السينما باعتبارها موضوعًا فلسفيًا
Cinema as a Philosophical Subject
الملخّص
ثمة زوايا ثلاث للنظر في شأن العلاقة بين الفلسفة والسينما: التمثّل الفلسفي للسينما، بمعنى التأسيس على السينما بوصفها مجالا قادرًا على إنتاج الأفكار والمفاهيم وأثرًا فنيًا ذا موقع ومفعول في الثقافة المعاصرة؛ تأمّل السينما ذاتها ومن خلال أدواتها وتقنيّاتها؛ السينما باعتبارها أداة للفلسفة أو باعتبارها تجربة فلسفية.على هذا الأساس، تعرض هذه الورقة الكتب والمؤلّفات ذات الطبيعة الفلسفية التي اتخذت من السينما موضوعًا لها، والفلاسفة الذين شغلتهم قصة الصورة السينمائية وأدرجوها في تأليفهم الفلسفي العام. وهي تتوقف عند اللحظات الفكرية والنقدية التي أطلقت مسار العلاقة بين الفلسفة والسينما وكانت لحظات «تأسيسية » لفلسفة السينما، خاصةً عند هنري برغسون وموريس ميرلو بونتي.
Abstract
The relationship between philosophy and cinema may be examined from three angles: the philosophical output of cinema, in that cinema is a field capable of producing ideas and concepts and having a significant aesthetic impact on contemporary culture; examining the aesthetics of cinema itself, its tools and techniques; viewing cinema as a tool for philosophy or as a philosophical experience. This paper thus discusses the books and publications in the field of philosophy that are devoted to cinema and the philosophers most concerned with the question of the cinematic image. It also focuses on the intellectual and critical moments that inaugurated the relationship between philosophy and cinema, especially in the works of authors such as Henri Bergson and Maurice Merleau-Ponty.
- السينما
- الفلسفة
- الصورة
- الثقافة المعاصرة
- المفاهيم
- Cinema
- Philosophical Subject
- The relationship
- Maurice Merleau-Ponty
- Henri Bergson
ثمة زوايا ثلاث للنظر في شأن العلاقة بين الفلسفة والسينما: التمثّل الفلسفي للسينما، بمعنى
التأسيس على السينما بوصفها مجاالً قادرًا على إنتاج الأفكار والمفاهيم وأثرًا فنيًا ذا موقع ومفعول
في الثقافة المعاصرة؛ تأمّل السينما ذاتها ومن خلال أدواتها وتقنيّاتها؛ السينما باعتبارها أداة للفلسفة
أو باعتبارها تجربة فلسفية. على هذا الأساس، تعرض هذه الورقة الكتب والمؤلّفات ذات الطبيعة الفلسفية التي اختّذت من
السينما موضوعًا لها، والفلاسفة الذين شغلتهم قصة الصورة السينمائية وأدرجوها في تأليفهم
الفلسفي العام. وهي تتوقف عند اللحظات الفكرية والنقدية التي أطلقت مسار العلاقة بين
الفلسفة والسينما وكانت لحظات «تأسيسية» لفلسفة السينما، خاصةً عند هنري برغسون
وموريس ميرلو بونتي.
مقدّمة
كيف انتقل «الفنّ السينمائي»، عند اكتشاف «السينماتوغراف» Cinématographe) (في أواخر القرن
التاسع عشر، من اعتباره مجاالً للترفيه والتسلية «الشعبية» إلى موضوع «جدّي» للتفكير والتأمل
والتحليل؟ وما هي أوجه اللقاء بين السينما بوصفها صناعة وفنّا، والفلسفة باعتبارها ميدانا للمعرفة
وإنتاج المفاهيم؟ لأوجه اللقاء بين السينما والفلسفة «اليوم» محطَّات واجتهادات ومدارس ومفاهيم. وفضالً عن المؤلفات
والأبحاث التي اهتمت بتاريخ السينما وتقنياتها وبمخرجيها، نجد كتبًا ومناظرات تتخذ من الفلسفة
والسينما موضوعا لها. لم ينتظر البحث في هذا الموضوع جيل دولوز حتى يتبنيّ للمهتمين أن السينمائي يفكر
في الموضوعات نفسها التي ينشغل بها الفيلسوف اعتمادا على أدوات تقنية ووسائطية مختلفة، على رأسها الصورة
السينمائية؛ فقد سبق دولوز من تحدث عن «جوهر السينما»، وعن «أنطولوجيا السينما»، ومن تناول هذا الفن من
زاوية سيكولوجية وسوسيولوجية، بل هناك من دافع عن «ميتافيزيقا السينما»... إلخ. هكذا، تبنيّ أن الفلاسفة
يتفاعلون مع السينما بطرقهم الخاصة؛ يتحدثون عن الأفلام التي يراها الآخرون، لكنهم يجدون فيها ما يستنفر
تفكيرهم ويحرك تأويلهم، باحثين عن الدلالات الأخلاقية والسياسية والميتافيزيقية التي تحمّلها صورة أو
متوالية أو شخصية أو مشهدا في هذا الفيلم أو ذاك. وقد غدت السينما تمتلك إغراء خاصًا من خلال قدرتها
على جذب المفكرين والفلاسفة وجعلها موضوعا للتفكير، بل إن هؤلاء عثروا في «العناصر السينمائية» على
التعبير الأجلْى لمفارقات الجوهر والمظهر والواقع والصورة. ومن ثم اقترحت السينما على الفلسفة إمكانات
كبيرة للاشتغال، بل وفرت شروط بعض «الاندفاعات» الفكرية بفضل كونها تختزن ما سامّها أندريه بازان قوة
«أنطولوجية» تحتاج إلى الفلسفة لإبراز مكوّناتها ودلالاتها وأبعادها. قد ينتبه بعضهم، أيضًا، إلى وجود قاسم مشترك آخر بين الفلسفة والسينما، يتمثّل في المحبة. الفلسفة هي محبة
الحكمة، والسينما تنتج، حتامً، محبّيها. لقاء هذين النمطين من النزوع الفكري والوجودي، والتشابك الذي
يحصل بينهما، أنتجت تجارب فكرية وجمالية في غاية العمق والأهمية، أكان من جانب الفلاسفة الذين اشتغلوا
على السينما، أم من جانب السينمائيين الذين تأثروا بالفلاسفة. هكذا، نجد ما يمكن نعته ب «التمثّل الفلسفي للسينما»، أتأسس هذا التمثّل على قضايا أم على أطروحات
تتساءل عن السينما بوصفها مجاالً قادرا على إنتاج الأفكار والمفاهيم، وهو ما يفترض تجاوز النظر إلى السينما
كوسيلة ترفيه، أو كمكوّن مهم من «مجتمع الفرجة»، والتعامل معها كأثر فني ذي موقع ومفعول في الثقافة
المعاصرة. كما يلتقي المرء مع توجّه آخر يقضي بضرورة الانتباه إلى الطرق التي تنحتها السينما بذاتها، أي إن
الأمر يتعلق بتساؤل داخلي للسينما بواسطة تقنياتها التي لا تكفُّ عن تجديدها، وبالكيفيات المختلفة التي يتم
بها إنتاج «الفيلم». من «السينماتوغراف» إلى التقنيات الرقمية مسار طويل شهدته السينما في تأطير الأجساد والأمكنة والأزمنة
واللغات، وهو ما تطلّب من منتجيها، كل مرة، مساءلة أدواتهم وتقنياتهم، وتحولات المعاني التي تولّدها هذه
التقنيات. هناك، أيضًا، زاوية أخرى للنظر إلى علاقة السينما بالفلسفة تتلخص في التعامل مع السينما باعتبارها
تجربة فلسفية تثير أسئلة من قبيل: كيف نفكر في السينما؟ وإلى أي حد يمكن التفكير معها؟ وما هي مسوغات
القول بإمكان التفكير سينمائيًا ما دامت السينما وسيطًا أو شكالً فنيًا يمتلك جميع المؤهلات التقنية والفكرية لخلق
عوالم وإنتاج حقائق؟ لهذا السبب اعتبر دولوز، كما سنرى ذلك بتفصيل أوفر، أن السينما تملك قدرة إبداعية
تركن فيها إلى الحركة والزمان، وإلى التحفيز على التفكير. ولا يتعلق الأمر، هنا، بإجراء مقارنات بمختلف
المنظومات الفلسفية، أو اجتراح تصورات للعالم، وإنما بالنظر إلى السينما كأداة للفلسفة، الأمر الذي يستدعي
التفكير في السينما كتجربة فلسفية تمتلك مكانة، وتنْتج صورا ووقائع وشخوصا وعوالم بطرق مختلفة. إن «التمثّل الفلسفي للسينما»، وتأمل السينما ذاتها ومن خلال أدواتها، ثم السينما باعتبارها تجربة فلسفية، كل
ذلك زوايا ثلاث في النظر والبحث في شأن علاقة الفلسفة بالسينما. وداخل هذه الزوايا نعثر على كتابات
ومساهمات تنطلق منها لتفتح آفاقًا متجددة مادامت السينما تُعلّم كيفية النظر، ونستطيع بفضلها القبض على قوة
الصور ونكتشف وجوها وحركات ومشاعر وحكايات، كما متُكّننا من الإصغاء إلى لغات يتفاوت ضجيجها
وصمتها بحسب الحساسيات والرؤى والتوجهات، وذلك ما يجعلها فنّا وجوديًا بامتياز.
وقد جرى في السنوات الأخيرة إنتاج كتب ومؤلفات في موضوع «الفلسفة والسينما»، من بينها كتاب دومينيك
شاتو الذي عمل فيه على استعراض أهم التيارات والأفكار التي تندرج ضمن علاقة السينما والفلسفة،
وذلك إلى جانب كتب ذات طبيعة فلسفية اختّذت من السينما موضوعا لها، أو فلاسفة شغلتهم قصة الصورة
السينمائية وأدرجوها ضمن تأليفهم الفلسفي العام. وسنعمل بالتدريج على الإشارة إليها، في سياق التأريخ
للأفكار الفلسفية بشأن السينما. وعلى الرغم من التباعد الواضح الذي ميّز أغلب فلاسفة النصف الأول للقرن
العشرين والظاهرة السينمائية، باستثناء برغسون وموريس ميرلوبونتي، أو قلّة من السينمائيين الذين تصوّروا
إمكان معالجة نصوص فلسفية سينمائيًا، مثل روبرتو روسيليني، فإن سنوات السبعينيات والثمانينيات هي التي
شهدت اقتراب عدد من الفلاسفة من السينما أمثال ستانلي كافيل وجيل دولوز وجاك رانسيير وآخرين. غير أنه يصعب معالجة أطروحات هؤلاء الفلاسفة من دون العودة قبل ذلك إلى انفتاحات نظرية تأسيسية؛
فمفكرون ونقاد وسينمائيون، من أمثال جان ميتري، وإيزنشتين، وبازان، وكريستيان ميتز، وآخرين يشكّلون
لحظات فكرية مهدت، بكيفيات مختلفة، لولوج فلاسفة «محترفين» عالم السينما باعتبارها مجاالً إبداعيًا يحفز على
التفكير في قضايا فلسفية معروضة سينمائيًا، كما أنها تنتج فكرًا يحتاج إلى إعادة صوغ واستنباط ومناقشة. هل يمكن الحديث عن «سينما فلسفية»، أو عن «فكر فلسفي» يتخذ من السينما موضوعا له؟ وإلى أي مدى يجوز
القبول بقدرة السينما على التفلسف؟ هذه بعض الأسئلة التي نسعى إلى الاقتراب من بعض عناصر الجواب عنها، اعتمادا على نصوص ومساهمات
تعزز مشروعية هذه الأسئلة، وتُظهر إمكانات جعل التفكير في السينما تجربة فلسفية، أو جعل الفلسفة
انشغالا سينمائيًا.
