الثقافة السينمائية في سورية بين آليات التسلّط وآليات المقاومة
Cinematic Culture in Syria: Between Mechanisms of Repression and Resistance
الملخّص
تحاول هذه الدراسة أن تعرّف، أولا بالثقافة السينمائية بالمعنى الخاص، أي باعتبارها مجموعة من الضوابط والنشاطات والفاعليات التي يمكن رصدها في المجال الخاص بالنشاط الاجتماعي الثقافي السياسي الاقتصادي المعروف باسم «السينما ». ثم تبيّن مدى ترسّخ هذه الثقافة في المجتمع السوري منذ بداية الصناعة السينمائية السورية وحتى سبعينيات القرن الماضي.تتابع الدراسة بعد ذلك التحوّلات التي بدأت تنال من هذه الثقافة مع بداية تشكّل نظام الاستبداد، وتقف عند آليات التسلّط التي سبَّبت هذه التحوّلات. وترصد، أخيرًا، آليات المقاومة التي اتّبعها أهل السينما ومحبّوها منعًا لهيمنة الاستبداد عليها.
Abstract
Abbas explores and defines cinematic culture and how deeply this culture was enrooted in Syrian society from the beginning of the Syrian cinematic industry until the 1970s. His study also traces the transformations that began to affect Syrian cinematic culture at the start of the formation of Syria’s despotic regime, investigating the mechanisms of authoritarianism that caused these shifts, and, conversely, the mechanisms of resistance that were adopted by Syria’s cinema community and its public in order to prevent despotism from dominating the industry. Among these mechanisms are those that belonged to, or translated into, movements outside the social sphere, including movements of civic struggle, the formation of movie clubs, and events such as the Cinéma du Réel (Cinema of the Real) Festival, as well as those that formed part of aesthetic expression, including documentaries and creative aesthetic techniques employed in Syrian drama. Abbas also exemplifies Syria’s most prominent documentaries produced in recent years.
- آليات المقاومة
- الثقافة السينمائية
- سورية
- الإستبداد
- Cinematic Culture
- Mechanisms of Resistance
- Despotism
تحاول هذه الدراسة أن تعرّف، أوال، بالثقافة السينمائية بالمعنى الخاص، أي باعتبارها مجموعة
من الضوابط والنشاط والفاعليات التي يمكن رصدها في المجال الخاص بالنشاط الاجتماعي
الثقافي السياسي الاقتصادي المعروف باسم «السينما». ثم تبينّ مدى ترسّخ هذه الثقافة في
المجتمع السوري منذ بداية الصناعة السينمائية السورية وحتى سبعينيات القرن الماضي. تتابع الدراسة بعد ذلك التحولّات التي بدأت تنال من هذه الثقافة مع بداية تشكّل نظام
الاستبداد، وتقف عند آليات التسلّط التي سبَّبت هذه التحولّات. وترصد، أخيرًا، آليات
المقاومة التي اتّبعها أهل السينما ومحبّوها منعًا لهيمنة الاستبداد عليها.
تنظّم الدراسة الآليات المذكورة ضمن فئتين: الآليات التي تتحدَّد من خارج النتاج
الإبداعي السينمائي، أي تلك التي تنتمي إلى المجال المجتمعي، وهي حركات النضال المدني
والأندية السينمائية ومهرجان أيام سينما الواقع، والآليات التي تدخل في مجال التعبير الجمالي،
وهي الأفلام التسجيلية من جهة، إذ تذكر مجموعة من أهم الأفلام التسجيلية المنتجة في
سورية في السنوات الأخيرة، وتقنيات الإبداع الجمالي في السينما الروائية من جهة أخرى،
وتعدّد بعض هذه التقنيات الجمالية كما استثمرت في السينما السورية.
مقدّمة
شاع في سورية، وفي العالم العربي بشكل عام، تعريف للثقافة يحصرها في النتاج الفكري والنشاط
الإبداعي (أدب، فن، موسيقى...)، بينما هي تشمل أوجه النشاط الإنساني كله، العملي والفكري
والمادي والعاطفي أو، بمعنى آخر، أشكال العلاقات كلها التي يبنيها الإنسان الفرد، أو البشر المنضوون
إلى جماعة مع الفضاء الذي يعيشون فيه.
إن النظر إلى الثقافة بالمعنى الأخير يسمح لنا بمقاربتها باعتبارها فاعلية في المجتمع، أي مجموعة قوى لا
مادية، تؤثر في الأفراد والجماعات وتوجّههم لاختّاذ موقف أو انتهاج سلوك أو إبداع مُنتَج (فني، أدبي،
موسيقي...) يُغريّ، سلبًا أو إيجابًا، من شكل حيواتهم بصفتهم أفرادًا أو جماعات، ويسمح بالتالي بفهم
كثير من الظواهر والديناميات التي يمكن أن تُرصد في المجتمع. وبقدر ما نستطيع أن نقارب هذه الثقافة
بشكلها المجرّد (الثقافة)، نستطيع أن نقاربها أيضًا بأشكالها المتعيّنة بحسب مجال تدخّلها، كأن نركّز على
الثقافة البيئية أو الذكورية أو السينمائية... إلى ما هنالك من مجالات حياة وفاعليات اجتماعية تفرض
قواعد وضوابط وعلاقات خاصة بها. من البديهي أن الأفراد والجماعات لا يقومون بما يقومون به في حيواتهم بتأثير ثقافة واحدة كلية تتحكّم
فيهم وتحولّهم إلى عيّنات مُستنسخة عن نموذج أولّي تفتّق عنه العقل الكلي لإله أو طاغية. وإنما الناس
يتأثرون بثقافات تتنوّع وتختلف في قواعدها وأشكال تأثيرها، وفي قوتّها أيضًا. ويُمكننا بشكل مبدئي
تصنيف الثقافات الفاعلة على مستوى الفرد و/أو الجماعة في فئتين جامعتين: - الثقافات الموروثة، أي الثقافات التحت وطنية (القومية والعشائرية والقبائلية والطائفية والمذهبية
...) التي لا شأن للمواطن باختيارها، لكنها تتدخّل إلى هذا الحد أو ذاك في تحديد الأطر المرجعية
الروحية والعاطفية للفرد، وهي الأطر التي غالبًا ما يلجأ هذا الأخير إليها عندما تعجز الدولة عن تأمين
حقوقه وحمايته. - الثقافات المكتسبة، قد يكون الاكتساب بالترهيب، إذ تُبنى الثقافة عبر عملية سياسية أو تربوية
ممنهجة، أو يكون بالترغيب، إذ تُبنى الثقافة عبر شبكة معقّدة من عمليات الغواية والتماثل والتماهي
والاستسهال... كما يمكن أن يكون الاكتساب بالخيار الواعي الحرّ (الذي هو في نهاية المطاف شكل
من أشكال الترغيب). إلى هذه الفئة الثانية تنتمي الثقافة السينمائية التي يمكن تعريفها بأنها: مجموعة من الضوابط والقيم والقواعد
والسلوكيات والنشاط والفاعليات... التي يمكن رصدها في المجال الخاص بالنشاط الاجتماعي الثقافي
السياسي الاقتصادي المعروف باسم السينما. بحسب هذا التعريف، تتجاوز الثقافة السينمائية معناها السطحي الذي يحصرها في حالة الإدمان على
المشاهدة السينمائية، وفي القدرة على استظهار المعلومات المختزنة في شأن تجربة هذا النجم أو تلك النجمة
من نجوم السينما. هذا المخزون الضروري واللازم لتأسيس ذاكرة سينمائية فردية، يتفق مع تعريف للثقافة
موروث من عصر الأنوار لكنه لا يتناسب مع مفهوم السينما باعتبارها ثقافة فاعلة اجتماعيًا. على هذا التعريف للثقافة السينمائية سنعتمد في دراستنا هذه التي نهدف منها محاولة تبنيّ حال الثقافة
السينمائية في سورية، كيف ترسّخت وتطوّرت، وكيف كانت حالها إبان العهد الاستبدادي الشمولي. كما
نهدف إلى تلمّس الآليات التي وضعتها هذه الثقافة لمقاومة التسلّط واختراق بنى الرقابة المفروضة على
مجمل الحياة الثقافية، أكان على مستوى التعبير الجمالي أم على مستوى الفعل المجتمعي.
1 «ما يبقى في ذهننا من معارف عندما ننسى كلّ شيء.»
الثقافة السينمائية في سورية
نرصد حال الثقافة السينمائية بالمعنى الذي تبنّيناه من خلال دراسة حضور السينما باعتبارها فعالية ثقافية
في المجتمع السوري، وأشكال الممارسة الاجتماعية الخاصة بهذه الفاعلية. بدأت صناعة السينما باكرًا في سورية، وواكب إنتاج فيلم «المُتّهم البريء» لأيوب بدري في سنة 2819،
ثم فيلم «تحت سماء دمشق» لإسماعيل أنزور في سنة 2 193، بداية تشكُّل فئات اجتماعية مدينية جديدة
سوف تتطلّع إلى الحداثة، ليس باعتبارها استيرادًا لمنتج غربي فحسب، بل أيضًا باعتبارها قبوالً لفرصة
انفتاح مجتمعي يفترضها طقس المشاركة المشهدية الجديد. من المؤكّد أن هذا الطقس كان في بداياته الأولى
(منذ عرض أول فيلم في مدينة حلب في سنة 0819) طقسًا ذكوريًا صرفًا، لكنه سرعان ما تحوّل إلى
طقس تخالطي، وإن بقي منحصرًا في الفئات الاجتماعية المدينية المتماهية مع الثقافة الغربية. ويمكننا تقدير
حجم انفتاح هذه الفئات على السينما من كتابات المعاصرين التي تجمع على أن جمهور المشاهدين المتوافدين
لحضور عرض فيلم «المتهم البريء» في دمشق سنة 1930 «كان يمتدُّ من مدخل حي البحصة حيث
صالة (الباتيه) إلى المرجة، ما استدعى وجود رجال الأمن لتفريق الجمهور بعد أن تمتلئ الصالة». شكّلت تلك البدايات اللبنة الأولى في بناء الثقافة السينمائية في المجتمع السوري، لكن اللبنات التالية لم
تتمكّن من الظهور إالّ بعد أكثر من عقدين من الزمان. وكانت أسبابٌ عديدةٌ وراء هذا الغياب، منها عدم
الاستقرار السياسي الذي أبعد أصحاب رؤوس الأموال عن الاستثمار في صناعة مكلفة تمثِّل مجازفة بالنسبة
إليهم، ومنها الانفتاح المتسارع لمدينة بيروت التي أصبحت القِبلة المالية للطبقات الميسورة الدمشقية التي
تقصدها لإيداع ثرواتها وتوظيفها في المصارف هناك، لكنها أصبحت، في الوقت نفسه، القِبلة الثقافية
للطبقات الميسورة والوسطى التي كانت تقصدها للتمتّع بمرافقها الترفيهية المتحرّرة، ومنها السينما.
