أثر الترجمة في تطوُّر اللغة العربية
Translation’s Influence on the Evolution of the Arabic Language
الملخّص
في سبيل إظهار حال اللغة العربية في أوّل مشروع تفاعُل بينها وبين لغات المركزية الأوروبية الوافدة، قُسِمَ البحث إلى ثلاثة أقسام مستقاة من ثلاث مراحل متداخلة تُعبِّر عنها نصوص روّاد النهضة العربية الحديثة. هذه المراحل هي: الانبهار بالآخر كما يبدو عند عبد الرحمن الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجِم والأخبار؛ تقليد الآخر كما يبدو عند الطهطاوي في كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز؛ البدء بإعادة بناء الهوية عبر تحديث السلسلة الثقافية العربية كما يبدو في مشروع التنوير الثاني الذي أسَّسه طه حُسين، ومظاهره المستمرّة إلى أيامنا الحاضرة. هكذا، سوف نُبيِّن، بدليل التحليل النصّي، كيف تقترب أُسس الترجمة ومعاييرها من الاستقرار النظري الذي يتيح للغة العربية الحديثة أن تواكِب العصر بتكامُل أساليبها في التسمية والتعبير، وأن تكون لُغة أدب وعلم وتعليم على حدٍّ سواء
Abstract
This paper is premised on the notion that contact between the Arab “self” and the “other” occurs in tandem with the evolution of the Arabic language. The author argues that a consciousness of the self requires the emergence from the confines of self-identity and the embrace of an open identity. Such an identity enables self-consciousness and self-renewal through the knowledge, understanding, and interaction with “otherness”. Language is the mirror that reveals human existence and creates the understanding of existence. The evolution of language is thus a reflection of the evolution of the subject through the interaction with the other and the transmission of the other’s knowledge and technology. This has been the experience of the Arabic language since the mid-19th century and continues to be so to date. Translation contributed to the modernization of the Arabic language and made it part of contemporary cultural dialogue. The influence of translation is, therefore, not limited to the level of transmitted words, but includes the development of new conceptual and terminological systems and the creation of new synthetic forms. Within this context, Ibrahim elucidates the state of the Arabic language during its first interactions with major European languages. The paper addresses the fascination with the other, as evidenced in Abdel Rahman al-Jabarti’s chronicle of the history of Egypt, Historical and Biographical Marvels; the imitation of the other as evident in al-Tahtawi’s account of Paris, The Extraction of Gold from a Distillation in Paris; and the beginning of the restructuring of identity through the renewal of Arab cultural heritage as can be seen in the project for a second enlightenment founded by Taha Hussein, the offshoots of which remain today. An analysis of these texts demonstrates how the foundations and standards of translation approach theoretical stability, thereby allowing modern Arabic to be in line with the times in terms of its means of denotation and of expression and to be a language for literature, science, and education in equal measure.
- الإبريز
- اللغة العربية
- التحليل النصي
- الترجمة
- باريز
- Translation
- Arabic Language
- Text Analysis
- Tahtawi
- Enlightenment
ينطلق هذا البحث من فكرة التوازي بين احتكاك الذات العربية بالآخر وتطوُّر اللغة
العربية. ذلك أن وعي الذات تطل ب الخروج من إطار الهوية العينية l’ipséité () إلى الهوية
المنفتحة l’identité ouverte) (التي تسمح بوعي الذات وتجديد قدراتها من خلال معرفة
الغيَريّة l’altérité) (وفهمها والتفاعل معها. ولما كانت اللغة مرآة تتجىلّ فيها كينونة الإنسان
وكيفية تصوُّره للوجود، فمن الطبيعي أن يكون تطوُّرها انعكاسًا لتطوُّر الذات من خلال
المفاهيم الجديدة الناتجة من التفاعل مع الآخر ونقل معارفه وتقنياته. وهذا ماشهِدتْه اللغة
العربية ولا تزال تشهده منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الآن، حيث ساهمت الترجمة
في تحديثها وإدخالها في الحوار الحضاري المعاصر. لم يقتصر أثر الترجمة فيها على مستوى نقل
الألفاظ، بل شمل، فوق ذلك، استحداث منظومات جديدة من المفاهيم والمصطلحات،
وتوليد أشكال تركيبية مستجدَّة أيضًا. في سبيل إظهار حال اللغة العربية في أوّل مشروع تفاعُل بينها وبين لغات المركزية الأوروبية
الوافدة، قُسِمَ البحث إلى ثلاثة أقسام مستقاة من ثلاث مراحل متداخلة تُعبرِّ عنها نصوص
روّاد النهضة العربية الحديثة. هذه المراحل هي: الانبهار بالآخر كما يبدو عند عبد الرحمن
الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجِم والأخبار؛ تقليد الآخر كما يبدو عند الطهطاوي
في كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريز؛ البدء بإعادة بناء الهوية عبر تحديث السلسلة
الثقافية العربية كما يبدو في مشروع التنوير الثاني الذي أسَّسه طه حُسين، ومظاهره المستمرّة
إلى أيامنا الحاضرة. هكذا، سوف نُبينِّ، بدليل التحليل النصيّ، كيف تقترب أُسس الترجمة
ومعاييرها من الاستقرار النظري الذي يتيح للغة العربية الحديثة أن تواكِب العصر بتكامُل
أساليبها في التسمية والتعبير، وأن تكون لُغة أدب وعلم وتعليم على حدٍّ سواء.
مقدّمة
هذا البحث محاولة للإجابة عن عدّة أسئلة تثيرها الترجمة في شأن طبيعة اللغة العربية وقابليّتها
للتطوُّر؛ إذ تب من خلال احتكاكها باللغات الأجنبية الحديثة أهنّا ليست حديثة العهد بما
يُمكِّنها التمكين المطلوب من تطويع قوانينها الداخلية كي تستجيب لدواعي الترجمة وضروراتها. فمع
امتلاكها كثرةً من ألفاظ تُرجِع إلى فجر الحضارة البشرية، تفتقر إلى الأجهزة الاصطلاحية التي تُؤسَّس
عليها الأنساق المعرفية المتنوِّعة، وهو ما يفرض التساؤل عن مدى التلازم بين الافتقار اللغوي وافتقار
الفكر العربي الحديث إلى روح المنظومة: فهل استعان هذا الفكر حقًا بلغة قديمة للتعبير عن قضايا حديثة
وراهنة؟ وهل عجزت اللغة العربية الحديثة نتيجة ذلك عن إثبات وجودها؟ لمناقشة الإجابات الممكنة عن هذه التساؤلات، عدنا إلى نصوص بعض روّاد النهضة العربية الحديثة
وأقمنا في ضوء معطياتها توازيًا بين احتكاك الذات العربية بالآخر، وتطوُّر اللغة العربية. فتكوّنت لدينا
فئتان أساسيَّتان تنضوي داخلهما عدّة مقولات متوازية نظريًا: فئة الذات/الآخَر، وفئة اللغة/المنظومة. الذات/الآخر: الهوية العينية الهوية المنفتحة الغيَريّة اللغة العربية/المنظومة: التصوُّر/المفهوم المصطلح المنظومة
تشكّل الفئة الأولى خلفية الفئة الثانية. وتأتي النصوص لتبُرِهن على قابلية العربية للتطوُّر، كاشِفةً الاطِّراد
بين انفتاح الذات العربية الذي أتاح حركة الترجمة وحركة اللغة المُواكِبة لها، وذلك من خلال نَسقيَن: - المنظومات الجديدة بالقياس إلى السلسلة الثقافية العربية: علم المكتبات، والصحافة، والخدَمات،
وعلم الآثار. - الألفاظ والتراكيب الداخلة في تكوين اللغة العربية الحديثة.
