العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الترجمة وتجدد الفلسفة في العربية

الترجمة وتجدد الفلسفة في العربية

Translation and the Renewal of Philosophy in the Arabic Language

صالح مصباح

Saleh Mesbah

الملخّص

تروم هذه الدراسة المشاركة في رصد دور الترجمة في تجديد المقال العربي عمومًا، والمقال الفلسفي على نحو مخصوص، وكشف كيف أنَّ استراتيجيات التجديد المقصودة سلكت دروبًا متعددة ارتبطت بنوع الترجمة الممارسة، وبالإشكالية النظرية والتاريخية التي نتجت من واقع الانخراط الطوعي والقسري ضمن سياق العولمة والحداثة منذ بدايات القرن التاسع عشر، فطرحت معضلات مستحدثة تتعلق بالتحدي الغربي الذي بان مبكرًا من خلال الإشكالية الفرعية الشهيرة: لماذا تأخّر المسلمون بينما تقدّم غيرهم، ولحقتها الإشكالية الفرعية الثانية المتعلقة بصلة الحداثة بالهوية.

Abstract

Mesbah seeks to trace the role of translation in renewing Arab rhetoric in general, and philosophical rhetoric in particular. In so doing, he explores how various strategies of renewal have been linked to the theoretical and historical challenges arising from the Arab world’s entry into globalization and modernity since the early 19th century, and to the type of translation that was being practiced at the time. Such developments came with their share of problems, the first of which questioned why Muslims fell behind while others progressed, and the second dealt with the relationship between modernity and identity. Translation is deeply linked to both of these questions. Deemed as one answer to the question of progress, translation signified a tense relationship with language, which in itself is deeply connected to the question of identity. Within this framework, Mesbah presents examples of Arabic writing and translation in political thought and philosophy during the last two centuries to reveal how linguists sought to reclaim and renew the Arabic written word. The use of the term “to renew” was a conscious alternative to the term “to advance” since the idea of “advancement” carries the connotations of a European evolutionary ideology from the 19th century, replacing the dominant thesis of “progress” in European enlightenment thought during the 18th century. Subsequently, Mesbah highlights how the 1930s, 1940s, and 1950s came with the notorious “modernization” discourse, heralding a “multicolored” view of development; he then investigates the notion of modernization as discussed in successive development reports issued by the United Nations.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخية
  • التحدي الغربي
  • المسلمون
  • الترجمة
  • الحداثة
Keywords:
  • Advancement
  • Translation
  • Western Challenge
  • Muslims

تروم هذه الدراسة المشاركة في رصد دور الترجمة في تجديد المقال العربي عمومًا، والمقال

الفلسفي على نحو مخصوص، وكشف كيف أنَّ استراتيجيات التجديد المقصودة سلكت

دروبًا متعددة ارتبطت بنوع الترجمة الممارسة، وبالإشكالية النظرية والتاريخية التي نتجت من

واقع الانخراط الطوعي والقسري ضمن سياق العولمة والحداثة منذ بدايات القرن التاسع

عشر، فطرحت معضلات مستحدثة تتعلق بالتحدي الغربي الذي بان مبكرًا من خلال

الإشكالية الفرعية الشهيرة: لماذا تأخّر المسلمون بينما تقدّم غيرهم، ولحقتها الإشكالية الفرعية

الثانية المتعلقة بصلة الحداثة بالهوية. كانت صلة الترجمة بالإشكاليتين وطيدة، فاعتبُرت أوالً سبيالً من سبل الإجابة عن سؤال

التقدم، ثم اعتبُرت في صلة متوترة مع المسألة اللغوية التي ترتبط على نحو صميم بمسألة الهوية.

هذا قبل أن تتسارع العولمة لتعيد صوغ المسائل جميعًا على نحو أكثر تعقيدًا. وإذا كان من البينّ

امتناع الوقوف عند كلّ ما سبق، فإن الدراسة تهدف على نحو أدق إلى محاولة الوقوف على

تجليات ممارسات الترجمة تلك من خلال أمثلة مصطفاة من الممارسة العربية للكتابة والترجمة

في الفكر السياسي والفلسفة خلال القر ين المنصرمين، لكشف كيف أن مجموعة استراتيجيات

تضافرت لاستعادة العبارة العربية عمومًا وتجديدها؛ وهذا معنى مدقق نستخدمه بدلا من

مصطلح «تطوير» غير المحايد دلاليًا، باعتبار ما يحمل من أيديولوجيا تطورية أوروبية تعود

الى نهايات القرن التاسع عشر، وتحلّ محلّ مقولة التقدم التي سادت فكر التنوير الأوروبي في

القرن الثامن عشر، قبل أن تأتي ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته وخمسينياته بالتحديث

الذائع الصيت المبرشّ بالتنمية المتعددة الألوان، ذلك التحديث الذي تتناوله تقارير التنمية

المتعاقبة التي تصدرها الأمم المتحدة، وبعضها يتناول أهمية الترجمة رأسًا.

قبل الكلام على ترجمة الفلسفة حضوريًا على نحو التبجيل أو التبخيس، من الضروري الاضطلاع

بواقع أن تدبّر أمر الترجمة عندنا اليوم ليس بأيسر من التفكير في وضع الفلسفة؛ فنحن نواجه

صعوبة مزدوجة مفادها أننا لاحقون تاريخيًا ونظريًا لتجربة الحضارة العربية في الترجمة في صلتها

ب«الأعاجم» نقل ا لعلومهم إلى «لسان عربي مبين»، وجعلهم هم أيضًا قادرين على التعبير بذات اللسان

العربي المبين عن علومهم الأعجمية حتى يخرجوا عن عجمتهم وتخرج علومهم عن غرابتها، وهو ما عنى

أن تكون الترجمة تأويل ا وتعبيرًا، كما ظهر في بعض الجهد الهرمنيوطيقي الوسيط عند المسلمين واليهود كما

عند المسيحيين، وعنى أيضًا أنَّ الترجمة لم تكن نقل ا فقط، وإن كانت كذلك في الأساس. على الرغم من

ذلك، لم ينظر العرب الوسيطيون بما مارسوا من ترجمة في حالهم الإمبراطورية. ونحن نزعم أن الومضات

التي أوردها الجاحظ في كتاب الحيوان، والصفدي في كتاب الوفياتبصدد حلم المأمون، والتوحيدي

في المقابساتليست كافية لبناء نظرية عربية كلاسيكية في إشكالية الترجمة يمكن أن تستجيب لحاجاتنا

اليوم. ولئن أراد بعض مترجمي النصوص الحديثة والمعاصرة فعل ذلك على أرضية القدامى، فإنهم لم

يوفّقوا كثيرًا لذلك السبب، كما لسبب مستحدث يجمع على نحو مكثف بين عامل نظري، نعني ما حدث

في العلوم الإنسانية والاجتماعية واللسانية في الغرب من تحولّات كبرى انعكست نتائجها على كل العالم،

وبين عمل سياسي تاريخي هو تحديدًا ما حدث من استتباع تاريخي غربي لبقية العالم منذ بدايات الحداثة

الغربية في القرن الخامس عشر، فتصبح حالهم أقرب إلى «المغالطة التاريخية»: الانتماء إلى العصر من دون

الانتماء إليه فعليًا، والانتماء إلى التقليد من دون الانتماء إليه فعليًا.

ولأننا ننتمي تاريخيًا، ونظريًا كذلك، إلى عصرنا، يميل المتحزبون من بيننا إلى الأخذ بأحد تصورات ثلاثة

للترجمة: الأول، هو العلمي المعرفي الذي يرتبط بالفلسفة اللغوية (رومان ياكبسون من جهة، وكواين من

جهة ثانية)؛ الثاني، هو الهرمنيونطيقي المرتبط بالمعنى، ونجده في النزعات الفلسفية الموسومة بالاسم ذاته

(وهو تقليد في الفكر الألماني منذ فون همبولدت وشلايرماخر انتهاء إلى غادمير مرورًا بدلتاي وهيدغر

ومن نحا منحاهم من غير الألمان وأهمهم الفرنسي بول ريكور)، وهو ما يعني الاندماج في النظريات

السائدة غربيًا من دون أي تدبّر حقيقي؛ الثالث، هو التصور الحضاري/ الثقافي النقدي الذي يجمع بين

تصور منهجي تفكيكي وموقف نظري وسياسي مناهض للكولونيالية، ولا يعود إلى أبعد من العقد الأخير

من القرن المنصرم، على الرغم من مراسه الأقدم كثيرًا. لذلك، تتكشف الفلسفة تلك في الموقفين بأنها

ضرورية للترجمة ذاتها؛ فلترجمة الفلسفة لا بد من فلسفة للترجمة، وهذه الفلسفة لا يضعها غير الفلسفة،

على هيئة ضرب من الدور ولكنه في تقديرنا قريب ممّا يسمّى «الدور الهرمونيطقي»: رُبّ دور تأويلي ونقدي

1 انظر: طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة، 2 ج (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995)، ج:1 الفلسفة والترجمة.