في سنة 9551 قُدّمت في دمشق، وعلى هامش الدورة الثانية لمعرض دمشق الدولي، عروض سينمائية
لبعض الأفلام التجارية ضمن فاعلية سينمائية أطلق عليها اسم «مهرجان السينما العالمي». وفي السنة
التالية، في سياق الدورة الثالثة للمعرض، نُظّمت النسخة الثانية من المهرجان الذي انطلق يوم 9 أيلول/
سبتمبر 9561، وهو يعتبر بحق أول مهرجان للسينما في العالم العربي. واستمر المهرجان ثلاثة أسابيع،
عُرض خلالها واحد وعشرون فيلامً طويل ا وثلاثون فيلامً قصيرًا جاءت من ثلاث عشرة دولة. في تلك الفترة، أي في عقدي الخمسينيات والستينيات، كانت النخب السياسية أكثر تعلقًا بقيم الحداثة
من سابقاتها، وجهدت لإنشاء مؤسسات ثقافية تعمل على نشر هذه القيم الجديدة. وكانت أيديولوجيا
النظام آنذاك حداثوية بالعمق (يسارية جذرية حتى سنة سبعين، ثم يسارية براغماتية حتى نهاية القرن)،
وهو ما يعني أنه كان ينيط وظيفة اجتماعية وواجبًا أخلاقيًا بالثقافة بشكل عام، ويولي السينما دورًا
2 تأخّر عرض الفيلم المصوّر سنة 2819 سنتين تقريبًا بسبب رفض سلطات الانتداب الفرنسيّة عرض النسخة الأولى منه بذريعة أنه
يُظهر فتاة مسلمة على الشاشة، وهو ما أرغم المخرج على الاستنجاد براقصة ألمانيّة، وإعادة تصوير المشاهد التي تظهر فيها البطلة، والتي
بلغت 270 مترًا من أصل 800 متر هي طول الفيلم.
3 «السينما السوريّة (-19281995) من المغامرة إلى الهُويّة،» (منشور، مهرجان دمشق السينمائيّ التاسع، وزارة الثقافة، دمشق،
-10/3011/6995/1)، ص.5
4 لا بد من الإشارة هنا إلى أن مؤرخي السينما العربية لا يأتون، لجهلٍأو تجاهلٍ، إلى ذكر هذا المهرجان.
5 انظر: صلاح دهني، سينما الحب الذي كان (دمشق: منشورات دمشق عاصمة الثقافة العربية، 2008)، الفصل 6، ص -236.252
استثنائيًا في أداء هذه الوظيفة بسبب جماهيرتها وقدرتها على التعبئة. وهكذا، وضمن مشروعها لبناء
دولة حديثة، أُسِّست في سورية في سنة 8195 وزارة الثقافة التي ضمّت دوائر متخصصة بشتى
أشكال الفنون، ومن بينها الفن السابع. وأُنشئت بُعيْد انقلاب آذار/ مارس 9631 الذي جاء بحزب
البعث إلى السلطة في سورية «المؤسسة العامة للسينما». وشكّلت أشكال العرض الجماهيرية (الحفلات
الموسيقية والسينما ومعرض دمشق الدولي...) تجسيدًا مشهديًا واقعيًا لمنظومة قيم جديدة مُتحرّرة من
هيمنة الثقافة التقليدية المحافظة ومنفتحة على ثقافة جديدة لا تعارض الحرية الفردية (نسبيًا)، وتؤمن
بضرورة انفتاح المجتمع على العالم. على صعيد الممارسة الثقافية الجمعية، يمكننا تلمّس هذا الأمر مثل ا في الحفلات الموسيقية المختلطة في
صالات السينما أو على مسارح مخصصة لذلك، مثل مسرح معرض دمشق الدولي، كما يمكننا تلمسه أيضًا
في العروض السينمائية المخصصة للنساء. وكان هذا التخصيص الحلّ الأمثل الذي يسمح للنساء بالمشاركة
في هذا النشاط الثقافي الاجتماعي الجديد، حيث لم يكن من الممكن دخولهن إلى صالات يتطلَّب عرض
الفيلم تعتيمها. ويذكر معاصرو تلك الحقبة أن ذهاب النساء إلى السينما في وقت العروض المخصصة لهن
أصبح طقسًا اجتماعيًا لا تنحصر ممارسته بالطبقات الميسورة فحسب. وتدلُّ على ذلك نسبة شغل المقاعد
في الصالات في أثناء هذه العروض. يذكر أحد هُواة السينما وممن عملوا زمنًا طويل ا فيها أن «سينما دمشق
(كانت) كغيرها تتبع نظام حفلة خاصة بالنساء، وكان موعدها يوم الأربعاء، حفلة الساعة 3 عصرًا،
وطبعًا تتّسع سينما دمشق لنحو 0016 كرسي، وخارج الصالة كان يوجد 0016 امرأة ينتظرن على باب
الصالة حتى يحين موعد فتح الأبواب، وعندما عرفن أن فريد الأطرش نزيل بالسميراميس أصبحن يهتفن
ليخرج فريد ويلقي التحية عليهن، وفعل ا ما إن أطل فريد الأطرش من شرفة الفندق حتى تعالت زغاريد
النسوة، كما حضرت سيارات الإسعاف لتقوم بإسعاف النسوة اللاتي أغمي عليهن عندما أطل فريد
الأطرش». ومن المفيد هنا التنويه إلى أن هذا الطقس لم يكن حكرًا على المجتمعات المدينية؛ ففي بلدة
صغيرة مثل مصياف التي لم يكن يتجاوز عدد سكانها خمسة وعشرين ألف نسمة في بداية ستينيات القرن
الماضي، كانت هناك صالة سينما كبيرة (سينما النصر) تخصص للنساء كلّ أسبوع عرضين، وأحيانًا ثلاثة
عروض. وكان يتم الإعلان عن هذه العروض وأوقاتها بوساطة منادٍ يستخدم خصيصًا لهذه الغاية، يحمل
على ظهره لوحًا خشبيًا كبيرًا وُضع عليه ملصق الفيلم ويدور في الشوارع الرئيسة والأزقة وهو ينادي:
«لحقّوا محالّ للسيدات في السينما...»، يتبعها باسم الفيلم وجنسيته وأسماء أبطاله وتاريخ العرض. في المقابل، يمكننا تلمّس التحوّل في منظومة القيم على الصعيد الفردي في مظاهر لا حصر لها، كان للسينما
أثر كبير في ترويج بعضها. ومن هذه المظاهر ظهور أزياء (موضات) في اللباس تقليدًا لما كان ينتشر في
الأفلام السينمائية. ومنها أيضًا هيمنة النّمط الموسيقي الغنائي المستخدم في الأفلام (الطقطوقة) على أذواق
العامة وإزاحته الأنماط الموسيقية التقليدية الثقيلة مثل الدور والموشح والقصيدة. ومنها أخيرًا التحولّات
في الروابط الدلالية للمسميات المرتبطة بعالم فنون العرض. وكان الدال المستعمل لتسمية كلّ من يعمل
في هذا العالم، ذكرًا أكان أم أنثى، هو «أرتيست»، وهو دال منقول من اللغة الفرنسية Artiste()، ويرتبط
بمدلول وضيع منفصل عن أصله الفرنسي ويحيل إلى عالم التسلية المرذولة. لكن مع علو قيمة الثقافة
السينمائية في المجتمع، دخلت شيئًا فشيئًا تسميات العاملين في فنون العرض في طائفة المدلولات التي يحيل
6 عوض القدرو، «دور عرض السينما في دمشق،» (بواسطة (موقع إلكتروني)،:)2012/3/24.<www.bostah.com>
إليها لقب «فنّان» المتعدّد الدلالات. وحلَّ تعبير «الفنان الممثِّل» مكان «الأرتيست المشخّصاتي» وتعبير
«الفنان الموسيقار» محل «الأرتيست المزيكاتي». من المظاهر أيضًا التي تعكس مدى ترسّخ الثقافة السينمائية في المجتمع السوري آنذاك كثرة صالات
السينما، إذ بلغ عددها في نهاية الستينيات مئة وأربعين صالة في عموم أنحاء سورية، وما كان لكلِّ هذه
العدد الكبير من الصالات أن يوجد طبعًا لولا انتشار عادة ارتياد السينما (وخصوصًا في العطل والأعياد)
ووجود زبُن مثابرين يملأون مقاعدها، ويسمحون بالتالي بتحقيق الأرباح لأصحابها. مع توافر الصالات والزبون المواظب على حضور الأفلام، وتوافر المناخ الثقافي المتسامح، كان من الطبيعي
أن يتوجّه عدد من المستثمرين نحو الإنتاج السينمائي، وهذا ما يفسرِّ فورة الإنتاج السينمائي الخاص في
عقدي الستينيات والسبعينيات، حيث أ 2196 و 80ُنتج بين سنتيِ19 سبعة وسبعون فيلامً في القطّاع
الخاص. وكانت أغلبية ذاك الإنتاج من الأفلام الاجتماعية التي تعكس جانبًا من الانفتاح الذي كان يعرفه
المجتمع وقتذاك. وعناوين بعض أفلام الستينيات تبرز ذلك بشكل صريح: «غرام في اسطنبول 967»1
و«عاريات بلا خطيئة 967»1 و«خياط للسيدات 969.»1 واستمر هذا النهج في السبعينيات، بل أخذ
يتجرّأ على المحرّمات الثقافية، وخصوصًا موضوعة الجنس الجاذبة للزبُن: «شقة للحب 973»1 و«قطط
شارع الحمراء 973»1 و«بنات للحب 974»1 و«نساء للشتاء 974..»1. إلخ. لم يخلُ إنتاج القطاع الخاص من النزر اليسير من الأفلام ذات الموضوعات السياسية التي تتناول القضية
الفلسطينية: «الفلسطيني الثائر 969»1 و«ثلاث عمليات داخل فلسطين 0197»، أو الصراع العربي -
الصهيوني خصوصًا بُعيد حرب تشرين: «سرب الأبطال 974»1 و«فرسان التحرير 974.»1 في المقابل لم تكن شوكة سينما القطاع العام قد قويت كفايةً، لذا لم تُنتج خلال الفترة ذاتها سوى واحد
وعشرين فيلامً روائيًا، توزّعت موضوعاتها على ثلاث تيمات أساسية هي الصراع العربي - الإسرائيلي
(«كفر قاسم»، 9741)، والبطولات الوطنية والطبقية («الفهد»، 9711، و«الأحمر والأبيض والأسود»،
9711)، والنقد الاجتماعي («حبيبتي يا حب التوت»، 979.)1 هذا إذا لم نذكر غير الأفلام الروائية.