انجذاب السينما الفلسفي
من سقراط (1970) وديكارت (1973) لروسيليني إلى ابن رشد (المصير، 1997) ليوسف شاهين، مرورا
بتجارب سينمائية وتلفزيونية أخرى تتعلق بفلاسفة في السينما، مثل الوثائقي الذي خصصه كلٌّ من ألكساندر
أستريك وميشال كونتا ل سارتر من خلال ذاته (1976)، يتأكد اهتمام السينمائيين المتواصل بوجوه بعض
الفلاسفة وشخصياتهم. وإذا كانت هذه العناوين مغامرات سينمائية في الفلسفة، فإن فيلم المصير لشاهين
استطاع بناء فيلم بقدر ما حاول إبراز عالم ابن رشد واختياراته «وعقلانيته» في الزمن الأندلسي، جاعالً منه
في الوقت نفسه مناسَبة للتبرم من النزعات الغارقة في التراث التي تحكم على الوجود والحياة باسم الشرع
والعقيدة، ولا تكف في الواقع عن تشويه أوجه الإسلام المشرقة، وكأن ابن رشد، هنا، وعلى الرغم من البناء
السيناريستي والسينمائي المُحكم للفيلم، مثّل عند يوسف شاهين فرصة أو ذريعة للتعبير عن تذمّره العميق
لما آلت إليه صورة الإنسان العربي في العالم، واستنكاره الواضح للاستغلال «الميكيافييلّ» للدِّين من طرف
1 Dominique Château, Cinéma et philosophie, Armand Colin cinéma ([Paris]: A. Colin, 2005); Juliette Cerf, Cinéma et philosophie, les petits cahiers ([Paris]: Cahiers du cinéma, 2009), et Jean-Louis Déotte, dir., Philosophie et cinema, esthétiques (Paris: L›Harmattan, 2011).
هناك أيضًا كتاب يبُرز، بطريقة بيداغوجية مبسطة، كيفية الصياغات السينمائية للفلسفة، انظر: , haute Cinéphilo Ollivier Pourriol,
tension ([Paris]: Hachette littératures, 2008).
2 استعرض دومينيك شاتو أهم المؤلفات التي أصدرها مؤلفون باللغة الإنكليزية، انظر: Château, p. 6.
بعض الجماعات الإسلامية الداعية إلى العنف. غير أن روسيليني الذي أنجز السلسلة عن سقراط وديكارت
وباسكال، وعلى الرغم من محاولته إظهار سقراط في سياق صراعه مع المجتمع الأثيني وإظهار ديكارت في إطار
بروز الحداثة، كما لاحظ ذلك رانسيير، «غ السيناريو الفلسفي إلى شخصية وجودية»، إذ عمل على عودة
الفيلسوف إلى ذاتيته وإلى درجة انخراطه في صراعات زمنه. ولعل أكثر المحاولات تمايزًا بمغامرة لم تصل إلى مداها هي تلك التي تمثّلت في قرار إيزنشتين كتابة نص فلسفي،
وهو كتاب رأس الماللكارل ماركس، في شكل فيلم. والمآل ذاته حدث لأستريك حين أطلق فكرة «الكاميرا -
القلم»، ليصوغ خطاب في المنهجلديكارت سينمائيًا. وكان يتصور من خلال هذه الفكرة العثور على أداة «تساعد
الفنان على التعبير عن جميع أنواع الأفكار، الملموسة والمجردة. أداة في منتهى المرونة وجديرة بمنافسة الكتابة».
إن أستريك باقتراحه فكرة «الكاميرا- القلم» كان يسعى إلى تحقيق هدفين اثنين بالنسبة إلى السينما الجديدة: الأول
هو أن تصبح السينما فنّا للواقع بشكل مباشر؛ والثانيهو أن توفّر هذه الكتابة للسينمائي إمكان قول «أنا»، كما
هو شأن الروائي أو الشاعر. هذه الفكرة عينها سيعمل بازان على إعادة صوغها بطريقة مغايرة، حين اعتبر أن
«المخرج يكتب مباشرة للسينما» بكيفية تجعل منه «مساويًا للروائي». ويعتبر شاتو أن هاتين المحاولتين – لإيزنشتين وأستريك - تطرحان، بقوة، مشكلة الشكل، إذ كيف يمكن أن
ترقى السينما إلى مستوى منافسة الكتاب؟ وما هي الطريقة المثلى لجعل النص الفلسفي أساسا للإبداع الفيلمي؟
جواب هذين السينمائيين يظهر من خلال اقتراح إيزنشتين «الانطلاق من الخطاب إلى التمثّل»... واقتراح
أستريك عكس ذلك، أي «الانطلاق من الواقع إلى التمثّل بواسطة الكتابة». وإلى جانب الشكل، هناك
مشكلة البنية السردية، إذ تُطرح بترجمة النص أو بتحويره إلى سرد أو حكي قضية أكبر تتمثّل في انعدام المطابقة
الدلالية للخطاب (النص) مع السرد السينمائي، مع ما يستلزمه من الخطاب الفلسفي من برهنة وصرامة بلاغية. هكذا، تبدو فرضية تحويل نص فلسفي إلى فيلم مستحيلة التحقيق، كما ظهر ذلك مع محاولتَي إيزنشتين وأستريك،
فضالً عن أن الأفلام التي تعطي الأولوية للكلام على حساب الصورة كثيرا ما تسقط في الثرثرة، كما هو شأن أعمال
جان ماري ستروب ودانيال هويلي في جميع أعمالهما، ومنها فيلم درس في التاريخ (1972). الأمر نفسه ينطبق
على بعض أفلام إيريك رومر، ومنها ليلتي عند مود (1969). والسؤال الذي يُطرح في هذا السياق هو كيف
يمكن للسينما، اعتمادا على عناصرها الفنية المعروفة وقواعدها، وعلى أهمية تزامن الصورة والصوت فيها، أن تكون
«ناطقة من دون أن تسقط في الثرثرة»؟ وهنا يواجه المرء مسألة أخرى أكثر عمقًا تتمثّل في معرفة ما إذا كانت
القصدية الفلسفية تعود إلى نوع من الفلسفة التطبيقية أم إلى تأمل فلسفي حقيقي، وهل يُعتبر الفيلم فلسفيًا من
خلال الموضوع الذي يعالج أم بناء على طريقة معالجته له؟ قد نستشهد داخل هذه الإشكالية بعدد لا بأس فيه من
3 Jacques Rancière, «Le Corps du philosophe: Les Films philosophiques de Rossellini,» dans: Jacques Rancière, Les Ecarts du cinema (Paris: La Fabrique éd., 2011). 4 Château, p. 14. 5 André Bazin, Qu’est ce que le cinéma?, 4 vols., 7e art (Paris: Editions du Cerf, 1958-1962), vol. 1: Ontologie et langage, p. 148. 6 Château, p. 15.
7 المصدر نفسه، ص.19
8 يعتبر الفيلسوف جان لوك نانسي أن أفلام عباس كيروستامي تقدم «تأمالً ميتافيزيقيًا» حقيقيًا بالوجود والمكان والإنسان، انظر: Jean-
Luc Nancy, L›Evidence du film: Abbas Kiarostami, suivi d›une conversation entre Abbas Kiarostami et Jean-Luc Nancy transcrite par Mojdeh Famili et Téresa Faucon et d›un cahier d›images choisies par Téresa Faucon, [trad. de] Mojdeh Famili et Téresa Faucon (Bruxelles: Y. Gevaert, 2001), p. 45.
السينمائيين، وعلى رأسهم إنغمار برغمان في بعض أفلامه؛ إذ على الرغم من غلبة المناخات السيكولوجية السوداوية
على طريقة كتابته السينمائية، فإن أفلامه تعالج، أو تطرح، أسئلة وجودية وفلسفية تدور حول الحب والحياة والموت. إزاء هذه المعادلة، يتمثّل السؤال الأساس في قدرة السينمائي على الجمع بين مطلبين اثنين: الأوليتجلىّ في التحكّم
في «عناصر التشكيل السينمائي» واحترام شروطها؛ والثانييتجلىّ في القدرة على معالجة موضوعات بالعمق
الضروري، من دون السقوط في الثرثرة، باعتبار أن العمق يفترض التبرّم من المعالجات الاعتيادية، والذهاب بعيدا
في التفكير إلى حدود إمكان إنتاج «مفاهيم»، كما يقول بذلك دولوز. ربما نجد قضايا مثارة داخل الأفلام، من
قبيل الحرية والماهية والشر والمظهر والمنفى، والهوية والآخر والشغف والاستلاب.. إلخ. كما أن من حق الفلسفة
الاشتغال على الأفلام التي تراها حاملة للقصدية الفلسفية، لكن شريطة أالّ تسقط في نوع من «الفلسفة التطبيقية»،
كما يقول شاتو، وأالّ يجري تغييب خصوصية «العناصر السينمائية»، من السيناريو إلى الإخراج. وهكذا، فإن «السينما
لا يمكنها بلوغ الاقتدار الفلسفي من دون التغلب على تحدي النمط الخطابي والاستقلال الإبستيمولوجي الذاتي
للفلسفة، لكننا نرتاب، أيضًا، في ما ستضيعه لما تتنازل عن كيانها أمام طريقة فلسفية ما، وحين يقتصر تمرير فكر ما
بُحث، بطريقة غير مناسبة، على ترجمته: ألا وهو استقلالها التعبيري الذاتي الخاص». إن الأمر لا يتعلق هنا بمعرفة إلى أي حد يحوز هذا السينمائي أو ذاك «اقتدارًا» ميتافيزيقيًا أو أنطولوجيًا أو
فلسفيًا، أو التسرع في ادعاء تقديم تأويل فلسفي للفيلم، وإنما بمحاولة تقويم مدى قدرة السينما على تضمّنها
حوامل فلسفية، وهل تختزن السينما مقومات خصوصية جديرة بتوفير مسوغات للفلسفة تسمح لها بالتجدد؟
وهل يمكن أن تكون السينما واسطة قادرة على تحمّل الأسئلة الفلسفية؟ أو هل تمتلك السينما خصائص يمكن
نعتها بأنها خصائص فلسفية؟ لا شك أن كلَّ سؤال من هذه الأسئلة يحتاج إلى معالجة خاصة، ويفتح أفقًا مميزًا لتعميق النظر في العلاقة بين
الفلسفة والسينما. إننا نجد فلاسفة قاربوا هذه الأسئلة، ومنهم كافيل الذي اعتبر أن للسينما، من حيث الوجود،
«وضعية فلسفية»، أو دولوز الذي يؤكد أن الآلة السينمائية تفكر فلسفيًا اعتمادًا على ذاتها، لكن بشكل مغاير
للفلسفة. بل إن هذا الفيلسوف يرى أن سينمائيًا مثل غودار هو من طراز السينمائيين الذين ينافسون المفكرين
الذين ينتجون أفكارهم بلغة سينمائية، ومن خلال الصور. مهما يكن من صعوبة الحديث عن «سينما فلسفية»، فإن ذلك لا يعني استبعاد قدرة السينما على التفكير أو على
إنتاج فكر يمكن نعته بالفلسفي، أو كما يقول غودار: «إن الفيلم هو الذي يفكر. وأنا لست مطالبًا بالتفكير. إنني
شاهد على هذا الفكر». ولعل أول من خصص كتابا حول فلسفة السينما في أواسط الأربعينيات من القرن الماضي هو جيلبير كوهين
سيت بعنوان: محاولة حول مبادئ فلسفة السينما؛ إذ شدّد على ضرورة التمييز بين «الواقعة الفيلمية» و«الواقعة
9 Château, p. 25.
10 يرى جان لوك غودار أن «الإخراج مثله مثل الفلسفة الحديثة، فلنقل مثل هوسرل، أوميرلوبونتي»؛ ومعلوم أن هذا المخرج الذي
يُعتبر من مؤسسي ما سمّي «الموجة الجديدة» في فرنسا، يتميّز بإنتاج مجموعة أعمال سينمائية يطغى عليها التساؤل والتفلسف؛ فهو يرى أن
ليس هناك الكلمات من جهة والفكر من جهة أخرى، أو الفكر والكلمات بعد ذلك. «حينما أقول إن الإخراج ليس لغة أريد القول إنه في
الوقت نفسه فكر». انظر: المصدر نفسه، ص 28.
