في هذه الأقطار من
دولة الحزب الوحيد والانتخابات الصورية المزيفة إلى
دول المؤسسات الديمقراطية الحقيقية. وقد ذهب
التفاؤل بالجابري إلى حدّ القول إن الشروط الموضوعية
اللازمة للانتقال الديمقراطي باتت متوافرة في الأقطار
العربية أو هي في طريقها إلى التوافر. إالّ أن هذا لم يكن
سوى تفاؤل مؤقت؛ إذ سرعان ما سيتنبه الجابري إلى
محدّدات العقل والمجال السياسيين العربيين، وهي
محددات تتجىلّ، في قراءة الجابرية الراهنة، في غياب
ما يسمّيه «الشروط الذاتية» للديمقراطية، أي في
غياب «إرادة الديمقراطية والعمل من أجلها».
وهذه إرادة تتوقف قوة وضعفًا على مدى تأصيلها
في الفكر والثقافة والمرجعية الحضارية للأمة، في حين
أن الحاصل أن «الإنسان العربي المعاصر لم يحقق بعد،
على صعيد الوعي، القطيعة الضرورية مع فكر ما قبل
الحداثة السياسية. والواقع أن الباحث لا يملك إالّ أن
يلاحظ أن الخطاب السياسي العربي الحديث والمعاصر
كان في جملته ضدًّا على الديمقراطية، إمّا بصورة صريحة
وإمّا بشكل ضمني». كما تتجىلّ هذه المحددات
المعيقة للديمقراطية في «واقع الدولة العربية الحديثة
نفسها، بناها ومؤسساتها». وهي دولة زرعها
الاستعمار ثم ورثتها ثلاثة أنماط من الأنظمة يسمّيها
الجابري، على التوالي، الدولة التقليدية، ودولة الثورة،
والدولة شبه الديمقراطية. وقد عملت هذه الدولة،
بأنماطها الثلاثة، كعائق يقف في وجه الديمقراطية،
حيث ابتلعت المجتمع، وأعاقت نشوء المجتمع المدني،
وحالت دون التحوّل الديمقراطي.
كان خلدون النقيب أبرز من أصّل لهذا الرأي
الأخير عربيًا، وذلك حين ربط بين تعثّر الانتقال
إلى الديمقراطية في بلدان المشرق العربي المعاصر
وواقع «الدولة التسلّطية» في هذه البلدان. و«الدولة
التسلطية» هي «التعبير المعاصر للاستبداد التقليدي،
وهي وليدة القرن العشرين»، إالّ أن تميّزها من
الاستبداد التقليدي يكمن في تدخّلها الهائل حدّ
التغوّل في كل صغيرة وكبيرة تقع داخل حدودها،
بدءًا بالاقتصاد وشؤون المجتمع وانتهاء بممارسة
الحكم الفعلي. وهو نمط من الدولة تكوّن في بلدان
المشرق العربي خلال الخمسينيات والستينيات،
وذلك حين سعت النخب التي استلمت الحكم،
آنذاك، إلى «تحقيق الاحتكار الفعّال لمصادر القوة
والسلطة في المجتمع»، الأمر الذي مكّنها من القضاء
على المعارضة وتنظيماتها، غير أنه مكّنها، كذلك، من
القضاء على «الأساس المادي لمؤسسات المجتمع
المدني الحديث كالنقابات المهنية والعمالية، الأحزاب
السياسية والتنظيمات السياسية والاجتماعية،
مؤسسات التربية والدِّين ووسائل الإعلام ».
وكانت النتيجة «عودة التنظيمات المتخلّفة (ما قبل
الرأسمالية)، كالقبلية والطائفية والإقليمية للظهور
كتنظيمات بديلة». وقد عمل هذا كله (واقع
الدولة التسلطية، والقضاء على المجتمع المدني،
وعودة التنظيمات ما قبل الرأسمالية) على إعاقة أي
انتقال ديمقراطي في هذه البلدان وتعطيله، وأحدث،
بدالً من ذلك، «أزمة بنائية مزمنة» جعلت من
الصعب «توقّع حدوث الانتقال إلى الديمقراطية»
في هذه البلدان التي تعاني «معوّقات فعلية تعيق
التحوّل الديمقراطي».