أمّا الأفلام التسجيلية المنتجة في سورية آنذاك، فوصل عددها إلى 165 فيلامً، غير أنها لم تكن تلقى حظّها
بالعرض والنقاش. وبعض هذه الأفلام كان من سوية عالية وشكّل «علامات فارقة في تاريخ السينما
العربية». لكن «بالطبع لا أحد يعرف ردّة الفعل الحقيقية للجمهور على الأفلام التي لامست الهموم
الحقيقية للمواطن السوري بسوية فنية جيدة، لأن أغلب هذه الأفلام لم تعرض إالّ على نطاق ضيق أو لم
تعرض إطلاقًا». خلال ذينك العقدين، عاد إلى سورية عدد من المخرجين الشباب ممن ذهبوا لدراسة السينما في بلدان
أوروبية أو مصر. وبدأوا بنشر مقالات في الصحف المنوّعة، أو في النشرات والصحف المتخصصة، مثل
نشرة سينما التي كانت تصدر عن المؤسّسة العامة للسينما في بداية السبعينيات، أو نشرة النادي السينمائي
بدمشق... في شأن السينما ونقدها وعالمها، ثم قام بعضهم، بمشاركة بعض محبّي السينما، بتأسيس عدد
7 يُشير السيد إبراهيم نجمة، صاحب صالتي سينما الخيام والسفراء، إلى أنه عندما بدأ العمل في السينما، أي في سنة 1976، كان
هناك 0 14 صالة في سورية. انظر: " صالات السينما في دمشق.. وداعا للزمان الجميل.. محمد ملص: لست متفائلا بأي ادعاء لنهوض
سينمائي، " تحقيق عمار النعمة، الثورة،.2010/1/17
8 هيثم حقي، بين السينما والتلفزيون، تقديم ومراجعة ممدوح عدوان (دمشق: دار الجندي، 8199)، ص.128
من الأندية السينمائية التي لم يقتصر دورها على عرض الأفلام ذات السويّة الفنية العالية التي يحجم
أصحاب الصالات عن استيرادها لخلوّها ممّا يبعث الحياة في شباك التذاكر، بل تحوّلت إلى مراكز إشعاع
فني وفكري وسياسي عبر استضافة أسماء لامعة عالميًا في السينما (فايدا، بازوليني، سماكتونوفسكي....)
أو عبر إقامة ندوات تثقيفية في آليات الصناعة السينمائية وفي تذوّقها. وكان لبعض الشخصيات المشرفة
على هذه الأندية، مثل: نجيب حداد ونبيل المالح وعمر أميرالاي وهيثم حقي ونبيل الدبس وسلمان قطاية
ومحمد ملص وسمير ذكرى... وغيرهم دور كبير في إدخال هذه الإضافات في الحياة السينمائية، التي أدّت
بدورها إلى التسريع في عملية انتقال السينما من موقعها باعتبارها نشاطًا مجتمعيًا ترفيهيًا لا يتعدّى دور
المواطن فيه دور المشاهد المتلقّي السلبي إلى موقع جديد يصبح فيه المشاهد جزءًا من فاعلية ثقافية ناشطة
في المجتمع المدني، ويسعى من خلالها إلى المشاركة في قضايا الشأن العام والتّأثير فيه. وتحوّلت الأندية
السينمائية إلى حلقات نقاش للقضايا الثقافية والسياسية والاجتماعية، مستفيدةً بذلك من أجواء التسامح
النسبي مع أهل الثقافة ونشاطهم، وهي الأجواء التي بدأت بالانحسار مع التكريس التدريجي للنظام
الأمني الاستبدادي وشمولية رقابته على المجتمع والدولة. من المظاهر المرصودة والمذكورة أعلاه تتّضح لنا قوة حضور الثقافة السينمائية في المجتمع السوري بُعَيد
منتصف القرن الماضي؛ فهناك إنتاج سينمائي وطني يتقاسمه القطاعان الخاص والعام، وهناك صالات
كثيرة مؤهّلة لاستقبال المواطنين بشكل لائق ومريح، تعرض نتاجًا متنوّع الأنماط ومختلف المصادر،
وهناك صحافة مهتمة بالسينما يكتب فيها صحافيون متمرِّسون وأكاديميون درسوا السينما في معاهد عالمية
اختصاصية، وهناك أندية سينمائية تحظى بدعم من المؤسسات الثقافية الرسمية وتستقطب نخبًا ثقافية
تحلِّل جماليات الأفلام المعروضة، وتناقش قضايا الحيوات التي تنقلها لتستخلص منها أسئلة تطرحها على
فنّها الممارس وعلى حياتها المعيشة، وتناقشها في أجواء من حرية التفكير وحرية التعبير. لكن هناك قبل كلّ شيء مواطن/ مبدع يمتلك حقّ المبادرة وحقّ التعبير الحرّ، ويعمل في فضاء مقبول
من الحرية والأمان وكرامة العيش. وفي المقابل، هناك مواطن/ مشاهد قادر على ممارسة حقّه بالمتعة
والتسلية والتعلّم والتعرّف إلى ثقافة الآخر، وبتملّك المقدرة على قراءة الفيلم الذي يشاهده والاستمتاع
به استمتاعًا معرفيًا ونقديًا خيُرجه من حال المنفعل إلى حال الفاعل القادر على إعادة إنتاج فيلمه بدءًا من
الفيلم المعروض أمامه.
آليات التسلّط
تُظهر لنا متابعة السمات التي ميّزت الحضور القوي للثقافة السينمائية في سورية حصول تحولّات واسعة
في هذه الثقافة بدأت أعراضها من منتصف السبعينيات، وأصابت مفاصل أساسية فيها. لم تكن هذه
التحولّات، بطبيعة الحال، منفصلة عن التحولّات العامة التي حصلت في البلاد، ويمكن اختزالها بفكرة
واحدة: بناء نظام الاستبداد، بكلِّ ما يعنيه هذا النظام من هيمنة ثقافية وانتقاص المواطنة وتضييق على
المجتمع المدني وترسيخ ثقافة الخوف وإفساد الأنفس... إلخ. لكن إن كان نظام الاستبداد يعني، كما
نفهمه، وجود بنية ذات عناصر محدّدة تربط بينها علاقات حيوية وظيفتها ترسيخ سلطة المستبد، فإن نجاح
هذا النظام في الواقع واستمراره يستوجبان وضع آليات تسلّطٍ خاصة تتناسب مع كلِّ ميدان من ميادين
الحياة في البلد. واكتشاف هذه الآليات في كل ميدان على حدة يسمح بفهم خصائص النظام الاستبدادي
وبكشف العلاقات التي يبنيها داخل المجتمع ويعتمد عليها للمحافظة على استقراره. في ما يخص الثقافة السينمائية تحديدًا، تسمح لنا متابعة التحولّات التي عرفتها السينما السورية منذ منتصف
السبعينيات بالكشف عن آليات التسلّط الخاصة بهذا الميدان الثقافي المهم: - التضييق على الإنتاج السينمائي الروائي بشكل عام وتقليصه حتى انعدامه كليًا تقريبًا في القطاع الخاص؛
ففي حين لم ينتج هذا القطاع في الثمانينيات سوى اثني عشر فيلامً روائيًا، هبط إنتاجه إلى فيلمين فقط في
التسعينيات، كان آخرهما فيلم «سحاب» في سنة 991.1 أمّا في القطاع العام، فلم يتغير معدّل الإنتاج وبقي
بمعدّل فيلم واحد في السنة تقريبًا، وبلغ مجمل إنتاج المؤسسة العامة للسينما من الأفلام الروائية خمسة
وعشرين فيلامً بين سنتي 80200319 و. ومن هذه الأفلام عدد لا بأس فيه من مستوى فني واحترافي
عالٍأثبتته الجوائز التي حصدتها في المهرجانات السينمائية عبر العالم، وأكّدته الدراسات والمقالات النقدية
في كبريات الصحف المتخصصة بالسينما، وهو ما يسمح بالقول إنه على الرغم من جميع ممارسات التضييق
على الإنتاج «تبقى المؤسسة العامة الجهة الوحيدة التي أعطت فرص إنتاج أفلام ذات خصوصية فنية أو
روح مشاكسة... ما كانت أي جهة منتجة أخرى لتمنحها الفرصة». حرص النظام في الواقع على الإبقاء على مؤسسة قطاع عام تنتج أفلامًا ذات سويّة فنية عالية تنافس
في المهرجانات العالمية وتحصد الجوائز، لما سيوفّره ذلك من سمعة طيبة للبلد المنتج ولمؤسساته الثقافية
المسؤولة، بغضّ النظر عامّ إذا كانت هذه الأفلام تُعرض بعد ذلك في البلد أم لا. ويجدر التذكير هنا أن
عددًا من الأفلام المتميزة من إنتاج المؤسسة لم يجرِ عرضها إالّ في فترات مهرجان السينما، وصدرت كتابات
كثيرة تناولت بالنقد هذه الأفلام المتميزة بدعوى أنها «أفلام مهرجانات» فحسب. - تركيز عمل المؤسسة العامة للسينما على إنتاج الأفلام التسجيلية الدعائية المخصصة لمشاريع الحكومة في
شتى الميادين، أو لتوثيق الحياة السياسية للحزب ومنظّماته والقيادة السياسية. وعلى سبيل المثال لا الحصر،
خُصص واحد وعشرون فيلامً من بين الأفلام الثمانية والستين المنتجة بين سنتي 9751 و 8019 للزيارات
الرسمية التي قام بها، أو للمؤتمرات الدولية التي حضرها رئيس الجمهورية. - سحب الدّعم تدريجًا من الأندية السينمائية وإعاقة عملها. فعندما حاول النادي السينمائي في دمشق أن
يعود إلى العمل مثل ا، «صدر عن وزيرة الثقافة آنذاك توجيه إلى صالات السينما الخاصة بعدم استقبالنا،
واضعة إدارة النادي أمام خيار أوحد: إمّا أن نعرض في إحدى صالات المراكز الثقافية العائدة للوزارة، أو
لا نعرض. فقرّرنا عندئذٍ أن نعلّق نشاطنا من جديد حفاظًا على استقلالنا...». - زيادة الرقابة الفكرية على الإنتاج السينمائي، بما في ذلك إنتاج القطاع العام. ويتكلم المخرجون
9 باستثناء سنة 2008 التي أُنتجت خلالها خمسة أفلام روائيّة طويلة لمناسبة احتفاليّة «دمشق عاصمة الثقافة العربيّة.»
0 1 بشار إبراهيم، ألوان السينما السورية: قراءة سوسيولوجية، سلسلة الفن السابع؛ 67 (دمشق: وزارة الثقافة، المؤسّسة العامّة للسينما،
2003)، ص.169-167
11 عروة نيربية، في: السفير،.1999/8/23
2 1 اعتمادًا على الجداول الواردة في: حقي، بين السينما والتلفزيون.
13 سامر محمد اسماعيل، «في حوار أجري قبل أسبوع من رحيله.. الثقافة السورية بحاجة إلى إنقاذ من موتها السريري، عمر أميرلاي:
الحديث عن مؤسسة السينما احتجاج كربلائي يندب قضية لا حل لها،» السفير،.2011/2/11
السينمائيون على حلقات متسلسلة من الرقابة تبدأ بلجنة الرقابة الفكرية المتخصصة بقراءة السيناريو،
وتنتهي باللجنة المسؤولة عن منح الإذن بالعرض. وعرفت السينما السورية أكثر من حالة مرّ فيها الفيلم
بالدوائر المتتابعة للرقابة، ومع ذلك لم ينل إجازة العرض في الصالات. - حصر استيراد الأفلام السينمائية وتوزيعها بالمؤسسة العامة للسينما وفقًا للمرسوم رقم 2543 لسنة
9691، وهو ما يعني عمليًا وقف نوعية الأفلام المستوردة على تلك التي تتفق مع المعايير الأيديولوجية
والجمالية المفروضة من النظام. «لقد جاء هذا الحصر لتكون هناك سيطرة ثقافية على سوق الفيلم في سورية
لمنع الرداءة ولتزويد الصالات بالأفلام الجيدة، كذلك لتأمين مردود مالي كبير تصرفه المؤسسة على إنتاج
الأفلام. وقد حقّقت ذلك في البداية، لكنها قامت ابتداءً من عام 9751 باستيراد دفعات من الأفلام
الرديئة خضوعًا لمتطلّبات السوق ورغبة الموزّعين ولتحصل المؤسّسة على مردود أكبر».