فئة الذات/ الآخر
يعكس تاريخ الترجمة وجود الإنسان وفعله الثقافي اللذين تُع عنهما اللغة؛ ففعل الترجمة، في نظرنا، من
فعل الذات، يتّسع مع اتّساعها، وينحسر مع انحسارها. لكن هذا الاطِّراد بين الفِعلَين لا يُدرَك ببساطة
نظرًا إلى ارتباطه الشديد بمبدأ الهوية الذي يشكّل نواة شبكة من المفاهيم والمصطلحات بالغة الدلالة.
فهي، من جهة، من صُلب اللغة وآليات تفاعلها مع الوجود، ومن جهة ثانية، نقطة تقاطُع ميادين معرفية
عدة كالفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، الأمر الذي يوجب التمعُّن في مدلولاتها العامة والخاصّة
كي تُضاء مختلَف نقاط البحث المتّصلة بدور الترجمة في تطوير اللغة العربية. بغية إدراك هذه المدلولات، لا بُدّ من أن نشرح ببعض التفصيل ثلاث مفهومات جوهرية متداخلة حتُدّد
طبيعة تطوُّر العلاقة بين الذات والآخر، ومسار تحولّاتها. هذه المفهومات هي: الهوية العينية) l’ipséité)
والهويّة l’identité)) والآخرية l’altérité)). 1 نقصد بالمنظومة Le Système)) المعنى العام المعروف، أي البنية المتكاملة التي تتفاعل داخلها عناصر مترابطة وظيفيًا. ولكنّنا نُركّز على
بنية اللغة الاصطلاحية الداخلة في تركيب الأنساق المعرفية الجديدة التي عرفها العرب في العصر الحديث.
تدور هذه المفهومات حول مصطلح «المركزية» الذي يُشك ل لاحقةً تندغم فيها وتُكثِّف حضورها
بإدراجها في منظومات فكرية وفلسفية دقيقة تُفسرِّ سبب ترابطها الضمني مع مصطلحاتٍ فرعية تدلُّ على
الحضور، كالإنيّة)l’eccéité) التي يُعرِّفها الفارابي بأهنّا الوجود الأكمل للشيء، وكالتماهي في ال «هُنا»
أو في «الأ»َيْنl’hiccéité))، أي الوجود في مكان محدَّد.
تدل «الهوية العينية» على «الأنا عَيْنه» المحدَّد الذي ليس هو غيره، أي على «أن يكون الكائن ذاتَه لا كائنًا
آخر»، فإذا انغلق الأنا على وجوده الأكمل واعتصم به عادًّا أن كلّ شيء يدور في فلكه، نشأت جملة من
المركزيات: «مركزية الموضَِع » lococentrisme))، و«مركزية الذات » égocentrisme)) الفردية أو الجمعية،
و«مركزية المجتمع» sociocentrisme)) على الصعيد الجمعي، و«مركزية اللغة » logocentrisme() المنبثقة
منهما انبثاق النتيجة من أسبابها. وتدل «الهويّة» بمعناها اللغوي العام على مطابقة الشخص المعروف باسمه، ونسَبه، لعلامات فارِقة تميِّزه
من غيره. وبديهي أن يسري على الفرد ما يسري على المجتمع الذي يمتلك هويّة خاصّة تغاير هويَّات
المجتمعات الأخرى، في حين أن «الآخرية» تنطوي على افتراض وجود رابط بين الكائن ذاته وغيره من
الكائنات المختلفة عنه. أمّا العلاقة بين هذه المفهومات الثلاث، فيحكمها معيار «قابلية انفتاح» بعضها على بعضها الآخر بالتطلُّع
إلى التحرُّر من إسار الأنَويَّة، والعبور إلى الآخريّة. فإذا تعذَّر الانفتاح، تعذّرت الترجمة التي توجب
ضرورة الانفتاح إن لم تكُن هي الانفتاح ذاته. إذًا الهوية العينية كينونة مغلقة من الصعب أن تتحوّل إلى آخرية، وهو ما يعني أن علاقتها بالآخر لا تقوم
على الانفتاح، بل على الهيمنة والإلغاء. تنعكس هذه العلاقة في مقولة مركزية اللغة التي تسخِّر طاقاتها
بأشكال مختلفة لفرض ثقافتها على الآخر وجعله يدور في فلكها. هكذا مثل ا نشأت مركزية اللغة الإغريقية
التي سُمِّيت الشعوب التي لا تتكلّمها بالبربر، أي التي «تبُربر» كلامًا غير مفهوم؛ فالفعل اللغوي (le
verbe) خاصّة «اللوغوس» التي يتجىلّ فيها الحضور الفعّال والتصرُّف الهادف إلى بسط القِيَم الإغريقية
على الشعوب الأخرى بالقوَّة. لذا جاءت فتوحات الإسكندر ترجمةً لهذه المركزية التي كانت وراء ثنائية
إغريقي فاتح/غير إغريقي خاضِع. وعلى أساسها تعيَّنت هويّة الإغريقي المتحِّ المتميِّزة، وهويّات
أُخرى غير مُتميِّزة أو همجيّة. وسرُعانَ ما انسحبت هذه الثنائية النمَطيَّة على العصر الروماني لينقسم العالم
إلى روماني/غير روماني، وعلى العصر الحديث لينقسِم إلى أوروبي/غير أوروبي، ثُمّ إلى غرب/ شرق،
وجنوب فقير/ وشمال غني.
2 Le Littré, Paris 1882, XXIV, p. 2.
3 انظر: أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، كتاب الحروف، حققه وقدم له وعلق عليه محسن مهدي، ط 2 (بيروت: دار المشرق، 1990)،
ص 61، ومجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي (القاهرة: الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 83 تع 19)، «الإنيّة: الوجود الفردي المُ
مقًابل الماهيّة»، ص 21.
4 أو البيقرة إذ يُقال: «بَيْقرَ: أقام في المكان». انظر: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، كتاب الجراثيم، حققه محمد جاسم الحميدي؛ قدم
له مسعود بوبو، إحياء التراث العربي؛ 105، 2 دمشق: وزارة الثقافة، 1997) ج 1، ص ج (.253
5 فيليب سرجان، «مسألة الآخرية» ترجمة علي نجيب إبراهيم، الآخر (بيروت)، العدد 1 (صيف 2011)، ص.158
6 وذلك بمعنى الحركة التي أنجزها مونتينيو Montaigne()، وهي تؤسِّس للخروج من الذات ek-stasis() المرتكِز على الخروج من
الكائنية. انظر: المصدر نفسه، ص.165
ضمن هذا الإطار، استلهم نابليون أمجاد الإسكندر المقدوني وفتوحاته في تعبير حديث عن مقولة الأوروبي
المتحِّ ذي العقل العلمي، المقولة المرتكزة على مفهوم القراءة وما تستلزمه من وسائل كالمطبعة والمكتبة؛
إذ إن انغلاق الذات الفرنسية الأوروبية هنا استبعد أي تفاعل مع كيان المصريين الذين لم يكونوا إالّ
موضوع تحديث ظاهر تزامنت الخطوات الأولى على طريقِه مع شقِّ قناة السويس التي ربطت قارّتين ربطًا
تجاريًا واقتصاديًا.
