دور المعاجم الثنائية اللغة في حركة الترجمة العربية: معجم بارتليمي أنموذجًا
The Role of Bilingual Dictionaries in the Arabic Translation Movement: The Case of Barthélemy’s Dictionary
الملخّص
تعرض هذه الدراسة لأنموذج محدد من العمل المعجمي الذي يَنْهَل من مجالي اللغة والترجمة، هو عمل المستشرق الفرنسي أدريان بارتليمي الذي أسفر، خلال النصف الأول من القرن العشرين، عن معجم ضخم ثنائي اللغة عربي– فرنسي للغة العربية الدارجة في بلاد الشام. وتتقصّى الدراسة ذلك في محاولة لنقل الترجمة من الاهتمام بلغة الاختصاصات والعلوم الدقيقة وسواها إلى الاهتمام بالمصطلحات المتداولة في القطاع الحيّ والمعيوش، أي في اللغة المحكية التي تعبّر خير تعبير عن روحية متكلميها وتنقل حياتهم نقلا أمينًا.
Abstract
This study examines the work of French Orientalist Adrien Barthélemy, who produced an extensive bilingual Arabic-French dictionary that was used in Greater Syria in the first half of the 20th century. Barthélemy aspired to turn the focus of translation away from the terminologies of specialties and hard sciences, concentrating instead on terms that were employed in daily life. In this way, he focused on the spoken language, which he thought best expressed and reflected the mentality of those who spoke it. Barthélemy’s work falls somewhere between the study of language in its lexicographic stability and the study of language in its dynamic evolution the moment when language is spoken. His work also reflected the rise of a new social class to the forefront of history in Greater Syria, a class who spoke local dialects and represented the vast majority of the population. In this study, Siraj also explores how translation and interpretation efforts, along with lexicographic works, showed the ability of the Arabic language (classical and colloquial) to assimilate foreign words and to coin Arabic synonyms that were adopted by the public, and that eventually found their way into dictionaries. Siraj also points to a difference between the linguistic efforts of lexicographers, who tend to take a cumulative linear view in dealing with language, and Orientalists and the authors of colloquial dictionaries, who focus on the spoken language.
- المعاجم
- الترجمة
- المصطلحات
- اللغة المحكية
- اللغة
- Dictionaries
- Language
- Translation
- Terminology
- Spoken Language
تعرض هذه الدراسة لأنموذج محدد من العمل المعجمي الذي يَنْهَل من مجالي اللغة
والترجمة، هو عمل المستشرق الفرنسي أدريان بارتليمي الذي أسفر، خلال النصف الأول
من القرن العشرين، عن معجم ضخم ثنائي اللغة (عربي – فرنسي) للغة العربية الدارجة في
بلاد الشام. وتتقصىّ الدراسة ذلك في محاولة لنقل الترجمة من الاهتمام بلغة الاختصاصات
والعلوم الدقيقة وسواها إلى الاهتمام بالمصطلحات المتداولة في القطاع الحيّ والمعيوش، أي
في اللغة المحكية التي تعبرّ خير تعبير عن روحية متكلميها وتنقل حياتهم نقالً أمينًا. تبينّ الدراسة أن عمل بارتليمي يقع في مكان بين دراسة اللغة في ثباتها المعجمي ودراستها
في حركيتها وتطورها مأخوذة في لحظات حدوثها، وفي آونة النطق بها. وتبينّ أيضًا أنّ
هذا العمل يعكس صعود طبقة اجتماعية جديدة إلى منصّة التاريخ على إيقاع التحولات
الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بلاد الشام، هي طبقة المتعاملين مشافهة باللغات
المحكية الذين يشكلون السواد الأعظم من الرأي العام. وتلتفت الدراسة، في سياق ذلك كلّه، إلى جهد الترجمة والتعريب والجهد المعجمي الذي يبُرز
قدرة العربية – الفصحى والعامية – على تلقف الكلمات الوافدة وإيجاد مقابلات لها يستسيغها
الجمهور وتشقّ طريقها إلى المعاجم. كما تلتفت إلى فارق بين الجهد اللغوي لأهل المجامع
اللغوية، ذلك الجهد الذي يتّخذ المنحى التتابعي الأحادي الخطّ في تعامله مع الشأن اللغوي،
وبين الجهد اللغوي لدى المستشرقين وواضعي معاجم اللهجات، وهو جهد يركز على مسألة
الحكي أو كلام الناس، في محاولة للاهتمام بما تدعوه الدراسة «الفاعل الاجتماعي».
مقدّمة
انطلاقًا من دور الترجمة في تطوير المعاجم العربية، نقارب أنموذجًا للعمل المعجمي الذي ينهل من
مجالي اللغة والترجمة، وهو العمل الذي أنجزه أحد كبار المستشرقين الفرنسيين، أدريان بارتليمي
(A. Barthélemy) -1859(9491) خلال النصف الأول من القرن العشرين. والمؤلف معروف في
الوسطين الدبلوماسي والأكاديمي؛ فقد تقلّد منصب قنصل فرنسا في حلب (شباط/ فبراير -1891 كانون
الثاني/ يناير 896.)1 كما شغل منصب أستاذ في مدرسة اللغات الشرقية Langues Orientales «L. O.») (
سنة 09.19 وأُسندت إليه إدارة الدروس في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا E.P.H.E. في باريس.