- خنق قطاع الاستثمار التجاري المرتبط بالسينما، إذ أدّت قلّة الأفلام المستوردة ورداءة نوعيتها إلى تراجع
عدد الصالات بشكل واسع في المدن كلها. وتعطي دمشق نموذجًا فاقعًا لذلك يعربّ عنه السينمائي أسامة
محمد من خلال مقارنة ساخرة: «هل يعقل أن يوجد في طهران التي يصفها الشرق والغرب بالتشدّد 80
صالة، وفي دمشق 13 صالة؟». إضافة إلى تردّي وضع الصالات إلى درجة بائسة تخلو من كثير من
شروط العرض الجيد وشروط الراحة التي يجب توافرها للمشاهد في مقابل ما يدفعه من أجرٍ لحضور
العروض. - السماح باستشراء الفساد المالي والإداري في حنايا المؤسسة العامة للسينما. وقد تناقلت الصحف المحلية
كثيرًا من حكايات الفساد والإفساد، خصوصًا تلك التي تدور حول السرقات المالية والمحاباة المافيوية.
كما أُنشئت صفحة خاصة على شبكة التواصل الاجتماعي «فيسبوك» بعنوان «ملفّات الفساد الثقافي في
المؤسسة العامة للسينما 2000 – 2011». وأخيرًا نشر موقع «ويكيليكس» تقريرًا بعنوان «فساد كبير
يلتهم المؤسسة العامة للسينما» يُظهر أن مجموعة من مخرجي ومديري الإنتاج في المؤسّسة العامة للسينما
قامت بإرساله (التقرير) إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش بتاريخ 5 تموز/ يوليو.2011 - تعويم «مهرجان دمشق السينمائي» وتحويله من «مهرجان» إلى « رجان». وقد قام المهرجان في سنة
9791 «على فكرة التوأمة مع مهرجان قرطاج السينمائي في تونس. فمهرجان تونس يخصص في كل سنة
مسابقته الرسمية حصرًا للأفلام العربية والأفريقية، بحكم وجود تونس في أفريقيا، ومهرجان دمشق
يخصص مسابقته للأفلام العربية والآسيوية بحكم وجود سورية في آسيا». لكن المصالح السياسية
دفعت باتجاه فتح المهرجان أمام سينما أميركا اللاتينية، ليصبح بدءًا من سنة 2000 مهرجانًا دوليًا على
الرغم من عدم الاعتراف عالميًا بهذه «الدولية» لعدم توافر الضوابط والشروط المفروضة لحيازة الصفة.
بعد ذلك، صار المهرجان سنويًا بعد أن كان يعقد كلّ سنتين مرة. وازداد عدد الأفلام المعروضة خلال
الأسبوعين اللذين يقام فيهما المهرجان ليصل إلى خمسمئة فيلم، على الرغم من أنّ عدد صالات العرض هو
14 هيثم حقي، في: تشرين،.1999/7/11
15 أسامة محمد، في: الفن السابع (6 أيار/ مايو 991).8
16 <http://wikileaks.org/syria-files/docs/491952_-.html>.
17 كلّ ما هو زَيف وزغَل.
81 دهني، ص.144
إحدى عشرة صالة فقط. وصار عدد الضيوف المدعوين يحسب بالعشرات ممن يأتون من أصقاع العالم.
وممّا لا شكّ فيه أن التكاليف المضاعفة بسبب هذا التعويم حرمت حلقات من عملية الإنتاج السينمائي
من الدعم اللازم لها. يظهر عرض هذه الآليات أن الثقافة السينمائية في سورية تعرَّضت ل «تشوّه» أصاب تلك المظاهر التي
كانت تميّز حضورها القوي، وخصوصًا تلك المرتبطة بالحريات العامة مثل حرية الإبداع وحرية التعبير
وحرية الإعلام والاستعلام وحرية المبادرة. نشأت، بكلِّ تأكيد، شروط موضوعية جديدة أرخت بثقلها على مفاصل الثقافة السينمائية كاملة. نذكر
من بينها مثل ا: - الأهمية العظيمة التي اكتسبها التلفزيون في الحياة الاجتماعية واستقطابه قسامً كبيرًا من المواطنين/
المشاهدين. - المكانة الاستثنائية التي احتلّها الإنتاج الدرامي التلفزيوني بفضل دعم بعض مصادر التمويل الخليجي
الراغبة في صنع حكايات بصرية مطوّلة تشدّ العائلة إلى الداخل وتسدّ ذرائع الحاجة إلى الخروج على العالم.
- التغريّ الكلي في شكل المشاركة المجتمعية في الحيوية السينمائية، فبينما كانت تتطلّب هذه الحيوية انتقال
المواطن/ المشاهد من حيّزه العائلي أو المجتمعي المعتاد إلى حيّز الصالة المدني، حيث يتشارك مع مواطنين
آخرين، قد لا يقتسم معهم غير الرغبة في المتعة أو التسلية أو الفضول، في فعل المشاهدة، وما يستتبع
هذه المشاركة، المواطنية بامتياز، من تشارك بالعواطف أو المشاعر أو النقمة... انعكست الأمور وباتت
المشاهدة عائلية، أو بالأحرى منزلية، نظرًا إلى السهولة الزائدة في الحصول على الأفلام على الأقراص
المدمجة المقرصنة في تايوان أو غيرها من دول آسيا والمدبلجة، كيفما اتفق، لتباع بأبخس الأسعار. لكن هذه الشروط لم تُصب سورية فحسب بل هي شروط عالمية، عانتها المجتمعات كلها، بما فيها
المجتمعات القوية سينمائيًا، من دون أن تمنعها من تعزيز الثقافة السينمائية في مجتمعاتها. زد على ذلك أن
وقع هذه الشروط على المجتمع السوري يجب أن يكون أقلّ كثيرًا ممّا هو على غيره، نظرًا إلى الرقابة المشدّدة
على استيراد المصنّفات الثقافية، وما في حكمها، ونشرها وتداولها بين الناس، فضل ا عن أن السينمائيين
السوريين بذلوا جهدًا حميدًا في الدفاع عن سينماهم الوطنية، وفي تقديم المشاريع للحفاظ على الثقافة
السينمائية في المجتمع. في الوقت نفسه، تُظهر متابعة تلك الآليات أن التشوّه الذي نال من المظاهر المرصودة، لم يؤثِّر في تلك المظاهر
كلها بالقدر نفسه؛ فإيقاع إنتاج أفلام للمهرجانات في القطاع العام لم يتغير، وميزانية المؤسسة تضاعفت،
والمهرجان السينمائي تعملق، وتم افتتاح صالة حكومية جديدة (كندي - دمر)، وجُدِّدت صالة قديمة
(سينما دمشق)، وهو ما يدفع إلى الاستنتاج أن «التشوّه» المذكور لم يكن قدَرًا فرضته الشروط الموضوعية
بقَدْرِ ما هو «تشويه» مارسه نظام الاستبداد في السينما، استكماالً للاستبداد الممارس على المجتمع. أصبح «التشويه» هو النهج المميز لعملية الهيمنة على المجتمع السوري، وتأسَّس هذا النهج على عمليتين
متكاملتين: فمن جهة تحاول السلطة حصر الحيّز المدني الذي يمكن للمواطنين أن يعملوا فيه ويتحوّلوا من
19 المصدر نفسه، ص.143-139
مواطنين كامنين إلى مواطنين فاعلين، فتضيّق على حريات التفكير والتعبير والتنظيم... وتقضي على روح
المبادرة الفردية عند المواطنين، وتجهد في إفساد العلاقات التي تحكم الحيّز وتلك التي تربط بين المواطنين.
ومن جهة أخرى، تُكاثر من مظاهر الاحتفال والاهتمام بهذا الحيّز ذاته، وتبالغ في بهرجته ووضعه تحت
الأضواء، وهو ما يحوّل الحيّز في الواقع إلى ما يشبه القوقعة الفارغة: تنظيم متقن وصلابة وحسن منظر من
الخارج، وخواء من الداخل. نرى ذلك مثل ا في منظّمات المجتمع المدني وجمعياته. فالنقابات والجمعيات
والاتحادات المهنية ليست وليدة سلطة حزب البعث، وإنما وجدت قبل استلامه السلطة بوقت طويل،
لكن في السبعينيات شوّهت هذه المنظمات وحُوِّلت من هيئات دفاع عن أعضائها أمام السلطة إلى هيئات
دفاع عن السلطة أمام الشعب، وتكاثرت هذه الهيئات تحت مسمى المنظمات الجماهيرية، وتكاثرت أيضًا
الجمعيات والمنظمات غير الحكومية حتى فاق عددها الألف جمعية من دون أن يكون لها أي أثر يُذكر في
الواقع. ونجد ذلك أيضًا في الصحافة والإعلام، حيث فاق عدد الصحف والمجلات السورية الصادرة
عن مؤسستي الصحافة والمؤسّسات الحكومية الأخرى والوزارات على المئتي مطبوعة، من دون أن يعني
ذلك وجود صحافة حقيقية. وهذا ما رأيناه تمامًا في ميدان السينما: إنتاج بالحدّ الأدنى لكنه (بجهد العاملين
فيه) من القوة ما يسمح بالتباهي به في العالم، واحتفاليات سينمائية تعمي البصر بإبهارها، في مقابل رقابة
متشدّدة وعوائق تعجيزية أمام حرية الإبداع والإنتاج وفساد مهين.
آليات المقاومة
إن آليات التسلّط المستثمرة لتفعيل النهج الاستبدادي المعتمد في الحيّز العام، في الميدان الخاص بالسينما
هي التي تسبَّبت بالتحولّات المرصودة في الثقافة السينمائية. وقد حاول النظام أن هيُيمن على هذه الثقافة،
وكان من الممكن أن ينجح لولا المقاومة المتعدّدة الأشكال التي مارسها مواطنون سينمائيون وناشطون
محبّون للسينما، واستطاعوا من خلال تلك المقاومة ليس الحفاظ على استقلالية الثقافة السينمائية فحسب،
بل أيضًا على جعلها فضاءً من فضاءات مقاومة الاستبداد، ورحمًا حاضنًا لجنين الثورة. تعدّدت آليات مقاومة التسلّط في ميدان الثقافة السينمائية، واختلفت فاعليتها تبعًا لطبيعتها وللمجال
الذي تعمل فيه. ويمكن القول إن ثمة مجالين برزت فيهما فاعلية تلك الآليات: المجال الأوليتحدَّد من
خارج النتاج الإبداعي السينمائي، وهو المجال المجتمعي الخاص بالسينما الذي تحضر فيه السينما باعتبارها
فاعلية ثقافية. أمّا الثاني، فيتحدَّد في داخل الإبداع السينمائي، وهو مجال التعبير الجمالي.