11 مذكور في: المصدر نفسه، ص.30
12 Gilbert Cohen-Séat, Essai sur les principes d›une philosophie du cinema. I. Introduction générale, notions fondamentales et vocabulaire de filmologie, observation liminaire sur la filmologie par Raymond Bayer (Paris: Presses universitaires de France, 1946).
السينمائية». وقد شكّل هذا الكتاب انفتاحًا كبيرا في مجال دراسة الظاهرة السينمائية وفهمها؛ ف «الواقعة الفيلمية »
عنده «تتمثل في التعبير عن الحياة والعالم والمخيلة، أو التعبير عن الكائنات والأشياء اعتمادا على نسق محدد من
الصور المتناسقة والمترابطة». وأمّا «الواقعة السينمائية»، فهي «التي تضع تحت تصرف مجموعات بشرية مجموعة
من الوثائق، والأحاسيس، والأفكار، والعواطف، والمواد التي تمنحها الحياة وتصاغ في أشكال وطرق خاصة
بواسطة الفيلم». ويظهر من هذين التعريفين أن التمييز بين الواقعتين ليس سوى تمييز «تجريدي»، بحكم
أنه، بحسب سيت، لا يمكن تصور هاتين الواقعتين إالّ مجتمعتين في أثناء الفرجة، بل إن اجتماعهما هو ما يشكّل
السينما في الواقع. وقد رسم هذا المؤلف مدخالً للانخراط في حركية واسعة من التفكير في الظاهرة السينمائية، ليس فقط من الزاوية
الفلسفية بل أيضًا من زاوية مقاربات سيكولوجية واجتماعية وسيميولوجية وجمالية. أصبح الفيلم موضوعا
متعدد الأبعاد يفترض مقاربات متعددة الاهتمامات؛ فعلم النفس يهتم بوظائف الإدراك والعاطفة والذاكرة،
ويركز علم الاجتماع على تأثيرات الواقعة السينمائية في الجمهور ومختلف تعبيرات التمثلّات الاجتماعية، وينصبّ
اهتمام السيمولوجيا على بنية السرد واللغة السينمائية ورهانات الدلالة، كما تنشغل الجماليات بمعايير الحكم
والذوق... إلخ. أطلقت كتابات سيت حركية فكرية ونقدية تجلّت في بلورة حقل بحثي أُطلق عليه مصطلح
«الفيلمولوجيا» Filmologie) (، وبدأ يتكوّن بالتدريج إلى أن امتد، شيئًا فشيئًا، إلى المعاهد والجامعات. وجرى
إخضاع التمييز الذي أطلقه بين «الواقعة الفيلمية» و«الواقعة السينمائية» للدراسة والنقد من منطلقات ومناهج
بحث مختلفة. ولأننا سنتوقف عند اللحظات الفكرية والنقدية «التأسيسية» لفلسفة السينما، فلا بأس في استحضار مواقف
وأفكار بعض المثقفين البارزين الذين أثّروا، بكيفيات مختلفة، في الحقل الفكري الأوروبي، وبشكل أخص في
الظاهرة السينمائية؛ فحين تحدّث بول فاليري عن السينما، تميّز حديثه كثيرًا بنوع من «الغموض»، كما يلاحظ
شاتو. كما أن ذلك الحديث كثيرا ما يأتي في سياق تناوله للجمال وللفنون الجميلة؛ إذ إن مسألة «الحساسية» عند
فاليري أساسية. وبدل استعمال الجماليات Esthétique()، يميل أكثر إلى لفظة الجماليات الحسية Esthésique()؛
فهو يميز بين نظرية الفعل ونظرية الإحساس، وانطلاقًا من هذا التمييز يقيس الحداثة وتداعياتها على الحياة
اليومية وعلى الفن. فالتحولات التي تطرأ على المجالات المؤسسية والاقتصادية والوسائطية تؤثر، لا محالة، في
الفنون، وتخلق وسائل غير مسبوقة، وعلى رأسها الفوتوغرافيا والسينما، للتأثير في الحساسية. وعلى الرغم من
أن فاليري يتأرجح بين موقفين، سلبي وإيجابي، من هذه الاختراعات التقنية ونوعية مفاعيلها على حياة الناس
وذوقهم، فإنه، مع ذلك، يبلور وعيًا حادًّا بمدى قدرة هذه التقنيات الحديثة على خلخلة الممارسة الفنية، وطرق
استقبال الفن نفسها، متخيالًالوصول إلى تقنيات ستتمكن من بثّ «صور بصرية وسمعية» منفلتة وتوزيعها كما
يوزَّع الماء والغاز والكهرباء بين البيوت. وتساءل: «هل سبق لفيلسوف ما أن حلم، في يوم من الأيام، بشركة
لتوزيع الواقع الحسي في المنازل؟». قد يبدو على رؤية فاليري نوع من النبوءة بما صارت إليه تقنيات توزيع الصور وأنماطه. لكنه بقي موزّعا
بخصوص رأيه في السينما، فضالً عن أنه حين يذكرها فإنه يقوم بذلك في إطار انشغاله شبه الوجودي بمسألة
الأدب والفن الذي بقي رهن نوع من التبنّي «الكلاسيكي» للثقافة.
13 المصدر نفسه، ص.54
14 Château, p. 43.
15 المصدر نفسه، ص.44
أمّا فالتر بنيامين، الفيلسوف الألماني المتشبّع بمرجعيات «النظرية النقدية»، فإن موقفه من السينما لا يقل
التباسا من موقف فاليري؛ ذلك أنه في سياق تداعيات تطور تقنيات الإنتاج والتوزيع على الفن، يعتبر أنه
يتعنيّ انتظار تراجع الفهم التقليدي للفن، لكنه يرى في الوقت نفسه أن توسّع الثقافة الجماهيرية سيفرز
نشوء قيم جديدة تستفيد منها السينما بالدرجة الأولى. وهكذا، فإن الوسائل التقنية الجديدة، عنده، يمكن أن
تخدم إعادة إنتاج الأعمال الفنية التقليدية في الوقت الذي يمكن استخدامها كأنماط جديدة للتمثّل وكأشكال
أصيلة للفن. ولعل المشكلة الكبرى التي شغلت بنيامين تتمثّل في تأثيرات «إعادة الإنتاج» في قيمة الفن، بفقدانه هالته
الضرورية وتأثيره في جماهير المستهلكين الواسعة. من هنا شكّه الكبير في «القيمة الفنية للإنتاجات التي تتخذ
من إعادة الإنتاج مبدأ إنتاجيًا». ينطبق هذا الأمر على الرسم والفوتوغرافيا، وعلى السينما بالخصوص،
لأن «تقنية إعادة إنتاج الفيلم ليست مجرد شرط خارجي يساعد على البث الواسع، وإنما تؤسس تقنية إنتاجه،
مباشرة، لتقنية إعادة إنتاجه». وهكذا توقّع بنيامين أن تحلّ السينما محلّ التراث، ويتعنيّ على عباقرة الفنّ
أن يصبحوا سينمائيين وليس كتابًا أو رسامين أو موسيقيين. ذلك لأن الأساطير والأبطال عليهم أن يظهروا،
من الآن فصاعدا، في الأفلام، وليس في اللوحات والنصوص والمقطوعات الموسيقية. فهو يقابل السينما الفنية
والسينما الجماهيرية، ويختار الثانية بلا تردد لسبب أساس هو أنها تتشكل نتيجة تفاعل بين آلياتها الخصوصية
والجمهور الذي يستهلك منتوجاتها. والتالي، أنه يحصل، في نظره، نوع من التراجع لوهج aura() الفن جرّاء
التقنية السينمائية. هكذا، يتعامل بنيامين مع السينما انطلاقًا من أبعادها «الميكانيكية» كوساطة أكثر ممّا ينظر إليها
كممارسة فنية ذات قدرات غير محدودة على تأطير الأجساد وتسجيل الأمكنة وبناء الأزمنة. ليست السينما وسيلة
كاشفة بفضل تقنيتها فقط، ذلك أنه إذا كان ما تنتجه يلتقي، بشكل وثيق، مع موقف الفرجة الإنساني الذي
تتطلبه، فإن هذا الموقف يشكّل مكونًا للثقافة الجماهيرية التي تحدد الحداثة، باعتبار أن الجماهير هي «أساس
المواقف الجديدة إزاء الأثر الفني». ومن أجل الدفاع عن هذا الرأي، يستبعد بنيامين الشكوى القديمة التي
تقضي بالقول إن الجماهير تبحث عن الترفيه، في حين أن الفن يستلزم التمعّن. المهم هو أن نصل إلى فهم مدى
عمل هذا الشكل الجديد للفن على تغيير مفهوم الفن نفسه، لجهة أنه كسر كل أنواع المسافة إزاء العمل الفني،
وحوّل الفن إلى ترفيه. يندرج موقف بنيامين في إطار التوجهات الكبرى التي أنتجتها مدرسة فرانكفورت، أو النظرية النقدية بشأن
الفن والثقافة في علاقتها بالتحولات التقنية. وتعتبر أن تقنيات الإنتاج الفني الحديثة تخضع للإكراهات
الاقتصادية للرأسمالية، ولإرادة الاستخدام والاستغلال التي يكون المستهلك موضوعها وضحيتها من خلال
تعميم وسائل الترفيه، وتحويل الفن إلى أداة استلاب، والتقنية إلى آلة لحرف الفن عن طبيعته الإبداعية. حتى لو بدا أن من الصعب إدراج موقف كلٍّ من فاليري وبنيامين في عداد المفكرين الذين أمعنوا النظر في العلاقة
بين السينما والفلسفة، فإن استعراضهما، بشكل مقتضب، يبنيّ لنا أسلوبًا آخر في مقاربة الظاهرة السينمائية:
فاليري رأى في السينما «تهديدًا» للحساسية الجمالية ولتقاليد الذوق، وبنيامين وجد فيها انتقاصًا لوهج الفن
بسبب تقنيات إعادة الإنتاج واستهداف الجماهير والبحث عن الترفيه.