إضافة إلى هذه المعوقات الفعلية، كان هناك «الاختراق
الإمبريالي للاقتصاد والمجتمع، الذي يوفّر موارد مالية
عن طريق القروض والتسهيلات الائتمانية للديون،
والذي يكرّس في الوقت نفسه تسلّط النخب الحاكمة
لتحقيق الأمن والاستقرار». ويخلص خلدون
النقيب إلى أن الحل لتحقيق التحوّل الديمقراطي
على المدى الطويل يكمن في أن يكون هذا «التحوّل
الديمقراطي مصحوبًا بتكوين أممية [كونية] جديدة
حول ميثاق حقوق الإنسان والحاجات والمقاصد
الإنسانية التي تحددها القوى السياسية والاجتماعية
والديمقراطية في كل بلد». والحديث عن ميثاق حقوق الإنسان، الذي يختم به
خلدون النقيب، يقودنا إلى قراءة العربي صدّيقي في
سعيه نحو «إعادة التفكير في الدمقرطة العربية».
وقد تنبّه العربي صدّيقي إلى أن توسّعًا حدّ الولع
بالانتخابات قد حدث في الوطن العربي في
الفترة 1998 – 2008، وهو ولع توسّعي يسمّيه
«الانتخابوية»، إالّ أن هذه كلها كانت «انتخابات
بدون ديمقراطية». ويجادل صديّقي، على صعيد
آخر، بأن «البحث عن ديمقراطيات من ‹الموجة
الثالثة› في الوطن العربي هو تمرين عقيم، وبدون
نتيجة»، بحكم أن هذه الموجة، التي نظّر لها
صمويل هنتنغتون، إنما صدّرت ديمقراطيات من نوع
غير متاح في الوطن العربي لعدم توافر شروطه الأولية
والضرورية. أمّا أفضل عمليات التحول الديمقراطي
المتاحة أمام البلدان العربية، فهي ديمقراطية يسمّيها
«الديمقراطية الميثاقية»، وهذه ديمقراطية تتحقق عبر
«سلوك طريق إجماعي قانوني نحو نظام ديمقراطي،
على نحو مؤقت أو دائم، وبخاصة حين يكون هناك
فراغ مؤسساتي وبنيوي»، كما هي الحال في معظم
البلدان العربية. عزمي بشارة، من جهته، سبق صدّيقي في نقد التوظيف
العربي لموجة الدمقرطة الثالثة، وذهب إلى القول
إنه لا فائدة تُرتجى من المناقشة النظرية للسؤال الذي
يقول: لماذا لم تنشأ الديمقراطية في الشرق الأوسط؟
والسبب أن «نشوء الحالة الديمقراطية في تاريخ العالم
لم يكن القاعدة، بل الاستثناء». وإذا كان نشوء
الديمقراطية في أوروبا استثناء، فإنه لا يصحّ أن
تحتكم القاعدة (عدم الديمقراطية) إلى هذا الاستثناء
(الديمقراطية). لكن ما دام هذا الاستثناء قد اكتسب
قيمة النموذج والمعيار، فإن من حق الآخرين أن يسعوا
إلى تحقيقه. بيد أن المشكلة هي أن ثمة معوقّات فعلية
كثيرة تحول دون ذلك، وعزمي بشارة يكتفي بعرض
هذه المعوقات ومناقشة تفسيراتها، ولكنه يخلص من
هذا النقاش كله إلى القول إن «الدمقرطة غير ممكنة
دون إجراء مصالحة بين الدولة والأغلبية»، وهو
يقصد أغلبية المواطنين الأفراد، لا كما يفعل «الحكم
الدكتاتوري» في الدولة التسلطية حين «يشوّه مفاهيم
الأكثرية والأقلية في المجتمع، لتتحوّل إلى مفاهيم
الأكثرية والأقلية الطائفية، أي إلى مفاهيم تحدث في
البنى التقليدية»، وهو ما يتسبب في تراكم شعور
الحرمان السياسي لدى هذه الأغلبية أو تلك، الأمر
الذي يدمج النزعة الديمقراطية لديها بنزعة حكم