المجال المجتمعي
تنتمي إلى هذا المجال الآليات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تشكّل السينما علّة وجودها وأبرزها: - حركات النضال المدني: قام السينمائيون ومحبو السينما السوريون بعدد من الأفعال التي تندرج ضمن
حركات النضال المدني ذات الطابع الاحتجاجي تارة، أو الطابع السياسي تارة أخرى. ولئن اختلف وقع
الحركة تبعًا لتوقيتها أو للصدى الذي تركته في وسائل الإعلام، فإن هذا لا يُغير شيئًا في كونها حركات
تميّزت بالشجاعة، بل المخاطرة أحيانًا، فهي آليات مقاومة للهيمنة على الثقافة السينمائية، لكنها تندرج
بجدارة ضمن تاريخ مقاومة المجتمع المدني السوري لاستبداد النظام.
- بيانات الدفاع عن المؤسسة العامة للسينما: في نهاية عقد التسعينيات شنّت الصحافة الرسمية حملة تشهير
وانتقاد للمؤسسة العامة للسينما، لم تكن منفصلة عن ظاهرة تكاثر الشراكات بين شركات إنتاج تلفزيوني
ومسؤولين حكوميين. قام عدد من السينمائيين بالرد على حملة التشهير في الصحف المحلية، وأصدروا
يوم 20 تموز/يوليو 9991 بيانًا بعنوان «ارفعوا أيديكم عن المؤسسة العامة للسينما»، حمل توقيع ست
وعشرين شخصية سينمائية. وشكّل إصدار هذا البيان سابقة في تاريخ النضال المدني ضدّ التعسّف الذي
يمُارسه النظام على الهيئات أو المؤسسات الثقافية. وبعد أسابيع قليلة، في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر 9991، أعاد السينمائيون الكرّة وأصدروا بيانًا
ثانيًا لم يقتصروا فيه على إبراز مواقفهم المهنية المحصورة بقضايا المؤسسة، بل تعدّوا ذلك نحو قضايا تخص
الشأن العام في سورية، مثل حرية التعبير ومكافحة الفساد. غير أن السلطات لم تكن تعنيها شؤون المجتمع المدني وشجونه، ولم تكن لتعطي أذنًا صاغية لمطالب
السينمائيين، بل يمكن القول إن المؤسسة في العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين كانت مصدرًا
لا ينضب لقصص الفساد الإداري والمالي، وهذا ما نسمع صداه في بيان آخر صدر بعد إحدى عشرة
سنة ردًّا على تصريحات كيدية لمدير عام المؤسسة ينال فيها من المخرج عمر أميرالاي بعد أيام قليلة
على وفاته. وحمل البيان توقيع نحو ثلاثمئة شخصية من «المهتمين بشؤون السينما السورية»، ينتقدون
فيه التراجع الكبير الذي أصاب الإنتاج السينمائي كامً وكيفًا، ويشيرون إلى قصص الفساد المستشري في
المؤسسة. وطالب الموقّعون «بإعادة النظر في هيكلة المؤسسة العامة للسينما من خلال الاستعانة بالخبرات
الإنتاجية والفنية الموثوقة والمعترَف لها محليًا وعالميًا بالتميز والأصالة والقدرة على التجديد، بهدف البحث
عن آليات إنعاش لهذه المؤسسة المهدَّدة بالتعطُل التام، ومساعدة القطاع الخاص وفتح الأبواب أمامه
لدخول مجال الإنتاج السينمائي بشكلٍ أوسع». - بيان 99: يُعتبر البيان الذي أطلق عليه اسم بيان ال 99 نسبةً إلى عدد المثقفين الذين وقّعوه، في منزلة
الإعلان الأكثر وضوحًا عن انطلاق الحراك المدني المعروف باسم «ربيع دمشق»؛ إذ كان الوثيقة العلنية
الأولى التي تُع عن مطالب الناشطين المدنيين من المثقفين في إنهاء نظام الاستبداد والبدء بعملية إصلاح
شامل للدولة (...). لم يكن بين موقّعي البيان سوى اثني عشر سينمائيًا، لكن المجموعة التي كانت وراء
فكرة البيان وصوغه ونشره كانت في معظمها منهم. - نداء السينمائيين السوريين: بعد نحو شهر على انطلاق الثورة، توجّه عدد من السينمائيين السوريين بنداءٍ
إلى سينمائيي العالم يطلبون منهم فيه «التضامن مع شعب سورية ومع حلمه بالعدالة والحرية والمساواة»،
ويحتجّون على استخدام قوات الأمن السورية السلاح في مواجهة المتظاهرين السلميين المطالبين بالحرية
والديمقراطية في سورية. وجاء في البيان: «يُقتل المواطنون السوريون العُزّل السلميون وتُغتال أحلامهم
في التغيير لمجرّد مطالبتهم السلمية بمواطنيتهم. إن الاستبداد والفساد الأمني الذي اعتقل السوريين
وعذبّهم وابتلع أحلامهم وأموالهم وعيشهم يقتلُ اليوم أجسادهم وأرواحهم بالرصاص». وطالب النداء
بوضع حدٍّ لتسلّط الأجهزة الأمنية على حياة المواطنين باعتبارها خطوة بدئية لأي إصلاح ممكن في البلاد:
20 صدر بتاريخ 16 شباط/ فبراير.2011
21 صدر بتاريخ 27 أيلول/ سبتمبر.2000
22 وفق ما صرّح لنا أحد أعضاء هذه المجموعة.
«نرى أن إصلاحًا لا ينطلق الآن من كفّ يد الأجهزة الأمنية عن عيش المواطنين والكفّ عن منح هذه
الأجهزة الحصانة والرخصة للقتل أو الاعتقال أو التعرّض للمتظاهرين السلميين... وإغلاق صفحة
السجن السياسي إلى الأبد، هو إصلاح موؤود». ولقي البيان صدى إيجابيًا، إذ وقّعه أكثر من سبعمئة
سينمائي، من بينهم بعض الأسماء المعروفة على مستوى عالمي. لكن بعد أيام على صدور هذا النداء في الصحف، قامت مجموعة من السينمائيين، وبعضهم من الموالين
للنظام، بإصدار بيان مضادّ عنونته «بيان سينمائيي الداخل»، انتقدت فيه توجّه زملاء لهم إلى سينمائيين
غير سوريين. واعتبرت هذا العمل نوعًا من الخيانة. وهذا ما رأى فيه كثيرون فعلَ وشاية جديرًا بمخبرين
لا بسينمائيين زملاء لهم في الهم الوطني. وشكّلت هذه الحادثة انقسامًا حادًا تناسلت مفاعيله وأدَّت إلى نوع
من الحرب الحقيقية بين الطرفين جرت بعض وقائعها على منابر مهرجانات سينمائية عالمية. - إحياء الذكرى الأولى لوفاة المخرج عمر أميرالاي: شكَّل عمر أميرالاي في حياته نموذجًا حقيقيًا
للمبدع النقدي الذي لا يفصل همّه الجمالي عن همّه المدني. وكانت قيم الكرامة والحرية تسكن أفلامه كما
كانت توجّه بوصلة حياته. وهذا ما كان يمنحه مكانة خاصة لدى أصدقائه الذين يشاركونه تلك القيم
ولدى السينمائيين الشباب الذين كانوا يرون فيه معلاّمً وملهامً لهم. وكان عمر يراقب انطلاقة الربيع العربي
بفرح من يرى اقتراب موعد تهفو إليه روحه، غير أن الموت اختطفه قبل أسابيع قليلة من انطلاقة الثورة
السورية. ولعله كان أول شهدائها. لذلك، وفي يوم 5 شباط/ فبراير 2012 الذي يصادف الذكرى الأولى
لوفاته، قام العشرات من الأصدقاء والسينمائيين بزيارة ضريحه، ووضع بعض الشباب علم الثورة فوقه
وأنشدوا له أغنية من أغاني الثورة. وكانت هذه الاحتفالية الرمزية بمنزلة تحدٍّ واضح للسلطات الأمنية
التي نصبت حواجز عديدة على الطرقات التي توصل إلى الجبل الذي توجد المقبرة قرب قمته. - المشاركة السلمية في الثورة: الثورة السورية سلمية في جوهرها، وبدأ تحولّها إلى التسلح دفاعًا عن النفس
وحماية للمتظاهرين ثم العسكرة ثم الصراع المسلّح بعد أشهر طويلة من انطلاق الاحتجاجات ذات
الطبيعة المدنية. وكان للسينمائيين الشباب، ولمتابعي النشاط السينمائي المدني حضور واسع في التجمعات
المدنية الأولى. بعد أيام قليلة من «فزعة» الحريقة، وفي يوم 22 شباط/ فبراير تحديدًا، اجتمع عدد من المواطنين أمام
السفارة الليبية في وقفة تضامن مع شهداء ليبيا. ثم تكرّرت التجمعات مرة أمام السفارة المصرية للاحتفال
برحيل الرئيس المصري، ومرة ثانية في إحدى ساحات دمشق (باب توما) للتضامن مع تونس، ومرة ثالثة
في حديقة عرنوس للتضامن مع أمهات الشهداء، ومرة رابعة أمام وزارة الداخلية للتضامن مع إضراب
عن الطعام نفَّذه معتقلو الرّأي في السجن المركزي. وفي كلِّ مرة كانت قوات الأمن (الاستخبارات) تتدخّل
فتفرِّق المجتمعين بالقوّة، وتعتقل بعضهم ساعات أو أيامًا قليلة. ولم يخلُ أي تجمّع من هذه التجمّعات،
ولا أي حملة اعتقالات من تلك الحملات، من وجود شباب من الناشطين في ميادين الثقافة السينمائية. ثم،
ومع تطوّر الحوادث، ومع إلحاح الحاجة إلى توثيق مجرياتها، أصبح قسم كبير من هؤلاء السينمائيين الشباب
موثّقي الثورة والرواة البصريين لوقائعها، وأصبحت الكاميرا بيدهم عين التاريخ التي تسجِّل الحقيقة
23 صدر بتاريخ 1 أيار/ مايو.2011
24 صدر بتاريخ 9 أيار/ مايو.2011
وتفضح أكاذيب النظام الذي بنى سياسته الإعلامية على عنصري التعتيم على العنف الهائل الذي يمارسه
من جهة، والتطمين الكاذب بأنه يقوم بمواجهة مؤامرة كونية يشنها العالم ضدّه. ولذلك بات السينمائيون
الشباب المشاركون في الثورة على رأس قائمة المطلوبين عند الأجهزة الأمنية، وركَّزت جهدها لاعتقالهم
حتى صار من دخل المعتقلات منهم يعَدّون بالعشرات، ومنهم ممثِّلون (مي اسكاف، محمد آله رشي،
جلال الطويل، زكي كوريللو....)، ومصوّرون (عامر مطر، كنانة عيسى...)، ومخرجون (باسل شحادة،
تامر العوّام، نضال حسن، ريم الغزي، أواديس غابرئليان، فراس فياض...)، ومهندس صوت (غانم
المير)، ومدير شركة إنتاج أفلام تسجيلية (عروة نيربية)، وآخرون كثيرون من كتّاب السيناريو ومن روّاد
الأندية السينمائية. ولا بدّ من التذكير هنا بأن اثنين من المخرجين الشباب (باسل شحادة وتامر العوّام)
استُشهدا برصاص قوات النظام. - الأندية السينمائية: قد تكون الأندية السينمائية من أكثر أشكال النشاط المدني فاعلية في مقاومة آليات
التسلّط ومحاولات الهيمنة على الثقافة السينمائية؛ ففي إطارها تجري حلقة متسلسلة من الفاعليات المدنية
التي يعارض نظام الاستبداد وجودها، وتنشط أجهزته في قمعها. ففي النادي السينمائي أوالً، يقوم
المشاركون في النادي باختيار الفيلم المعروض من دون الخضوع لأهواء الرقابة، وفي كلّ لقاء من لقاءاته
يجتمع عدد من المهتمين غير آبهين بقواعد منع التجمع التي تفرضها السلطات بموجب أحكام الطوارئ،
وفي نقاشاتها تمارس حرية التعبير من دون قيود تمنعها، وفي حواراتها تنتقل معرفة وتختبر مناهج في النقد
الفني لا تلقى في المؤسسات التعليمية الرسمية كثيرًا من القبول، كما متُارس قاعدة احترام الرّأي والرّأي
الآخر. ومن الطبيعي أن تلك الحوارات والنقاشات المنصبّة بشكل أساس على جماليات السينما لا تتوقف
عندها، وإنما تتخطّاها إلى شؤون الحياة بشكل عام، وهذا ما لا تريد المؤسسات الرسمية حتى أن تسمع به.