وفي المقابل، تجهد الهوية المُجبرَة على الخضوع بالقوَّة لأشكال المركزية المتعدِّدة للحفاظ على وجودها عبر
مفارقة حتمية تجعلها تنغلِق لكي لا تفقد خصائصها، وتنفتح كي تُواكِب الآخر الأكثر تفوُّقًا. ومن ثمّ
تغدو الهوية مسألة مشروع حضاري جديد تُشكّل الترجمة عصَبه المركزي، ورُبَمّا الأكثر خطرًا. لكن الأهمّ هنا يتّصل باكتشاف وجه الترجمة الإيجابي وكيفية مساهمته في تحديث اللغة العربية وإدخالها
في الحوار الحضاري المعارصِ. نقصد بالوجه الإيجابي الأسباب التي تتوافر أحيانًا لإتاحة تواصل ثقافي بين
الذات والآخر حتى في سياق الصراع، والتحام الجيوش. هذا التواصُل يكسر حدّة الثنائيات النمطيَّة
وجمودها الأيديولوجي، ويساعد في كشْف لحظة من لحظات فعل الذات العربية أو ردّة فعلها، إذ فوجئت،
بل صُدِمَتْ، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بضرورة إثبات مقوِّماتها
الوجودية والثقافية. سنستعين، في قراءة ملامح هذا الوجه وإرهاصاته، بنصوص تُظهِر حال اللغة العربية في أوّل مشروع
تفاعلٍ بينها وبين لغات المركزية الأوروبية وما وفَد من مفهوماتها. وسوف نُقسِّم هذه البداية، بالاستناد
إلى النصوص التي اخترناها، إلى ثلاث مراحل متداخلة: الانبهار بالآخر، وتقليده باستجلاب ما لديه من
منظومات ثقافية وتقنية، والشروع في إعادة بناء الهوية، ومسار تطوير اللغة من خلال الترجمة.
فئة اللغة/ المنظومة: الانبهار بالآخر ومعضلة التعبير اللغوي
الانبهار بالآخر يُدخِل الذات في مفارقة تدفع بها إلى الاقتداء بالمختلِف الأقوى المتفوِّق، مع الإبقاء على
الاختلاف معه. وقد أرخت هذه المفارقة بثقلها على المتنوِّرين العرب منذ فجر النهضة الحديثة، لأنّ
الاختلاف يمسُّ العقيدة التي أسّس عليها متنوِّرون إسلاميون، كجمال الدين الأفغاني مثل ا، دعوتهم إلى
رابطة إسلامية تندرِج فيها العروبة. وفي المقابل، دعا المتنوِّرون، من مسلمين ومسيحيين، إلى هوية عربية
تنتمي ثقافيًا إلى الحضارة العربية الإسلامية، تفيد من مدنية الغرب دونما الإخلال بسُلَّم القِيَم والأخلاق.
وانعكست هذه الدعوة في ما أومأ إليه الطهطاوي مرّات عديدة، حتى في وصفه عادات الفرنسيين
وتقنياتهم، إلى ما ينبغي الإفادة منه وما ينبغي الابتعاد عنه، كما في حديثه عن باريس: «وبالجملة فهذه
المدينة كباقي مدن فرنسا وبلاد الإفرنج العظيمة، مشحونة بكثير من الفواحش والبدَع والاختلالات،
وإن كانت مدينة ‹باريس› من أحكم سائر بلاد الدنيا وديار العلوم البرّانيّة».
على أن الفريقين كانا يتطلَّعان إلى ضرورة الإفادة من شكل المدنية الأوروبية، أي بما سامّه الطهطاوي
«برّانيًا» يقتصر على الدنيوي من دون أن يمسَّ العقائد والروحانيات التي هي عماد سُلّم القِيَم. ولم يكن
7 رفاعة رافع الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993)، ج 2، ص.148
هرذا ممكنًا نتيجة تفاوت كبير بين مستويي «الذات» الغربية و«الذات» العربية الإسلامية، الأمر الذي يفس
لنا قول محمد شفيق غربال في تقديمه كتاب حسين مؤنس الشرق الإسلامي في العصر الحديث: «أمّا
والأمر كذلك، فلا سبيل إلى القول بأنّ الشرقي العثماني كان يستطيع الإفادة من النهضة الأوروبية دون أن
ينزل عن رجولته وحريّته».
غير أن العلاقة كانت حتمية وإن اقترنت بالتطلُّع إلى المواءمة بين شكلها ومضمونها؛ التطلُّع الذي لخّص
أحمد أمين فحواه بقوله: «طالما تمنّى بعض الفلاسفة عاًَا يجمع بين مادّيات الغربوتأمُّل الشرق، وكان
منظرًا جميل ا عندهم الإسكندرية في عصورها الأولى إذ جمعت بين تأمّل الشرق ومادّيات الغرب. ولكنْ من
غير شكّ لا يزال الغرب يمتاز ببناء حياته على العلم، بينما الشرق كثيرًا ما يبني حياته على الخرافات».... على أن نابليون بدا بمظهر المبِّ الذي يحمل معه أنوار المدنية الفرنسية ومبادئ ثورتها؛ إذ تلازمت حملته
على مصر مع تطبيق طرائق العلم الغربي في مختلف مجالات البحث التي أسَّس عليها محمد علي باشا
مشروعه في تحديث الدولة المصرية. ومن أجل ذلك، يرى المؤرِّخون أنّه لم حيُقِّق نجاحًا عسكريًا كامل ا،
لكنّه حقق نجاحًا علميًا كبيرًا في اكتشاف طبيعة مصر، وتربتها، ونباتاتها، وحيواناتها، وطيورها، ونيْلها،
وأسواقها، وآثارها، وقد تجىلّ ذلك كلّه مع نشر كتاب وصف مصر) la description d’Egypte) الذي
استمرّ من سنة 8021 حتى سنة 826.1 لعلّ من غرائب المصادفات أن يبدأ مشروع الطهطاوي التنويري حيث انتهى نشر هذا الكتاب، إالّ أن لحظة
التلاقي المفترَضة بين وصف مصر ووصف باريسبقيت منطوية على تفاوت مادّة اللغة الوصفية؛ فاللغة
الفرنسية قامت على منظومة متكاملة، في حين أن اللغة العربية خاضت تجربة التعبير من أولّها، باحثة عامّ
من شأنه أن يُكوِّن حلُمة المنظومة وسُداها من المفردات والمصطلحات. لذلك يُعَدّ وصف مصر موضوع
اكتشاف يعتمِد على الملاحظة والتجربة والاستنباط، بينما يُعَدّ وصْف باريس موضوع تعرُّف وتعلُّم يعتمد
على الرؤية، والفهم، ومحاولة التقريب إلى الأذهان بمفهومات أوّلية لا تنتظم في نسَق محدَّد كتلك الأنساق
الفكرية والأدبية والفلسفية التي عرفتها العربية في أوج ازدهارها، لأهنّا مرَّت بمرحلة ركود دامت قرونًا
عدة، فانحسر دورها الثقافي والعلمي. ونتج من هذا تدهور في أدائها الأسلوبي المغرِق في البلاغة المتكلَّفة
التي تقوم، كما يرى المستعرِب الروسي بيكلين، على «النثر المصطنَع المسجوع، واللَّعِب بالكلمات المتجانسة،
والاستعمال غير المحدود للمترادفات، والكلمات النادرة التي يصعب فهمها». ثم إن ابتعادها عن
ترَّثعت كلذلو، نومضلام نم ةغرافلا الاهكشأ جاتنإ ديعُت اتاهذ في ةياغ لإى الهَّوح ةيملعلاو ةيبدلاأ انوهتم
خطواتها مع أوَّل احتكاك لها باللغات الأوروبية الحديثة، وبدَت قارصِة أمام التطوُّر الذي تطلّبته الطباعة
8 حسين مؤنس، الشرق الإسلامي في العصر الحديث، ط 2 (القاهرة: مكتبة حجازي،.)1938
9 المصدر نفسه، المقدّمة، ص «و»، وجورج كتورة، طبائع الكواكبي في طبائع الاستبداد: دراسة تحليلية (بيروت: المؤسسة الجامعية
للدراسات والنشر والتوزيع، 8719)، المقدّمة، ص 0 1، حيث يقول: «فالواقع أن قسامً كبيرًا من مُفكّري عصر النهضة قد وعى تقدُّم
الغرب تقنيًا وعلميًا، ووعى أن التخلُّف القائم بين الشرق كما يقول الأفغاني، أو المسألة الشرقية كما يقول الكواكبي هو تخلُّف علمي. من
هذا المنظار دعا قسم كبير منهم إلى الأخذ عن الغرب مع الحفاظ على الأصالة. وبعبارات أُخرى، الأخذ عن الغرب ما لا يتنافى مع قِيَم
الدِّين...».