الأغلبية الطائفية أو الإثنية. وبهذه الطريقة تعيد الدولة
التسلطية إنتاج نفسها من جديد. ومع هذا، مازال ثمة
مهمة مستعجلة، وهي الحيلولة دون أن يتحوّل حكم
الأغلبية الطائفية أو الإثنية إلى تصفية حسابات دموية
مع الأقلية التي ستُعتبر مسؤولة عن القمع والاضطهاد
في حق الأغلبية إبان حكم الدولة التسلطية. أمّا الحل
الممكن الذي، كما يقول، أثبتت دراسات معاصرة
بشأن التحوّل إلى الديمقراطية أنه أهم محركات
الانتقال إلى الديمقراطية، فهو «الانشقاقات في أوساط
النخب الحاكمة، وانتصار تلك الأوساط من النخب
المقتنعة أن أفضل طريقة لتأمين مصالحها هي لَربَْلة
السلطة جزئيًا». وهذا يمكن أن يتحقق من خلال
«الديمقراطة التدريجية من أعلى، يرافقها اتفاق بين
النخب السياسية والاقتصادية والعسكرية على احترام
قواعد اللعبة الديمقراطية». ولا يوجد حل آخر
غير هذا يضمن عدم حدوث انفجار يُدخل الدولة
والمجتمع في صراع دموي مكلف وباهظ الثمن على
الجميع، دولةً ومجتمعًا بكل تكويناته الطائفية أو الإثنية،
أكثرية أو أقلية.
لقد لامست هذه التفسيرات كثيرًا أو قليالً من الحقيقة،
حقيقة التعثّر الديمقراطي أو العجز الديمقراطي أو
الاستعصاء الديمقراطي في المنطقة، إالّ أنها تكشف،
كذلك، أن الرهان على «المجتمع المدني» الذي انطلق
في الثمانينيات واشتدّ عوده مع مطلع التسعينيات،
وموجة التحوّل الديمقراطي الثالثة، قد تواضع
سقف طموحه وتطلعاته حتى انزلق سريعًا إلى مجرد
الاكتفاء بتفسير هذا التعثّر أو التعطّل أو العجز
أو الاستعصاء أو الاستثنائية في هذه المنطقة. لقد
شهدت حقبة الثمانينيات والتسعينيات فورة لافتة في
التنظيرات والتحليلات والأبحاث والاستقصاءات
والتنبوءات بمستقبل ديمقراطي زاهر ينتظر البلدان
العربية. وتحوّلت المنطقة إلى مختبر ضخم لعدد لا
يحصى من الندوات والمؤتمرات والمحاضرات وورش
العمل والمنح والبعثات والكتب والتقارير والمقالات،
وبرامج لمشاريع ومراكز الأبحاث ومؤسسات
المجتمع المدني التي راهنت كلها على دور المجتمع
المدني في التحوّل الديمقراطي في العالم العربي. إالّ
أن هذا الرهان كله بدا كما لو أنه ذهب أدراج الرياح،
وكأن كل الحيوية التي كانت تضج بالنشاط والأمل
لم تكن سوى صرخة، صحيح أنها كانت نابعة من
الأعماق، لكنها بقيت صرخة في وادٍ. وهكذا بدأ
الكثيرون يشعرون في العقد الأول من القرن الحادي
والعشرين بأن أزمات الدولة العربية على قدر عالٍ
من الضخامة والتعقيد بحيث جعلها عصية على
الحل. وجعل هذا الاستعصاء المنطقة برمّتها تعاني
«عجزًا ديمقراطيًا» متمكّنًا ومحريًّا حقًا. ووفق تحليل
إبراهيم البدوي وسمير المقدسي، فإن تفسير «العجز
الديمقراطي في الوطن العربي» يكمن في وجود
«النفط والصراعات» في هذه المنطقة؛ فهذان «هما
العاملان الأساسيان لتواصل العجز الديمقراطي
في الوطن العربي»، وهما السبب في فشل العالم
العربي فشالً مزمنًا في اللحاق ببقية العالم وفي ركوب
موجة الديمقراطية. بل إنه تراجع وتخلّف أكثر من