وعرفت الحياة السينمائية السورية عددًا كبيرًا من الأندية، منها: - نادي دمشق السينمائي: كانت دمشق قد عرفت أول ناد سينمائي فيها في بداية السبعينيات، ويفخر
المخرج عمر أميرالاي ب«أن عدد أعضاء النادي في السبعينيات كان ما يقارب الألف عضو من مختلف
الأعمار والفئات الاجتماعية والسياسية، وكان جلّهم من طلبة الجامعة». وكان مقرّ النادي بمنزلة «منبر
مفتوح للنُخب المعارضة في المجتمع للتعبير عن أفكارها ومطالبها». كما كان للنادي دور كبير في نشر
الثقافة السينمائية: «أظن أننا أدّينا واجبنا في ما يخص نشر الثقافة والمعرفة السينمائية في أوساط جيل كامل،
وقد جعلناه يحب السينما كما نحبها نحن من خلال تعريفه على أهم إنتاجات الفن السابع، ومذاهب السينما
على اختلاف أنواعها، ليس على صعيد العاصمة فحسب، وإنما في مدن أخرى أيضًا من خلال تأسيسنا
لاحتّاد عام لأندية السينما عام »197. واضطر النادي إلى تعليق أعماله في بداية الثمانينيات بسبب تردّي
الوضع الأمني آنذاك في سياق الصراع بين السلطة والإخوان المسلمين. وعندما حاول استرجاع نشاطه في
منتصف التسعينيات، لم يتسنَّ له ذلك بسبب ما وضعه النظام أمامه من عوائق. - نادي السينما في المعهد الفرنسي: اندرج هذا النادي ضمن النشاط الثقافي الذي كان يقام في إطار «منتدى
25 استُشهد باسل شحادة في مدينة حمص يوم 29 أيار/ مايو 2011، واستُشهد تامر العوّام في حلب يوم 01 أيلول/ سبتمبر.2012
26 اسماعيل، «في حوار أجري قبل أسبوع من رحيله.. الثقافة السورية بحاجة إلى إنقاذ من موتها السريري.»
27 المصدر نفسه.
28 المصدر نفسه.
الجمعة الثقافي» في المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق. كان المنتدى مخصصًا نظريًا للباحثين
والطلاب الأجانب المسجّلين في المعهد كي يتعرَّفوا إلى الثقافات السورية، غير أن أغلب الحضور كان
على الدوام من الشباب السوريين. وكان النادي يعرض أفلامًا سورية، أو عن سورية، حصرًا، وتتبع
العروض مناقشات حارة بحضور مخرج الفيلم غالبًا. وساعد وجود المنتدى داخل حرم المعهد في ضمان
حماية نشاطه. وهذا ما سمح بعرض الأفلام السورية كلها التي كانت تمنعها الرقابة، كما سمح بنقاشات
ذات نسبة عالية من الحرية والجرأة. - الأندية الخاصة: وهي لقاءات دورية لكن غير منتظمة، كانت تقام في أماكن مغلقة (بيت، مطعم...)
ويجتمع فيها من عشرة أشخاص إلى خمسين شخصًا بحسب سعة المكان. انتشرت هذه الأندية بشكل
واسعٍ بعد توافر الأقراص المدمجة المقرصنة حتى صار من المستحيل أن نعرف عددها. وشكّلت فرصًا
استثنائية للشباب للتعرّف إلى بعض نتاجات السينما العالمية التي كانوا محرومين من مشاهدتها في سورية
بسبب تحكّم الدولة في الاستيراد. كما شكّلت مناسباتٍ للحوار في شأن السينما والقضايا الاجتماعية
والسياسية والثقافية في سورية. وإذا ما تعدّدت اللقاءات في المكان نفسه، فغالبًا ما كانت تنتهي باستدعاء
الأمن لصاحبه لإقناعه بالتوقف عن استقبال هذه الأعداد من الناس «حرصًا على سلامته»، وهكذا كان
ينتقل اللقاء إلى مكان آخر. اشتهر من بين هذه الأندية الخاصة واحد كان ينعقد في مقهى يحوي صالة واسعة نسبيًا ومبرّدة ويجلس
الحضور فيها على مقاعد مريحة. أمّا العروض، فكانت تتم بوساطة جهاز إسقاط على جدار واسع، وهذا
ما كان يُعتبر ترفًا بالنسبة إلى بقية الأندية التي كان أحدها يقدم عروضه في مرأب للسيارات. ونظرًا إلى أن
العروض كانت تجري في مقهى، فقد شكّل هذا عامل جذب إضافيًا للشباب حتى وصل عددهم في أحد
اللقاءات إلى نحو سبعين مشاركًا. انطلق مؤخّرًا نادٍ سينمائي خاص جديد بعنوان «السينما والمواطنة». وكما يدل عنوانه، يحاول هذا النادي
تخصيص عروضه لأفلام من العالم تتناول موضوعات لها علاقة بقضايا المواطنة، بغاية المساعدة في نشر
ثقافة المواطنة على أوسع نطاق ممكن. - النادي السينمائي في المركز الثقافي الفرنسي: بدأ العمل بهذا النادي في صيف سنة 2007 بإدارة المخرج
أسامة محمد ومساعدة ثلاثة من السينمائيين الشباب السوريين هم: الناقد أسامة غانم، ومديرة التصوير
جود كوراني، والمخرج جود سعيد، والباحثة الفرنسية سيسيل بويكس التي كانت تحرضّ أطروحة جامعية
عن السينما السورية. يقول أسامة محمد عن هذه التجربة: «كانت فكرتي التأسيسية خلق حوار ثلاثي بيني
(وما قد أحمله من تجربة جيل سينمائي) وبين المشاهدين (جمهور النادي)، وبيني وبين المجموعة الشابة،
وبيننا نحن جميعًا، في محاولة لكسر مفهوم المنصة والصالة وفتح احتمال أوسع للحوار».
29 بدأ المنتدى نشاطه في تشرين الأول/ أكتوبر 2199 واستمرّ حتى تموز/ يوليو 2006، وقام بالمجمل بما يزيد على 0 45 نشاطًا. وكنتُ
شخصيًّا المسؤول عن إدارة هذا المنتدى.
03 أشرفت شخصيًّا على ثلاثة من هذه الأندية بين سنتي 1997 و 2010. واستمرّ أحدها أكثر من خمس سنوات.
31 كانت عروض هذا النادي تقدّم في مقهى في دمشق القديمة، وكانت تشرف على أمور النادي، من اختيار الأفلام إلى العروض إلى
إدارة المناقشات، لجنة من خمسة أعضاء هم: مهند جزماتي، كنانة عيسى، سالينا أباظة، باسل شحادة، حسان عباس.
23 أسامة محمد، مراسلة إلكترونية معه، تاريخ 29 كانون الأول/ ديسمبر 2012.
انطلق النادي بعنوان: «نظرة سورية على السينما الفرنسية». «وقد استطاع هذا النشاط خلال فترةٍ وجيزةٍ
أن يغطي حاجة جمهور مدينة دمشق من محبّي السينما وعشّاقها بالعموم ويلبّي رغبة واضحة عنده».
وكان يجري اختيار الأفلام المخصصة للعرض شهريًا من بين مجموعة من الأفلام التي ترسلها وزارة
الثقافة الفرنسية إلى مراكزها الثقافية في العالم. وكان يحرص في أثناء انتقاء الأفلام على وجود قاسم
مشترك بينها، أكان على صعيد الشّكل أم على صعيد الموضوع، بما يسمح بجمعها في تيمة شهرية واحدة
مثل «السينما والأدب»، «السينما والتاريخ»... وذلك ضمن منهجية تقوم على «... انتقاء أكثر الأفلام
تنوعًا من ضمن المجموعة، مع المحاولة قدْر الإمكان بأالّ نبقى محصورين بالشيء الفرنسي البحت وإنما
تقديم شيء مختلف قد يكون إنتاجًا فرنسيًا ولكن في بلدان أخرى أو إنتاجًا مشتركًا، وبناءً عليه يمكن
القول إن النادي السينمائي يقدم مستويين: الأول هو السينما العالمية، ومنها نقدِّم ثلاثة أفلام في الشهر،
أمّا الفيلم الرابع فهو المستوى الثاني: السينما السورية». من الأهمية القول «إنه على الرغم من أن
المؤسسة فرنسية في نهاية المطاف إالّ أن التجربة معها سورية بامتياز، فالحضور سوري والنقاش والحوار
باللغة العربية...». حقّق النادي حضورًا قويًا في الحياة الثقافية في دمشق، وفي أيلول/سبتمبر 2010 جرت عملية تجديد
للمنهج الذي يتم فيه تقديم العروض بشكل تبقى معه التيمة الشهرية العامة التي تجمع بين ثلاثة أفلام:
سوري وفرنسي روائيان والثالث تسجيلي. أمّا اللقاء الرابع في كلّ شهر، فخُصّص لندوة في شأن التيمة
الشهرية العامة، يشارك فيها متخصصون بالموضوع. وجرت في هذا السياق استضافة معظم السينمائيين
السوريين في سهرات حوارية وفّرت للشباب فرصة للقائهم، والتفاعل معهم، في وقت أدّت فيه الأحوال
من جهة وسياسة تهميش السينما وإغلاق المنابر أمام صانعيها من جهة أخرى إلى بناء جدار يفصل بين
العاملين في ميدان السينما والشباب الراغب في دخول هذا الميدان. كما اجتهدت اللجنة المشرفة على
النادي في تشجيع الشباب من روّاد العروض على العمل على مشاريع سينمائية خاصة تبدأ من محاولة
كتابة السيناريو. ولاقت هذه البرمجة استحسانًا وقبوالً لافتين، غير أن بداية الحوادث عطّلت النادي الذي
توقف مع إغلاق المركز الفرنسي في دمشق في صيف سنة 2011. - مهرجان «أيام سينما الواقع» (دوكس بوكس): انطلق مهرجان «أيام سينما الواقع» في سنة 2008 في
إطار احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية. لكن، على الرغم من تلك البداية المؤط رة سلطويًا، يشكِّل
المهرجان، ومنذ بدايته، آلية قوية من آليات المقاومة التي تمارسها الثقافة السينمائية السورية ضد محاولات
الهيمنة والتسلّط. فالمهرجان طرح نفسه منذ دورته الأولى باعتباره مهرجانًا مستقل ا عن المؤسسات
الرسمية. والمهرجان أعلن أنه سيختار أفلامه سنويًا «على أساس القيمة السينمائية للأفلام أوالً برغم ما
للفيلم التسجيلي من ميول سياسية واجتماعية أكيدة». وجاء في الإعلان الأول عن المهرجان أن «أيام سينما
الواقع» ستسعى إلى تأسيس نفسها باعتبارها تظاهرة فنية سنوية عالية المعايير، وأن انتقاء الأفلام سيكون
على معيار قيمتها الفنية، وأن التظاهرة مجانية غير ربحية، تنظّمها شركة بروآكشن السورية، ويساندها عدد
33 رياض أحمد، «النادي السينمائي السوري: تجربة فريدة قدمت الفيلم السوري المثقل بالهموم الفنية والإنسانية،» (اكتشف سورية
<.http://www.discover-syria.com/news/802> موقع إلكتروني:)(
34 المصدر نفسه.