0 1 أحمد أمين، الشرق والغرب (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1955)، ص.79
11 انظر: جمال الدين الشيال، تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسية (القاهرة: دار ومكتبة الثقافة الدينية،.)2000
2 1 ف. م. بيلكين، «في تاريخ تطوُّر اللغة العربية الفُصحى،» ترجمه عن الروسية جليل كمال الدين، المورد: العدد 1، ج 1 (آذار/ مارس
1973)، ص.33
وانتشار الصحف والتعليم. في البداية ظهر قصورها على مستوى تسمية الأشياء التي لم يعرفها العرب،
إذ لجأ الكُتّاب إلى دلالات تقريبية اختلطت فيها الفصيحة بالعامية، والتعريب بالترجمة. ولمزيد من الدقّة،
سنعرض مجموعة مقتطفات نصيّة من كتاب الجبرتي عجائب الآثار في التراجِم والأخبار، ومن كتاب
الطهطاوي تخليص الإبريز في تلخيص باريز. وسنُحدّد من خلال هذه المقتطفات انعكاس التداخل بين
الانبهار بالآخر وتقليده على مستويي التطوير اللغوي اللذَين ذكرناهما: مستوى استحداث منظومات
جديدة ومستوى الألفاظ والتعابير.
مستوى استحداث المنظومات الجديدة في السلسلة الثقافية العربية
- منظومة المكتبة: للعرب باع طويل في صناعة الكتابة وأدواتها كالورق، والأقلام، وأنواع الخطوط
وغيرها. ومن الطبيعي أن ينجم إنشاء مكتبات مشهورة في أرجاء الإمبراطورية العربية الإسلامية كمكتبة
الإسكندرية، وبغداد، ودمشق عن ازدهار هذه الصناعة. لكنَّ هجمات المغول التي حرقت الأخضر
واليابس، بدَّدت كثيرًا منها. وتكفّل الانقسام السياسي في أرجاء دولة الخلافة، والحروب والفِتَن بالباقي.
لهذا السبب، سجّلت المطبعة التي دخلت مصر مع حملة نابليون فتحًا جديدًا في مجال صناعة الكتابة
وتصنيف المكتبات. ويبدو أن الجبرتي لم يكن يعرف شيئًا عن هذه الصناعة وأدواتها، فكتب نصًّا وصفيًا
ينمُّ عن انبهاره بشيء طارئ عجيب لم يعهَد له مثيلِا في محيطه الثقافي. إذ يقول:
«وبَيت حسَن كاشف جركس [...] الذي أنشأه وشيَّده وزخرَفه [...] وترَكهُ، فيهِجملة كبيرة من كُتبهم
وعليها خُزّانٌومُبارشِونيحفظونها، وحيُضرونها للطلبة ومن يُريد املُْراجعة؛ فريُاجعون فيها مُرادَهم
فتجتمِع الطلبَة منهم كلّ يوم قبل الظهر بساعتين ويجلسون في فُسْحة المكانالمُقابلة ملِخازن الكُتب على
كراسيمنصوبة مُوازية لتختاهِعريضة مُستطيلة فيطلب مَن يريد المُراجعة ما يشاء منها فيُحضرها له الخازن
فيتصفّحون ويُراجعون ويكتبون[...] وحيُرضِون له أنواعَالكُتب المطبوع بها أنواع التصاوير وكُرَّات
البلاد، والأقاليم والحيوانات، والطيور، والنباتات، وتاريخ الأمَم، وقِصص الأنبياء ». وهو إنَمّا يعرض عناصر الظاهرة التي يصفها بلغة لصيقة بالتصوُّر الأولّي البعيد عن الدلالة الدقيقة
التي يتطلّبها المصطلح؛ فمع أن العناصر الموصوفة قد تصلح أن تكون إرهاصًا لتكوين منظومة لغوية
خاصّة بمؤسسّة ثقافية اسمها « المكتبة»َ، فإنها لا تنمّ عن أي ترابط دلالي بين مكوِّنات هذه المنظومة
التي تطلّبت زمنًا طويل ا قبل أن تتكامل وتستقرّ. فعلى مستوى المكان، لم يرَ الجبرتي إالّ بيتًا مزخرَفًا
13 عبد الرحمن بن حسن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق وشرح حسن جوهر، عمر الدسوقي وإبراهيم سالم، 7 ج
(القاهرة: لجنة البيان العربي،.)-19581965
14 رفاعة رافع الطهطاوي، الديوان النفيس في إيوان باريس، أو، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، حررها وقدم لها علي أحمد كنعان،
ارتياد الآفاق (أبو ظبي: دار السويدي للنشر والتوزيع؛ بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2002
15 لمزيد من الاطّلاع على تاريخ هذه الصناعة الطويل، انظر: خيال محمد مهدي الجواهري، من تاريخ المكتبات في البلدان العربية
(دمشق: منشورات وزارة الثقافة،.2199)
16 انظر: الجبرتي، ج 4 و.5
حوَّله الفرنسيون إلى مخزن ووضعوا فيه «جملة كبيرة» من كتبهم. ولم يجِد في قاعة المطالَعة إالّ «فسحة
مكان مُقابلة لمخازن الكتُب» نُصِبَت فيها كراسي موازية لتختاه عريضة مستطيلة لا طاولة. وعلى
مستوى العامِلين في المكتبة (من أُمناء وموظَّفين)، لم يرَ أكثر من «خُزَّان ومبارشِين» يحفظون الكتب
ولا يصنِّفونها تسهيل ا لإحضارها عندما يطلبها القرّاء أو الطلَبة بغية «المراجعة والكتابة» لا المطالَعة
وتدوين الملاحظات. وعلى مستوى الكتب التي هي عماد المكتبة، يُلخِّص كثرة عددها بقولة «مجُلة
كبيرة»، بينما يُفصِّل وصف تلك الأنواع من الكتب التي فيها «أنواع التصاوير وكُرَّات البلاد، والأقاليم
والحيوانات، والطيور، والنباتات، وتاريخ الأمَم، وقِصص الأنبياء»، نتيجة غياب مصطلحات مثل
خرائط البُلدان، والأطالسِ، والموسوعات التاريخية، والموسوعات العلمية المصوَّرة. ومن المعروف
أن مكوِّنات هذه المنظومة ما كانت لتتطوَّر باتجاه الاستقرار لولا الترجمة التي رفدَت التربية والتعليم
وانتشار الصحافة، وحثّت على العودة إلى التراث المجهول وإحيائه والاستعانة بمُعطياته بغية تأصيل
هذه الظاهرة الوافدة. - قطاع الخدَمات: مصلحة التنظيفات: حين لاحظ الطهطاوي عناية الفرنسيين بتنظيف عاصمِتهم، تمنّى
أن يفعل المصريون مثلهم في القاهرة على الرغم من نقص الوسائل التقنية التي سوف تشقُّ عليهم. لذا
يُصوِّر ما يراه بالقول: «فإن أهل باريسمثل ا سَهلٌ عندهم رَشُّ ميدانٍمُتّسعٍمن الأرض وقتَ الحَرّ، فإهنّم يصنعون دِنًّا عظيمذا
عجَا لت، ويُمْشونالعجَلة بالخيل، ولهذا الدِنّ عِدّة بزابيز مصنوعة بالهندسة تدفع الماء بقوَّة عظيمة وعَزمٍ
سريع، فلا تزال العَجلَات ماشية والبزابيز مفتوحة حتى ترُشّ قطعة عظيمة في نحو رُبْع ساعة لا يُمكن
رَشُّها بِجُملة رِجالٍ في أبْلغ من ساعة ».... تشير لغة النصّ إلى أن الطهطاوي، الذي يستخدم تعبير «أهل باريس»، كان يجهل وجود مؤسَّسات تابعة
لبلديات المدن الفرنسية تُعنى بتنظيف الشوارع، ورش الساحات بالماء في فصل الصيف، وبالملح في موسم
الثلج والجليد، حتى إنّه سمّى بلدية باريس ب « دار المدينة» وعمدتها « شيخمدينة باريس ». وهو بذلك
إنمّا ينعت الآخر بصفات الذات التي لا يعرف غيرها. وفوق هذا، يشير تصوُّر «العظَمة» إلى اندهاش مَن
يكتشِف شيئًا يراه أوّلَ مرّةٍ في حياته، فيتوسَّل لُغته من دون أن يجِد فيها ما يمكِن أن يع كما ينبغي عن
هذا الشيء المدهِش. دليل ذلك وصفه «دِنّ عظيم» الذي يُقرِّب إلى الأذهان صورة الموصوف غير المعروف
الذي ليس «برميل اً» ولا «جرّة ضخمة» أو «خابية»، بل هو « صِهريج». وما يسمّيه بالعاميّة المصرية
«بزابيز» ليس إالّ ثقوبًا جانبية في الصهريج مُصمَّمة بطريقة تجعل الماء يندفع منها بقوّة نتيجةَ الضغظ،
فترش مساحة واسعة (لا قطعة عظيمة) خلال رُبع ساعة بينما يحتاج عدّة رِجال (لا جملة رجال) إلى أكثر
من ساعة (لا أبلغ من ساعة) لإنجاز هذا العمل.