ذي قبل، حتى تعاظمت الفجوة والمسافة بين العالم
العربي وبقية مناطق العالم منذ أوائل التسعينيات،
وتوسّع التحكم التسلطي بصورة مثيرة، و«ازدهرت
النظم الاستبدادية العربية، بحيث إن تقرير التنمية
البشرية العربية لاحظ وجود فجوة ضخمة بين
البلدان العربية والمناطق الأخرى من ناحية المشاركة
في الحكم (...)، الأمر الذي يوحي بوجود شيء ما
فريد في عملية الدمقرطة في الوطن العربي». أمّا
هذا الشيء الفريد الذي يشير إليه الباحثان، فإنه لا
يكمن في أن هذه المنطقة لم تلحق ببقية مناطق العالم
ضمن موجة التحوّل الديمقراطي فحسب، بل في
حقيقة مؤلمة أخرى هي أن هذه البلدان «تخلّفت
[حتى] عن بقية العالم النامي بحيث يمكن القول،
تقريبًا، أنها لم تحقق أي تقدّم»، بل الأصح أن
نقول إنها كانت تتقدّم إلى الخلف! هذا ما يفصّل فيه
الباحثان بلغة الأرقام والمؤشرات، وهذا ما تكشفه
تقييمات التقارير الدولية المعنية برصد مستوى الحالة
الديمقراطية في بلدان العالم، بالاعتماد على مؤشرات
حقوق الإنسان والحكم الرشيد والشفافية والمساءلة
والمشاركة وحكم القانون...إلخ
«العجز الديمقراطي» هو مصطلح رديف
ل«الاستعصاء الديمقراطي»، وهو استعصاء مزمن
ولا سبيل إلى الخلاص منه، بدليل أنه «على رغم
التحولات العالمية، الإقليمية والداخلية، لم يحرّك
الوطن العربي ساكنًا، ولو خطوة ذات معنى نحو
الديمقراطية، وهذا على الرغم من تحوّل حوالي أربعين
دولة في العالم إلى أنظمة ديمقراطية منذ نهاية الحرب
الباردة. ومازالت الدولة التسلطية تعمل من خلال
أجهزتها القمعية على صيانة الإذعان الاجتماعي»
في هذه المنطقة من العالم. وما يسمّيه عبد النور بن
عنتر «الاستعصاء الديمقراطي» يسمّيه باقر النجار
«الديمقراطية العصيّة» في البلدان العربية، والخليجية
على نحو أخص. وتتجىلّ هذه «الديمقراطية العصيّة»
لا في تعطيل «إمكانية إحداث تغييرات وإصلاحات
سياسية واقتصادية أساسية في المنطقة العربية»،
ولا في دفع «الأمور نحو تعميق الفجوة بين الدولة
والنخب السياسية من ناحية، والمجتمع من ناحية
أخرى» فحسب، بل إنها تتجىلّ، كذلك، في إطاحة
أي إمكانية لنشوء مجتمع مدني قوي ومؤثّر وسليم
ومعافى، وفي «عجز الأنظمة السياسية العربية عن
تحقيق الديمقراطية والإصلاح السياسي والإداري
في مجتمعاتها». ويرجِع باقر النجار هذا العجز إلى
«طبيعة الدولة العربية وهيمنتها المطلقة على المجتمع
والحكم على السواء، بالإضافة إلى طبيعة علاقاتها
التحالفية عمومًا مع الولايات المتحدة الأمريكية
والدول الغربية ». هذا يعني ان الديمقراطية
ستبقى عصية في هذه البلدان ما دامت طبيعة الدولة
العربية هي هي، لم يطرأ عليها أي تغيير حقيقي، وما
دامت العلاقات التحالفية مع الدول الغربية باقية على
حالها، وما دام المجتمع المدني ضعيفًا وتابعًا وعديم
الفعالية. وفي ظل هذه الظروف، ربما «تطول» هذه
الحالة من الاستعصاء الديمقراطي «بحيث لا يمكن