16 المصدر نفسه، ص.47
17 ذكر في: المصدر نفسه، ص.47
18 لمزيد من التفصيل انظر: محمد نور الدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة: نموذج هابرماس، ط 2 (بيروت؛ الدار
البيضاء، إفريقيا الشرق، 1998)، الفصل.1
غير أن التدشين الفعلي للتأمل الفلسفي بشأن السينما سيقوم به الفيلسوف هنري برغسون، متميّزًا من عدد من
مجايليه من الفلاسفة بمساءلة الظاهرة السينمائية باعتبارها موضوعًا للتفلسف لا مجرد تقنية أو وساطة. كما أن
موريس ميرلوبونتي انجذب إلى السينما بحكم انشغاله الفلسفي بمسألة فينومينولوجيا الإدراك، ومنحها اهتمامًا
كانت له، على الرغم من محدوديته، انعكاسات على تاريخ الأفكار الفلسفية التي اتخذت من السينما موضوعًا
للسؤال والتفكير. وهذا عكس ما حصل لجان بول سارتر الذي أنتج نصوصًا نظرية حول الصورة، المخيلة
والمتخيل، لكنه «تعالى» عن الصور السينمائية، وفضَّل الانخراط في قضايا الفلسفة والآداب والسياسة. ونظرًا
إلى أهمية مساهمة كلٍّ من برغسون وميرلو بونتي في التأسيس للاشتغال الفلسفي بالسينما، سنعرض لمقاربة كلّ
واحد منهما حتى يتسنى لنا الوقوف، بشكل واضح، عند انطلاق مسار العلاقة بين الفلسفة والسينما.
فلسفة الظاهرة السينمائية الديمومة بين الفلسفة والسينما عند برغسون
جيُمع الباحثون في تاريخ الاهتمام الفلسفي بالسينما على أن برغسون يمثّل نموذجًا استثنائيًا في شأن الانتباه
إلى العمق الفلسفي للظاهرة السينمائية. والمثير هو أن نسبة كبيرة من كتب تاريخ الفلسفة كانت تصنّف، بجرة
قلم وبتسرع شديد، هذا الفيلسوف الفرنسي في عداد الاتجاه المثالي أو الروحاني، خصوصًا في الستينيات
والسبعينيات، حين طغت المادية التاريخية والجدلية في مقاربة تاريخ الفلسفة. ويرى دولوز، وهو من الأوائل
الذين أثارهم عمق أطروحات برغسون، في نص نشره سنة 1956، أنَّ برغسون فيلسوف كبير، بدليل إبداعه
مجموعة من «المفاهيم الجديدة»، بحيث تتجاوز هذه المفاهيم «ثنائيات الفكر العادي، وتعطي الأشياء حقيقة
جديدة، توزيعًا جديدًا، وتقطيعًا هائلاً». لكن اسم برغسون، فضالً عن الانفتاحات الكبرى التي اقترحها
على الفكر الفلسفي، اقترن، في نظر دولوز، بمفاهيم الديمومة والذاكرة والزخم الحيوي والحدس. وابتداءً بدروسه الأولى في الكوليج دوفرانس في موضوع الزمان، وكان قد ألقاها في سنتي 1902 و 1903،
أعلن، بلغة واضحة، أنه يقيم مقارنة بين «آلية الفكر المفهومي والسينماتوغراف». ومنذ ذلك الحين، وفي جُلّ
المؤلفات التي حررها، وخصوصًا التطور الإبداعي (1907) أو الفكر والمتحرك (1934)، لم يتوقف برغسون
عن استحضار السينما باعتبارها «نموذجًا معرفيًا» ينتج نمطًا من الفكر ومن العلاقة بالحركة وبالزمان. لا يمكن
القول إن برغسون بلور وعيًا بقيمة الصورة السينمائية في بنائه الفلسفي للديمومة والحدس منذ البداية، وإنما
حصل ذلك على هيئة تطور، بدا طبيعيًا، كلما عمّق تصوره للزمان والذاكرة والحدس. ويرى دولوز أن برغسون شيّد بناءه الفلسفي اعتمادًا على منهجية محددة، وأن «الحدس هو منهج البرغسونية»،
على اعتبار أن الحدس ليس عاطفة ولا إلهامًا ولا انجذابًا غامضًا، وإنما هو منهج رضَّ له بعناية، و«يَمتلك
قواعد صارمة تتمثّل في ما ينعته برغسون ب ‹الدقة في الفلسفة»›. وهو يلح على أن الحدس يفترض الديمومة،
19 Gilles Deleuze, «Bergson 1859-1941,» dans: Gilles Deleuze, L’Ile déserte et autres textes: Textes et entretiens, 1953- 1974, paradoxe (Paris: les Éd. de Minuit, 2002), p. 28.
20 المصدر نفسه، ص.28
21 Cité dans: Château, p. 52. 22 Gilles Deleuze, Le Bergsonisme, collection sup. Le Philosophe; 76 (Paris: Presses universitaires de France, 1966), p. 1.
23 المصدر نفسه، ص.1
بل إنه يأتي في مرتبة ثانية قياسًا بالديمومة أو بالذاكرة. ويمكن القول إن «الديمومة قد تبقى حدسية فقط، بالمعنى
المتداوَل للكلمة، إن لم يتقدم الحدس بوصفه منهجًا، بالمعنى البرغسوني الخاص. وعلاقات الديمومة، الذاكرة،
الزخم الحيوي تبقى، هي ذاتها، غير محددة، من زاوية المعرفة، من دون خيط منهجي رابط للحدس». إزاء هذا الاستنتاج، يجوز التساؤل: كيف يمكن للحدس، الذي يشير إلى المعرفة المباشرة -التي تكتسبها الذات
بلا وساطة- أن يتقدم بوصفه منهجًا، علامً بأن المنهج يفترض، جوهريًا، وجود وساطة أو أكثر؟ للإجابة عن
هذا السؤال يرى دولوز أن برغسون يميّز ثلاثة أنواع من الأفعال في تحديده لقواعد المنهج: «النوع الأول يتعلق
بطرح المشكلات [...]؛ والثاني باكتشاف الاختلافات الحقيقية، والثالث بفهم الزمان الفعلي، وذلك بإبراز
الكيفية التي ننتقل فيها من معنى إلى آخر، و›المعنى الأساس› الذي يتعنيّ العثور فيه على بساطة الحدس باعتباره
فعالً معيشًا، للجواب على السؤال المنهجي العام». وينطلق برغسون من اعتبار أن تاريخ البشر، نظريًا وعمليًا، هو تاريخ تكوين المشكلات (هكذا يصنعون
تاريخهم)، ويلخص الوعي بهذا النشاط المسار الذي يقطعونه لانتزاع الحرية. ولا يكتفي برغسون بالإقرار بهذا
الأمر، وإنما يرى أن «مفهوم» المشكل يجد جذوره في الحياة ذاتها، وفي الزخم الحيوي أيضًا. ومن ثم، فإن الذكاء
هو الملَكة التي تطرح المشكلات بصفة عامة (وتغدو الغريزة ملَكة إيجاد الحلول). لكن وحده الحدس يقرر
صواب المكشلات المطروحة وخطئها، حتى لو وجِد الذكاء في حالة تعارض مع نفسه. من هنا ضرورة العمل
على محاربة الأوهام، وإيجاد الاختلافات الطبيعية الحقة، وتمفصلات الواقع. هكذا، كثيرًا ما «نخلط الذكرى
والإدراك، ولكننا لا نستطيع التعرّف على ما يرجع إلى الإدراك وما يعود إلى الذكرى. نحن لا نميز في التمثّل
بين هذين النمطين من الحضور الخالص للمادة وللذاكرة، ولا نرى سوى اختلافات في الدرجة بين الإدراكات –
الذكريات والذكريات-الإدراكات. وباختصار فإننا نقيس الأشكال المختلفة للمزج اعتمادا على وحدة هي ذاتها
غير خالصة ومختلطة». ينقسم التمثّل، بصفة عامة، إلى اتجاهين يختلفان من حيث طبيعتهما، وإلى نمطين من الحضور الخالص: اتجاه
الإدراك الذي يضعنا دفعة واحدة داخل المادة، واتجاه الذاكرة الذي يضعنا دفعة واحدة داخل العقل. ويرى
برغسون أن اختلاط كلٍّ من الإدراك والذاكرة هو ما يؤسس لتجربتنا ولتمثّلنا. وتأتي المشكلات المزيفة كلها من
كوننا لا نعرف كيف نتجاوز التجربة نحو شروط التجربة، ونحو تمفصلات الواقع، وإيجاد ما يختلف طبيعيًا في
ما هو معطى لنا وما نعيشه من أشكال الاختلاط. والحدس هو الذي يؤدي بنا إلى تخطّي حالة التجربة نحو
شروطها، وهي شروط التجربة الواقعية. ويؤكد برغسون أن طرح المشكلات وحلها يتامّن بالقياس إلى الزمان لا إلى المكان. وهذه القاعدة، كما يلاحظ
دولوز، تمنح «المعنى الأساس» للحدس. وما دام الحدس يفترض الديمومة فإنه يفكر داخلها، من دون اختزال
الحدس في الديمومة، أو المطابقة بينهما، لأن «الحدس هو الحركة التي من خلالها نخرج من ديمومتنا الخاصة،
ونستخدم ديمومتنا للتأكيد أو للاعتراف، بشكل مباشر، بوجود ديمومات أخرى»؛ فالديمومة، باعتبارها
تجربة سيكولوجية ومعطى مباشرًا، تحيل على عملية «انتقال» و«تغيير» و«صيرورة»، لكنها «صيرورة تدوم،
24 المصدر نفسه، ص.2
25 المصدر نفسه، ص.3
26 المصدر نفسه، ص.12
27 المصدر نفسه، ص.17
28 المصدر نفسه، ص.25-24
وتغيير يشكل الماهية ذاتها». ولا يجد برغسون، بحسب دولوز، أدنى صعوبة في الجمع بين الاستمرارية
والتغاير باعتبارهما خاصتين رئيستين للديمومة. من جهة ثانية، الديمومة ذاكرة ووعي وحرية. وهي وعي وحرية لأنها ذاكرة أوالً وقبل كل شيء. ويعمل
برغسون على تقديم التطابق بين الذاكرة والديمومة بطريقتين: إمَّا «المحافظة ومراكمة الماضي في الحاضر»، وإمّا
«أن يختزن الحاضر صورة الماضي التي يتنامى باستمرار». هناك إذن مظهران مترابطان للذاكرة: الذاكرة-التذكر،
والذاكرة-الاندغام. ويعود سبب وجود هذه الثنائية، عند برغسون، إلى أن الحاضر الذي يدوم ينقسم في كل
لحظة إلى اتجاهين اثنين، يتجه الأول ويتمدد نحو الماضي، ويندغم الثاني في اتجاه المستقبل. كما أن الديمومة
تتابع فعلي، وهي تتابع لأنها تكثف «تعايشًا افتراضيًا» بين الذات وجميع مستويات الاندغام والتمدد وتوتراتهما
ودرجاتهما. إضافة إلى أن التعايش يفترض إدخال التكرار في الديمومة، وهو تكرار «نفسي» يختلف عن التكرار
«المادي» للمادة؛ تكرار «لقطات» Plans) (بدل أن يكون تكرار عناصر للّقطة نفسها؛ إنه تكرار افتراضي بدل