17 يُسمِّي الطهطاوي مكتبات باريس بالخزائن، كالخزانة السلطانية، وخزينة الأرسُنال وغيرهما. انظر: الطهطاوي، تخليص الإبريز في
تلخيص باريز، ص 264 - 268. وأحيانًا ب «الكتبخانة»، انظر: المصدر المذكور، ج 2، ص.387
81 انظر: الجواهري، ص.161-156
19 الطهطاوي، الديوان النفيس في إيوان باريس، ص.89
20 الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، ج 3، ص 3.20
وقبل أن نكمل تحليل النصّ، نُورد ترجمته إلى الفرنسية لأهنّا تُساعدنا على إدراك المقصود المُحدَّد من
استعمال بعض الأفعال.
«A titre d’exemple, il est facile chez les parisiens, d’arroser une vaste place durant les chaleurs. Ils façonnent un gros tonneau à roues et font tirer le véhicule par des chevaux. Ce tonneau a de nombreux trous, techniquement disposés, qui rejettent l’eau avec vigueur et à un débit rapide. Les roues ne cessent pas de tourner alors que les trous sont ouverts, jusqu’à ce qu’une immense superficie soit arrosée en un quart d’heure environ, ce qu’ un groupe d’hommes ne savait exécuter en plus d’une heure ».
يستخدِم الطهطاوي فعل « مشى» وفعل « أَمْشَى» المتعدِّي بالهمزة. يُسند الفعل الأوّل إلى العجَا لتِ
(فلا تزال العجَا لت ماشية)، ويُسند الفعل الثاني إلى الخيول (ويُمْشون العجَلة بالخيل). والحال أنّ
الفعل الفرنسي tourner« » صحّح علاقة إسناد المشي إلى العجلات التي تدور ولا شْي، كما صحَّح فعل
faire tirer« » علاقة إسناد الإمشاء إلى الخيول التي تجَ رُّ ولا متُيْشِ. وممّا يثير العجَب هاهنا أن الطهطاوي
يُقارِن النظام النحوي في اللغتيَن الفرنسية والعربية ويسجّل قصور الأولى عن الثانية في تصريف الأفعال
لأهنّا تستخدم الفعلَين المساعدَين: فعل التملُّك (أو التلبُّس)، وفعل الكينونة. ومع أنّه يشرح نظام
النحو الفرنسي بالقول: «ثُمَّ إن قواعد اللسان الفرنساوي وفنّ تركيب كلِماته وكتابتها وقراءتها يُسمّى
(غراماتيقي) «غرامير» (بتشديد الميم) عند الفرنسيس، ومعناه فنّ تركيب الكلام من لُغة من اللغات،
فكأنّه يقول فنّ النحو، فيُدخِل فيه سائر ما يتعلَّق باللغة»، لكنّه لا يمضي إلى مقارنة علاقات الإسناد
داخل التركيب النحوي من حيث هو رُكنٌ مهم من أركان منظومة اللغة ذاتها. - ميدان الصحافة: يصف الطهطاوي في الجزء الثاني من كتابه «الكازيطات» بالقول: «وأمّا المادّة الثامنة، فإهنّا تقوِّي كلّ إنسان على أن يُظهِر رأيَه وعلمَه وسائر ما يخطر بباله ممّا لا يُضير غيره،
فيعلم الإنسان سائر ما في نفس صاحبه خصوصًا الورَقات اليومية المُسامّة ' الجورنالات ' و ' الكازيطات '.
الأولى جمع (جُرنال) والثانية جمع (كازيطة). فإنّ الإنسان يعرِف منها سائر الأخبار المتجدِّدة، سواء كانت
داخلية أو خارجية [...] وإن كان قد يوجد فيها من الكذِب ما لا حيُصى، إالّ أهنّا قد تتضمّن أخبارًا تتشوَّق
نفس الإنسان إلى العلم بها، على أهنّا ربما تضمّنت مسائل علمية جديدة التحقيق أو تنبيهات مفيدة أو
نصائح نافعة، سواء كانت صادرة من الجليل أو الحقير». من الواضح أن الطهطاوي يقصِد من المادة الثامنة « حقّ التعبير عن الرأي» كتابةً من دون إيذاء الآخرين،
وذلك من خلال وسيلة إعلامية لم يسبق أن سمِع بها. لذا راح يُقرِبّها إلى أذهان المصريين بأسلوب الوصف
التعريفي الذي يؤسِّس تاريخ جهاز اصطلاحي خاصّ بمنظومة «الصحافة» يقوم على الترجمة. إالّ أنّ
سياق هذا التاريخ مقترصِ في نصّ الطهطاوي على مُفرَد الكازيطة casette) (والجُرنال journal() اللتيَن
تطوّرتا على امتداد ثمانية عقود تلت رحلته إلى فرنسا سنة 8261، وذلك حين تكاملت مُكوِّنات المنظومة
21 Rifa'at Badawi Rafi Al-Tahtawi, L'Or de Paris: Relation de voyage, 1826-1831 , trad. de l'arabe, présenté et annoté par Anouar Louca, la bibliothèque arabe. Collection les classiques (Paris: Sindbad, 1988), p. 144.
22 الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، ج 2، ص.158
23 المصدر نفسه 2، ص.187، ج
تكامل ا أتاح للمتخصّصين بها تعريفها تعريفًا عامًا قريبًا من المنظومة المعروفة حاليًا: « الصحافة صناعة
الصُّحُف. والصُّحُف جمع صحيفة وهي قِرطاس مكتوب. والصحافيُّونقوم ينتسبون إليها ويشتغلون
بها. والمُراد الآن بالصُّحُفأوراق مطبوعة تنشر الأنباء والعلوم على اختلاف مواضيعها بين الناس في
أوقات مُعيَّنة»....