التنبؤ بمتى يمكن أن تحدث ‹المعجزة›» التي تجعل
هذا التحوّل الديمقراطي ممكنًا في هذه المنطقة، وهو
ما يدفع إلى الاعتقاد بأن أقصى ما يمكن التطلع إليه
هو ديمقراطيات شكلية وما يفرغ الديمقراطية من
مضامينها الجوهرية الأساسية. إننا أمام خيبة أمل وحالة من التململ بلغت
حدّها الأقصى، وهو تململ دفع كثيرًا من المتفائلين،
من باحثين وناشطين ومراكز أبحاث ومؤسسات
مجتمع مدني، إلى الوقوع في قبضة الإحساس
بالإحباط واليأس والقنوط. وربما يكون مصدر
هذا الإحساس، كما يكتب عمرو حمزاوي في أوج
ما يسمّى «الربيع العربي»، كامنًا في «القصور المعرفي
والمفاهيمي لأجنداتها البحثية الكبرى [أي أجندة
مراكز الأبحاث والمؤسسات] التي وجّهت منذ
التسعينات جل الطاقة البشرية والتمويلية لدراسة
قضايا الديمقراطية، والحكم الرشيد، وحقوق
الإنسان/ الحريات الأساسية. وانتهت إلى التشديد
البسيط على تعثّر الأولى، ونواقص الثاني، واستمرار
غياب الأخيرة». لكن ينبغي أالّ نغفل أن المصدر
الأساسي لهذا التململ واليأس إنما يكمن في معطيات
الواقع العربي التي كانت في تدهور متواصل حتى
بلغت نقطة حرجة بدءًا من العام 2008. ويكفي
أن يتصفّح القارئ مسلسل التقارير السنوية التي
يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت
حتى يصل إلى اقتناع بأن «حال الأمّة العربية» بلغت
نقطة حرجة، بل خطرة، وتهدد بالانفجار. وقد كان
الإحساس بخطورة الوضع باديًا حتى في عنوان
تقرير «حال الأمّة العربية» لعام 2009/2008،
الذي جاء تحت هذا العنوان الصادم: «أمّة في خطر».
وكشف التقرير الكثير من التهديدات التي واجهت
الأمة العربية في هذه الفترة، كما كشف أن التطور
الديمقراطي – وهذا بالمناسبة استخدام عديم المعنى
إن لم يكن متناقضًا لمفردة «تطور»! – لم يكتف بانعدام
النقلات النوعية تجاه تعزيز الديمقراطية في بلدان هذه
المنطقة، «بل شهد على العكس عددًا من الانتكاسات
في هذا الصدد تمثّلت بانضمام دولة عربية أخرى إلى
شريحة الدول التي لا تقيّد دساتيرها مدة إبقاء رأس
الدولة في الحكم (الجزائر)، واستمرار عدم الاستقرار
في العلاقة بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية
(الكويت)، والإخفاق في تنظيم الانتخابات
التشريعية في موعدها (اليمن)، غير أن المثال الأكثر
فداحة لانتكاسة التطور الديمقراطي تمثّل في
الانقلاب العسكري الذي شهدته موريتانيا في سنة
»2008. ولم تتحسّن حال الأمّة العربية، بحسب
تقرير العام اللاحق 2010/2009، بل استمرت
الانتكاسة والتدهور العام على أكثر من صعيد، حتى
جاء التقرير كما لو أنه يُشهر أمام هذه الأمّة إنذاره
الأخير: «النهضة أو السقوط» ولاخيار ثالث
غيرهما! لم يذهب هذا الإنذار الأخير مع الريح؛ فسرعان
ما انفجرت انتفاضات «الربيع العربي» في هذا الجو
المسموم باليأس والإحساس العام بالخطر والتحلل
والسقوط، وكأن «الربيع العربي» كان الردّ المباشر على
إنذار التقرير الأخير: النهضة أو السقوط.