2 انظر: المصدرنفسه. وهو من أفضل الكتابات العربية التي تصدّت نظريًا لقضية الترجمة من مقام صلتها بالفلسفة. ومن أهم ما ورد

عنده تصنيف الترجمات العربية، بعد التعاطي النقدي مع نظريات الترجمة في الغرب المعاصر لكل من فالتر بنيامين، ومارتن هيدغر

وهانز غادمير من الألمان، وجاك دريدا والأميركي أندريو بنجامين والفرنسي أنطوان برمان، إلى «ترجمات تحصيلية» (المصدر نفسه، ص

230-229) ذات هدف تعليمي محض، وأخرى «توصيلية» (المصدر نفسه، ص 252-231) لا تبتعد عن الأولى إالّ من جهة التشديد

على الصلة بالمتلقّي أكثر من التشديد على الموضوع. وأخيرًا الترجمة التأصيلية التي يعتبرها طه عبد الرحمان الأفضل (المصدر نفسه، ص

05-3534). بيد أن الجانب التطبيقي لم يكن تمثيليًا لأنه لم يتصد لنص مطوّل بل اكتفى بمعالجة قولة ديكارت الشهيرة: أفكر، فأوجد،

وهو عمل دقيق ولكنه يمكن سحبه بيسر وبوجاهة على نصوص كاملة.

3 لا يتوقف طه عبد الرحمن، عند هذا النوع من الترجمة، رغم أنه كان يمكن أن يساعده على مزيد من تدبر إشكاليته. انظر: المصدر نفسه.

ويورد في كتابه الأحدث روح الحداثة بعض التحوير في تصنيفه للترجمات لتصبح إمّا ترجمة منطقية وإمّا ترجمة دلالية وإمّا ترجمة تركيبية،

والقصد هو بلوغ ترجمة استكشافية تتلاءم مع الإبداع الضروري لتحقيق الحداثة الإسلامية، انظر: طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل

إلى تأسيس الحداثة الإسلامية (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006)، الهامش 17، ص 169 خاصة.

وسياسي في آن معًا يعين على نحو مناسب نوع مغامرة العرب المعاصرين مع الترجمة، وهو في ذلك يختلف

تمامًا في إيجابيته عن الدور المنطقي التقليدي الذي لا ينتج غير فراغ تحصيل الحاصل. لا بد من الإشارة، تمهيدًا لذلك، إلى أننا نصدر عن تصور ربما يستفز بعض متلقّيه، وهو يتعلق بوضع

الفلسفة في الفكر العربي الكلاسيكي كما المعاصر، ومفاده، أولا، أن هذا الوضع لم يكن مركزيًا في الثقافة

العربية الكلاسيكية، على الرغم من زعم أكثر معاصرينا من المدافعين عن الفلسفة: رُبّ زعم هو ضرب

من إضفاء المشروعية على الحاضر أكثر ممّا هو معرفة تاريخية بأحوال الفلسفة عند العرب الوسيطيين. يخالف هذا التصور، ثانيًا، اعتبار بعض المتحمسين للفلسفة أنها اختفت كليًا لزمن طويل ثم عادت بعد

«صدمة الحداثة»، وربما «عادت بفعل الترجمة تحديدًا»: إن المعرفة التاريخية زائدًا الدراية النظرية بشأن

مصائر الفلسفة العربية تبيّنان أن النظر الفلسفي لم يندثر في المنطقة العربية الإسلامية، خلافًا لما يذهب

إليه أتباع المستشرقين وغيرهم من مؤرخي الفكر الذين يعتبرون، عادة، ابن رشد خاتمة الفلسفة العربية

الكلاسيكية، ذلك أنَّ هناك «ما بعد رشدية» مغاربية تواصلت في المؤسسات التعليمية، وتمثّلت في دوام

الانشغال النظري بموضوعات المنطق، وعلم الكلام، والأخلاق، وهي كذلك تواصلت شرقًا،

كما يمكن أن نتبنيّ ذلك من كثرة مصنّفات الجمع بين الفلسفة وعلم الكلام والتصوف في المشرق العربي

والإسلامي: رُبّ جمع يسمّى حكمة، ولا يزال متواصل ا في عديد المنطق في المشرق الإسلامي (إيران،

باكستان، الهند، إندونيسيا، ماليزيا)، وهو أصبح منزعًا روحانيًا أكثر منه تعليامً عقلانيًا، وفق المعايير

اليونانية والمشائية والعقلانية العربية الكلاسيكية. ولذلك، فإن التخلص من المركزية المضاعفة، مركزية

العقل ومركزية الإغريق، يمكّن من النظر على نحو آخر في وضع الفلسفة اليوم في المجال العربي الإسلامي

كما في مصيرها. ويعني ذلك، ثالثًا، أن النظر في صلة الترجمة بالفلسفة ينبغي أن يتعدى حكامً مجرد الاكتفاء بتدبّر

حضور الفلسفة موضوعًا من موضوعات الترجمة في العربية، منذ تكوّن الجامعات الحديثة في بدايات

القرن العشرين، إلى الاضطلاع بكون واقع الترجمة في العالم العربي إنما يتضمن بالضرورة واقع ترجمة

الفلسفات (غير العربية) إلى العربية منذ بدايات النهضة العربية في بدايات القرن التاسع عشر، كما

تجىلّ في مراس أشخاص هواة متحمسين مارسوه: رُبّ مقام تأويلي سينعكس ضرورة على ضرب

4 يكفي العودة للتأكد من ذلك إلى الجرد الذي تتضمّنه الترجمة العربية: نيقولا ريشر، تطور المنطق العربي، ترجمة ودراسة وتعليق محمد

مهران (القاهرة: دار المعارف،.)1985

5 Henri Corbin, «La Philosophie islamique depuis la mort d’Averroes jusqu’à nos jours,» dans: Yvon Belaval, dir., Histoire de la philosophie, tome 3: Du XIX siècle à nos jours , encyclopédie de la Pléiade; 38 ([Paris]: Gallimard, 1974), pp. 1087-1188.

6 علي زيعور، الحكمة العملية أو الأخلاق والسياسة والتعاملية: الفلسفة في ميدان الفعل والمعيار والعلائق الاجتماعية، التحليل النفسي

والأناسي للذات العربية؛ 01 (بيروت: دار الطليعة،.)1988

7 Muhsin Mahdi, «Islamic Theology and Philosophy,» dans: The Encyclopedia Britannica , vol. 9, pp. 1012-1025.

8 انظر الإشكالية النظرية والتاريخية في: علي زيعور، في التجربة الثالثة للذات العربية مع الذمة العالمية للفلسفة: مباحث في الإنسان في

المجتمع وأمام الله والقدر، التحليل النفسي والأناسي للذات العربية؛ 8 (بيروت: دار الاندلس، 84.)19 وكذلك اللوحة التاريخية النقدية

في: علي زيعور، قطاع الفلسفة الراهن في الذات العربية: تيارات المدرسة العربية في الفلسفة إبان القرن العشرين، الفلسفة في العالم والتاريخ

(بيروت: مؤسسة عز الدين، 1994)، و القسم الخاص بالفلسفة وبالدراسات اللغوية في: عبد الإله بلقزيز، مشرف، الثقافة العربية في

القرن العشرين: حصيلة أولية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2011

9 نشير هنا إلى جهد مفكرين ولغويين مثل أحمد فارس الشدياق وإبراهيم اليازجي والأب أنستاس ماري الكرملي وسليمان البستاني

وجرجي زيدان، يعقوب صروف، وفتحي زغلول وحسين المرصفي وإسماعيل مظهر، وغيرهم.

الإجابة عن السؤال الاستراتيجي: ماذا ينبغي أن نترجم اليوم من المقالات الفلسفية، بعد ما ترجم

السابقون ضمن المؤسسات الجامعية أو خارجها؟ ويتعلق هذا السؤال بخصوصية الإشكالية الفلسفية

في تلك الإشكالية العامة للترجمة، وهو يقتضي تدبّر «الفلسفي» الذي عُني به العرب المحدثون،

فترجموه وترجموا في ضوئه: وهو سؤال شائك، بل سؤال الأسئلة عند المشتغلين في الفلسفة في المجال

الفكري العربي والمعاصر لأنه يعني في الوقت ذاته إدراك صلة الباحث بالموروث النظري الناتج من

الحقبة العربية الكلاسيكية والصلة بالفلسفة المعاصرة (المحلي الخجول في ربوعنا كما المتغطرس ثقافيًا

الآتي من الغرب الأوروبي والأميركي)، وكذلك تبيّنه الفارق بين مفهوم الفلسفة اليوم (في تعددها)

وما كان يُقصد بالفلسفة انطلاقًا من الموروث المرتبط إيجابًا كما سلبًا بالتقليد العربي-الإغريقي، أي

أنظرنا إليه في النسابة المنحازة الى العقلانية المشائية-العربية الموجبة، التي تتضمن الكندي والفارابي