أمّا المعجم، فهو Dictionnaire arabe-français, dialectes de Syrie, Alep, Damas, Liban, Jérusalem
(المعجم العربي - الفرنسي للمحكيات العربية في سورية: حلب، ودمشق، ولبنان، والقدس). أنجز بارتليمي كتابة المعجم الموضوع باللغة الفرنسية في مدينة حلب، في سنة 0319، بعد القيام بدراسة
ميدانية مهّدت لجمع المعطيات واستغرقت منه حوالى تسع عشرة سنة أمضاها في بلاد المشرق العربي،
وشملت ما كان يُعرف بسوريا الكبرى، وتحديدًا: في المدن الأربع المذكورة في عنوان المعجم. المعجم مؤلف من خمسة أجزاء، ظهر الجزء الأول منه في سنة 9351، والثاني في سنة 9361، والثالث في
سنة 2194، والرابع في سنة 0195. وصدر الجزء الأخير بعد وفاته في سنة 954.1 والجزآن الأخيران
أُنجزا بعناية الأب هنري فليش H. Fleish() الأستاذ في جامعة القديس يوسف ببيروت. وقد وفّرت
المفوضية السامية في سورية ولبنان المساعدة المالية لإصدار المعجم. في ملحق للمعجم، يستدرك المؤلِّف في الجزء الخامس ما فاته من معلومات خلال إنجازه المعجم،
فيخصّص ثلاث صفحات (ص-941 943) لإرشادات خاصة تتعلق بمسائل تأثيلية (أصل بعض
الكلمات) ولغوية وأخرى متفرّقة. كما يدرج أربعة نصوص ذات طابع إثنولوجي (إعداد كل من اللبن
والزبدة والسّمنة وخبز «الطلمة» عند الأكراد). وهنا لفتة ذكية من هذا المستشرق إلى شيفرة المأكل الشعبي
بمسمّياتها وأسمائها الشعبية وكيفيات إعدادها. استكماالً لهذا الجهد المعجمي (459 صفحة)، أصدر كلود دنيزو C. Denizeau() في سنة 9691 ملحقًا لهذا
المعجم في 856 صفحة، بمساهمة من المجلس الوطني للأبحاث العلمية CNRS) (، في باريس، وبإيعاز من
الباحث الفرنسي المعروف جان كونتينو J. Cantineau() الذي خلف بارتليمي في كرسي العربية المشرقية في
«معهد اللغات الشرقية»، وساهم في تأمين دعم لإصدار المعجم. ضمن الجزء الاستكمالي للمعجم مقدّمة عامة، وقد حظي برعاية المعهد الفني الفرنسي (معهد فرنسا)،
ونلاحظ هنا أن العنوان المعتمد لهذا المؤلف المعجمي الاستكمالي، الصادر في ستينيات القرن العشرين،
أفاد، لا بل عكس التغييرات الجيوبوليتيكية التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط؛ إذ حدّد المؤلف البلدان
الثلاثة التي مجُعت معطياتها اللغوية الإضافية، أي سورية ولبنان وفلسطين، التي أمست كيانات سياسية
1 Adrien Barthélemy, Dictionnaire arabe-français, dialectes de Syrie, Alep, Damas, Liban, Jérusalem (Paris: P. Geuthner, 1935).
مستقلّة، بمعنى أن الدراسة لم تعد تقتصر على مدن بعينها، كما كانت الحال مع دراسة بارتليمي، بل
أُدرجت هذه المدن ضمن نطاقات البلدان التي تنتمي إليها جغرافيًا، أو التي باتت عواصم سياسية لها
مع نيلها استقلالها، وباستثناء شمال لبنان الذي احتفظ بتسميته رغم التحولّات السياسية التي شهدها
(الانتقال من صيغة «لبنان الكبير» إلى «الجمهورية اللبنانية»).
تعريف المعجم، والمعايير اللغوية لوضعه
إن مؤلَّف بارتليمي هو معجم للغة العربية الدّارجة، أو بالأحرى للهجة، بل للهجات متنوّعة عائدة إلى
هذه اللغة أو مُتفرِّعة منها. وهو لا يتوجّه إلى تلامذة فحسب، بل إلى طلاب وعلماء وباحثين مهتميّن،
وإلى كلّ فرد تحوجه ضرورات مهنته، أو يتطلّب منه شغفُه بدراسة لغة الضاد اكتسابَ معرفة دقيقة بلغة
حيّة هي العربية. بهذه الكلمات المختصرة والبليغة في آنٍ، يحدّد المؤلّف جمهور المتلقين أو القرّاء المفترضين
لمعجمه، والأهداف الأوليّة المتوخّاة من الاطّلاع عليه. ولجهة الشكل، فالمعجم ثنائي اللغة، أي محرّر
باللغة الفرنسية، ويستمدّ معطياته واستشهاداته من اللغة العربية الحيّة، بمختلف تنوّعاتها اللهجية،
معتمدًا الرسم الإملائي العربي فقط لدى العودة إلى جذر الكلمة. وقد حضرت العربية، بثوب لاتيني،
في جميع الاستشهادات العاميّة كما في نماذج الاستخدامات الفصيحة. ولاحظنا احترام المعجم للتسلسل
الألفبائي لموادّه، وذلك نسجًا على منوال الاستخدام المعجمي المتّبع في اللغات الساميّة. المعجم موجّه في الحقيقة إلى جمهورين اثنين: أولا إلى الأوروبيين المهتميّن والمتلقين، بل الشغوفين بالتعرّف
أكثر فأكثر إلى كنه اللهجات العربية وكيفيات اشتغال أنساقها المعجمية والدلالية، ناهيك بتلك الأنساق
الصوتية والصرفية والنحوية، في الاستخدامات التواصلية اليومية المعروفة بالخصب والتنوّع والتعدّد.