الهوامش
1 Nawaf Salam, Civil Society in the Arab World: The Historical and Political Dimensions , Occasional Publications; 3 (Cambridge, MA: Islamic Legal Studies Program, 2002), p. 1. 2 Martin Kramer, Ivory Towers on Sand: The Failure of Middle Eastern Studies in America (Washington, DC: Washington Institute for Near East Policy, 2001), p. 120. 3 Martin Kramer, Ivory Towers on Sand: The Failure of Middle Eastern Studies in America (Washington, DC: Washington Institute for Near East Policy, 2001), p. 120.
كتاب مارتن كريمر عبارة عن اتهام مباشر لمراكز دراسات الشرق
الأوسط في أميركا. ومن المجالات التي شملها كريمر بهجومه
اهتمام هذه المراكز بالمجتمع المدني في البلدان العربية. وخلاصة
اتهامه أن حماسة هؤلاء لانتصار المجتمع المدني والتحوّل
الديمقراطي في هذه البلدان لا ترجع إلى كون هذا الانتصار
سيقدم الحل لمشكلات الشرق الأوسط، وهو الحل الذي انتظر
مواطنوه طويالً والمتمثّل في جنة الحريات الشخصية والسياسية
والمساواة، بل ترجع إلى حاجة هؤلاء الباحثين إلى فرص عمل
بحثية في مراكز أميركية مرموقة، بدليل أن مشروع «المجتمع
المدني» فشل في جلب الديمقراطية إلى البلدان العربية، إالّ أنه
نجح في توفير الفرص لكثير من الباحثين الذين استفادوا من المنح
والبعثات والرحلات بين هذه البلدان، والظهور أمامها بمظهر
العلماء المتخصصين وذوي المكانة. انظر: المصدر المذكور، ص 4 انظر في هذا الشأن: صاجو، ص.25-24
5 عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية (مع اشارة
للمجتمع المدني العربي)، ط 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة
العربية، 2000)، ص 7. صدرت الطبعة الأولى من الكتاب في
كانون الثاني/ يناير.1998
6 المصدر نفسه، ص.7
7 المصدر نفسه، ص 19. تذهب ساره كندزيور، في مقالة لها
بعنوان «توقّفوا عن الحديث عن المجتمع المدني»، إلى رأي قريب
ممّا ذهب إليه عزمي بشارة هنا، إالّ أنها تركّز على حالة بلدان آسيا
الوسطى (أوزبكستان وقرغيزستان...إلخ)، وهي بلدان تسلطيّة
تستفيد من الحديث عن «المجتمع المدني» بقصد الادّعاء والتظاهر
أمام العالم بوجود ديمقراطية في هذه البلدان. كما تنتقد كندزيور
الرهان على «المجتمع المدني» كما لو أنه عصا سحرية ستتمكن من
تحقيق الديمقراطية في الدول التسلطية، وتذهب إلى القول إن
«المجتمع المدني ليس هو الحل» في هذه البلدان، بل قد يستخدم
ضد الديمقراطية وبقصد الإلهاء والتغطية على المشكلات الخطرة
Sarah Kendzior, “Stop Talking:التي يواجهها المواطنون. انظر About Civil Society,” Foreign Policy, 3/12/2012), on the http://www.foreignpolicy.com/articles/2012/12/03/.stop_talking_about_civil_society
8 بشارة، ص.10
9 المصدر نفسه، ص.10
10 المصدر نفسه، ص.265
11 المصدر نفسه، ص.17
12 المصدر نفسه، ص.271
13 سعد الدين إبراهيم، المجتمع المدني والتحول
الديمقراطي في الوطن العربي (القاهرة: دار قباء للطباعة
والنشر والتوزيع، 2000)، ص.168
14 المصدر نفسه، ص.170
15 انظر: المصدر نفسه، ص 142، 166-164، 174
و.184
16 انظر: Kramer, p. 68.