كونه تكرارًا فعليًا. فالبحث عن ذكرى ما يرمي بالإنسان، دفعة واحدة، في الماضي. غير أن برغسون يحرص
على التدقيق بأنه يتموضع أوالً في الماضي بشكل عام، ثم في «منطقة» معيّنة في هذا الماضي. بهذا المعنى، هناك
«مناطق من الوجود ذاته، مناطق أنطولوجية للماضي»، بشكل عام، «كلها تتعايش، وكلها ‹تتكرر› الواحدة بعد
الأخرى». والإطار المشترك الذي يجمع الذكرى حين تصير صورة، وما بين الصورة -الإدراك، يتمثّل في
الحركة. فالذكرى لما تتفعَّل، تميل إلى التفعّل في شكل صورة تعاصر الحاضر. وهكذا، فإن الديمومة والحياة هما
افتراضيًا ذاكرة ووعي وحرية. ويتلخص السؤال الكبير عند برغسون في الشروط التي تتحوّل فيها الديمومة،
فعليًا، إلى وعي بالذات، وكيف تتوصل إلى أن تصبح ذاكرة وحرية بالفعل؟ يعتبر جواب برغسون أن الإنسان
وحده يمتلك قدرة تحويل الافتراضي إلى واقعي بفضل الزخم الحيوي. إنه قادر على التعرّف على جميع مستويات
التمدد والاندغام ودرجاتهما التي تتعايش في ما ينعته ب «الكلّ الافتراضي». تؤدي هذه العملية إلى الإدراك، وإلى نوع من الذاكرة النفعية، كما إلى الذكاء باعتباره عامالً للسيطرة على المادة
واستعمالها، إضافة إلى دور الانفعال؛ «وحده الانفعال، عند برغسون، يختلف، طبيعيًا، عن الذكاء وعن الغريزة،
عن الأنانية الفردية الذكية والضغط الاجتماعي الغريزي». هنا يتموضع المرء في مزج جديد للانفعال والتمثّل
من دون معرفة قوة الانفعال وطبيعته، علامً بأن الانفعال يسبق التمثّل ويولّد أفكارًا جديدة. هكذا يغدو الانفعال
إبداعيًا، أوالً لأنه يعربّ عن الإبداع في كلّيته، ثم لأنه يبدع العمل الذي يعربّ من خلاله، وأخيرًا لأنه يبلغ قسطًا
من هذا الإبداع إلى المستمعين أو المشاهدين. بل إن الانفعال يكثف البداية التأسيسية للحدس في الذكاء. اعتبارًا لهذا التأطير الفلسفي الذي قام به برغسون للديمومة في علاقاتها بالزمان والذاكرة والوعي والمكان،
كيف يعمل على تبرير المقارنة بين الفكر المفهومي ونمط اشتغال السينماتوغراف؟ كثيرة هي الكتابات عن السينما التي تعود إلى كهف أفلاطون، باعتبارها لحظة تأسيسية، نظريًا، للسينماتوغراف، كما
29 المصدر نفسه، ص.29
30 المصدر نفسه، ص.57
31 المصدر نفسه، ص.116
32 المصدر نفسه، ص 117. وتجدر ملاحظة أن جيل دولوز لم يرشِ نهائيًا، سواء في دراسته عن برغسون سنة 1956 أو في كتابه
البرغسونية (1966)، إلى مكانة السينما في فلسفة برغسون، على العكس من ذلك خصص فصلين لهذا الفيلسوف في الجزء الأول عن
السينما بعنوان برغسوني هو الصورة - الحركة؛ في: Critique (Paris: Éditions de Minuit, L’Image-mouvement, Gilles Deleuze,
أنه نادرًا ما يجري التعرض للصورة السينمائية من دون استرجاع الموقف الأفلاطوني من الفكرة، والمثال، والوجود
بالذات، ومقابلاتها في الوجود الحسي، النسبي العابر، ودور المحاكاة في هذه الجدلية. وإذا كان للصورة عند
أفلاطون موقع شبحي وقيمة أدنى، فإنها، عند برغسون، تشكل أداة أقرب إلى ما يمكن للحدس أن يعطيه من ذاته. وبسبب كثافة الصورة البصرية وحمولتها الإيقونية، يُعلي برغسون من شأنها لأنها تحيل على مضمون للفكر في
شكل انسيابي وأقل تجريدية. وما يسمّيه برغسون «المنهج السينمائي»، و«الطريقة السينمائية» أو «الغريزة السينمائية
لفكرنا»، أو «النزوع السينمائي»، كما يلاحظ شاتو، يدخل في إطار وصف الكيفيات التي يشتغل بها الفكر
عمليًا، أو تعلق الأمر بضبط اتجاه المعرفة مع اتجاه العمل. يميّز برغسون بين ثلاثة أنماط من المعرفة، ومن طرق اكتسابها: المعرفة العادية أو الدارجة، المعرفة العلمية، والمعرفة
الفلسفية، لأنه يعتبر أن المعرفة الدارجة والمعرفة العلمية «لا تختلفان كثيرًا، في حين أنهما تتعارضان مع المعرفة
الفلسفية»، على اعتبار أنه لا يوجد بين الفكر العملي والعلم سوى فرق في الدرجة، وخصوصا أن دور العلم يتجلى
في زيادة تأثير الإنسان وتحكّمه في الأشياء، ومهما بلغ من تطور أو من مستوى من التجريد، ومهما بنى من نظريات،
تبقى الفائدة العملية هي هدفه الأسمى. لهذا تسلك المعرفة العملية المألوفة والعلم، تقريبًا، الاتجاه نفسه، غاضيّن
الطرف عن الغاية التي تسعى إليها الفلسفة، والتي تتجلى في الاستقرار في قلب صيرورة الأشياء، والاقتران بها في
ديمومتها؛ إذ يتمثّل التفلسف في التموقع داخل الموضوع ذاته من خلال الجهد الذي يبذله الحدس». ما دامت الفلسفة تتطلع إلى الإحاطة، بل «الاستحواذ» على حركة الحياة، فإنه يمكنها الاستغناء عن العلامات
والرموز التي تشوّش على الاستمرارية المتحركة للحياة. ولذلك، إذا «تخلت المعرفة العادية عن اتّباع الصيرورة
في ما تحوزه من قوى متحركة بسبب الآلية السينمائية، فإن علم المادة يتخلى كذلك عن اتّباع هذه الصيرورة».
غير أن السؤال الذي يفرض ذاته، هنا، يتجلى في مبرر إقحام «الآلية السينمائية» في عملية كبرى تتعلق بالمعرفة.
جواب برغسون ليس بسيطًا ولا يتميز، دائامً، بدقة كبيرة عند استحضاره للسينماتوغراف. بل إن دولوز يلاحظ
أن برغسون يجد في السينما «حليفًا مزيفًا»، أو أنه يتبرّم، أحيانًا، منها باعتبارها «حليفًا ملتبسًا ». ذلك أن
هذا الفيلسوف، في سياق بنائه تصوره للديمومة، للصورة والمكان والإدراك والذاكرة والإنسان، يتحدث عن
فنون أخرى، على رأسها الموسيقى والرقص والأدب، كما يستعرض بعض الاختراعات التقنية، مثل الراديو
والفوتوغرافيا والقطار. إالّ أن إحالته على السينما يقرنها بمفهومه التكويني للزمان والحركة والإدراك والوجود.
واستشهاده بالسينماتوغراف قطع أشواطًا، كما يلاحظ دولوز، واقترن بفهمه للحركة الذي تغريّ بتغريّ نظرته إلى
الديمومة، واستيعابه أيضًا نموذج السينماتوغراف. للحركة وجهان، وجه يعربّ عنه ما يحصل بين الموضوعات أو الأجزاء من جهة، وما تعربّ عنه الديمومة أو الكلّ من
جهة ثانية. والحال أن الديمومة بتغيير طبيعتها، تنقسم داخل الموضوعات، وأن الموضوعات، حين تتعمق وتضيع
دوائرها، تتوحد في الديمومة. ويجوز القول، إذًا، «إن الحركة تنقل موضوعات نسق مغلق إلى الديمومة المفتوحة، كما
33 Château, p. 53. 34 Bergson, cité dans: Château, p. 53.
35 المصدر نفسه، ص.54
36 Deleuze, L’Image-mouvement, p. 84.
37 المصدر نفسه، ص.85
38 بخصوص أطروحات برغسون بشأن الحركة، انظر: المصدر نفسه، ص 17-14، و La Pensée et le mouvant: Henri Bergson,
Essais et conferences, Quadrige (Paris: Presses universitaires de France, 1975), pp. 143-176.
تنقل الديمومة موضوعات النسق الذي ترغمه على الانفتاح». وهكذا يمكن اعتبار الموضوعات، أو أجزاء من
كلٍّ، كأنها تقطيعات ثابتة، بحيث تحصل الحركة بين هذه التقطيعات، وتنقل الموضوعات أو أجزاء منها إلى ديمومة
كلٍّ يتغير. إنها تع، إذن، عن تغيير الكل قياسًا بالموضوعات، بل هي ذاتها تقطيع متحرك للديمومة. ويخلص
دولوز إلى القول انطلاقًا من كتاب المادة والذاكرة لبرغسون: «أوالً، لا توجد صور لحظية فقط، أي تقطيعات ثابتة
للحركة؛ ثانيًا، هناك صور-حركة هي تقطيعات متحركة للديمومة؛ ثالثًا؛ هناك، أخيرا، صور-زمان، أي صور-
ديمومة، صور-، صور تغريّ-علاقة، صور-حجم تتجاوز الحركة ذاتها». يندرج تفكير برغسون في شأن الحركة والديمومة والمكان في إطار دعوته إلى تكسير الثنائيات التي هيمنت على
الفلسفة الغربية القاضية بوضع الصور في الوعي، والحركة في المكان، بحيث لا يوجد في الوعي سوى صور
نوعية لا امتداد لها، ولا يوجد في المكان سوى حركات ممتدة، وكمية. السؤال، كما صاغه دولوز، هو: «كيف
يمكن تفسير أن الحركات تنتج صورة، بشكل مفاجئ، كما هو شأن الإدراك، أو أن الصورة تنتج حركة، كما هي
حال الفعل الإرادي؟ وكيف يمكن منع الحركة لكي لا تكون، مسبقًا، صورة ولو افتراضية على الأقل، ومنع
الصورة لكي لا تكون، مسبقًا، حركة ممكنة على الأقل». كان من اللازم تخطي هذه الثنائية بين الصورة والحركة،
والوعي والشيء. إزاء ذلك، يلاحظ دولوز، تكوّن جوابان: الأول من طرف هوسرل والثاني بناه برغسون. لقد
أطلقا «صرختهما الحربية» بقول الأول إن «الوعي هو وعي بشيء ما»، واعتبار الثاني أن «الوعي هو شيء
ما». ويرى دولوز أن الموقف الفلسفي المبني على الثنائيات لم يعد محتمالً لاعتبارات ليست فلسفية بالضرورة
وإنما لعوامل علمية واجتماعية تضع أكثر ما يمكن من الحركة في الحياة الواعية، ومن الصور في العالم المادي.