وثانيًا إلى أبناء هذه اللهجات، أي الناطقين بها، ومستخدميها إرساالً وتلقيًا في مختلف تعاملاتهم اليومية،
ودارسيها بالطبع الراغبين في استقصاء دقائقها. والمعجم، إذ يُسعفهم في تدقيق معاني مصطلحاتهم
وتعابيرهم الدّارجة واستخداماتها، يربطها بأصولها الفصحى، ويشرح معانيها الأصلية، القاموسي منها
أو الشعبي المتداول. من هنا يرى المؤلِّف أن معجمه يهمّ بدرجة أولى أبناءَ جلدته، أي الأوروبيين أنفسهم الراغبين في دراسة أو
في التعرّف إلى لهجة عربية تعود إلى بلاد الشرق التي لطالما سحرتهم بأساطيرها، وحكايا لياليها، ومغامرات
الرحّالة التي سطرّت أجمل الأخبار عنها، وعن أناسها وعن لغتها، وعن تراثها الثقافي. أمّا الإشكالية التي نعرض لها في هذه الورقة، فمفادها أن الترجمة إذا اقتصرت على لغة المصطلحات والعلوم
(الاختصاصات والعلوم الدقيقة وسواها)، وأغفلت المصطلحات المتداولة في القطاع الحيّ والمعيوش،
والمتمثّلة في اللغة المحكيّة المعربّة خيرَ تعبير عن روحية متكلميها، والناقل الأمين لنبض حياتهم، فهي تقتل
روح الترجمة ذاتها، وتغفل عن رصد وتوثيق ألفاظ متداولة وكثيرة الدوران على ألسنة الناس. من هنا يحسن القول إن حصر العمل الترجمي لهذه الكلمات الوافدة في المستوى الفصيح، الحسن الصياغة
والتركيب، والتغاضي عن الوظيفة الإبلاغية المرتقبة لها في توضيح المعنى المراد وتسهيل اتصال الأفراد
2 المصدر نفسه، المقدمة، ص V.
بعضهم ببعض، وتسليك أمورهم اليومية، هما في الحقيقة مقتل لفعل نقل المعرفة الإنسانية إلى لغة الضاد
ورفد نسيجها اللغوي الاجتماعي بالجديد والمفيد والعملي، والسهل الاستخدام، والمستساغ في السليقة أو
الذائقة الشعبية.
آلية جمع المادة اللغوية
في إمكان القارئ أن يتبنيّ أن المادة اللغوية التي يفتح المعجمُ نافذةً مشرعة للإطلال عليها ليست وليدة
عمل توليفي لما سبقها من قواميس ومراجع تاريخية، ولا معطياتها المجموعة والمشروحة والموثّقة بأمثلة
واستشهادات حيّة مستعادة ومكرّرة من بطون الكتب؛ فاللهجات العربية الأربع المعنيّة، والتي يقارب
المعجم مصطلحاتها وتعابيرها بين دفّتيه، مدروسة على الطبيعة، ومأخوذة ومدوّنة لحظة حدوثها، أي في
الآونة التي نطق بها متكلّموها، أو رواتها اللغويون الطبيعيون، ومثبتة لاحقًا عبر آليتي التدوين الكتابي
والشرح المفهومي. بالتالي، يندرج عمل بارتليمي هذا في إطار الدراسات التزامنية التي تُعنى بدراسة اللغة
في حركيتها، كما تُعنى بوظائفها ضمن مرحلة زمنية معيّنة وفي حيّز جغرافي محدّد.
كي لا تُفهم مقاصده بصورة مغايرة للواقع، يلفت المؤلّف إلى أن نتاجه المعجمي هذا لا ينحصر في أهل
الاستشراق، وهو واحد منهم بالطبع، بل يهمّ أيضًا أهل الشرق الذين احتضنوه، وعاش بينهم دبلوماسيًا
وباحثًا ورحّالة، وقابلَ وفادتهم وحسنَ ضيافتهم بوضعِ معجمٍ علمي رائد شكّل خيرَ شاهد على تطوّر
أحوال لغتهم المحكيّة في أكثر من لهجة من لهجاتها. ولا يغيب عنه الالتفات إلى مواقفهم الرافضة لدراسة
اللهجات أو إيلائها الاهتمام العلمي اللازم. لهذا السبب طمأنهم إلى أن معجمه يتوجّه إليهم في حال تعالوا
عن الأحكام المسبقة والتافهة بحقّ لهجاتهم المحكيّة. ويأخذ عليهم موقفهم المسبق إزاءها. فبعضهم يجاهر
بإبداءِ مشاعرَ ازدراءٍ لا تبَّ فيه إزاء اللغة الحيّة، ويعتبر دراستها امتهانًا أو مخالفةً للغة المعلقات والحماسة.