17 المصدر نفسه، ص.69
18 المصدر نفسه، ص.70
19 المصدر نفسه، ص.77
20 Sean L. Yom, “Civil Society and Democratization in the Arab World,” Middle East Review of International Affairs , vol. 9, no. 4 (December 2005), p. 14.
21 المصدر نفسه، ص.14
22 المصدر نفسه، ص.25
Eva Bellin, «The Robustness of Authoritarianism 23 انظر:
in the Middle East: Exceptionalism in Comparative Perspective,» Comparative Politics, vol. 36, no. 2 (January 2004), p. 143.
24 المصدر نفسه، ص.143
25 المصدر نفسه، ص.139
26 تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002: خلق الفرص
للأجيال القادمة (نيويورك: برنامج الامم المتحدة الانمائي،
2002)، ص.15
27 انظر مناقشة هذه الآراء وتفنيدها في: بشارة، ص 28 سعد الدين إبراهيم: المجتمع المدني والتحول
الديمقراطي، ص 66، والخروج من زقاق التاريخ: دروس
الفتنة الكبرى في الخليج (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر
والتوزيع، 2000)، ص.180
29 المصدران نفسهما، ص 67 و 182 على التوالي.
0 3 إبراهيم، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي، ص
13 الطاهر لبيب، «هل الديمقراطية مطلب اجتماعي؟: علاقة
المشروع الديمقراطي بالمجتمع المدني العربي،» في: سعيد بنسعيد
العلوي [وآخرون]، المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في
تحقيق الديمقراطية: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها
مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة
العربية، 1992)، ص.345
2 3 وجيه كوثراني، «المجتمع المدني والدولة في التاريخ
العربي،» في: العلوي [وآخرون]، ص.121
33 المصدر نفسه، ص.130
web:
4 3 المصدر نفسه، ص.131
5 3 المصدر نفسه، ص.131
6 3 محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته
وتجلياته، نقد العقل العربي؛ 4، ط 4 (بيروت: مركز دراسات
الوحدة العربية، 2000)، ص.364
73 أحدث القراءات التي تستلهم أطروحة الجابري هي قراءة
يوسف خليفة اليوسف المكرّسة لتفسير حالة الفشل الديمقراطي
في منطقة الخليج، إذ يذهب الباحث إلى أن أسباب فشل
الديمقراطية، ومن ثمة التنمية والأمن، في دول مجلس التعاون،
ترجع إلى “ وقوع هذه المنطقة في مثلث مفرغ، أضلاعه هي النظم
السياسية الوراثية التي تمتلك ثروة نفطية هائلة، وتفتقد الرقابة
المجتمعية، وتعتمد على القوى الأجنبية ”. ويتطلب الخروج
من هذا المثلث تصحيح مسار هذه البلدان من خلال “ استبدال
أضلاع المثلث الحالية بثلاثة أضلاع أخرى، حيث يتم استبدال
النظم الوراثية الحالية بنظم فيها حرية ومشاركة ومساواة،
واستبدال الاعتماد على النفط ببناء إنسان منتج، واستبدال
الوجود الأجنبي بتكامل إقليمي وتصالح مع المحيطين العربي
والإسلامي ”. انظر: يوسف خليفة اليوسف، مجلس التعاون في
مثلث الوراثة والنفط والقوى الأجنبية (بيروت: مركز دراسات
الوحدة العربية، 2011)، ص.11
8 3 الجابري، العقل السياسي العربي، ص 3.73