وكانت التسميات المتعدّدة للجُرنال تتوالد داخل إطار المنظومة غير المستقِرّة؛ إذ سجَّل اختيار نجيب
الحداد، حفيد الشيخ ناصيف اليازجي ومؤسِّس جريدة لسان العرب، لفظة الصحافة تحوُاّلًاصطلاحيًا
ما كان ممكنًا أن يُصاغ تعريف المنظومة من دونه، وذلك نتيجة تعذُّ ر بناء نسَق الصناعة الجديدة ومقولاتها
الفرعية انطلاقًا من التسميات الأخرى للجُرنال على الرغم من كثرتها. فلحظة نشوء الصحافة العربية
سُمّيت «غَزِتَّة»، «لأنّ هذه الصناعة، كما يقول دي طرازي، كانت حديثة العهد عند الناطقين بالضاد ولا
أثَر لها لدى كُتّابهم الأقدمين»، ثُمّ أُطلِقت عليها تسمية « الوقائع»، و« الجريدة»، و« النشرة»، و« الورقة
الخبريّة» أو « الرسالة الخبريّة». ومع أن تسمية «الجريدة» التي اختارها أحمد فارس الشدياق التحمت
بمنظومة «عربية الصحافة»، فإنها لم تتفرَّع عن اشتقاقات اصطلاحية أخرى. وفي موازاة تطوُّر مفهومات المنظومة واتجاهها إلى الاستقرار الدلالي، تولّد مصطلح « مجلّة» وأخذ في الاتّساع
ليشكّل مع الزمن مجاالً صحافيًا متخصّصًا بالحقول المعرفية والثقافية المختلفة: «وكان الصحفيون لا
يميَّزون أواّلً بين الجريدة Journal() والمجلّة Revue() في الاستعمال [...] فلامّ توىلّ الشيخ إبراهيم اليازجي
إدارة مجلّة ‹الطبيب› [...] أشار باستعمال كلِمة ‹مجلّة›، وهي صحيفة علمية أو دينية أو أدبية أو انتقادية أو
تاريخية أو ما شاكل، تصدر تباعًا في أوقات معيّنة». والآن إذا تتبّعنا مسار المصطلحات الصحافية التي انطلقت من التصوُّر إلى التسمية الأجنبية المتلازمة
مع الوصف إلى بنية المنظومة المعروفة اليوم، مرورًا بتعدُّد التسميات العربية، اتّضح أمامنا دور الترجمة
في استحداث تركيبات جديدة أغنت اللغة العربية وخلعت عليها طابع الحداثة، ومكّنتها من التفاعل
الحيّ مع غيرها من اللغات الأجنبية؛ إذ صارت كل مة الصحافة la presse() نواةً تكوَّنت حولها أنساق
عديدة، منها: - نسق الصحيفة (الجريدة) journal() المقترن بموعد الصدور: صحيفة يومية quotidien) (أو
أسبوعية hebdomadaire() أو شهرية mensuel()، أو بمكانه: صحيفة محليّة، صحيفة القُدس، صحيفة
الديار...، أو برمزه الدلالي: صحيفة الحياة، صحيفة الثورة، صحيفة الوطن...، أو التاريخي: صحيفة
الأهرام، صحيفة عُكاظ...، أو بالتخصُّ ص: المُلحقات les suppléments() بأنواعها: الملحق الثقافي،
والرياضي، والاقتصادي.... - نسَق المجلّة: المجلاّت المتخصِّصة الشهرية، والفصلية، والسنوية أو الحَوليّة، والمجلة المُصوَّرة
magazine) (: مجلة المرأة، ومجلاّت الأطفال...إلخ.
24 فيليب دي طرازي، تاريخ الصحافة العربية: يحتوى على أخبار كل جريدة ومجلة عربية ظهرت في العالم شرقا وغربا مع رسوم
أصحابها والمحررين فيها وتراجم مشاهيرهم، 4 ج في 2 (بيروت: المطبعة الأدبية، -19131933)، ص.5
25 المصدر نفسه، ص.6
26 المصدر نفسه، ص 7 -.8
- النَّسَق المهنيالقائم على مفهوم الصحيفة: صحافي، نقابة الصحافيين، مؤتمر صحافي، وكالة الصحافة...،
وعلى مفهوم التحرير: رئيس التحرير، أمين التحرير، الافتتاحية، التقرير الصحافي، والمُراسَلة: مُراسل
صحافي، رسالة صحافية عاجلة، بالإضافة إلى كلّ ما يشمل المهنة وملحقاتها (الصحافة المكتوبة والمسموعة
والإلكترونية حُرية الصحافة الرقابة على الصحافة...). - نسَق التصميمالذي يُنجَز وفق منظورات ومصطلحات محدّدة تنضوي تحت منظومة «أشكال التحرير
الصحافي» بمستوياتها اللغوية المتفاوتة التي تشمل الخبر والمقال (ومن أشكاله الفنيّة العمود الصحافي)
والتقرير. يُضاف إلى ذلك موقع الخبر وحجمه، الصفحة الأولى، والصفحة الأخيرة، صفحة
المنوَّعات، مفهوم التَّتمّة، الرأي والتحليل السياسي، المقابلة الصحافية، النقد الصحافي، الأخبار المحليّة،
أخبار المجتمع وأهل الفنّ... إلخ.
مستوى الألفاظ والتراكيب الحديثة
حين تحتكّ الذات بالآخر، يتوفَّز في داخلها فضول المعرفة الذي سرعان ما يع عن نفسه باللغة، بدءًا
باللفظة وانتهاءً بالعبارة الكاملة. أمّا اللفظة، فتُلبي الحاجة إلى تسمية الشيء بما لا يتعدّى وظيفة التعيين (la
denotation) التي تُدرِجها في اللغة على شكلها الأوّل حتى لو كان عاميًا. وعلى هذا الصعيد، تُستخدَم في
التسمية مستويات متباينة من الألفاظ التي أكثر من استخدامها كلٌّ من الجبرتي والطهطاوي حين أعيتهما
الحيلة، كالعاميّة والم عرَّبة والدخيلة. وأمّا العبارة، فتشمل وظيفة التضمين la connotation() التي تتطلّب
توسيع المعنى وإطلاقه على الشيء العام أو الخاص، بحسب سياق كلّ حال. وعلى حين أن الطهطاوي اكتفى بالتعيين التلقائي أو الوصفي الذي ارتهن بمخزونه اللغوي وطبيعة
تجربته وكونها إرهاصًا لمشروعه التنويري الأوّل، اقتضت ضرورات مواكبة ألوان التعبير في الميادين
المختلفة، في المراحل اللاحقة من عصر النهضة، صوغ الكُتّاب على منوال التركيب الأجنبي للعبارة كما في
بعض الأمثلة التي ساقها جرجي زيدان في كتابه اللغة العربية كائن حي: - «فلان كلاهوتييقدر أن يؤثِّر كثيرًا - « مستمِدًا العناية من الله، أقف بينكم خطيبًا - «المعاهدة المصادَق عليها منالدولة الفلانية «أثارت أمثال هذه التراكيب انتقاد المحافظين الذين وجدوا أهنّا تُضعف اللغة العربية وتذهب بجزالتها،
27 انظر: محمد حسن عبد العزيز، لُغة الصحافة المُعاصرة، كتابك؛ 89 (القاهرة: دار المعارف، 8197)، ص 25 ض و 71، حيث يعر
المؤلِّف منظومة هذه المصطلحات ويشرحها في فصل كامل.
28 حيث سمّى القُبّعة «البرنيطة»، والغُرَف ب «الأَوض»، والمشفى ب «القشلة»، والطبّ البيطري ب «طبّ البهائم»، والحذائين
ب«الرصِْ ماتيّة»، والمطاعم ب «الرسطواطورات». انظر: الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، ج 2، ص 147، 195، 246
و.277
29 جرجي زيدان، اللغة العربية كائن حي، ط 2 (بيروت. دار الجيل، 8819)، ص 81. والصحيح أن يُقال: يقدر فلان، اللاهوتي (أو
كلاهوتي)، أن يؤثِّر كثيرًا. وإذ أستمِدُّ العناية من الله، أقِفُ... المُعاهدة التي صادقت عليها الدولة الفلانية.