لا يفوت المؤلف، بصفته باحثًا لغويًا، أن يشير إلى فائدة أخرى مرجّوةٍ لمعجمه، وهي منوطة بالعلماء من
جميع البلدان، الذين يعرفون حقّ المعرفة فائدةَ علم اللهجات الحديثة Dialectologie) (في مجال الدراسة
المقارنة للغات الساميّة، ولا يتجاهلون حقيقةَ أن اللهجات الخاصة، المحكيّة اليوم، تخفي وتحتضن بواقي
من اللهجات المندثرة. من هنا تبرز أهمية هذا المعجم في رفد هذه الأطراف جميعها بالحصيلة اللغوية التي جمعها بارتليمي من
مصادرها الأصلية، بدأبٍ وتأنٍّ، ووفق منهجية علمية، منذ مطالع القرن الماضي، وأشرف قبل مماته سنة
9591 على إصدارها في ثلاثة أجزاء. ونوجز خطوات مساره التأليفي بالقول إن الجهد المعجمي الذي تمّ على يديّ هذا المستشرق الفرنسي
ليس في الحقيقة مجرّد تجميع لمفردات لغةً معينة، ولا هو قائمة مفردات فحسب، بل هو معجم للغة الحيّة؛
فقد طوّع لغته الفرنسية وأسلوبه البحثي العلمي جهد لتقديم معجم للغة الناس في بلاد الشام، شمل
أغلب الكلمات العربية الشائعة والمتداولة في بيئات عربية أربع زارها، وقابل أهاليها، واستمع إليهم،
وتحادث معهم، وأخذ منهم اللغة مشافهةً وذلك ضمن إطار عمل ميداني كان لا بُدَّ منه لجمع المادة اللغوية
التي اعتمد عليها في تصنيف مُعجمه بعد أن درس معطياتها دراسة متأنية، وقارن بين مختلف المسموعات
(صيغًا وتعابير ومفردات) التي تناهت إليه، واستخرج أثقالها اللغوية الدفينة، واستقصى مختلف دلالاتها
الحقيقية منها والمجازية، وتحقّق منها، وأخرجها للقرّاء في حلّة علمية حديثة، بالأحرف العربية أو اللاتينية
وبلغة فرنسية ميسرّة ومستساغة، مدعّمة بنماذج عربية لهجية وأخرى فصيحة تُظهر سياق استخدامات
المفردة الواحدة، وتعيدها إلى جذرها الفصيح. لهذه الأسباب وسواها، بات معجمه مذ ذاك مرجعًا مه
يستعين به دارسو اللهجات، وأنموذجًا حيُتذى لدراسة اللغة المعيشة بذاتها ولذاتها، وكما نطق بها أهلها.
المعجم: تفصيح للغة العامّة أم إشهار لطبقة اجتماعية جديدة
المعجم الفرنسي للمحكيات العربية في سورية هو إذًا ديوان لمفردات اللغة الحيّة التي سادت في بيئات
عربية مشرقية في أوائل القرن المنصرم. ومن هنا، فإن إنجاز العمل فيه سنة 0319 يكتسب أهمية بالغة.
ففكرة إعداده ومراحل تنفيذه وعملية إخراجه إلى النور في ثلاثينيات القرن العشرين، آذنت في الحقيقة
ببزوغ طبقة اجتماعية جديدة من أبناء بلاد الشام. هؤلاء المتعاملون بهذه اللغات المحكيّة، إرساالً وتلقيًا،
وعن طريق المشافهة بالطبع، يشكّلون السواد الأعظم أو الشريحة الكبرى من الرأي العام، الذين يتعاطون
باللغة بمرونة وسلاسة ولهم تصوراتهم عنها التي يصحّ أن نطلق عليها المصطلح اليوناني Doxa، أي الرأي
العام. والمفارقة أن هذه الفئة التي صقلت لغتها وطوّرتها على إيقاعات التحولّات الاقتصادية والثقافية
الاجتماعية التي عرفتها بلاد الشام، لم تحظَ باهتمام كافٍ من جانب المحدثين من أبناء عصر النهضة الذين لم
يعتنوا كفايةً بلغة العامّة وما يتصل بها. أهملها العاملون في أمور اللغة، وتجاهلها أهل السلطة الذين شكّلوا
هم، والأرستقراطية الرديفة من أهل المدن والتجّار، الفئة الأكثر ارتباطًا وتعامل ا مع دول الغرب (فرنسا،
وبريطانيا، وإيطاليا، وغيرها...). في المقابل، لفتت هذه الفئة اهتمام المستشرقين، فأولوها الاهتمام الأكبر في حين تجاهلها اللغويون التقليديون.
وهذا الموضوع بالذات كان محور دراسة معجمية قيّمة أنجزها أحمد أبو سعد في تسعينيات القرن العشرين،
وأظهر أنَّ أعمال هؤلاء المحدثين، منذ خمسينيات القرن العشرين، بخصوص البحث في لحن العامّة أو في
تفصيح لغة العامّة، تفاوتت من حيث القيمة والأهمية تفاوتًا ملحوظًا. ويلاحظ أبو سعد أنَّ بعض هذه
الأعمال يقتصر عند شرح ما مجُِعَ من كلام العوام-وهو جمع غير مستوفى- على المعنى المعجمي دون غيره
من المعاني التي تحوّل إليها في مجال الاستعمال أو تطوير الدلالة، ويحصره في المفردة ولا يتجاوزه إلى العبارة،
ولا يُعنى بالمولّد والدخيل ممّا تكلّم العرب به... ويستدرك بالقول إنَّ بعضها الآخر يتجنّب أخطاءَ ما
سبقه من أعمال، ويتّبع خطة مرسومة تورد فيها الكلمة كما تستعملها العامّة، وبالمعنى الذي تريده بها،
ويربطها بالمعنى الذي استعملت به في مكوّن اللغة... ويقرّر في ضوء ذلك ما إذا كانت العامّة استعملتها
بمعناها الأصلي على نحو ما تستعملها به الخاصّة، أو طوّرت معناها إلى معنى آخر انفردت هي باستعماله
على سبيل المجاز مرّة بتعميم الدلالة ومرّة بتخصيصها. ومن باب إيلاء أهمية متزايدة لدراسة اللغة المنطوقة أكثر من تلك المدوّنة، التفت بارتليمي وسواه من
المستشرقين الأجانب إلى لغة الناس العاديين، وأقبلوا على دراستها. وباعتبار أن العربية الفصحى دُرست
3 أحمد أبو سعد، معجم فصيح العامّة (بيروت: دار العلم للملايين، 0199)، ص.13-12
كفايةً، وباتت أشبه ما تكون بلغة السلطة، وأداة من أدوات الحكم والإدارة وما إليها، فقد وجّهوا اهتمامهم
لدراسة المستوى المنطوق للعربية.