وابن سينا وابن باجة وابن طفيل وابن رشد وابن سبعين والطوسي والشيرازي وغيرهم، أم في النسابة

المنتقدة للسابقة انطلاقًا ممّا يسمّى عادة العلوم الإسلامية، وتتضمن هذه النسابة الغزالي وابن تيمية

وابن خلدون وغيرهم. ويمكن عندئذ العودة على نحو إجرائي إلى تصنيفات هؤلاء للعلوم لتلمّس

جوابهم عن سؤال ما الفلسفة والاحتكام إليه، وإن استلزم ذلك حتى التخيلّ عن التصنيف الكلاسيكي

للعلوم اعتمادًا على موضوعاتها، واستبداله بتصنيف المحدثين وفق المنهج، والبحث عن مسوّغ لذلك

في اصطناع «مسألة منهج» عند القدامى ذاتهم؛ ويفترض ذلك اعتبار المستجد الغربي قابل ا للاستصلاح

من منظور أولئك القدامى، بل واستئناف أحد تقاليدهم، وعدم اعتبار المحدثين حجّة على القدامى، بل

هم مجرد إضافة تمكّن من تدبّر الأسئلة القديمة ذاتها بالاستعانة بما استجد في العلوم والمعارف والفنون

والتقنيات والسياسات والقيم، والنظر إلى الحداثة بوصفها مجرد معاصرة، وبالتالي تدبّرها من موضع ما

قبلها. ويكون على الناقل ترجمة ما يمكن أن يكون مواصلة أحد التقليدين المصطفى وفق الموقع الداخلي

(في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة) الذي ينظر منه المترجم المعني. أمّا المنظور الثاني، فهو مضاد

تمامًا للسابق، ويقوم على أساس أن الحداثة الغربية جبّت ما قبلها. وينتج من ذلك أن تجديد الفلسفة

العربية أو استحداثها أو «عودتها» ارتبطت بالحداثة/ النهضة العربية. ويفترض هذا الرأي – متابعًا

الاستشراق- بأن الفلسفة العربية إنما انتهت منذ وفاة ابن رشد، لأن التقليد العقلاني العربي الهليني

انتهى بانتهاء تجربة شروح فيلسوف قرطبة ومراكش على أرسطو وجالينوس، ثم لأن تلك الشروح

آتت أُكلها في المخاض الطويل للحداثة الأوروبية منذ القرن الثاني عشر، وصوالً إلى القرن السادس

عشر. ويلزم عن ذلك ضرورة القبول بالتعريف الجديد للفلسفة كما تضمّنته الفلسفة الحديثة انطلاقًا

من بيكون وديكارت، والاضطلاع بمشكلاتها، لأنها تعنينا في هكذا منظور على نحو مزدوج، باعتبارها

تطويرًا لبعض موروثنا، ولأنها تتجلى اليوم مشكلات كونية بامتياز. ويكون «تطوير» الفلسفة العربية

نشأة جديدة لها لأننا منذ زمن طويل في انقطاع تاريخي مع الفلسفة العربية موضوعًا ومنهجًا وأفقًا،

وهو ما يعني ضرورة القبول بالتعريف الحديث للفلسفة، واختزال الإشكالية كلها بمجرد الاختيار

بين التصورات الحديثة للمعارف على أساس المنهج (بيكون- ديكارت - نيوتن)، أو على أساس الذات

المؤسسة (ديكارت- لوك - هيوم – كانط – هوسرل – ميرلوبونتي)، أو على أساس السيرورة التاريخية

(هيغل- ماركس- نيتشه)، أو على أساس اللغة (الفلسفة التحليلية- الهرمونيطقا- البنيوية والوظيفية). رُبّ قرارات تجعل الترجمة من العناوين الرئيسة ل«عودة الفلسفة» إلى ديارنا، بعد أن كانت قد انحسرت

كثيرًا في ما كان يدرس في الأزهر في مصر، والزيتونة في تونس، والحوزات الشيعية في العراق وإيران،

وبعض الأديار المسيحية في لبنان وسورية ومصر، أو ما ينتقل في الدوائر الصوفية الطرقية في السودان

وبلدان المغرب العربي، وذلك بعد إعادة تأهيلها وفق استراتيجيات متعددة، بعضها خارجي ومجتمعي

ومؤسساتي، وبعضها الآخر داخلي ولساني ومعرفي. ممّا لا شك فيه أن التجربة العربية الحديثة في الترجمة تقدّم مثل ا لما يعني «تجديدًا/ تطويرًا» متعدد

الاستراتيجيات، أولاها عامة متعلقة بالمجتمع عمومًا. وهي استراتيجيا خارجية متعلقة بشروط الترجمة

لا بالترجمة ذاتها، وتجد أفضل توضيح لها في الجهد الترجمي الذي أنجزته الدول ومؤسسات المجتمع الأهلي

العربي وجهد بعض الأفراد المنعزلين البطولي خلال القرنين المنصرمين. أمّا ثانيتها فإنها استراتيجيا داخلية

خاصة بالترجمة جهدًا وتقنيات. ولما كان تاريخ الاستراتيجيا الخارجية قد بات أكثره معلومًا فإننا نود

التوقف عند الاستراتيجيات الداخلية للترجمة لتطوير اللغة والفكر العربيين. إنه لمن البنيّ أن الاستراتيجيات الداخلية للترجمة في العربية ارتبطت في آن معًا، أولا، بما يسمّى عادة

الأسلوب، أي ضرب ترتيب العبارة، نعني ضرب البلاغة الفلسفية، وثانيًا بنمط بناء المصطلح الفلسفي،

وثالثًا بنوع المعاني المستحدثة. وإذا كانت أهمية الأولى لا تخفى على أحد باعتبار أن نوع البلاغة المستعملة

لا يرتبط بقدرات المؤلّف فحسب، بل أيضًا بنوع فهمه للمعرفة (صفويًا أكان أم جمهوريًا أم منفتحًا على

الجمهور، مع الحفاظ على درجة معيّنة لصناعيته) وبمقاصده (أكانت معرفية صرفة أم عملية صرفة أم

معرفية ذات استتباعات عملية)، وبعقائده (أكانت عبارة دنيوية محضة أم عبارة تنهل من معين العبارة

الدينية ماهويًا أو عقديًا أو استراتيجيًا، للتبليغ، أم دونما تفكّر، يفرضها «نظام الخطاب» وفق مصطلح

ميشيل فوكو الشهير). لكننا نعتبر مع ذلك أن الأسلوب والمصطلح يتحكمان في المعاني على نحو صميم،

على الرغم من تركيز هذا الباحث أو ذاك على أحد الثلاثة أو على اثنين منها، إذ إنّه من النادر الاضطلاع

بثلاثتها في وقت واحد. سنهتم نحن أكثر بالجانب الثالث، أي الجانب الاصطلاحي، باعتباره الأقرب إلى الشأن الفلسفي، وفق

التصور الغالب حتى الآن، على الرغم من الصلة بين النظر الفلسفي وضروب الكتابة الأخرى غير

البرهانية، مثل الإنشائية الشعرية والحكمية والروائية... التي ترتبط بتقليد آخر عرفه قدامى اليونان،

كما التقاليد الصينية، والكتابات العربية الكلاسيكية قبل أن تمر بالتجربة الأوروبية الحديثة، وصوالً

إلى بعض معاصرينا الغربيين والعرب وغيرهم الذين انحازوا رأسًا إلى الاستعارة المفهومية على درب

فريدريك نيتشه. وفي ما يلي تلخيص لاستراتيجيات الترجمة، زائدًا استراتيجيات وضع المصطلحات،

وتحقق على نحو شديد التركيز من انطباق ذلك على الفلسفة العربية المعاصرة. إنَّ الاستراتيجيات

المشار إليها: - إمّا معنوية تُعرف عربيًا بالتوليد والاقتباس من القديم وإعطاء الكلمات العربية القديمة معاني

مستحدثة، بالإضافة إلى معانيها القديمة، ويكون ذلك بالاستعادة الصريحة والجذرية – عند التراثيين

كما عند بعض العلمانيين- للتقليد العربي الوسيط لاقتباس المفاهيم والأساليب. وهو ما دفع المترجمين

الأوائل إلى تدبّر النصوص والمعاجم المعروفة في التقليد الكلاسيكي بل والمهجورة، وحتى المنسية كذلك

وقد أعيد اكتشافها بفعل دخول المطبعة إلى المجال التاريخي الثقافي العربي الحديث، بداية من تجربة مطبعة

بولاق الشهيرة، وبفعل جهد المستشرقين التحقيقي ونشرهم في مصر أو الهند أو تركيا أو أوروبا أمهات

كتب المجال العربي الوسيط. وقد وفّرت هذه الينابيع لأوائل المترجمين، وما زالت توفّر للحاليين منهم،

مصطلحات قطاعية تهم عديد المجالات المستحدثة، فكانت إعادة الاكتشاف هذه تنشيطًا لمعجمية وسيطة