بينما لم يرَ جرجي زيدان ضيرًا في استخدام بعضها، وخصوصًا «في الأحوال التي تضيق التراكيب
العربية فيها». غير أن هذه الظاهرة اختّذت منحييَن قاما على نوعين من العلاقات بين الألفاظ: النوع الأولهو العلاقات المجازية الجديدة التي أحصى بعضها الشيخ عبد القادر المغربي في مقالته المنشورة
في مجلة المجمع اللغوي في القاهرة تحت عنوان «تعريب الأساليب». من هذه التعبيرات مثلا «سادت
الفوضى» l’anarchie régnait()، و«قتَل الوقت » tuer le temps) (، و«أنقذ الموقف » sauver la situation) (،
و«طلب يدَ فلُانة» demander la main d’une telle))، و«لعِب دورًا » jouer un role) (... إلخ. النوع الثانيهو علاقات الإسناد التي تبعث في بعض الكلمات شحنات من الدلالة الجديدة ضمن ما
يسمّيه فانسان مونتاي «محاكاة الأساليب» الفائضة بالصِّيَغ الأجنبية (الفرنسية والإنكليزية خاصّة) على
اللغة العربية الحديثة. وللتدليل على هذا الفيض، يورد كلمات كثيرة دارت حولها المحاكاة فيُب تقاليب
إسنادها، ويرصد استخدامها عند كُتّاب ورجال سياسة من سورية والعراق ومصر. ونكتفي هنا بإيراد
ثلاث كلمات: • حياة (مجرى الحياة، مستوى الحياة، حياة الشعوب، شريكة الحياة...)، ومن الشواهد النصيّة على
علاقات الإسناد الجديد: «لم تكُن تشعر بأيِّ طعمٍ للحياة» [الشايب]، «واحدٌ من تلك الحوادثِ قد يُغ
مجرى حياتنا [نازك الملائكة]»، «حياهتُا طين، وآخِرهتُا طين» [شرقاوي]... • عال (العالمَ الإسلامي، العالمَ العربي، العالمَ الحُرّ، نهاية العالمَ، صوت العالمَ، خريطة العالمَ). ومن الشواهد
النصيّة عليها: «العالمَ، ومشاكله، وحروبه، وأزماته» [جمال عبد الناصر]، «محاولة بناء عالمٍَ مستقِرّ» [عبد
الناصر]، «شعر كأنّه في عالمٍَ آخر» [التكرلي]، «العالمَ مُنقسِم إلى كُتلتيَن» [أيُّوب]...). • دُنيا (دُنيا الفَنّ، دُنيا الكواكب، موت دُنيا، حُطام الدنيا). ومن الشواهد النصيّة عليها: «أيُّ
شيء قد تغ في دُنياها» [الملائكة]، «لقد أقامت أوروبا الدنيا» [أيوب]، «إ ا أعزُّ شيء لديَّ في
الدنيا» [محفوظ...]. تمخّضت حداثة اللغة، في المحل الأول، عن تحررها من السَّجع الذي ساد قرونًا عديدة، فجمَّد روح
التعبير، وأوقف نبضه. في هذه المرحلة التي امتدَّت من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن
العشرين، تطوَّرت اللغة العربية تطوُّرًا ملحوظًا على الأصعدة كافة. غير أن هذا التطوُّر لم يأتِ عفويًا،
بل كان أشبه بالمخاض العسير الذي شقَّ أمرُه على الروَّاد ودُعاة التعريب. فعلى الرغم من تأسيس
مجامع اللغة في القاهرة ودمشق وبغداد، ونهوضها بإقرار كثير من مصطلحات العلوم والمعارف، ظلّت
الحاجة مُلِحّة إلى الترجمة. وما هذه الحاجة سوى إكمال لمغامرة الذات في خوض غمار الحداثة ومحاولة
تمثُّل ظواهرها.
03 المصدر نفسه، ص.81
Vincent Monteil, L’Arabe modern , études arabes et islamiques. Etudes et documents; 3 (Paris: C. Klincksieck, انظر:13 1960), p. 307.
2 3 طه حسين، حديث الأربعاء، 3 ج في 1، ط 13 (القاهرة: دار المعارف، 2-1953196)، ص.311-310
بناء الذات العربية ومسار تكوين المنظومة
سعى طه حسين، في إحدى مقالاته الصحافية التي نشرها بعنوان «لُغتنا الرسمية منذ قرن»، إلى أن يُظهر
في ثلاثة نصوص التطوُّر الذي عرفته اللغة العربية في الدواوين والمؤسَّسات الرسمية في خمسينيات القرن
العشرين، قائلا: «أمّا اليوم فأُحدِّثك عن لُغتنا نحنُ الرسمية، وأختّذ نموذجًا لهذه اللغة نصوصًا ثلاثةً،
صدر أحدُها عن أمير مصر سعيد باشا (الذي حكم مصر من عام 1854 - 8631)، وصدر الثاني عن
ناظر خارجيّته، وصدر الثالث عن البطركخانة القبطيّة بالقاهرة. ولستُ أُفسرِّ هذه النصوص، ولا أُعلِّق
عليها، فهي تُفسرِّ نفسَها بنفسها، وتشهد بالشأو البعيد الذي قطعته لُغتنا الرسميّة الآن، على ضعفها
وسوئها، في الرُّقيّ والبراءة من الفساد».
ونقتبس هنا بعضًا من هذه النصوص، لإبراز الفكرة التي رمى إليها: - من النصّ الأوّل: «إعلان إلى مديرونالأقاليم قبلي وبحري ونظّار محطّات السكة الحديد ومأمور
وابوراتبحر النيل رافعه مسيو كابيز جرى انتخابه بمعرفة مأمور الأنتيقة لضرورة الاطّلاع على الكتُب
والآثار الموجودين بالديورة القبطية [...]» - من النصّ الثاني: «وبناء على التماس المومى إليه صدر لنا النُّطق السَّامي بمكاتبة محبّتكم عن هذه
الخصوص لكي أن تحرروا من طرفكم إعلانات عمومية لكافة رويسا الديورة أن يُرخّصوا إلى مسيو كابيز
الذي تعنيّ لهذه المأموريّة بالاطلاع على الكتب والآثار القديمة التي توجد بالديورة رياستهم[...]»
- من النصّ الثالث: «وحيث أنّه فرض واجب نفاذ ما تُعلِّقه به الإدارة الداورية فاقتضى تحرير هذا من
البطركخانة إعلانًا لكم لكي بقدوم حضرة المسيو المومى إليه لجهة طرفكمتقابلوه بمزيد الإكرام وتقديم
واجبات التبجيلوتمروا معه على محلات الدير من طرفكم و كلما أراد الاطلاع عليه وآثارات أو كتب
تطلعوه عليه بحسبما يرغب بدون تمنّع[...]». بدأ مخاض اللغة العربية في الأماكن التي لا يعمل فيها إالّ أولئك المتمتّعون بالتعليم، وبمعرفة القراءة
والكتابة. ولا يخفى، بطبيعة الحال، خطر أن تُكتَب لغة الإدارة والدواوين الحكوميّة بلغة أجنبية كالتركية
التي كانت سائدة آنذاك، وخصوصًا حين تصطدم إرادة التعريب بواقع معرفة أبنائها لها، وإجادتهم
قواعدها (من النصّ الأوّل مثل ا: إلى مديرون. ومن النص الثاني: لكي أن. ومن النصّ الثالث: وحيث أنَّ،
لجهة طرفكم، تقابلوه... وتمرّوا... آثارات).