تعامل لغة الضاد مع الكلمات الوافدة
ضمن هذا الإطار، نفهم بادرة بارتليمي إلى توظيف معارفه اللسانية، بالفرنسية، لترجمة نماذج وافرة ومؤرشّة للغة الناس. لقد بادر إلى مَعْجَمة الكلمات المتداولة في أكثر من بيئة مشرقيّة عربية تسنّى له زيارتها
والإقامة فيها والتعرّف إلى ناطقين بها، من الجنسين. وقد مكّنت هذه البادرة المعجمية هذا العالمِ اللغوي
الفرنسي من الالتفات إلى مسألة الكلمات الوافدة إلى لسان الضاد بمختلف محكياته المشرقية؛ فقد لاحظ بارتليمي، وأمثاله من المستشرقين الغربيين، أن اللهجات العربية – وهنا المشرقية تحديدًا – تعاملت مع
الكلمات الوافدة، أو المقترضات emprunts) (، بطواعية وبطريقة براغماتية وعفوية في آنٍ؛ فقد طوّعتها
– صوتيًا بشكل أساس – بما يتناسب مع نغميّة الأصوات العربية وترادفها، أو بما يتلاءم صرفيًا ونحويًا مع
قواعد النحو العربي، واستخداماتها التقليدية. ويلاحظ المتابع لرحلة المقترضات في لسان الضاد أن اللهجات الأكثر براغماتية، والأشدّ احتكاكًا بالواقع من العربية الفصحى، تجاوزت تلك الأخيرة في مسألة احتضان الكلمات الوافدة، مفاهيم، أدوات، أطعمة، ألبسة،... فطوّعتها وعرّبتها وأدخلتها في نسيج لغة التخاطب اليومي. نورد في ما يلي بعض النماذج المختارة من الجزء الأول: أبوكات avocat (2)، أسكله escale (8)، أفندي
titre donné à un fonctionnaire civil, à un écrivair à l›administration (01)، أنتيكا un objet antique
(16)، أوتيل hotel (19)، بارود poudre à canon (25)، بابوج pantoufles, babouches (25)، باكيت
paquet (de tabac) (26)، برتيتا une parte (de jeu) (34)، برداية rideau, portiere (36)، برنيطه
chapeau (41)، بروطصطان protestant (41)، بسترينه étrennes (43)، بسكويت biscuit (44)،
بصطرما tranches de viande presses et séchées à l›air (47)، بظبرط passeport (05)، بلكون balcon
(61)، بلوزا robe en forme de blouse (26)، بنطلون pantalon (64)، بوتينه bottines (67)، بَوْدَر
sepoudred (86)، تلغراف télégraphe (91)، جاط grand plat ovale en faȉence (001)، جزضان
porte-monnaie (111)، درابزون balustrade (233)، شنتيان patalon bouffant de femme (410)،
صاكو veste (224)، صالصه sanse (234)، صيكاره cigarette.)453(وفي المقابل، استغرقت العربية الفصحى سنوات عديدة لإخضاع هذه المقترضات لعملية الترجمة، بما في هذا الإجراء من اتّباع آليات وقواعد وقوانين لغوية كلاسيكية تغرق القارىء في شروحات واستطرادات، ولا تفي الكلمة الدخيلة حقها من التدقيق الدلالي أو تحدّد كيفيات استخدامها في عبارات، وفي أكثر من سياق.