35 المصدر نفسه.
36 أسامة محمد، عروة نيربية، وحسان عباس.
كبير من المؤسّسات والمهرجانات الدولية المعروفة، أي إن المهرجان نأى بنفسه منذ انطلاقته عن شبهات
المحاباة وأشكال الفساد المالي والسياسي والإداري كلها. أدى نجاح الدورة الأولى للمهرجان، ومثابرة اللجنة المشرفة عليه، خصوصًا الشابين السينمائيين عروة
نيربية وديانا جيرودي، إلى تكرار التجربة سنويًا. وفي كلّ دورة جديدة، كان المهرجان يكتسب مزيدًا من
الصدقية على صعيد السينما التسجيلية في العالم، ومزيدًا من الحضور في ميدان النشاط الثقافي المدني في
سورية. ومع تطوّر الثورة السورية، قرّر المهرجان أن يحتجب في دورته الخامسة (2012) التي تزامنت مع
الذكرى الأولى لانطلاقة الانتفاضة السورية، احتجاجًا على انتهاك حقوق المدنيين في سورية. وتعبيرًا عن
غضب منظِّمي المهرجان من صمت العالم أمام ما يرتكب من انتهاكات بحقّ الشعب السوري. وبدالً من
أن يستضيف أفلامًا تسجيلية من العالم لعرضها في سورية وتعريف السوريين عليها، قرّر عكس التجربة
وعرض أفلام تسجيلية سورية في ثلاثين بلدًا في العالم في يوم واحد. وبرّر مشروعه ذاك في بيان أصدره
في المناسبة جاء فيه: «لا بد اليوم إذًا بدل أن نفتح نوافذ للعالم في سورية.. أن نفتح نوافذ حول العالم في
كلّ القارات يرى فيها الناس هناك سورية، عبر سينمانا المتواضعة الإمكانات والأدوات، فيتعرَّفون على
روح شعب لا تَرْشَحُ إلى نشرات أخبارهم المختزلة ويتلمسون جرأته وإصراره وكبرياءه على الرغم من
كل الفقر وكل العزلة... كل ذلك في (يوم عالمي) اخترنا له أن يكون بديل ا لختام دورة المهرجان المحتجب
هذا العام والتي تتزامن وذكرى الانتفاضة السورية الأولى. وهو تزامن لا نقرأ فيه مصادفةً بل تخاطرًا يؤكِّد
على كون السينما التسجيلية مرآةً لواقع الناس ومقياسًا للعدالة في مجتمعاتهم».
مجال التعبير الجمالي
- الأفلام التسجيلية: عرف إنتاج الأفلام التسجيلية فورة لافتة في السنوات الأخيرة. ويمكن تعليل
هذه الفورة استنادًا إلى إمكان إنتاج هذه الأفلام من دون الخضوع للشروط القاسية والمحبطة للرقابة،
أو بالتوقّف عند سهولة شروط الإنتاج البسيطة، حيث صار في مقدور أي راغب في إنتاج فيلمٍ وثائقي
أن يمسك بكاميرا رقمية صغيرة ويقوم بصنع فيلمه الخاص. لكن ثمة سمات أخرى تجعل من الأفلام
التسجيلية تجربةً لا علاقة لها بالإمكانات والاستسهال، خصوصًا أن من الأفلام التسجيلية ما يتطلَّب من
مخرجه وقتًا وجهدًا وتمويل ا أكثر ممّا قد تحتاج إليها أفلام طويلة كثيرة. إن صناعة الأفلام التسجيلية هي
بالدرجة الأولى خيار فني وطريقة في النظر إلى العالم. للفيلم التسجيلي سحره الخاص الذي يربطه بموقف خاص من العالم ومن الفن السينمائي بشكل عام. إنه
يشبه الرغبة في قول العالم بكلمة، أو، على العكس، إغراق العالم في تفصيل مبتذل، أو لامتناهٍفي الصغر.
ولا شكّ في أن هاتين الرغبتين المتناقضتين في المنحى، وفي وجهة النظر، تجدان أرضًا خصبة لازدهارهما
في عالم يفقد فيه الإنشاء الأدبي والخطابة معانيهما، كما في عالم يشعر فيه المبدع أن الأشياء الصغيرة البالغة
الحساسية فقدت قيمتها في عالم الأضواء والخداع البصري ومظاهر الثراء الفاحش. وربما كانت هذه
الفكرة تحديدًا هي ما جعلت هذا الفن يزدهر في سورية مؤخّرًا، حيث اجتاحت الخطابة الرخيصة آذان
المواطنين المنغمسين في مشكلات حياتهم الصغيرة الحقيقية، وحيث بلغت مظاهر الثراء والبهرجة الخداع
37 انظر البيان كاملا على موقع المهرجان الإلكتروني: <www.dox-box.org/>.
حدًا يفوق كلّ توصيف. فاندفع كثيرون من السينمائيين، أو من الشباب الذين لم تكن لهم أي تجربة سابقة
في السينما، إلى خوض تجربة صناعة الأفلام التسجيلية. ويمكن أن نذكر في هذا السياق عددًا كبيرًا جدًا من
الأفلام التي تتباين إلى حدٍّ كبير في حرفيتها وأهميتها الفنية لكنها تلتقي كلّها في رغبتها في مقاربة الهموم
الصغيرة والكبيرة للمواطن السوري. وكأنها في عملها هذا لا تحاول أن تسجل تحدّيًا للرقابة والفساد
الإداري والمالي وغيرها من آليات التسلّط فحسب، بل تسعى أيضًا إلى وضع أسس لآليات عمل جديدة
في الثقافة السينمائية السورية، تقوم على أنقاض الثقافة السينمائية الفاسدة المشوّهة. وكأن هذا الشغف في
بناء ثقافة سينمائية جديدة على أنقاض تلك السائدة إرهاص للثورة التي كانت تشقّ طرقها الخفية في قلب
المجتمع السوري. ثمة العديد من الأفلام التسجيلية المهمة التي رأت النور في السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من أن أغلبها
مُنع من العرض الجماهيري في سورية، فإنها أثارت كثيرًا من النقاشات والاهتمام في شبكات المشاهدة
الخاصة. ونذكر هنا، على سبيل المثال لا الحصر: - أفلام المخرج عمر أميرالاي: أدّى عمر أميرالاي دورًا مهامً في ازدهار السينما التسجيلية في سورية، إذ
كان «المعلم» للعديد من الشباب الذين وجدوا في أعماله اللغة والأسلوب الملائمين لصنع السينما التي
يريدون، كما وجدوا في شخصه المرشد والناصح الذي لم يتوانَ عن مساعدتهم في خطواتهم الأولى في
تجاربهم السينمائية. أخرج أميرالاي عشرين فيلامً تسجيليًا بين سنتي 0197 و 2010، مُنع أغلبها من
العرض في سورية بسبب موقفها النقدي الحاد للنظام. ولجأ في عدد من هذه الأفلام إلى أسلوب «المفارقة»
بين مستويين من الحكاية: مستوى السرد اللغوي الذي يقوم به أشخاص من الواقع، ومستوى السرد
البصري الذي يكشف في الواقع ذاته عن حقيقة تُناقِض الكلام المسرود إلى حدّ الفضيحة. ومن الأفلام
التي تناولت الشأن السوري وتركت أثرًا كبيرًا عند المتابعين للسينما السورية نذكر بشكل خاص: «الحياة
اليومية في قرية سورية» و«الدجاج» و«محاولة على سد الفرات» و«هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدَّث
عنها المرء» و«طوفان في بلاد البعث». - أفلام المخرجة هالة عبد اللهالتي عملت طويل ا مساعدة للعديد من المخرجين السوريين في مجموعة
من أهم الأفلام السورية قبل أن تقرّر تصوير أفلامها الخاصة: «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها»، وهو في
منزلة مكاشفة ذاتية تقوم من خلالها بتظهير العلامات الفارقة للمرأة السورية المناضلة، لمسة لمسة، تمامًا كما
يفعل مرمم الأيقونات الذي تصوّره في الفيلم وهو يزيل ترسبات الزمن عن الأيقونات القديمة من دون
أن يخدش قدسيتها وجمالها. و«هيه...لا تنسى الكمون!» الذي يقدم تجربة فنية خاصة ترجع إلى ثلاث
حكايات من السير الذاتية لشخصيات مثقفة (جميل حتمل، سارة كين، دارين الجندي) وتسعى إلى التحرّر
من القواعد التقليدية المتّبعة في الإخراج. - أفلام المخرجة هالة محمد، وهي شاعرة معروفة درست السينما في باريس، وأفردت أعمالها لعدد من
الشخصيات المؤثِّرة في الحياة الثقافية السورية، خصوصًا من تلك التي خاضت تجربة الاعتقال السياسي:
«إذا تعب قاسيون»، وهو حوار مع الأديب الشاعر محمد الماغوط الذي كانت حياته حالة مقاومة دائمة
لكلِّ أشكال التسلّط، بما فيها تسلّط اللغة. و«مديح الكراهية»، وهو حوار مع الروائي السوري خالد
خليفة. و«رحلة في الذاكرة»، حوارية مع ثلاثة مثقفين (ياسين الحاج صالح وفرج بيرقدار وغسان
الجباعي) في شأن إقامتهم في سجن تدمر المعروف عنه أنه من أقسى السجون السورية وأكثرها وحشية.