بل إحياءً لها باعتبارها تقليدًا حيًا. هذا بالإضافة إلى حقنها بمصل وافد غريب عنها يمنحها مناعة جديدة

فيحولّها إلى كائن هجين مخصب في تقدير المنافحين عن هذا التعاطي الاستراتيجي الذي يتضمن إرادة

تحويل من الداخل بممارسة نحو من التفجير الداخلي للمضامين الوسيطة. فنحن أمام نوع من العنف

الذي يمارس على اللغة المتقبلة أكثر من اللغة الأصل، وذلك قصد إدراج قسري للعربية ضمن سياق

الحداثة المعرفية العالمية، وهي بذلك تواجه ماضيًا بعضه درس وبعضه الآخر بهت، وتريد بعثهما، وحاضرًا

سريع الإيقاع تريد ركوبه، وهو ما يقتضي التركيب بين الزمنين، وهذه في تقديرنا السمة الأساسية للزمن

العربي المعاصر ضمن الزمان العالمي الحديث والمعاصر والشديد التراكب حكامً. - وإمّا استراتيجيا حرفية بالاشتقاق، الذي يكون اعتمادًا على تقليب تصريف الكلمة من أجل ابتكار لفظ

جديد من الجذر، بحثًا عن لفظ مطابق لمعنى المفهوم الأجنبي المطلوب عند عدم العثور على ما يمكن أن

يؤدي هذا المعنى في المتداول العربي المستقر. وتتجلى أهمية هذا النحو من التملّك الذي مارسه القدامى

قبل المحدثين في كونه يريد في بعض الأحيان التعبير عن الممتنع، ولذلك فهو لا يتردد في الخروج الصريح

عن قواعد اللغة العربية، وذلك من أجل دفع هذا اللسان إلى قول زمانه، تمامًا مثلما أُرغم المترجمون القدامى

على قول العلم اليوناني أو الهندي أو السياسات الفارسية بممارسة عنف يتعلق بالمبنى قبل المعنى، إلى حد

تشكي الشافعي قديامً، ثم ابن تيمية لاحقًا، من كون عدد كبير من تراجمة العصر قد مال عن سبيل الشافعي

وسلك دروب «لسان أرسطاطليس» عن «جهل» أو «ترك للسان العرب». وهذا الزمان هو في عصرنا

الحداثة الغربية، عن حُسن تقدير بحسب القائلين بذلك. ويمكن أن ندلل على ذلك بعديد الأمثلة من

التجربة الترجمية الحديثة: مثل اشتقاق «احتمالية» (مذهب) من «احتمال» المأخوذ من تعريفات الجرجاني،

وكل المذاهب إنما اشتُقت على هذا النحو، ويجري استغلال الكاسعة أو اللاحقة «نيّة» واسم الآلة على

وزن «فعالة» لاشتقاق هذا النوع من المفردات. - وإمّا استراتيجيا ثالثة هي النحت من أجل الترجمة، وهو قليل عند الفلاسفة، القدامى منهم والمحدثون،

لغرابته عن مورفولوجيا اللغة العربية، ولكنهم قبلوا به عوضًا عن تفجير المصطلح الأصلي وتعويضه

0 1 نعني القرآن الكريم، ومتون السنّة وكتابات الشيعة والخوارج، وترجماتالأناجيل (كما تمّت في منتصف القرن التاسع عشر وأضيف

إليها إنجيل برنابا الذي ترجمه الدكتور خليل سعادة ونشر مع تقديم لمحمد رشيد رضا)، ودواوين الشعراء العرب قبل الإسلام كما

الشعراء الإسلاميين، والعلوم الإسلامية العقلية كما النقلية والتصوف، والمعاجم الفلسفية التي ضمّنها الكندي والفارابي وابن سينا وابن

رشد، أو كتب هؤلاء الفلاسفة وغيرهم من الفلاسفة العرب المسيحيين، مثل قسطا بن لوقا ويحيى بن عدي، أو من علماء الصابئة مثل

العلماء ثابت بن قرة وأبناء شاكر، أو من الفلاسفة اليهود الذين كتبوا بالعربية مثل سعديا الفيومي وإسحاق الإسرائيلي ويهودا اللاوي

وابن جبريل وموسى بن ميمون، ومعاجم غير الفلاسفة مثل جابر بن حيان والخوارزمي الكاتب والتوحيدي والآمدي والجرجاني

والتهانوي، انتهاء بأبي البقاء في القرن التاسع عشر.. إلخ.

11 انظر الملخص الجيد في: ميشال اسحاق، المعاني الفلسفية في لسان العرب: «الفلسفة العربية الأولى»، دراسة قدم له جورج صدقني

(دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 8419)، الذي يبنيّ كيف أن التوسع الدلالي الناتج من الاشتقاق يمكن أن يكون باعتماد «المشابهة» بين

المعاني للاشتقاق (المصدر المذكور، ص 0-293) أو «السببية» (المصدر المذكور، ص 03)، كما «الكناية»، قبل اعتماد «الاشتقاق» الصناعي

المعروف، أكان «اشتقاق أخوة» (المصدر المذكور، ص 2-394) أم «اشتقاق قلب» (المصدر المذكور، ص -24.)51-4844 و

2 1 أوردها ابن تيمية في: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد

ومحمد حامد الفكي، 2 ج (القاهرة: مطبعة السنة المحمدية، 0195)، ص.683

13 انظر جميع أسماء المذاهب والتيارات الفلسفية الحديثة والمعاصرة في: معن زيادة، محرر، الموسوعة الفلسفية العربية، 2 ج في 3

(بيروت: معهد الإنماء العربي، -19861997)، ج 2، والتي نحت منحى مصنفي فرق المسلمين القدامى في التسميات.

ب«شبه الجملة»، فهُم قبلوا بفلسفة عوضًا عن «حب الحكمة»، ولذلك احتفظ العرب المعاصرون بما

استقر من منحوت أسلافهم، وأضافوا بدورهم أسماء جديدة من نوع «أوتوماتيكي» و«إبيستيمولوجيا»

و«إتنوغرافيا» و«سوسيولوجيا» و«اسكاتولوجيا» و«أنطولوجيا» و«بيداغوجيا» و«مونادولوجيا»

و«تكنولوجيا» و«ثيوقراطية» وغير ذلك كثير. ويرتبط بذلك ما يُعرف بالتعريب، أو الترجمة الكتابية

أو الصوتية، وذلك عند تعذّر الاشتقاق وجميع قواعد التعريب القديمة (مثل الأصوات المقروءة التي

يشير إليها ابن خلدون في المقدمة، والصيغ الصرفية، وحروف الزيادة.. إلخ.) ولذلك، فقد استُعيض

عن النحت في الأغلب بالاقتراض الحرفي لما نحت في لغته الأصلية، والسعي إلى إعطاء تلك الألفاظ

صيغًا صوتية عربية. ويتعلق هذا النحو في الأغلب بمصطلحات تقنية تعلقت بالفلسفة والعلوم الرياضية

(بفروعها من هيئة وجغرافيا وموسيقى) وعلوم الطبيعة عند القدامى كما عند المحدثين. وقد عربّ عن

ذلك، كما هو معلوم، خير الدين التونسي بوضوح في أقوم المسالك، ملخّصًا التجربة الترجمية التي دفعته

إلى «نقل اللفظ بحاله اتكاالً على اشتهاره ولو عند خصوص المستعملين لحوادث الوقت» وذلك لأنه

واجه «بعض المفاهيم الأوروبية الحديثة التي لا نجد لها ما يلائمها في العربية، إذ هي مدلولات مستحدثة

لم توضع لها ألفاظ عربية». ومثال خير الدين الشهير هو «كونستيسيون» عوضًا عن دستور، و«بير» عند

الطهطاوي عوضًا عن النظراء، وأشهر من الجميع «برلمان» التي صمدت أمام جميع المحاولات لتعويضها

ب«مجلس النواب» و«مجلس الشعب» و«مجلس الأمة». - وإمّا استراتيجيا رابعة وأخيرة هي نوع من المساوقة، أي الاقتباس الحر الذي يعدّل الأصل على نحو

كبير حتى يوطّنه، وهو ما يعني استلهامًا أكثر منه ترجمة بالمعنى الصناعي الدقيق، ولكنها مع ذلك ترجمة

باعتبار أنها «تُواصل» الأصل على طريقتها، فتعطيه حياة جديدة، تتملكه وتحوله إلى نسخة أخرى من

الأصل تبتعد عنه قصدًا لا عجزًا أو من دون وعي. وهذه قد يصح عليها معنى الترجمة الحضارية التي

ألمحنا اليها أعلاه. لما كان المقام لا يسمح بالتوسع في تناول أمثلة، فإننا سنعمد إلى استعمال مواد معروفة تنتمي إلى الموجة الأولى

أو إلى الموجة الثانية، ونرجئ تطبيق ذلك على النصوص الجديدة، خاصة تلك التي نتجت ممّا اعتبرناه الموجة

الثالثة من مغامرة الترجمة العربية الجديدة، وذلك من خلال مواصلة الإشارة إلى بعض نصوص مفكرين

مثل الطهطاوي وخير الدين التونسي في الفكر السياسي والتربوي التي تدرج بيسر ضمن ما سمّي «ترجمة

حضارية»، وكتاب مكيافييلّ الأمير في النظرية والمراس السياسيين، وهو ما كان محمد علي قد طلب – كما

هو معلوم- من الراهب السوري أنطون رفاييل زاخور ترجمته بعد أن عرف قيمته عن طريق دبلوماسيين

أوروبيين (وقد تُرجم لاحقًا في القرن العشرين ثلاث ترجمات مختلفة)، وسيقول عنه إنه لا يعلّم جديدًا،

وذلك لتبيّنه حدسيًا (باعتبار أمّيته) قرب محتواه من كتابات نصائح الملوك العربية الوسيطة.