نماذج لتعريب كلمات وافدة
Chambre à air
كي لا نبقى في إطار العموميات، نتوقف عند مثلين يعودان إلى عالمي النقل والطبّ. الأول غاب عن
معجم بارتليمي ترجمةً وتعربيًا، والثاني اندرج بشكله المعرّب. فالمركّب الفرنسي chambre à air الذي
عُرّب لاحقًا باعتباره «إطارًا مطاطيًا داخليًا ينفخ بالهواء ويوضع داخل إطار عجلة السيارة»، لم يتعرّف
إليه المقتنون الأوائل للسيارات في المنطقة وبائعوها والعاملون في مشاغل تصليحها إالّ في حوالى سنة
0719، حينما دخلت السيارة مع بواكير الحداثة والتجديد في عالم النقل والمركبات. وبطبيعة الحال، مالت
العامّة المعنيّة باستخدام هذا الإطار، وبتداول اسم مستساغ له إلى الاستعانة بأعرافها اللغوية. فعرّبته كل
بيئة عربية وفق قواعدها النطقية اللهجية. فالسوريون أمالوا الياء، فقالوا عنه: «شمبريْر»، وفي لبنان
نطقوه بطرائق متعدّدة: «شمبريار» shambiryêr، ومنهم من أحلّ اللام مكان الراء فأصبح عندهم
chambriyél أو chambéryèl «شمبريال». وفي المقلب العربي الآخر، وتحديدًا في الجزائر، بات ينطق:
chambrayèr. وكما نلاحظ هنا، فالمشارقة والمغاربة قاموا بتطويع هذه الكلمة الدخيلة -وغيرها
بالطبع- لتسليك أمورهم في عالم النقل والمركبات. وفي معرض متابعتنا لحركة التعريب الشعبية المنحى،
التي نشطت لحاجات محض تواصلية، نلاحظ أن بيئة الجزيرة العربية أدلت بدلوها في هذا المجال؛ إذ
يفيدنا معجم للكلمات الدخيلة في اللغة السعودية الدارجة أن أهل الجزيرة خمّنوا أن هذا المصطلح الوافد
إلى قاموسهم اليومي تركي الأصل (شمبر)، ومأخوذ من اللفظ الفارسي (جنبر)، بالجيم المشربة، وهو
الحلقة والدائرة. فطوّعوه وفق عاداتهم النطقية، وأمسى «شنبر»، وجمعوه على «شنابر». ومعناه «الإطار
الدائري في عجلة السيارة، يوضع فوق حافة الجزء المغطّى من العجلة حيث يلتحم بالجنط. الغريب
أن معجم بارتليمي لم يأتِ إلى ذكر هذه الكلمة الوافدة، والإشارة الوحيدة إلى فعل «شنبر» بمعنى «تدفق
بفعل الضغط من ثقب ضيق» وردت في صفحة 201 من ملحق دنيزو. لاحظنا في هذا المثل الأول أن الجهد المعجمي المبذول، في أكثر من معجم، لتطويع كلمة دخيلة عن طريق
نقلها نقل ا مباشرًا، أو ترجمة دلالاتها إلى اللغة المقترضة كما يحدث في الافتراض بالترجمة، استغرق عقودًا،
وتوسّل طرائق عديدة، حتى استقرّ على صيغة مقبولة ومعقولة.
4 عبد الفتاح خطاب، الهادي في الألفاظ العاميَة (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2010)، ص.152
5 ياسين عبد الرحيم، موسوعة العامية السورية: دراسة لغوية نقدية في التفصيح والتأصيل والمولد والدخيل، 4 ج (دمشق: وزارة الثقافة،
2003)، ج 3، ص.870
6 Jinane Chaker-Sultani et Jean-Pierre Milelli, Dictionnaire français-libanais, libanais-français , 2ème éd. revue et corrigée ([Crespières]: Milelli, 2010), p. 341. 7 Henriette Walter et Bassam Baraké, Arabesques: L’Aventure de la langue arabe en Occident (Paris: R. Laffont; Éd. du Temps, 2006), p. 173.
8 المصدر نفسه، ص.173
9 الملاحظة مدرجة في المعجمالسعودي ومأخوذ من: أحمد السعيد سليمان، تأصيل ما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل ([القاهرة: دار
المعارف، 1979])، ص.92
0 1 محمد بن ناصر العبودي، معجم الكلمات الدخيلة في لغتنا الدارجة، سلسلة الأعمال المحكمة؛ 58، 2 مج (الرياض: مكتبة الملك
عبد العزيز العامة، 2005)، ج 2، ص.35
بعد هذه الجولة في المعاجم المعنية بالألفاظ الدارجة أو تلك الفصيحة، نلاحظ أن مجمع اللغة العربية
المعني أساسًا برصد الكلمات الدخيلة والمستعارة والمقتبسة بغية إيجاد ما يُقابلها من ألفاظ مفهومة
ومأنوسة، ابتكر في ثلاثينيات القرن الماضي ترجمة حرفية لها هي «حجرة الهواء» أو «الحجرة الهوائية».
وللأسف لم يتسنّ للصيغة المجمعيّة – المترجمة حرفيًا - أن تحيا وتأخذ طريقها نحو التداول اليومي
(تحادثًا وكتابةً)، أو حتى الأدبي، أو الإعلامي، نظرًا إلى عدم إيفائها بالمعنى المراد. وفي المقابل، لقيت
الصيغة المعرّبة رواجًا ملحوظًا استمرّ حتى اليوم على الرغم من التعديلات الصوتية اللاحقة بها كما
سبقت الإشارة. ونرصد في قاموس ثلاثي اللغات أن الترجمة العربية الوافية بالمعنى المنشود استقرّت في مطلع الألفية
الثالثة على صيغة مقبولة وهي: «إطار العجلة الداخلي» في مقابل «إطار العجلة الخارجي». ولا
يخرج قاموس حديث آخر ثنائي اللغة عن اعتماد صيغة مشابهة «إطار داخلي الدولاب». المهم هنا
هو كون الترجمة التي استقرّ عليها الرأي هي الأقرب إلى المدخل الأجنبي (الفرنسي هنا) والأشدّ تعبيرًا
عن المفهوم أو المرجع الواقعي الذي تعربّ عنه أو تدلّ عليه. والأفضل أن يبرز المقابل العربي الأساس،
وأن توضع بعده المقابلات المترادفة الأخرى، لمزيدٍ من التدقيق. وهذا النموذج الاقتراضي الذي خلا
منه قاموس بارتليمي، والعائد إلى مسمّى من عالم النقل والمركبات، نخمّن أنه لم يدخل في التداول
الشعبي، ويُعّرب تعريبًا ملائامً في أوائل القرن المنصرم، نظرًا إلى ارتباطه باقتناء المركبات أو قيادتها أو
تصليحها، وهي اهتمامات لم تكن في رأينا تَشْغل الجمهور الكبير الذي يطوّع عادة الكلمات الوافدة إليه
لضرورات التواصل اليومي. على أي حال، إنه أنموذج توسّعنا في رصد تبدلّاته لأنه يبرز جهد الترجمة والتعريب فضل ا عن الجهد
المعجمي المبذول لإبراز قدرة العربية -بمستوييها الفصيح والعاميّ- على تلقف الكلمات الدخيلة وإيجاد
مقابلات ملائمة لها، استساغها الجمهور، وشقت طريقها نحو المعاجم اللهجية، والمعاجم الثنائية أو
الثلُاثية اللغة.