ولذلك لم يكن من الممكن التغاضي ع أدخلته السينما وما اقترحته على الفكر بخصوص الصورة-الحركة. لم يُعر هوسرل اهتماما للسينما، شأنه شأن سارتر وكثير ممن تقدموا إلى المشهد الفلسفي باعتبارهم فينومينولوجيين،
باستثناء ميرلوبونتي. أمّا برغسون، فقد أحال عليها في كثير من كتاباته على سبيل الاستشهاد، والمقارنة، بل
والقياس كأنه يرى أن التفكير في الواقع والديمومة هو تحريك لنوع من السينماتوغراف، أو كأنه يقرّ بأن
«ميكانيزم المعرفة الدارجة ذات طبيعة سينماتوغرافية»، وهو ما دفع دولوز إلى القول: «مع السينما، صار
العالم هو صورته الخاصة، وليست الصورة هي التي تصير عالماً»، أي إن العالم أصبح «صورة -حركة» وأن
«الصورة هي مجموع ما يظهر». يمثّل المجموع غير المتناهي لجميع الصور «نوعًا من لقطة المحايثة. توجد
الصورة في ذاتها، باعتبارها لقطة. هذا الوجود في الذات للصورة هي المادة: ليس لأن شيئًا مخفيًا خلق الصورة،
وإنما، على العكس من ذلك، هو التطابق المطلق للصورة وللحركة. وتطابق الصورة والحركة هو ما يؤدي بنا إلى
الاستنتاج، بشكل مباشر، بتطابق الصورة- الحركة والمادة». تندرج فلسفة برغسون ضمن فلسفة الوعي التي تقضي بإعطاء الأولوية للداخل على الخارج، للوعي على
الواقع. ولهذا السبب، فإن مرونة التقنية السينمائية وبراعتها لا تقتصران، أو الأحرى لا يمكنهما أن تتفوقا في
39 Deleuze, L’Image-mouvement, p. 22.
04 المصدر نفسه، ص.22
14 المصدر نفسه، ص.83
24 المصدر نفسه، ص.84
43 Henri Bergson, L’Evolution créatrice, cité dans: Château, p. 55. 44 Deleuze, L’Image-mouvement, p. 84.
45 المصدر نفسه، ص.86
46 المصدر نفسه، ص.87-86
فهم الحركة كما هي من دون أن تستقرا داخلها، و«لكي تتقدم مع الواقع المتحرك، يتعنيّ التموضع داخله.
والاستقرار داخل التغيير، معناه التمكن من التغيير نفسه ومن الحالات التي يمكن، في أي لحظة، أن يتثبت
فيها». لذلك، فإن السينماتوغراف الداخلي لا يقدر على إدراك الديمومة في كلتيها وإنما على تفكيكها. وحين
يؤثر موضوع ما في العين بطريقة تبقي ذكراه في العقل، ففي هذه الحالة ليست الصورة المثبتة هي التي تنطبع
فيه وإنما صورة متعددة، متكاثرة، بكيفية لانهائية. والحال أن الفيلم حين يعيد تكوين تعاقب الصور فإن ذلك
لا يعوّض تشظيها الأولّي، بل إنه يزيد في تقطيعها، ويوفر إمكان مشاهدة صور وأشكال جديدة وأصيلة قد لا
نتوقع مشاهدتها كما يحصل تمامًا لحالات الوعي الذي نعيشه. ومن هذه الزاوية يغدو الفيلم نوعًا من الميكانيزم
الفيزيائية المضبوطة، ضرورةً، على السينماتوغراف الداخلي. إن الماضي لا يتداخل أو لا يختلط مع الوجود الذهني للصور-الذكريات التي تستحضرها فنيًا، لأنه يحتفظ
بذاته في الزمان: إنه العنصر الافتراضي الذي يسمح بالبحث عن «الذكرى الخالصة» التي ستتفعَّل في «صورة-
ذاكرة». الأمر يشبه تمامًا عمل الإدراك: حين ندرك الأشياء في المكان الذي كانت حاضرة فيه، فإننا نتذكرها
حيث كانت، في الزمان. ولذلك فالذاكرة، كما يقول دولوز، في سياق تأملاته للانفتاحات البرغسونية، ليست
فينا، وإنما نحن الذين نتحرك داخل ذاكرة-وجود، أو ذاكرة وجودية، داخل ذاكرة-عالم. ومن ثمّ لا يوجد
الحاضر ذاته إالّ بوصفه ماضيًا يتكرر بشكل دقيق. وما يتعاقب ليس هو الماضي، وإنما الحاضر الذي يمضي. تمتد هذه الصورة-الزمان، في نظر برغسون، إلى صورة-لغة وإلى صورة-فكر، إذ إن ما «يمثّله الماضي بالنسبة إلى
الزمان، يمثّله المعنى بالنسبة إلى اللغة، والفكرة بالنسبة إلى الفكر». يتبنيّ ممّا تقدم أن برغسون، وعلى عكس كثير من الفلاسفة المعاصرين له، أولى السينما اهتمامًا فلسفيًا خاصًّا؛
فهي ليست مجرد تقنية أو وساطة استعملها لتعزيز هذه الفكرة أو تلك، وإنما بنى تصوره للديمومة وللإدراك
وللحدس وللمعرفة وكأنها تخضع لنفس نظام اشتغال السينماتوغراف. أمّا منظوره للفن، وللسينما كفن وكإبداع،
فإنّه يرى أنّ الفنّ يجعلنا «نكتشف في الأشياء من الخصائص ومن التكوينات ما لا يمكننا إدراكه بشكل طبيعي.
إنه يوسع دائرة إدراكنا، لكن في السطح أكثر منه في العمق. يغني حاضرنا، لكنه لا يجعلنا نتجاوز الحاضر.
وبواسطة الفلسفة، يمكننا أن نتعود على أن لا نفصل الحاضر عن الماضي الذي يجر معه، وبفضلها يكتسب كل
الأشياء العمق، بل أكثر من العمق، شيء كالبعد الرابع الذي يساعد الإدراكات السابقة على أن تبقى متضامنة
مع الإدراكات الحالية، وأن يساعد المستقبل المباشر نفسه لكي يرتسم، جزئيًا، في الحاضر». ولعل هذه الاستمرارية غير القابلة للتقسيم في صيرورة التغيير هي ما يمثّل الديمومة الحقيقية عند برغسون.
وهي أكثر الأمور وضوحا في العالم، باعتبار أن الديمومة الحقة هي ما ننعته دائامً بالزمان، لكنه الزمان غير القابل
للتقسيم، بحيث يتضمن الزمان التعاقب على أن يتقدم التعاقب إلى وعينا. تحيل الديمومة على عملية انتقال،
وعلى صيرورة تدوم، لها تقطيعاتها، كما هو شأن الفيلم السينمائي، للذاكرة وللوعي أدوارًا في إبراز زمنيتها،
وللإنسان القدرة على صوغ ما هو افتراضي إلى الواقع بسبب ما يختزنه من عناصر «الزخم الحيوي». لا تهمنا، هنا، قيمة الطريقة التي نهجها برغسون للاهتمام بالسينما، بقدر ما يثيرنا في كتاباته اعتباران أساسيان:
يظهر الاعتبار الأولفي العناية الخاصة التي أولاها لظاهرة السينما وهو يَبني تصوره للحدس والديمومة والذاكرة
47 Gilles Deleuze, L’Image-temps: Cinéma 2, Critique (Paris: Éd. de Minuit, 1985), p. 130.
84 المصدر نفسه، ص.131
49 Bergson, La Pensée et le mouvant, p. 175.
والتعاقب أو الاستمرارية، ويبرز الاعتبار الثانيفي التأثير الذي مارسته كتاباته على أبرز من اتخذ من السينما
موضوعا للتفكير الفلسفي، أي بازان، من زاوية النقد، ودولوز من زاوية الفلسفة «المحترفة» إذا صح التعبير.
وبدا هذا التأثير جليًا على بازان في أكثر من نص ومن مقالة نقدية، في «أنطولوجية الصورة الفوتوغرافية»،
و«فيلم برغسوني: لغز بيكاسو»، وغيرهما من الكتابات. أمّا دولوز، فيكفي أن نشير إلى الحضور البرغسوني
في عنواني كتابيه عن السينما: الصورة - الحركة، والصورة - الزمان، مستلهامًانفتاحاته الفلسفية بشأن الديمومة
والحركة والصورة، فضالً عن أن دولوز خصص أربعة تعليقات في أربعة فصول لبرغسون في كتابيه.
فينومينولوجيا الإدراك السينمائي عند ميرلو بونتي
يلاحظ بعض المهتمين بموضوع الفلسفة والسينما أنه إذا كان برغسون قد دشّن، حقًا، عملية التفكير الفلسفي في
الظاهرة السينمائية، فإن «النظرية ما بعد البرغسونية للسينما ليست هي نظرية السينما عند برغسون»، لأسباب
عدة، منها أوالً أن برغسون توقف تفكيره عند المراحل الأولى لاكتشاف السينماتوغراف وبعض اكتشافات
السينما الصامتة، وثانيًا أن برغسون، وإن استلهم نظام اشتغال السينماتوغراف لإبراز فهمه للديمومة وللإدراك،
ولتعاقب الصور ومقابلتها لتوالي لحظات الوعي بها، فإنه لم يفكر عميقًا في نوعية الصور المتحركة للفيلم التي
يستقبلها المتفرج. يملك الفيلسوف تراثًا فلسفيًا ثريًا وحرية لا حدود لها في الترحُّل بين المنظومات والتأويلات
الفلسفية، وأحيانًا من دون مراعاة مفارقات التاريخ. غير أن ذلك لا يمكن أن ينطبق على التفكير في السينما
لأنه مشروط بالحالة التقنية والمادية التي تكون عليها «العناصر السينمائية» في أثناء لحظة التفكير. لا جدال في
أن برغسون اقترح انفتاحات كبرى لجعل الظاهرة السينمائية موضوعًا للتفلسف، وأن فهمه للديمومة ولَّد
ردّات فعل كثيرة بقدر ما حفزَّ آخرين على استلهام هذه الانفتاحات وتعميق عملية التفكير في السينما، قياسًا
بالتحولات التقنية والجمالية التي طرأت عليها. من جهة أخرى، تعرَّض مفهوم الاستمرارية عند برغسون لتحفظات، بل لنقد من طرف فلاسفة كان أبرزهم
غاستون باشلار الذي، وإن اعتبُر من مؤسسي الإبستيمولوجيا المعاصرة، قد شكّل هو كذلك مرجعًا لمجموعة
من نقاد السينما ومن الذين اشتغلوا بشاعرية المكان، والصورة والمتخيل. ويسجل باشلار في كتابه جدلية
الديمومة أن برغسون حين ربط الزمان بالديمومة، وبنوع من أنواع التردد «الأنطولوجي» للزمان، وبإصراره
على منطق الاستمرارية، فإنه أخطأ حين استبعد جدلية الزمان، لأن «الديمومة لا يمكن إدراكها إالّ في تعقّدها.