14 خير الدين التونسي، أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحليل النص وتحقيقه منصف الشنوفي، ط 2 (تونس: الدار التونسية

للنشر؛ الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 8619)، ص.461

15 انظر بنية تلك الكتابات وجنسها الأدبي في: عز الدين العلام، الآداب السلطانية: دراسة في بنية وثوابت الخطاب السياسي، عالم

المعرفة؛ 324 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2006). أمّا عن واقعة طلب محمد علي ترجمة الأمير، فيوردها قنصل

النمسا جيوسبي أشربي كما يلي: «إن محمد علي تحدث إليه عن هذا الكتاب في مقابلة أخرى – وذلك سنة 8281 أي بعد ترجمة الكتاب

بنحو أربع سنوات- فقال له ما ملخصه: إنكم تثيرون في إيطاليا ضجة كبيرة حول كاتبكم المعروف ماكيافللي، وقد أمرت بترجمة كتابه الى

التركية لكي أعرف ما فيه، ولكنني أعترف بأنني وجدته أقل بكثير ممّا كنت أتوقع، ومن الشهرة التي له». انظر: جمال الدين الشيال، تاريخ

الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي (القاهرة: دار الفكر العربي، 1951)، ص.80

في ترجمة الأمير الأولى حضور لعناصر التجربة السياسية الوسيطة من خلال استحضار فكرة «الديوان »

العربية الوسيطة، من دون إهمال المعنى الجديد الناشئ القريب من فكرة «البيروقراطية» الحديثة؛

ففي تقريظ الترجمة، يؤكد المترجم أن ترجمة الكتاب تمّت بأمر من محمد علي «ليفيد منه القائمون

بالوظائف الإدارية»، ونجد عنده كذلك استعماالً لعبارة «مشيخة» الخلدونية مثل ا للتعبير عن فكرة

الجمهورية، وفي ذلك كله تنشيط للغة المراس السياسي العربي الإسلامي الكلاسيكي وتأهيل لها.

وتكفي مقارنة الترجمة الأولى التي استعملها محمد علي من دون أن تُنشر بترجمة لطفي جمعة سنة 2191،

لنقف على ما سامّه جميل صليبا تقدمًا في جودة الترجمة، ولكن لندرك أيضًا أن الأمر لا يتعلق ب«أمانة»

لحرفية النص الأصلي بقدر ما يعني أيضًا توطينًا لمضمون النص وتطبيعه بطابع اللغة الهدف. رُبّ

توطين يتجلى عند الراهب المترجم منذ العنوان: «هذه مصنفات في التواريخ وفي علم حسن التدبير

في الأحكام»، وفي ذلك استناد مطلق إلى معجمية الكتابة السياسية العربية الكلاسيكية. وعوض

الفصل يضع «الرأس»، كذلك تعود العبارة إلى العبارة التقليدية «في كم هي أنواع الأميريات وبأيتما

طرايق تحاز أي يحصل عليها».. إلخ.، وسيُحْسن لطفي جمعة ترتيب العبارة ولكنه لن يخرج عن

الإطار الاصطلاحي. نجد عند الطهطاوي في السياق ذاته بدايات تكوّن لغة الفلسفة السياسية العربية الحديثة عبر ممارسة ترجمة

حضارية مبكرة؛ فلقد ضمّن رفاعة الطهطاوي، كما هو معلوم، كتابه تخليص الإبريز في تخليص باريز

ترجمة دستور فرنسا لسنة 8311، مستحدثًا مصطلحات ستستقر نهائيًا لتصبح من العدّة الاصطلاحية

للنظر الفلسفي السياسي العربي الحديث والمعاصر، مع قبول بما دخل عبر الإمبراطورية العثمانية منذ

الثلث الأخير من القرن الثامن عشر. ويمكن لقارئ هذا النص أن يرصد في هذا النص استراتيجيات

أخرى مثل التوليد؛ إذ إنه يستعمل كلمة «تدبير» عوض ما سيصبح لاحقًا «الحكومة»، مواصلا

استعمال لفظ كلاسيكي في السياسات العربية الكلاسيكية، وكذلك مفهوم «الرعية» للتعبير عن

«الأفراد»، وهو في ذلك متلائم جدًا مع حال الواقع السياسي والتشريعي والتاريخي الذي لما ينتج

مفهوم «المواطن» بصفة بيّنة. هذا على الرغم من حضور مفاهيم ترتبط بمفهوم المواطنة مثل «الحق

العام» و«حقوق الرعية» و«ذات كل واحد من الرعية يستقل بها، ويضمن حريتها» (المادة الرابعة).

كما أن الطهطاوي سيستعمل في نصوص لاحقة، خاصة في المرشد الأمينوفي التحفة الأدبية معنى

«المواطن بأنه ذو الحقوق المدنية». ومن المعلوم أن معنى «الحرية » -المضايف لمعنى المواطنة- قد

16 الشيال، ص.81

17 ولا غرابة في ذلك ونحن نجد أن محمد علي يصرح في التقدير المذكور ذاته للقنصل النمساوي: «وإني أعلن اليك أيضًا أن هناك مؤلفًا

آخر عربيًا أثار دهشتي ونال إعجابي، بعد أن أمرت فترجم للغة التركية -هو مقدمة ابن خلدون- أن هذا الكاتب أكثر حرية في تفكيره من

ماكيافللي، بل إنني أعتقد أن كتابه أكثر وأشد نفعًا، وإذا كان كتاب ماكيافللي ممنوعًا تداوله في بعض البلاد الأوروبية، أفما كان من الأجدر

أن يكون المنع أتم وأعم بالنسبةل مقدمة ابن خلدون». انظر: المصدر نفسه، ص.80

81 وكذلك ترجمة محمد الزقزوقي (القاهرة: 8195) وترجمة خيري حماد (بيروت: 0196) رغم اعتمادهما لغة وسيطة، هي الإنكليزية.

19 نستعمل الطبعة الجيدة: محمود فهمي حجازي، أصول الفكر العربي الحديث عند الطهطاوي – مع النص الكامل لكتابه تخليص

الإبريز- (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974)، وهي أفضل من: رفاعة رافع الطهطاوي، الأعمال الكاملة لرفاعة رافع

الطهطاوي، دراسة وتحقيق محمد عمارة، 4 ج (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، -1973[1977])، ج 2، لأن الأولى تتضمن

نصًا كاملا زيادة على الهوامش الثمينة بالنسبة إلى غرضنا.

20 المصدر نفسه، ص 230 و 444، الهامش.69

21 المصدر نفسه، الهامش.74

22 رضوان السيد، سياسيات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات (بيروت: دار الكتاب العربي، 1997)، ص.64

دخل إلى التركية/العثمانية منذ نهايات القرن الثامن عشر، ويبدو أن بداياته العربية كانت في بيان

نابليون لشعب مصر. ومن أهم ما قدّم الطهطاوي في هذا السياق ترجمة «قانون» الفرنسية إلى «شريعة»، وهو يدل في الوقت

ذاته على الحدود التاريخية للحدوس الطهطاوية، وحقيقة ما كان بصدد البداية: تحويل التشريع الديني إلى

تشريع وضعي أو مدني، وفهم الطهطاوي المبكر للشريعة على أنها منظومة تشريع. أمّا الدلالة الأخيرة،

فهي التي يمكن أن نستخرجها نحن، وهي أن القانون ليس في المجتمعات التوحيدية (يهودية ومسيحية،

التوراة والقانون الروماني، كما إسلامية، الشرع) إالّ علمنة ناجزة أو غير ناجزة، للتشريع الديني في صوره

المختلفة، من دون الذهاب إلى ترجمة «الدستور» إلى «الشريعة»، محتفظًا بكلمة معربة هي «شرطة» التي

ستعني «ميثاق»، رغم كونه يرادف كذلك بين «شرطة» و«قانون» في النص ذاته؛ فنحن هنا أمام حالة

نموذجية من التوليد/الترجمة الحضارية مع جميع الالتباسات المصطلحية والنظرية التي تنتج من «انصهار

أفقين» نظريين وتاريخيين لا متصلين، نعني الأفق الإسلامي الكلاسيكي والأفق الفرنسي العلماني الناتج