Seringue
نختار كلمة وافدة أخرى تعود إلى عالم الطبّ، وهي syringe، الإنكليزية الأصل، أو seringue، الفرنسية
المنشأ. ونلاحظ أن بارتليمي يدرج المقابل العربي الفصيح لها: حمِْقنَة بمعنييها: حقنة شرجيّة وإبرة، ويورد
مرادفًا لها: حمِقن وجمعه محاقن، في الجزء الأول من قاموسه الصادر سنة 935.1 وقد أوجدت المجامع العربية لها مقابل ا من المخزون اللغوي للضاد هو «حمِْقَن» أو «حمِْقَنة» أو
11 روحي البعلبكي، المورد الثلاثي: قاموس ثلاثي اللغات: عربي- إنكليزي - فرنسي مع طريقة اللفظ (بيروت: دار العلم للملايين،
2004)، ص.162
2 1 بسام بركة، قاموس لاروس المحيط: فرنسي - عربي، مراجعة محمد دبس [وآخرون] (بيروت: أكاديميا، 2007)، ص.125
13 Barthélemy, vol. 1, 167.
14 أحمد رضا، معجم متن اللغة: موسوعة لغوية حديثة، 5 ج ([بيروت: دار مكتبة الحياة،.)]1958
15 منير البعلبكي، المورد: قاموس انكليزي -عربي = Al-Mawrid: A Modern English-Arabic Dictionary، ط 28 (بيروت: دار
العلم للملايين، 1994)، ص.941
«حِقْنَة». وهي كلمة قياسية فصيحة، توسّعت دلالاتها، وباتت لها معان عدة: حقنة بالإبرة، مِضخّة،
مِرشّة، وأدرجت في أكثر من معجم. وللحقيقة، فترجمةُ المفردة عينها، المتداولة بالفرنسية seringue لم
تكن أحسن حاالً. إذ نجد في قاموس حديث، ثنائي اللغة (فرنسي -عربي) صدر في أواخر ثلاثينيات
القرن العشرين، المعنيين السابقين: حمِْقَن، حمِْقَنة. ويتكرّر الأمر في قاموس ثنائي اللغة صدر في مطلع
الألفية الثانية، وهو يضع مقابل ا لها لا يخرج عن نطاق سابقه: حمِقنَة، إبرة الطبيب. وينفرد قاموس
حتّي الطبي الجديد بإضافة مرادف «زرّافة» إلى «حمِْقَنة»، وأورد مثل ا على أحد استخداماتها: زرّافة هوائية
لتنظيف تجويف السن. يُشار هنا إلى إمكانية أن تكون الكلمة من أصل عربي «زرَّافة» ثم حُوِّرت لفظيًا
فصارت seringue. والمفارقة أن معجامً للعاميّ الدخيل في فلسطين أورد معنىً آخر للمفردة. حمِْقَن: ومنه: المُحْقان: أداة الحقن.
وهو المعروف عند العامة باسم: القمُع. راجت الكلمة الأجنبية الدخيلة في بعض البيئات العربية (لبنان
مثل ا)، وباتت تضاهي تلك الفصيحة انتشارًا وتداوالً. اكتفت العامّة بالصيغة المعرّبة الأسهل والأقرب
فهامً «سيرنغ»، أو seringg (تكرار الفونيم الأخير) كما هي الحال في كل من لبنان والأردن ومصر، في
حين عمد الجزائريون إلى استبدال الصائت e() ب ou()، فأمسى هذا المقترض في لهجتهم souringg.
سهّلت العامة على نفسها الأمر واعتمدت صيغة معرّبة وجمعتها على «سيرنغات»، وتداولتها ولا تزال،
متجاهلةً، أو غير عارفةٍ على الإطلاق، صيغتها المعرّبة التي توافق عليها أولو الأمر، ولكنها هُجرت ولم
تشقّ طريقها نحو التداول فالشيوع. وفي سنة 2010، تُعطى هذه الكلمة الوافدة حقّها القاموسي، فتندرج
في قاموس لبناني – فرنسي، صادر في باريس، ولكن هذه المرّة بتطويع صوتي طفيف، أحلّ الكاف مكان
الغين: «سيِرَنْك» وجمعها «سيرنكات». والاستثناء الوحيد في إحلال «الشين» مكان «السين» ورد في دراسة حديثة عن الألفاظ العاميّة السورية
(2005)، وأدرج الكلمة الوافدة بالشين: رشْنكة، ومعناه حمِْقنة طبيّة ذات إبرة مجوّفة. وسبق للشاعر الشعبي اللبناني عمر الزعنّي أن استخدمها بصيغة الجمع «شرنكات» في إحدى
قصائده التي خصّ بها الزعيم الراحل رياض الصلح في سنة 294.1 فَ «أبو شرّابة»، أي الرئيس
رياض الصلح المعروف باعتماره الطربوش، «كلّ شرنكاته شافية». ويريد بالطبع التلميح إلى
«الحقن السياسية» التي كان يستحضرها عند الحاجة. وهنا نلاحظ نوعًا من التناص بين الخطاب
السياسي والخطاب الطبي.