ومهما يكن فقرها، فإنها تتقدم باعتبارها تتعارض مع حدودها على الأقل. وليس لنا الحق أن نتعامل معها وكأنها
معطى أحادي أو بسيط». بمعنى آخر، إن باشلار يمنح أهمية قصوى للقطائع ولجدلية الزمان. شكّل هذان الموقفان الفلسفيان مصدر نقاش واسع، ولا سيما في ما يخص فهم بعض أبجديات اللغة السينمائية،
ومنها دلالة «اللقطة-المتتالية» Plan-Séquence) (، أي «اللقطة – المشهد»، وعلاقتها بالاستمرارية، والجواب
عن سؤال هل تعربّ اللقطة-المتتالية عن استمرارية، كما يقول بذلك دولوز مستلهما برغسون في ذلك، أم إنها
تقابل، على العكس من ذلك، «قطيعة جدلية»، كما يظهر في فهم باشلار للديمومة؟
05 النصان معا منشوران في: Bazin, pp. 7-17 et 193-202.
51 Château, p. 59. 52 Gaston Bachelard, La Dialectique de la durée, Quadrige (Paris: Presses universitaires de France, 1989), p. 37.
إن الاختلاف في زاوية النظر لفهم الظاهرة السينمائية ليس بسيطًا، حتى ولو عثرنا في كتابات بازان على بعض
التأثير البرغسوني في تفكيره؛ فأسئلة «العناصر السينمائية» من لقطات (مُكربّة أو غيرها) وزاوية الكاميرا،
والحركة، والتوليف (المونتاج)، لا يمكن حصرها في مستواها التقني الصرف لأنها مرتبطة بوجهة نظر السينمائي،
وبالطريقة التي يؤطر ويُقطّع بها الواقع والعالم، وبالدلالة التي يضخُّ بها لقطاته وصوره، وبمهارته في بناء زمنية
الفيلم، بكل ما يستدعي ذلك من ملَكات الانتباه، والتذكر والمخيلة والنزوع الإبداعي. اختلف ميرلو بونتي مع برغسون في الموقف من الوعي؛ إذ إنه، بوصفه فينومينولوجي النزعة، يرى فيه وعيًا
بشيء ما. أمّا برغسون، فقد اعتبر أن الوعي ذاته شيء ما. ومع ذلك، فإنهما يشتركان في الانتماء إلى فلسفة الوعي،
كما يلتقيان في نقد التصور «العلموي» للعالم. بل إن ميرلو بونتي يذهب في تحليله موقع الفلسفة ودورها في إدراك
أو وعي العالم إلى القول إن «الفلسفة تبقى سؤاالً، يسائل العالم والأشياء، ويعيد أو يقلد تبلورهما أمامنا. وهذا
التبلور الذي يُعطى لنا جاهزًا، تقريبًا، ليس منتهيًا، وهكذا يمكننا النظر، من خلال ذلك، إلى كيفية تشكُّل العالم.
كذلك حين نتكلم مع شخص، فإننا نتكلم على شيء ما أو على شخص ما». وحين ندرك أو نعي، فإن لوعينا
موضوعًا محددًا في العالم. يدشّن ميرلو بونتي النص الذي خصصه ل «السينما وعلم النفس الجديد» بحديث مقارن عن الإدراك؛ ذلك
بأن علم النفس الكلاسيكي ينظر إلى المجال البصري باعتباره مجُاعًا أو «فسيفساء» من الأحاسيس. يتوقف كلّ
إحساس على إثارة الشبكية المحلية المقابلة لها، في حين أن علم النفس الجديد، وحتى لو تعلق الأمر بأحاسيسنا
الأكثر بساطة والأكثر مباشرة، يرى أوالً أنه لا يمكن القبول بالتوازي بين الأحاسيس والظاهرة العصبية التي
تؤثر فيها، لأن إدراكنا للأشياء لا يقتصر على تسجيل ما تحدد له المؤثرات الشبكية، وإنما يعمل على إعادة تنظيمها
بطريقة تضع انسجامًا للمجال المُدرَك. فما يعطى لإدراكنا ليست عناصر متجاورة، وإنما مجموعات. وما ينطبق
على ما هو بصري ينطبق، عند ميرلو بونتي، على الإدراكات السمعية. لم يعد الأمر يتعلق بأشكال داخل المكان،
وإنما بأشكال زمنية. وإدراكنا ليس مجرد جمع للمعطيات البصرية، اللمسية والسمعية لأننا ندرك بطريقة غير
قابلة للتقسيم اعتمادًا على «وجودنا الكلي». إننا نقبض على بنية وحيدة للشيء، وعلى طريقة وحيدة في الوجود
تخاطب جميع حواسنا في وقت واحد. من هنا أهمية نظرية الشكل («الغشتالت») لأنها تستبعد مفهوم «الإحساس»، وتعلمنا أالّ نُميز العلامات من
دلالاتها، أو ما هو محسوس ممّا هو موضوع حُكم. وهكذا، «حين أدرك، فإنني لا أفكر في العالم. وإنما ينتظم
العالم أمامي». الأمر نفسه ينسحب على النظر إلى الآخر، أو على اللغة؛ فإذا كان جسد «وروح» إنسان ما ليسا
سوى مظهرين من طريقة في الوجود في العالم، فإن الكلمة أو الفكر اللذين يشير إليهما يجب أالّ يُعتبرا مصطلحين
خارجيين، لأن الكلمة تحمل دلالتها كما يمثّل الجسم تجسيدًا لسلوك ما. ويرى ميرلو بونتي أن في الإمكان أن نطبّق هذا الفهم للإدراك على الفيلم باعتباره موضوع إدراك، مشيرا إلى أن علم
النفس الجديد يؤدي إلى نفس ملاحظات أهم «علماء جمال» السينما؛ فالفيلم ليس مجموعة صور، وإنما هو «شكل
زمني». ولتعليل هذه الأطروحة، يستند ميرلو بونتي إلى فيلم لبودفكين وإلى مقال لروجي لينهارت (منشور سنة
1936) للقول بأن معنى صورة ما يتوقف على الصور السابقة عليها، وبأن تعاقبها ينتج واقعًا جديدًا هو ليس مجرد
مجموع العناصر المستعملة. كما أنه يتعنيّ، واعتمادًا على تحليل لينهارت، إدخال مدة كل صورة في الحسبان، لأن قِصر
53 Maurice Merleau-Ponty, Le Visible et l’invisible, texte établi par Claude Lefort ([Paris]: Gallimard, 1964), p. 135. 54 Maurice Merleau-Ponty, Sens et non-sens, pensées (Paris: Nagel, 1965), pp. 85-106.
الصورة أو طولها يختلفان باختلاف المعنى المراد إيصاله، أي إن هناك إيقاعًا للصور السينمائية، بل هناك «علم عروض
سينمائي حقيقي» بالنسبة إلى ميرلو بونتي. وبالإضافة إلى انتقاء اللقطات وانتظاميتها ومدتها، بفضل التوليف، هناك
في الفيلم انتقاء للمشاهد والمتواليات لانتظاميتها ومدتها، وهو ما يمثّل نص الإخراج découpage(). وهكذا، يبدو
الفيلم وكأنه شكل في منتهى التعقيد، تحصل داخله أفعال وردّات فعل لا حدّ لها في كل لحظة، بحيث لا تزال
القوانين التي تحكمها بحاجة إلى اكتشاف، وليست حتى الآن سوى مجرد موضوع تخمين تسمح به فطنة ونباهة
المخرج الذي يصوغ اللغة السينمائية، كما يصوغ الإنسان الناطق تركيب اللغة ونحوها بلا تفكير فيهما عن قصد،
ومن دون أن يكون قادرًا على تحديد القواعد التي يحترمها بطريقة عفوية. وما يقال عن الفيلم البصري، بالنسبة إلى ميرلو بونتي، ينطبق على الشريط السمعي أيضًا؛ فهو ليس مجموع
الكلمات أو أنواع الضوضاء والصخب، لأنه، هو أيضًا، شكل. وهناك إيقاع للصوت كما هو الشأن بالنسبة إلى
الصورة بفضل التوليف. وتتمثّل القوة التعبيرية للتوليف في خلق إحساس لدينا بتعايش حيوات في العالم نفسه.