من الثورة الفرنسية، وهو ما يعربّ عنه الطهطاوي بقوله: «والقانون الذي يمشي عليه الفرنساوية الآن

ويتخذونه أساسًا لسياستهم هو القانون الذي ألفه لهم ملكهم لويس الثامن عشر (...). ولا زال متبعًا

عندهم، ومرضيًا لهم، وفيه أمور لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل. والكتاب المذكور الذي فيه هذا

القانون يسمّى الشرطة، ومعناها في اللاطينية ورقة، ثم تسومح فيها فأُطلقت على السجل المكتوب فيه

الأحكام المقيدة، فلنذكره لك وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنّة رسول الله صلى

الله عليه وسلم، لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة

العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم،

وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيهم من يشكو ظلامً أبدًا، والعدل أساس العمران». أمّا عن الترجمات الصناعية، فيمكن أن نقول بإيجاز شديد: إن نقل كتاب ديكارت مقالة الطريقة في فلسفة

المعرفة وتصور المنهج قد تم لأنه إمّا لا يختلف في روحه عن نصوص معرفية عربية كلاسيكية،

وإمّا لأنه سبيل من سبل تجديد العبارة الفلسفية العربية، كما تقدم. إننا أمام استعادة للغة الفلسفة

العربية الكلاسيكية عبر ترجمة نصوص وارثة لتلك النصوص، وهو ما سيمكّن من مواصلة النظر

الفلسفي الكلاسيكي، كما من تجديده جزئيًا، الأمر الذي يمكن أن نطبّق عليه ما سامّه طه عبد الرحمان

23 خالد زيادة، «صراع المفاهيم،» في: خالد زيادة، اكتشاف التقدم الأوروبي: دراسة في المؤثرات الأوروبية على العثمانيين في القرن الثامن

عشر (بيروت: دار الطليعة، 8119)، الفصل 7، ص 2-9728-12611 و 1؛ وانظر، السيد، ص -4976 خاصة؛ وانظر خاصة،ً

Bernard Lewis, The Political Language of Islam (Chicago: University of Chicago Press, 1988), and Ami Ayalon, Language and Change in the Arab Middle East: The Evolution of Modern Political Discourse, in Cooperation with the Dayan Center for Middle Eastern and African Studies, Shiloah Institute, Tel Aviv University, Studies in Middle Eastern History (New York: Oxford University Press, 1987).

24 حجازي، أصول الفكر العربي، ص 229 و 443، الهامش.

25 المصدر نفسه، ص.229

26 الترجمة الأولى من قِبل محمود الخضيري، والثانية من قِبل جميل صليبا، والثالثة من قبل التونسي عمر الشارني.

27 ممّا سوغ التقريب بينه وبين الغزالي (كما أنجز ذلك الأب فريد جبر ضمنيًا في رسالته حول اليقين عند الغزالي في خمسينيات القرن

الماضي)، بل وبين الكوجيطو الديكارتي و»فكرة الرجل الطائر» عند ابن سينا.

28 انظر: عبد الأمير الأعسم، المصطلح الفلسفي عند العرب: نصوص من التراث الفلسفي في حدود الأشياء ورسومها (تونس: الدار

التونسية للنشر، 84 19)، وترجمات نصوص توما الأكويني وخاصة الخلاصة اللاهوتية وكتابالأخلاق لاسبينوزا ومقالة في المنهج

ومبادئ الفلسفة لديكارت، ونقد العقل المحضلكانط.

«ترجمة تأصيلية». وقد عاضدت ذلك المصطلحيةُ التي اقترحتْها منذ ثمانينيات القرن المنصرم الموسوعة

الفلسفية العربية، وهي آخر جهد جماعي قُيض له الإنجاز ليمكّن من تبنيّ متوازن لحصاد قرن ونصف

قرن من الجهد الاصطلاحي الفلسفي العربي المعاصر، وإن كانت الموسوعة ذاتها قد أُعدت على نحو غير

متجانس وغير متناسب مع الآليات الضرورية لإنجاز ذلك المشروع. أخيرًا، فإن بعض نصوص اسبينوزا وروسو في اللاهوت السياسي- نعنيرسالة اللاهوت والسياسة،

و«عقيدة كاهن سافوا» التي يتضمنها كتاب إميل - وكذلكالدين في حدود مجرد العقللكانط والحوارات

حول الدين الطبيعي لديفيد هيوم، انما تُرجم في عبارات عربية تنتمي إلى السجل العقدي العربي الوسيط

الإسلامي كما المسيحي، بل واليهودي كذلك؛ فنحن نجد في ترجمة كتاب الأخلاقلاسبينوزا في الوقت

ذاته استعادة لمعجمية عربية يهودية كلاسيكية وشحنها بمضمون أنطولوجي من أكثر المضامين جذرية.

ويكفي أن نقول إن أنطولوجيا ذلك الكتاب والأنثربولوجيا التي يقدمها لا تتضمنان أكثر من أربعة

مفاهيم جديدة تمامًا، أمّا البقية، فكلها من الموروث البسيط؛ وقد مكنت ترجمة رسالة اللاهوت والسياسة

من تنشيط لغة علم الكلام العربي – اليهودي الكلاسيكي، وذلك لمواصلة النظر الفلسفي الكلاسيكي ذاته

ظاهريًا وفي الواقع لتفجيره من الداخل، ولتمكيننا من طرح مستحدث للمعضلة اللاهوتية السياسية على

أرضية الديمقراطية، كما تبنيّ ذلك الفصول الخمسة الأخيرة التي تترجم التجربة التاريخية اليهودية في

مصطلحات حديثة، لتبنيّ أن في الإمكان أن نقدّم حلوالً نظرية وعملية حديثة للمشكلات العالقة. أمّا ترجمة «عقيدة كاهن سافوا» لروسو، وكذلك الدين في حدود مجرد العقلوالحوارات حول الدين

الطبيعي لديفيد هيوم، وتأهيل لغة الأناجيل العربية للتفكير المعاصر في الديانات، فهي من نتائج ما يمكن

تسميته الترجمة الحضارية لتلك المضامين منذ اشتغال فرح أنطون على روسو في منعطف القرن التاسع

عشر، ومنذ أن أهّل أمين الريحاني بكتاب خالد (1119 على الرغم من كونه قد كتب بالإنكليزية)

وجبران خليل جبران بكتابات عديدة أهمها النبي (المكتوب بالإنكليزية أيضًا والصادر سنة 2319)،

وبعده في القصيد الجميل النبي المجهوللأبي القاسم الشابي وحدّث أبو هريرة قال لمحمود المسعدي (الذي

كتب في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي ولكنه لم ينشر إالّ في سبعينياته)، ولاحقًا ميخائيل نعيمة بكتاب

مرداد (الصادر بالإنكليزية قبل العربية سنة 0 195)، و«إنجيل» نيتشههكذا تكلم زاردشتعربيًا، على

خطى فرح أنطون (الذي كان قد كتب عن الفيلسوف الألماني وترجم بعض نصوصه منذ العقد الأخير من

القرن التاسع عشر قبل أن يترجم فيليكس فارس ذلك الكتاب إلى العربية وينشره في القاهرة سنة 9361)

لمواصلة التفكير في أزمة وعي المسيحيين العرب، بل العرب كلهم كذلك. ولا بد من ملاحظة أن ذلك

التأهيل طاول العبارة الفلسفية ذاتها التي تخلصت بالتدريج من البنية الفقهية ومن أساليب السجع. وقد

كان لتطور النثر العربي بفعل مدرسة المهجر في الولايات المتحدة ومدرسة الديوان في مصر والكتابات

المنفردة في مصر وتونس وسوريا والعراق، مفاعيل مهمة في ذلك. ولدت التجربة الترجمية العربية الحديثة في ما يسمّى محليًا سياق «صدمة الحداثة»، وهو ما سوّغ بداية البحث

في موضوعنا بتوسل مفهوم الاستراتيجيا بالمعنى العسكري. بيد أن واقع الهيمنة والممانعة ومطلب المبادرة

29 عبد الرحمن، فقه الفلسفة، ج 1: الفلسفة والترجمة.

0 3 انظر المقالات الخاصة بذلك في: بلقزيز، مشرف، الثقافة العربية في القرن العشرين، وخاصة المساهمات الجيدة لكل من فيصل دراج

ومحمد كامل الخطيب ومحمد جمال باروت وغيرهم؛ ومع ذلك نشير الى نقص كبير في هذا الكتاب وهو إسقاط المساهمات التونسية

والجزائرية على نحو يكاد يكون منهجيًا.