93 انظر: المصدر نفسه، ص.374
40 محمد عابد الجابري، « الديمقراطية وحقوق الإنسان،»
كتاب في جريدة (بيروت)، العدد 95 (تموز/ يوليو
2006)، ص.6
41 المصدر نفسه، ص.6
42 المصدر نفسه، ص.6
43 المصدر نفسه، ص.7
44 المصدر نفسه، ص.9
45 خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية في المشرق
العربي المعاصر: دراسة بنائية مقارنة، ط 2 (بيروت: مركز
دراسات الوحدة العربية، 1996)، ص.335
46 المصدر نفسه، ص.173
47 المصدر نفسه، ص.174
48 المصدر نفسه، ص.342
49 المصدر نفسه، ص.343
50 المصدر نفسه، ص.344
51 المصدر نفسه، ص.346
52 العربي صدّيقي، إعادة التفكير في الدمقرطة العربية:
انتخابات بدون ديمقراطية، ترجمة محمد شيا (بيروت: مركز
دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص.19
53 المصدر نفسه، ص 14 و.58
54 المصدر نفسه، ص.16
55 بشارة، ص.280
56 المصدر نفسه، ص.316
57 المصدر نفسه، ص.316
58 المصدر نفسه، ص.288
59 المصدر نفسه، ص.316
60 إبراهيم البدوي وسمير المقدسي، تحرير، تفسير العجز
الديمقراطي في الوطن العربي، ترجمة حسن عبد الله بدر،
وقفية جاسم القطامي للديمقراطية وحقوق الانسان
(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011)، ص.23 61 المصدر نفسه، ص.80 62 المصدر نفسه، ص.84 63 عبد النور بن عنتر، «إشكالية الاستعصاء الديمقراطي في الوطن العربي،» في: ابتسام الكتبي [وآخرون]، الديمقراطية والتنمية الديمقراطية في الوطن العربي، سلسلة كتب المستقبل العربي؛ 03 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004)، ص 51. ولا يجد هذا الباحث من تفسير لهذا الاستعصاء إالّ بالعودة إلى ابن خلدون وحديثه عن الطباع المتمكنة في نفوس الحكام العرب والتي تجعلهم يمسكون بالسلطة إلى آخر رمق في حياتهم، ولا يتنازلون عن الحكم حتى لو أدى ذلك إلى انهيار الدولة والمجتمع معًا أو إلى زوال العمران كما يسمّيه ابن خلدون. انظر: المصدر
المذكور، ص.58 64 باقر سلمان النجار، الديمقراطية العصية في الخليج العربي (بيروت: دار الساقي، 2008)، ص.11 65 المصدر نفسه، ص 3.0 66 المصدر نفسه، ص.11-10 68 أحمد ابراهيم محمود [وآخرون]، حال الأمة العربية، 2009-2008: أمة في خطر، تحرير أحمد يوسف أحمد ونيفين مسعد (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص.14 69 أحمد ابراهيم محمود [وآخرون]، حال الأمة العربية، 2010-2009: النهضة أو السقوط، تحرير أحمد يوسف أحمد ونيفين مسعد (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010). والتقرير يرصد الكثير من الانتكاسات على مستوى التطور الديمقراطي، بدءًا من احتدام الجدل حول التوريث حتى انتشار العنف الديني، ثم يخلص إلى صورة لا تخلو من إحباط بالقول إن «تجربة عقدين كاملين من التغير في الوطن العربي أثبتت أن الديمقراطية لا تنمو إن لم يتعهدها ديمقراطيون بالرعاية، ومن ثم لا غنى عن التربية على الديمقراطية»، انظر: المصدر المذكور، ص.14