يُضاف إلى ذلك الجهلُ بالمصطلحات المستجدّة الوافدة كتلك التي تخصُّ قطاعًا لم يعهده العرب، كقطاع
الآثار وميادينه (النص الأوّل: الأنتيقة)، والقطاع الديني وأقسامه (النص الثاني: البطركخانة، والديورة)،
ومجال حسن الاستقبال وآدابه (النص الثالث: بدون تمنُّع). لعودتنا إلى هذه النصوص سببان. يمثِّل الأولنوعًا من مساءلة ماضي الترجمة الهادفة، من خلال المقارنة
والتبُّ، إلى معرفة حاضرها وسبُل تطويرها في المستقبل. ذلك أن علم الآثار شهِد في العقود اللاحقة
تطوُّرًا ملحوظًا أغنت مفرداته المنظومة الاصطلاحية باللغة العربية، وفرضتها في الاستخدام اليومي.
33 المصدر نفسه، ج 3، ص.37
34 المصدر نفسه، ص.38
حيث حلّت «تسميَة المتاحف الأثرية» محلّ «خزائن الم ستغرَبات» التي استحدثها الطهطاوي، ونشأت
حول علم الآثار شبكة من المصطلحات الخاصّة بالتنقيب والحفريات مثلالمواقع الأثرية، واللُّقى،
والمُكتشَفات، وتاريخ الحضارة، والسياحة الثقافية. ومن الكتُب التي تلُاحق هذا التطوُّر، وتساعد على
تكوين فكرة واضحة عنه كتاب الدكتورة منى يوسف نخلة علم الآثار في الوطن العربي. والسبب الثانيهو أنَّ طه حسين، صاحب المشروع التنويري الثاني، عمَد إلى إرساء دعائم فعّالة في نشر
المنهج الجديد في الفكر العربي الحديث، وذلك بالتزامن مع ما تمخّضت عنه الحركة الأدبية في المهجر،
وخصوصًا في مؤلَّفات جبران خليل جبران وميخائيل نُعيمة. ومن الطبيعي أن يبدأ التجديد باللغة،
أداة الفكر ووسيلته التعبيرية. وهذا ما أشار إليه آندريه جيد في مقدّمته لترجمة كتاب الأيام إلى اللغة
الفرنسية حيث يقول: «لا يدهشني كثيرًا أن أسمع القول إن التحرَّر الذي جاء به طه حسين يقوم أوَاّلً،
وبشكل أساس، على اللغة ذاتها، لأن ليس ثمّة من ثورة في الثقافة والآداب لا تستلزم وتستدعي تجديدًا
شكليًا، وإعادة تكوين التعبير».
خاتمة
هل كان الطهطاوي يدرك أهمية تحرير اللغة بوصفه شرطًا لازمًا يضمن تطوُّرها المطَّرد مع انفتاح الذات
على الآخر بدءًا بمواجهته والانبهار به، وانتهاء بنهوضها وتجديد طاقاتها الكامنة؟ لا نعتقد أن صاحب المشروع التنويري الأول أغفل هذا الجانب، وخصوصًا أنّه أردف كتاب تخليص
الإبريز، ذا الطابع الوصفي، بكتاب التحفة المكتبية في تقريب اللغة العربيةذي الطابع التأصيلي،
وصدَّره بهذه العبارة: «كلامٌ بلا نحو طعامٌ بلا مِلح، ونحوٌ بلا شِعْر ظلامٌ بلا صُبح».
وأغلب الظنّ أن تفكيره بتقريب اللغة العربية، من هذه الزاوية، لم يكُن محض مصادفة بقدر ما كان تعبيرًا
عن نظره إليها من حيث هي منظومة يتكامل النحو والشعر داخلها تكامُل ا وظيفيًا يُعيد إليها سابق عهدها
من القدرة على التفاعل والتمثُّل والاغتناء. هذه النظرة ذاتها هي التي أكملها جرجي زيدان في كتابه اللغة
العربية كائن حي حيث يقول: «لِيعلم حملة الأقلام أنّ اللغة كائنٌ حيٌّ نامٍ خاضعٌ لناموس الارتقاء،
تتجدّد ألفاظها، وتراكيبها على الدوام.. فلا يتهيَّبون من استخدام لفظٍ جديد لم يستخدمه العرب له. وقد
يكون تهيُّبهم مانعًا من استثمار قرائحهم، ورُبمّا ترتّب على إطلاق سراحِ أقلامهم فوائد عُظمى تعود على
الآداب العربية بالخير الجزيل...».
35 انظر: الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز، ج 2، ص 266 و.270
36 منى يوسف نخلة، علم الآثار في الوطن العربي: «مدخل» (طرابلس، لبنان: جروس برس، [د. ت.])، ص-13 ض 14، حيث تعرِ
تعريفات علم الآثار الواردة في المعاجم الأجنبية كمُعجم Le Petit Robert: «إنّه علم الأشياء القديمة، وخصوصًا الصروح والفنون
القديمة» والمعاجم العربية كمُعجم المُنجد في الأدب واللغة والعلومللويس معلوف في طبعته الجديدة: «وعلم الآثار هو معرفة بقايا القوم
من أبنية وتماثيل ومحنّطات ونقود وما شاكل...».
37 Taha Hussein, Le Livre des jours , traduit de l'arabe par Jean Lecerf et Gaston Wiet; Préface d'André Gide ([Paris]: Gallimard, 1947).
83 المصدر نفسه، ص.13
39 رفاعة رافع الطهطاوي، التُحفة المكتبية في تقريب اللغة العربية (مخطوطة، حيدرأباد،.)1865
0 4 زيدان، اللغة العربية كائن حي.
41 المصدر نفسه، ص.7
وتجدر الإشارة ها هنا إلى أن جرجي زيدان قدّم، على طريقة الطهطاوي وإكماال لمشروعه، وصفًا
تحليليًا لظواهر المدنية الأوروبية، ينطلق من مصطلحات منظومات شبه مكتمِلة في اللغة العربية
حيث يقول: «قضينا صيف هذا العام في أوروبا، بين فرنسا وإنجلترا وسويسرا، وتنقّلنا في أهمِّ
مدائنها [...] ودرسنا أحوا ا، وتفقّدنا متاحفها ومكاتبها وآثارها. وتوخَّينا النظر على الخصوص
في ما يهمُّ قُراء العربية من أحوال تلك المدنية التي أخذنا في تقليدها منذ قرنٍكامل ونحن نتخبَّط في
اختيار ما يلُائمنا منها». هكذا ساهمت الترجمة في توليد الألفاظ والمصطلحات داخل المنظومة العامّة للغة العربية. فتفرّعت
نتيجة ذلك مجموعة منظومات فرعية حديثة كعربية الصحافة، وعربية الأعمال، وعربية الحقوق،
وعربية الأدب، وغيرها. ولئن شاب هذا التطوُّر بعضُ الخلَل نظرًا إلى انحسار دور المؤسَّسات
في توجيهه وضبطه، فإنّ «نقد الترجمة العربية» - الذي دعونا إليه في مؤتمرٍ سابق- كفيل بتحليل
النصوص المُتر ة انطلاقًا من روح المنظومة. وعندئذ يتكوَّن نسَق أشكال التعبير المتنوِّعة،
ومستويات الصياغة، وتُصنَّف مقولاتها، وسياقاتها، وأجهزتها الاصطلاحية التي تسمح لنا بإعمال
التفكير وممارسته وتجديده، التفكير من حيث هو خروج من الذات، وتحرُّر من قيود الهوية العينية،
واندفاع إنسانيّ حضاري صوب الآخَر.
2 4 جرجي زيدان، رحلة إلى أوروبا، 1912، حررها وقدم لها قاسم وهب (أبو ظبي: دار السويدي، 2002)، ص.21