الذي يسم العصر إنما يدفع إلى معاضدة ذلك بتحويل صيغة سؤالنا بصدده على نحو هرمنيوطيقي ونقدي

يتدبّر الحداثة غاية والترجمة استراتيجية، قصد الإجابة عن أسئلة هرمنيوطيقية وأنطولوجية وسياسية

في ذات الوقت، نحو: لماذا نترجم (جوابه: لتحقيق الحداثة)، وماذا نترجم (جوابه: أدوات الحداثة من

معارف وقيم)، ولمن نترجم (جوابه: للإنسان العربي الذي نريد تطويره أو النهوض به)، وكيف نترجم

(جوابه: بإجراءات تقنية مبنى ومعنى تساعد على تطوير اللغة العربية ضمن التطوير العام للفكر والثقافة

والمجتمع العربي). وقبل ذلك كلّه: من يترجم (عربي لذاته أم غيره بالوكالة)، ومن أي موقع نترجم

(كولونيالي أم ما بعده أم مناهض للكولونيالية)؟ ذلك كله يتطلب إجابات اعتمادًا على تصنيف للمعارف

والعلوم هو جغرافي وسياسي ومعرفي، يكافئ ميزان القوى العالمي، كما يمكن أن نستخرج عناصره من

أعمال نقاد الهيمنة الإمبراطورية العلمية. لقد سبق أن ألمحنا إلى أننا نستطيع، انطلاقًا من أعمال هؤلاء وغيرهم، أن نجذّر الأمر إلى حد أخذ

الاستراتيجيا على أنها تعود على الحداثة الغربية ذاتها، فنصبح قريبين من معنى مجازي لها قابل للصياغة بمعنى

«سياسات»، فكأنما الأمر يتجلى متعلقًا بالترجمة باعتبارها استراتيجيا من استراتيجيات الحداثة الغربية،

أي إجراء من الإجراءات التي طاولت جميع مجالات الحياة، فأنتجت رفعًا لسحر العالم إبيستيمولوجيًا،

وترشيدًا معرفيًا، وتحويل ا لمنزلة المعرفة من مقام التأمل إلى مقام الاقتدار والسيطرة والتحكم، وخلق كائن

إنساني جديد هو كائن المنفعة والعمل، وخلق كيان سياسي جديد، وأخيرًا علمنة روحانية أرست «شرعية

المحدثين»، بحسب عبارة الفيلسوف الألماني هانز بلومنبرغ في كتابه الذائع الصيت الذي وسِم بالعنوان

ذاته، ومن ثم تاريخيتها الجذرية. إذا لم يكن من نافلة القول التذكير بأن الحداثة عمومًا، والحداثة الفلسفية على نحو مخصوص، ارتبطت على

نحو ما بالترجمة، أتعلق الأمر بالحداثة الأوروبية الحديثة أم بالحداثة العربية الإسلامية، فنحن في الحالتين

أمام ترجمة تعني تحويل التقليد إلى حداثة، ثم تقليد مغاير لنا اليوم نسعى إلى تملكه عن طريق الترجمة،

وتحويله إلى شيء جديد هو تحديدًا الحداثة؛ بل ربما أمكن القول أيضًا إنَّ الترجمة ذاتها كانت غربيًا بعض

استراتيجيات تحويل التقليد إلى حداثة. نقول «بعض» لأن المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك بفعل ارتباطها

التاريخي ب«غزو أميركا» ثم بقية العالم. وإذا كان من المعلوم أنَّ ارتباط الحداثة الغربية بالترجمة كان في

أصل كل التجربة الغربية الحديثة تحديدًا، فقد قام الأوروبيون بترجمة الموروث العلمي العربي الإسلامي

أوالً قبل سقوط القسطنطينية وهجرة علماء بيزنطة العارفين باليونانية زيادة على اللاتينية، وذلك منذ القرن

الثالث عشر، ثم لاحقًا من اليونانية في الفترة الموسومة «نهضة» في وعي أهلها، ولكنها من منظورنا اليوم

مثّلت بدايات الحداثة الغربية، إلى أن رسا الأمر على الترجمة في ما بين اللغات الوطنية الأوروبية ذاتها،

31 مثل الأميركي إيمانويل والرشتاين والبرتغالي سوزا دي سانتوس والأرجنتيني فالتر مينيولو والأميركي الكاريبي لويس غوردن

والماليزي سيد سعيد العطاس في استعادته عناصر خلدونية للتفكير في حاضر العلوم الاجتماعية في العالم، وغيرهم.

32 Hans Blumenberg, La légitimité des Temps modernes , trad. de la 2ème éd. allemande par Marc Sagnol, Jean-Louis Schlegel et Denis Trierweiler; avec la collab. de Marianne Dautrey, bibliothèque de philosophie ([Paris]: Gallimard,

33 Enrique Dussel, The Invention of the Americas: Eclipse of “the Other” and the Myth of Modernity , Translated by Michael D. Barber (New York: Continuum, 1995). 34 Walter D. Mignolo, The Darker Side of the Renaissance: Literacy, Territoriality, and Colonization (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1995).

وذلك ما يمكن تسميته مرافقة تلك الحداثة ومعاضدتها. فأمّا العرب المسلمون الذين كانوا قد عاشوا

تجربة ترجمة أولى من أغلب اللغات العالمة المعاصرة لهم من اليونان وفارس والهند وبعض روما، وهم في

طور انتشار وجودي، فقد أعادوا التجربة ذاتها في زمن جديد، زمن الجهاد، من أجل كسر أسباب انكماش

ذات الوجود، فعاشوا التجربة الجديدة على نحو أكثر تعقيدًا من التجربة الأولى، بل هم أقرب إلى معاودة

تجربة الحداثة الأوروبية. كان أحد الذين ساهموا بجد طوال أكثر من نصف قرن في إثراء الفكر الفلسفي العربي، بحثًا وتأليفًا

وترجمة وتدريسًا وتحقيقًا، قد قال -في باب تقدير حال الترجمة بعد مرور قرن كامل على انبعاث احدى أهم

الجامعات الحديثة في البلاد العربية- ما يلي: «لقد كانت الكتب الأولى التي نقلناها عن اللغات الأجنبية مضطربة الألفاظ مفككة الأساليب لجهل

المترجمين بأسرار اللغة العربية ولقلة بضاعتهم العلمية. دع أن الذين وضعوا الدراسات النظرية في اللغة

العربية لم يبلغوا فيها من الجودة والإتقان ما بلغه زملاؤهم ممّن وضعوا مثل هذه الدراسات باللغات

الأجنبية. وسبب ذلك اضطراب مصطلحاتهم الفلسفية وعجزهم عن التعبير عن أفكارهم بلغة عربية

مشرقة». ويؤكد أن «(...) من عيوب بعض المترجمين المحدثين أنهم لا ينقلون الكتب عن لغتها الأصلية

دائامً، فتجيء ترجماتهم بعيدة عن الأصل، وكثيرًا ما يتصرفون في الترجمة ويكتبون ذلك على غلاف الكتاب

إثباتًا لأمانتهم العلمية، ولو كانوا أهل أمانة لنقلوا الكتاب عن لغته الأصلية (...) ولعل أكبر عيب في

ترجماتنا الحديثة في اختلاف الاصطلاحات باختلاف المترجمين، وسبب ذلك أن ثقافات المترجمين متباينة،

وعلمهم بأسرار اللغة العربية متفاوت (...) أضف إلى ذلك أن لكل قطر عربي اصطلاحات خاصة لا

يفهمها إالّ علماؤه، وأن للعلماء في القطر الواحد أو في الجامعة الواحدة اصطلاحات مختلفة لا يفهمها إالّ

تلاميذهم (...). ومع ذلك، فإن المقارنة بين الترجمات الأخيرة والترجمات التي ظهرت في أوائل نهضتنا

الحديثة تدل على عناية المتأخرين بالمحافظة على شروط الترجمة العلمية الدقيقة كالتقيد بالمعنى الأصلي،

وصبّه في قالب عربي صحيح لا تشتم منه رائحة الترجمة». ولأن ليس غرضنا هو الحكم في هذا التقدير، على الرغم من وعينا بقساوته، وبصدوره عن فهم فيلولوجي

ووضعاني للترجمة، كما افتقاده بعض الحس التاريخي، على الرغم من بعض إفصاح عن وعي بالتقدم في

حال الترجمة في الثقافة العربية، نقول: لقد سلك الذين اضطلعوا بمهمة الترجمة منذ بدايات القرن التاسع

عشر إلى أيامنا – ولم يكونوا في البداية كما اليوم كلهم تراجمة ولا فلاسفة محترفين - سبيل النقل من لغة إلى

لغة، أي الترجمة اللسانية، كما قاموا بنوع من الترجمة الداخلية في العربية ذاتها. وهم مارسوا أيضًا ضربًا

من الترجمة التأويلية ضمن اللغة ذاتها. وأخيرًا مارسوا ترجمة حضارية أو ثقافية تعلقت بنقل قيم أجنبية

كاملة وتبيئتها في المقامات العربية المتجددة، وهو ما يمكن الوقوف على بعض تجلياته باصطفاء بعض

النماذج التمثيلية.