ليس الفيلم البصري مجرد صورة فوتوغرافية متحركة لمأساة ما، أو أن اختيار الصور وجمعها يمثلّان وسيلة تعبير
أصيلة في السينما، والأمر ذاته يسري على الصوت ما دام لا يقتصر على مجرد إعادة إنتاج فوتوغرافية للكلمات
وللضوضاء، وإنما يتضمن تنظيامً داخليًا ينبغي لمبدع الفيلم أن يبدعه. هكذا، ليس الأصل الحقيقي للصوت
السينمائي، عند ميرلو بونتي، هو الفونوغراف وإنما التوليف الراديوفوني. ويرى ميرلو بونتي أن الجمع بين الصورة والصوت ينتج «كلاًّ» جديدا بحيث لا يمكن اختزاله إلى العناصر التي
يتكوّن منها؛ فالفيلم الناطق ليس هو الفيلم الصامت مصحوبا بالأصوات والكلمات التي تضاف لاستكمال
«الوهم السينمائي»، ذلك أن الرابط بين الصورة والصوت رابط وثيق، والصورة تتغير بمجاورة الصوت. وهنا
يتعين تحليل دور الموسيقى داخل هذا الكل، وهي التي يجب أن تدمج فيه بدل أن تكون عنصرًا مصاحبًا له؛ فهي
ليست موضوعة لملء الفراغات الصوتية، أو لأن تتحول إلى عنصر سردي تع، بطريقة خارجية، عن المشاعر
والصور، كما حصل لعدد من الأفلام، ولا يمكن أن تكون وسيلة أخرى للتعبير المرافق للتعبير البصري وإنما،
اعتمادًا على أدواتها الموسيقية (الإيقاع، الشكل، الآلات..). تعيد إبداع المادة السمعية داخل المادة التشكيلية
البصرية من خلال لعبة تقابلات تمثّل أساس مهنة واضع موسيقى الفيلم. إنها بذلك حتُول الإيقاع الداخلي
للصورة إلى حالة حسية مادية من دون التكلف في ترجمة مضمونها العاطفي، الدرامي أو الشاعري. وهكذا
لا يؤدي الكلام في السينما دور إضافة الأفكار إلى الصور، ولا تضيف الموسيقى شيئًا إلى العواطف، وإنما يُنتج
مجموع هذه المقومات شيئًا محددًا لا هو بفكر، ولا هو تذكير بمشاعر الحياة. ثم ينتقل ميرلو بونتي إلى طرح سؤال الدلالة في الفيلم. وهو يرى أن كل فيلم يحكي قصة ما، أي مجموعة من
الحوادث التي تشارك فيها شخوص ويمكن سردها نثرًا كذلك. وهو ما يتم، بالفعل، من خلال السيناريو الذي
يقوم عليه الفيلم. والسينما الناطقة، بواسطة الحوار الذي غالبًا ما يكون مسيطرًا، يُكمل وهمنا؛ ذلك أنه كثيرا ما
نتصور الفيلم وكأنه تمثّل بصري وسمعي، وإعادة إنتاج ملائمة، إلى حد ما، لدراما لا يمكن للأدب معالجتها
إالّ بالكلمات، في حين أن للسينما القدرة على تصويرها. ويعتبر ميرلو بونتي أن ما يعزز هذا الالتباس، هو وجود
«واقعية أساسية للسينما»، غير أن ذلك ليس معناه أن ما نراه وما نسمعه في الفيلم هو ما رأيناه أو سمعناه إذا ما كنا قد
شهدنا داخل الحياة على الحكاية التي يسرد. ويلاحظ ميرلو بونتي أن المشكل الذي يواجهه المرء هنا هو، بالضبط،
ما واجهته الجماليات بخصوص الشعر والرواية؛ إذ هناك، دائامً، في الرواية فكرةٌ ما يمكن تلخيصها ببضع كلمات،
وسيناريو يمكن تلخيصه ببضعة خطوط. كما أن هناك، دائامً، في قصيدة ما إيحاء بالأشياء أو الأفكار. ومع ذلك،
فإن ما ينعته ميرلو بونتي بالرواية الخالصة، أو الشعر الخالص لا تتمثّل وظيفتهما في أن تمنح الدلالة لهذه الوقائع، أو
الأفكار أو الأشياء، لأن الأفكار والوقائع ليست أدوات للفن. ويتمثّل فن الرواية في اختيار ما نقوله وما نسكت
عنه، وفي اختيار المنظورات في سياق الزمنية المتنوعة للسرد. كما لا يتجلى فن الشعر في وصف الأشياء أو عرض
الأفكار، وإنما في «خلق آلة للغة» تضع القارئ في نوع من الحالة الشاعرية. وبالطريقة ذاتها هناك دائامً في الفيلم قصة،
غالبًا ما تكون فكرة، غير أن وظيفة الفيلم لا يمكن اختزالها في تعريفنا بالوقائع والأفكار. لم يجد ميرلو بونتي بدًّا من استحضار كانط بخصوص الموقع الذي يحدده للمخيلة في المعرفة وفي الفن؛ ففي المعرفة
تشتغل المخيلة لفائدة الفهم، أمّا في الفن، فإن الفهم يشتغل لفائدة المخيلة. فمعنى الفيلم مبثوث داخل إيقاعه، كما
هو شأن معنى الحركة، حتى يُفهم من خلال الحركة ذاتها. ولا يدل الفيلم إالّ على ذاته. تتولد الفكرة داخل البنية
الزمنية للفيلم، ولربما هنا تكمن قوة الفن من حيث إنه يُظهر الكيفية التي تجعل شيئًا ما حاملا لدلالة، لا من خلال
إيحاء بأفكار مُشكلة ومكتسبة سلفًا، وإنما بواسطة ترتيب زمني أو مكاني للعناصر. يدلّ الفيلم بذاته، كما هو شأن
الحركة أو الشيء. ولا شك أن المرء يفقد هذا البعد الجمالي بضغط الحياة اليومية، كما أن غير المؤكد أن يكون الشكل
المدرَك كامالً في الواقع. هناك دائامً أمر أو عنصر يتغير، كما أن هناك ثُغَرًا أو مبالغات. وتتجلى المأساة السينمائية،
إذا صح القول، في كونها تمتلك قدرة على التكثيف قياسًا بمآسي الحياة الواقعية. إالّ أنه يمكننا، في نهاية المطاف،
وبفضل الإدراكات، فهم دلالة السينما؛ فالفيلم «لا يفكر بذاته، إنه يُدرَك». لذلك، ربما يكون تعبير الإنسان مدهشًا
في السينما. وإذا لم تعطنا السينما أفكار الإنسان، كما فعلت ذلك الرواية منذ مدة، فإنها تقدّم تصرفه وسلوكه، وتقدم
لنا مباشرة، طريقته الخصوصية في الوجود في العالم، ومعالجته للأشياء وللآخرين، وهي طريقة مرئية في حركاته
ونظرته وإيماءاته، وهي تحدد، ببداهة، كلّ شخص نعرفه. وهكذا فإن التيه، أو الترنح والألم، والحب والحقد هي
عبارة عن تصرفات بالنسبة إلى السينما كما هو الشأن بالنسبة إلى علم النفس الجديد. إنَّ من خصائص علم النفس والفلسفات المعاصرة أنها تقدم لنا الروح والعالم، وكل وعي على حدة، على عكس
الفلسفات الكلاسيكية. غير أن الوعي الملقى في العالم، والخاضع لنظر الآخرين، يتعلم منهم أيضًا ماهيته هو
(أي الوعي). ولذلك، فإن جزءًا كبيرًا من الفلسفة الفينومينولوجية أو الوجودية يتمثّل في الاندهاش الذي
تعربّ عنه إزاء ملازمة الأنا للعالم، والأنا للآخر، ووصف هذه المفارقة وهذا الغموض، وفي أن تظهر لنا الرابط
بين الذات والعالم، الذات والآخرين، بدل أن تفسره، كما كان يقوم بذلك الفلاسفة الكلاسيكيون بالرجوع
إلى الروح المطلقة. تنفرد السينما بقدرتها المميزة على إظهار وحدة الروح والجسد، الروح والعالم، وتعبير الأولى
في الثاني. لذلك يعتبر ميرلو بونتي أن من غير المستغرب أن يحيل النقد على الفلسفة في دراسته لفيلم ما، مع
الانتباه إلى أن الفلسفة المعاصرة، بالنسبة إليه، لا تتمثّل في تقديم المفاهيم، وإنما في وصف اختلاط الوعي بالعالم،
والتزامه داخل جسد ما، وتعايشه مع الآخرين. وهذا الموضوع بالذات يشكّل موضوعًا سينمائيًا بامتياز. ويخلص ميرلو بونتي إلى القول إن السينما هي، أوالً وقبل كل شيء، اكتشاف تقني لا دخل للفلسفة فيه. ولا
يمكن ادّعاء أن الفلسفة المعاصرة، بحكم كونها تطورت في زمن السينما، قد جاءت بفضلها أو ترجمت صورها
إلى أفكار. لأن السقوط في الاستعمال السيئ للسينما وارد، والأداة التقنية بمجرد اكتشافها يجب أن يُنظر إليها
اعتمادًا على إرادة فنية هي نفسها مبتكرة. وإذا كان هناك من اتفاق بين الفلسفة والسينما والتفكير والعمل التقني
على السير في الاتجاه نفسه، فلأن الفيلسوف والسينمائي يشتركان في نوع من نمط الوجود، ومن النظرة إلى العالم
التي هي نظرة جيل بأكمله. يظهر من خلال استعراض نظرة ميرلو بونتي للسينما أنه يدعو إلى استبعاد خطأين اثنين يمكنهما التشويش على
فهمنا للسينما. يتجلى الخطأ الأولفي اعتبار الفيلم تراكب طبقات دلالية يضيف الكلام والأفكار إلى الصور،
وتمنحه الموسيقى شحنات عاطفية. أمّا الخطأ الثاني، فيتمثّل في اعتبار الفيلم بديالً من الواقع؛ فليس هدف الفيلم
إطلاعنا على الوقائع والأفكار، لأن معناه غير مفصول عن «العجينة» التي يتكون منها، بل هو مندمج في إيقاعه
وفي تناسقه المكاني والزماني. تنطلق نظرة ميرلو بونتي إلى السينما من فهمه للإدراك، فهذا الأخير ليس عملية تتحكم فيها الذات لأنه يتجاوزها
دائامً، بل يتجاوز القدرات الفكرية للذات المدركة. لذلك، يستحيل – في رأي ميرلو بونتي - التفكير في السينما،
بل إن السينما هي التي تُفهمنا أن الإدراك هو عبارة عن تنظيم عفوي، إذ لا يتعلق الأمر بتفكيك الإدراك وإنما
بقبوله بوصفه معطى مباشرًا. ومهما كانت الفروق الموجودة بين برغسون وميرلو بونتي في نظرتيهما إلى الفلسفة والسينما، فإنهما، معا، يتفقان
على وصف الجسد كهيئة وسيطة، بل وساطة وأداة اتصال تأخذ بعين الاعتبار واقع حال الأشياء ونمط فهم
الذات في آن معًا، كما أنهما يلتقيان في النظر إلى العالم ليس بوصفه تعاليًا وإنما بوصفه التباسًا أساسًا. تشكل الذات
جزءًا من العالم الذي تكونه، تدركه وتجربه، لأنها تتكون في العالم وليس العكس. حدث في تفكير ميرلو بونتي الفلسفي تحوَّل بارز بانشغاله بمسألة الصورة، التشكيلية منها أو السينمائية. وقد اهتم في
المرحلة الأولى بمسألة الإدراك والسلوك، متأثرا في ذلك بفنيومينيولوجيا هوسرل وبعض كتابات هايدغر، وأيضًا
بنظرية «الغشتالت» (الشكل)، وأثارته في الخمسينيات والستينيات قضايا «المرئي واللامرئي»، وانخرط في صوغ ما
يمكن تسميته «أنطولوجيا البصري». وليس ثمة بين المرحلتين أي قطيعة نهائيًا؛ فكما هو الشأن بالنسبة إلى الإدراك،
ليس المرئي، عنده، مجرد قبض على، أو حيازة للعالم البصري، وإنما يحيل على نوع من «الاختفائية» مرتبطة به، بحيث
تجد إمكانية الرؤية نفسها مندمجة فيه. ومن ثم لا يمكن فهم الوجود الذي يتشكل في ما هو مرئي إالّ من خلال
عملية إخراج بصرية، أو من خلال تشكيله من دون تثبيته داخل هذا الشكل. ليس من المستغرب، إذًا، أن يستعمل ميرلو بونتي مصطلحًا مُتخيَلّا، خصوصًا في كتابه عن الرسم، يتحدث
فيه عن «نسيج متخيّل للواقع». ويدعو، بوضوح، إلى «ضرورة اعتماد كل نظرة على متخيل»، وهو ما يفيد
غياب أي تعارض بين المرئي واللامرئي، بين الواقع والمتخيّل، بل إنهما يتشابكان ويتكاملان، وهذا ما يدافع
عنه، خصوصًا في الرسم الذي يتمكن من اكتناه داخل العالم من داخل النظرة ذاتها. وهكذا، فإن الوساطة، عند
بونتي، أكانت صورة سينمائية أم تشكيلية أم غير ذلك، تغدو مرئية ما دامت منسوجة بين متجاورين، أي بين ما
هو مرئي وما هو غير مرئي. يشكّل هذا الانفتاح، الذي بلوره ميرلو بونتي بخصوص مسألة المرئي واللامرئي، الواقع والمُتخيل، مناسَبة لا
حدود لأهميتها بالنسبة إلى ما سيقوم دولوز ببنائه في فلسفته للسينما. وسيعمل هذا الأخير على تدقيق وتعميق
مجموعة من الأفكار التي صاغها ميرلو بونتي بطريقته. وعلى الرغم ممّا يبدو من اختلاف في المنطلق والمنهج
ونمط السؤال، فإن ك من ميرلو بونتي ودولوز يعتبر أن الصورة ليست هي ذاتها، مكتملة، لأنها تتجاوز ذاتها
باستمرار بموضعة عالم خارجي يتجاوزها على الدوام.
55 Maurice Merleau-Ponty, L’Oeil et l’esprit, folio. Essais; 13 ([Paris]: Gallimard, 1964).
56 المصدر نفسه، ص.24
57 المصدر نفسه، ص.59