16 وجمعها حُقَن ولها معنيان: الدواء الذي يحقن به المريض. الآلة التي حيُ قن بها. انظر: جبران مسعود، الرائد: معجم لغوي عصري، ط
7 (بيروت: دار العلم للملايين، 2199)، ص.311
17 بركة، ص.676
8 1 يوسف خ. حتي وأحمد الخطيب، قاموس حتي الطبي الجديد: انكليزي – عربي = Hitti’s New Medical Dictionary: English –
Arabic، ط 7 (بيروت: مكتبة لبنان، 2002)، ص.419
19 حسين علي لوباني، معجم العامي والدخيل في فلسطين (بيروت: مكتبة لبنان، 2007)، ص.564
20 Jean-Baptiste Belot, Petit dictionnaire arabe-français à l’usage des écoles , nouv. éd. rev., corr. et augm (Beyrouth: Imprimerie Catholique, 1939), p. 742. 21 Chaker-Sultani et Milelli, p. 314.
22 أحمد درويش أحمد، الألفاظ العامية السورية: دراسة ومعجم وجذور (اللاذقية، سورية: مكتبة بالميرا، 2005)، ص.79
23 محمود نعمان، عمر الزعنّي شاعر الشعب (بيروت: جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت، 1979)، ص.244
خلاصة
شرَْعنَ المستشرقون الذين اهتموا منذ مطلع القرن الماضي بجمع المادة اللغوية من أفواه متكلّميها
الأصليين، أي الرواة اللغويين الطبيعيين informateurs()، هذا المستوى اللغوي العربي المنطوق، أي اللغة
المحكيّة، فدوّنوه وصنّفوه وقعّدوه. وساهموا في إنشاء متنٍsujet()، ولم يقفوا عند حدود الشروحات
commentaries) (للمادة اللغوية المجموعة. ويتمثّل الفارق الأساس الواضح بين الجهد اللغوي المبذول من كلا الطرفين المهتميّن بالمسألة اللغوية في
بلاد الشام (أهل المجامع اللغوية من جهة والمستشرقون من جهة ثانية) في أن أعمال المعجمييّن العرب
اتخذت المنحى التتابعي أو الأحادي الخطّي unilinéaire() في تعاملها مع الشأن اللغوي. وفي المقابل، ركّز
المستشرقون وواضعو المعاجم اللهجية – أمثال بارتليمي - على مسألة الحكي أو «كلام الناس». لذا،
انصبّ جهدهم على ما يسمّى في الدرس اللساني الحديث تعدّد الدلالات polysémie()، ونعني بذلك
الاشتراك اللفظي، أي استقصاء اشتمال دلالة الكلمة الواحدة على أكثر من معنيين. ولما كنا في صدد معالجة موضوع الترجمة وآفاق تطوير العربية، فإن التوصية التي نصوغها ختامًا هي أن
نبحث على الدوام عن الفاعل الاجتماعي acteurs sociaux) (للغة الترجمة؛ فالذين يتلقون هذه الكلمات
الوافدة ويستخدمونها في الأسماء والمسميات، يشكلون في الحقيقة السواد الأعظم من الجمهور الذي
يمتلك ذائقةً شعبية لغوية متُيّزه. لذلك، نراهم يستسيغون صيغة بعينها – معرّبة أو مترجمة - لتداول
مقترض جديد تناهى إلى سمعهم، واستشعروا أهمية تداوله في حياتهم اليومية نظرًا إلى تطور حاجاتهم
التواصلية. وفي المقابل، يعرضون أو يهملون صيغة أخرى أنتجتها مجامع لغوية عربية، باعتبارها نافرة
ولا تلبّي حاجاتهم التواصلية، ولا وظيفة تعبيرية لها في خطابهم اليومي، ولا هي تُعرف بسرعة الإبلاغ
والإيصال. ونخلص إلى أن عمل بارتليمي المعجمي الذي شمل أهم المدن في بلاد الشام، هو أنموذج حيّ
للمؤلفات المعجمية اللهجية التي صدرت ابتداءً من الربع الأول للقرن العشرين، وعربّت خيرَ تعبير عن
الذات الجَمعية في العالم العربي من خلال رصد منطوقها الحيّ بمنهجية علمية وبصدقية وشفافية، فحفظت
لنا تراثًا لغويًا وثقافيًا معيشًا وجعلته بين دفتي معجم رائد رصد ألفاظ الحياة العامّة في بلاد الشام، وشكل
ولا يزال مرجعًا للدراسات الأنثروبولوجية التي عكست روح الأوساط الحضرية المدروسة، وأثبتت
رصانة النشاط الترجمي والمعجمي، ولعلّ ذلك كله ما يجعلنا نَعُدّ هذا المستشرق الفرنسي رائدًا في تصنيف
هذا الضرب من المعاجم.