35 يقبل طه عبد الرحمن في كتابه روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، بالطرح الكولونيالي الغربي من أن الحداثة معيار،

ويدخل في منطق البحث عن البديل الإسلامي للحداثة الغربية، ساعيًا الى معارضة الحداثة الغربية بأخرى إسلامية تتقوم بمبادئ الرشد

والنقد والشمول ليقترح قيامً تبدو مختلفة ولكنها لا تتعدى كونها ترجمة أخلاقية للقيم النفعانية الغربية. وهو بذلك ينافس الحداثة الغربية

في احتكار الكونية عوض التفكير في كونيات متعددة ونقدية يمكن أن تجمع شكلاًالناس جميعًا دونما تجميعهم من جهة المضمون.

نعود في موفى هذه الدراسة إلى ما ألمحنا إليه في بدايتها، فنقول: إذا كانت تجربة الترجمة العربية الحديثة

الأولى تجربة تحديث طلبت التقدم إلى حدود الحرب العالمية الأولى، ثم تجربة ممانعة طلبت التحرر من

الاستعمار وتواصلت إلى بداية سبعينيات القرن المنصرم، فإن تجربة الترجمة الراهنة التي انطلقت منذ

موفى تسعينيات القرن المنصرم – بتكوّن مؤسسات عربية عديدة مخصصة للترجمة - إنما يتبدى لنا مراد

المساهمة في إنجاز تحديث متعثّر والمساهمة في الوقت نفسه في مطلب مستحدث هو الصراع من أجل

الاعتراف بالتنوع الثقافي. هي إذن استراتيجيا مزدوجة: تحديث واعتراف، في زمن العولمة الذي هو كذلك

زمن «الحداثة العابرة»، وهو ما يجعل الترجمة استراتيجية مشاركة في الكونية بعد أن كانت من ضمن

استراتيجيات الحداثة التي لا تطلب التطابق والمناظرة كما في زمن التحديث النيوكولونيالي، بل تطلب

الاختلاف والفارق والتنوع المناهض للكولونيالية، وليس هدفها التماثل مع الآخر بل هي تنطلق من

ضرورة موقف هووي استراتيجي عالمي متبادل، ينبغي أن يكون مشتركًا بين عالميي العصر جميعًا وهو

شرط الترجمة اللاكولونيالية واللاعنصرية. نريد أن ننهي بالاستعانة بتصنيف الأرجنتيني والتر مينيولو لطرق التعاطي مع العولمة الغربية للإجابة

عن السؤال العملي التالي: ما الغالب في ما أنجز من ترجمات عربية في الموجات الثلاث من التجربة

التاريخية العربية للترجمة؟ وما صِلة ذلك بالحداثة العالمية عمومًا؟ لا تتعدى استراتيجيات الاضطلاع

بوضع العولمة (أو الحداثة الغربية وقد أصبحت معولمة) في تقدير المفكر الأرجنتيني ست استراتيجيات:

أولاها الاندماج في الغرب بالتشبه به، وبلغة عربية مستهلكة، ب «اللحاق به»، وثانيتها بعد فشل سياسات

التغريب المباشر في «إعادة التغريب»، وثالثتها مناهضة التغريب على أساس الخيارات الغربية ذاتها، ولكن

وفق قرارات مضادة للغرب، ورابعتها متعلقة بمناهضة أكثر جذرية للغرب، وهي التي يقوم بها اليسار

العالمي المتجدد، وخامستها الخيار الروحاني الذي يبتعد عن قيم الغرب المادية والفردية والاستهلاكية،

ويسعى الى الانخراط في مطالب روحانية، ويطلب حكمة تتعلق بالقيم الروحية المتمحورة حول السعادة

وحول الطمأنينة وحول الرضى على النفس ضدًّا على قيم المجتمع الرأسمالي القائمة على النجاح الفردي

والمراكمة والاستهلاك. أمّا الاستراتيجيا السادسة والأخيرة، فهي مناهضة للغرب قيامً وتاريخًا ولكنها

تعتبر القيم المشرقة ملْكًا للجميع، وتحمّل الغرب التاريخي مسؤولية القيم المظلمة، ولذلك فهي تميز بين

الحداثة المادية والعلمية من ناحية والقيم الغربية الكارثية من ناحية أخرى، وتدعو إلى تعدد الكليات

وكثرتها لتكوين عالم متعدد الأقطاب ومتنوع التجارب، يقطع مع العالم الراهن الأحادي الاستقطاب. تكون الترجمة في الوضع الأول سبيل ا من السبل المكمّلة لذلك. ولأن الأنجع هو الكتابة بإحدى لغات

الغرب الإمبراطوري المركزية (الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية) أو الهامشية (الإيطالية أو الإسبانية أو

البرتغالية)، وبعد فشل سياسات التغريب المباشر، تقوم الترجمة في هذه الحال بالمساهمة في إنجاز مهمة

الاندماج عن طريق «إعادة التغريب». أمّا السبيل الثالثة، وهي مناهضة التغريب، فتفرد للترجمة دورًا

مساندًا، بترجمة الوسائل التي تساعد على مناهضة الغرب من دون السعي إلى إفنائه ثقافيًا، باعتبار أن

معارضة التغريب لا تسعى إلى تدمير الغرب سياسيًا أو اقتصاديًا أو عسكريًا. أمّا وهي التي يقوم بها

اليسار العالمي المتجدد، فتكون الترجمة في السبيل الرابعة المناهضة على نحو أكثر جذرية للغرب آلية من

36 Walter D. Mignolo, The Darker Side of Western Modernity: Global Futures, Decolonial Options , Latin America Otherwise: Languages, Empires, Nations (Durham: Duke University Press, 2011), pp. 27-74.

آليات مقاومة العولمة كما ينادي بذلك بعض مفكري الحركات الاجتماعية العالمية، طلبًا للمشترك وللعدالة

العولمية. أمّا في سيبل الخيار الروحاني – وهي الخامسة - فتكون الترجمة للقيم غير الغربية أكثر منها للقيم

الغربية المعولمة المذكورة أعلاه. وأمّا السبيل الأخيرة، فتقترح ترجمة في جميع الاتجاهات المذكورة لعدم تميّز

أي تجربة إنسانية من تجربة أخرى، وهو ما يلغي كل هيمنة لأي منها على البقية، لتصبح الترجمة حاضنة

«الانصهار الفعلي للعوالم» وشعارها أن «عالما يتضمن كل العوالم المتساوية في اختلافها ممكن». إنها لمهامّت عويصة على نحو مستحدث، ولكنها غير قابلة للتفادي ولا للتأجيل عولميًا، لا عربيًا فحسب.

ولا شك في أن الترجمة العربية تمكّن من التوقف على كل ما سبق، فقد ترجم العرب الفلسفات العقلانية

والتاريخية والتنويرية من أجل التقدم منذ بدايات القرن التاسع عشر، كما اتجهوا منذ بدايات التسعينيات

وهيمنة النزعة الليبرالية الجديدة إلى ترجمة كتابات تدعو إلى إعادة التغريب حل ا لما فشلت في تحقيقه

السياسات التقدمية والوطنية والثورية التي دعمت الترجمات من النوع الأول. كما أنهم ترجموا أدبيات

مناهضة للجانب المظلم في الحداثة الغربية، وذلك من أجل الاحتفاظ بالنير فيها وتبيئته محليًا، وقد اتجهوا

-بعد الإقرار بفشل تجارب الثورة في العالم وفي الوطن العربي ومشاريعها التي كانت وراء ترجمة أفراد

وأحزاب ومؤسسات خاصة لأدبيات الثورة من باب الاضطلاع، منذ عشرينيات القرن العشرين، بمهمة

إنجاز الثورة أو الاستقلال أو التحرر الوطني- إلى ترجمة أدبيات اليسار الجديد المناهض للعولمة الذي ولد

منذ تسعينيات القرن الماضي، ممانعًا للعولمة في حقبتها الليبرالية الجديدة. كما ترجم العرب كتابات روحانية

شرقية (هندية وصينية ويابانية) وغربية (مسيحية وغير مسيحية على حد السواء) في باب ممانعة قيم الغرب

المادي أو الرأسمالي أو الملحد (بحسب المواقع). وأخيرًا اتجهوا منذ سنوات قليلة إلى ترجمة أدبيات ما بعد

الكولونيالية التي تطرح الصلة بالآخر على نحو أكثر إشكاالً ولكنه في تقديرنا أكثر وجاهة. وبعد، هل يمكن أن تفي الترجمة بالغرض المنشود (التمكين المحلي بالإنتاج باللغة الأم زائدًا المشاركة

العالمية في الإنتاج باللغات المهيمنة إبيستيمولوجيًا وسياسيًا)، أم أن الإنتاج الإبداعي لا تعوضه حتى

أفضل الترجمات، ولو كان ذلك في منظور الذين يعتبرون الترجمة كتابة ثانية، أو «ترجمة استكشافية»،

أو حتى ترجمة حضارية ما بعد كولونيالية ومناهضة للكولونيالية في الوقت ذاته، وهي الترجمة الأخصب

في نظرنا؟

37 عبد الرحمن، روح الحداثة.