وكان الثلاثة قد أمضوا فترات زمنية طويلة في هذا السجن. و«قطعة الحلوى»، حوارية مع ثلاثة مثقفين
(الكاتبة حسيبة عبد الرحمن، الشاعر عدنان المقداد، الممثِّل عبد الحكيم قطيفان) عانوا تجربة السجن في
زمن حافظ الأسد. هناك أفلام كثيرة أخرى لمخرجين معروفين أو لشباب مبتدئين، منها: • «فوق الرمل، تحت الشمس» للمخرج محمد ملص والمخرجة هالة عبد الله، وهو فيلم مقتبس من قصة
للكاتب غسان الجباعي عن معاناة المثقفين السجناء في سجن تدمر أيضًا. • «ابن العم» للباحث محمد علي الأتاسي، وهو حوارية مع المناضل الشيوعي الشهير رياض الترك عن
تجربته الطويلة، تقريبًا ثمانية عشر عامًا، في الحبس الانفرادي في سجون الأسد. وأعاد الأتاسي في سنة
2012 التجربة مع رياض الترك عبر التقنيات الحديثة وأخرج فيلامً جديدًا بعنوان «ابن العم أون لاين». • «صمت» للمخرج الشاب رامي فرح، وهو مقارنة بين حكايتين متوازيتين ومتناقضتين تمامًا عن سقوط
مدينة القنيطرة في حرب حزيران/ يونيو 9671 وحكاية عاطفية منفعلة يقدمها رجل يعمل في مؤسّسات
السلطة، وأخرى هادئة مفعمة بالحزن يتذكرها معمر من سكان المدينة كان شاهد عيان على الحوادث. • «زبد» للممثِّلة ريم علي، وهو يروي حكاية سجينة سياسية أمضت سنوات في السجن، لكن تلك
السنوات لم تستطع أن تطفئ شعلة الإنسانية في روحها. • «أزرق، رمادي» للمصوّر محمد الرومي، وهو قصيدة شاعرية من الألوان والصور التي توثّق حياة
سكان بعض القرى التي غمرتها مياه البحيرة المتشكّلة خلف سدّ تشرين على نهر الفرات. من الملاحظ أن أغلب هذه الأفلام يعتمد الحوار مع ضحايا نظام الاستبداد بهدف رسم الوجه الآخر
للحقيقة التي لا يعرفها كثيرون من السوريين بسبب الهيمنة الكاملة على الإعلام، وبسبب ثقافة الخوف
التي استطاع أن يغرسها في الأنفس. أصبحت الأفلام التسجيلية صناعة فنية يلجأ إليها الشباب للتعبير عن ارتباطهم بقضايا وطنهم وهموم
شعبهم أحيانًا، حتى كادت تتحوّل إلى آلية من آليات مقاومة التسلّط والاستبداد. ومن الصعب حقًا
أن نتذكر الأفلام كلها التي أخرجها في السنوات الأخيرة وشبّان وشابات أثبت بعضهم حضوره، ولا
يزال آخرون يشقّون طريقهم، في فضاء الثقافة السينمائية السورية. ومن بين الأسماء الكثيرة نذكر: عمار
البيك وميار الرومي وريم الغزي ومايا الخوري وحازم الحموي وطلال ديركي وسوار زركلي ولبنى
حداد وإياس المقداد والفارس الذهبي والفوز طنجور وزياد كلتوم وسؤدد كعدان ولينا العبد وجود
كوراني وفراس فياض وأديب صفدي وعلي شيخ خضر وروش عبد الفتاح وزينة ارحيم ومحمد خير
دياب... وغيرهم. - تقنيات الإبداع الجمالي في السينما الروائية: ليست السينما حكايات بصرية تُقدّم إلى الناس بغاية المتعة
أو التسلية فحسب، إنها أيضًا فن يوظِّف عددًا كبيرًا من العناصر التي يتعامل المخرج معها، يلعب بها،
لإبداع منتَج جميل يسمّى فيلام - هذا بالطبع إذا كان المخرج فنانًا حقيقيًا يجعل إنسانية الإنسان وسعادته
غاية عمله. وفي سياق عملية الإبداع الخلاّقة هذه، يلجأ المخرج إلى تقنيات جمالية لا حصر لها تسمح له
بخلق واقع (هو الفيلم) قد يكون تصويرًا للواقع الحقيقي أو محاكاةً له أو خياالً لا علاقة له به أو بأي شيء
آخر. هذا الفيلم دائامً يقول حكاية في مستوى أول، هي تلك التي نشاهدها في العرض، لكنه في أحيان
كثيرة يروي حكاية، وربمّا حكايات أخرى، يتركنا نمسك خيوطها لكنها لا تظهر إالّ مواربة، لا تظهر إالّ
في مستوى ثانٍمن خلال، أو وراء، المستوى الأول الذي تمنحنا إياه المشاهدة العادية. والمُشاهد اليقظ،
الذي يعير اهتمامًا لما يشاهد، أي المشاهد الذي يعمِل بصره وبصيرته في فعل المشاهدة، يلتقط دائامً غاية
المخرج، وأالّ يتم ذلك في كثير من الأحيان بالشكل الكامل. وهنا تكون عملية الإبداع قد اقتربت من
غايتها القصوى، وهي تحريض عقل المشاهد على التفكير بما قدَّمه له المخرج. إن النظام السياسي في أي بلد في العالم، وفي بلدان الاستبداد بشكل خاص، حيث يكون الصراع من أجل
الهيمنة الثقافية جزءًا أساسيًا من الصراع من أجل الديمقراطية، يجنّد أجهزته لفرض ثقافة استعراضية؛
ثقافة مشاهدة سطحية تتفاعل في مستوى الغرائز الطبيعية، ويسلِّط في الآن ذاته هذه الأجهزة لمراقبة
أي فعل مجتمعي يسعى إلى رفع هذه الثقافة إلى مستوى العقل والتفكير. هذا ما يجعل التدين ومظاهره
السطحية، على سبيل المثال، قيمةً تنشرها وتعوّمها سلطات الاستبداد، في حين تعمل هي نفسها على إلغاء
البُعد العقلاني عن الدين أو على إظهاره باعتباره قضية فلسفية شاقة لا يعرفها إالّ الضالعون في العلم.
وهذا ما يجعل مؤسسات السينما الرسمية تميل إلى الأفلام التي لا تستجرّ مساءلة الأجهزة، وتحذّر من تلك
التي «تحشر أنفها» في قضايا الشأن العام، وهذا ما يجعل المخرجين الراغبين في صناعة سينما ذات موقف
من قضايا الشأن العام، سينما مقاومة للتسلط والاستبداد، يقفون حيارى أمام الورطة: هل يمتنعون عن
إبداع أفلام لن تسمح الرقابة بصنعها أو بعرضها، أم يرضخون للأطر التي تحاول المؤسسة والأجهزة
تحجيمهم على مقاسها، من خلال آليات التسلّط. الفن هو من يعطي الحلول لهذه المعضلة؛ فبفضل تقنياته يتوصل المخرجون المبدعون إلى قول حكايتهم من
خلال، أو من وراء، حكاية المستوى الأول المعروض أمامنا. كثيرة هي التقنيات والأساليب التي يمكن
للمخرج استثمارها في تحقيق هدفه هذا. وثمة مخرجون يفضِّلون تقنية واحدة يركِّزون عليها في أفلامهم:
«السخرية» عند تشارلي شابلن مثل ا، أو «المفارقة» عند عمر أميرالاي، أو «المحاكاة» عند فون تراير، أو
«المجاز» عند أيزنشتاين، أو «التراصف» عند تاركوفسكي... لكن الحكاية هي ما تفرض نفسها غالبًا على
التقنية الجمالية المستخدمة، وهي من يقود المخرج إلى دروبها ويسلِّمه مفاتيحها. اجتهد بعض المخرجين السوريين في اجتراح تقنيات إبداع أعانته في قول آرائه في قضايا الشأن العام من
خلال حكايات تبدو عادية، لكنها تروي أكثر ممّا تقول. ولعلّ من أهم ما نجده في هذا السياق: - تقنية «المنمنمات» التي وظَّفها سمير ذكرى بشكل ناجح في إخراج فيلم «وقائع العام المقبل» ليحذّر من
الخراب الذي يهدِّد البلاد، من خلال حكاية الموسيقي الشاب العائد إلى بلده ويحلم بإنشاء فرقة موسيقية. - تقنية «التراصف» التي استخدمها بشكل مدهش رياض شيّا في فيلمه «اللجاة» ليظهر ثقل التقاليد، من
خلال حكاية حبٍّ محرّم.
- تقنية «النمذجة» التي استثمرها أسامة محمد في فيلم «نجوم النهار» ليحذِّر من مسؤولية السلطة في ضياع
مستقبل الشباب من خلال حكاية عائلية مشبعة بالسخرية السوداء.
83 للأسف لم ينل هذا الفيلم الجميل حقّه من التقدير.
- تقنية «الإزاحة» التي لجأ إليها نضال الدبس في فيلم «تحت السقف» ليحذ ر من إعادة إنتاج الاستبداد
في البلاد إذا لم يتم إنجاز الإصلاح اللازم بأسرع وقت، من خلال حكاية مجموعة من الأصدقاء الشباب
تجمعهم غرفة صغيرة. - تقنية «المجاز» التي بنى حسبها أسامة محمد فيلم «صندوق الدنيا» ليفكِّك آليات صناعة الاستبداد من
خلال حكاية عائلة قروية تعيش بين انغلاق الواقع وانفتاح الأساطير. تمثِّل هذه التجارب، وهناك كثير غيرها، أهم آلية من آليات مقاومة الاستبداد في حيّز الثقافة السينمائية،
فهي لا تظهر أن عددًا من كبار السينمائيين السوريين يجتهد في العمل على مقاومة الاستبداد فحسب، بل
تؤكِّد مرةً أخرى أن الموقف الوطني شرط من شروط الإبداع الفني المتميز.
خاتمة
قامت الثقافة السينمائية في سورية وتطوّرت مع انتقال الحداثة إلى المنطقة. وترسّخت في ظلّ أنظمة كانت
تتطلع إلى بناء دولة عصرية تتأسس على علاقات المواطنة وحقوق الإنسان. والعلاقة وطيدة بين ترسّخ
الثقافة وتكرس المواطنة؛ فحياة المواطنة هي الضمّانة للمواطنين ليتخلَّوا عن ثقافة الخوف ويستبدلوها
بثقافة المبادرة الحرة. وهي الشرط الضروري لوجود مجتمع مدني يضمن حرية الأفراد وحقهم في المعرفة
والمتعة، ويخلق فضاء الحرية اللازم للإبداع والتفكير. وهي أخيرًا الشرط الضروري لوجود رقابة على
المؤسسات التعليمية التي تنشئ الأجيال على أسس العيش المشترك، وتنمّي عندهم فضول المعرفة العلمية
والجمالية... ولئن استطاع السينمائيون ومحبو السينما في سورية حتى الآن مقاومة هيمنة الاستبداد على
الثقافة السينمائية، فإن الصراع لا يزال عنيفًا داخل ميدان هذه الثقافة، ولا حلّ لإنقاذ السينما السورية
وثقافتها من الخراب إالّ بتحرّر الحاضنة الوحيدة لها، أي المجتمع المدني، وهذا لا يكون إالّ بتحقّق حلم
السوريين الأكبر اليوم: بناء دولة المواطنة.