العودة إلى تفاصيل المؤلَّف بِنِدِكت أندِرْسن:القومية الغربية والقومية الشرقية هل ثمّة فارقٌ مهمّ؟

بِنِدِكت أندِرْسن:القومية الغربية والقومية الشرقية هل ثمّة فارقٌ مهمّ؟

Western Nationalism and Eastern Nationalism: Is There a Difference that Matters?

بينيديكت ريتشارد أندرسون

Benedict Richard Anderson

الملخّص

حاول بِنِدِكت أندِرْسن، في كتابه الجماعات المتخيَّلة، أن يلقي الضوء على طبيعة هذا التغيير بمقارنته بما نواجهه من مصاعب حين يرينا أحد صورًا التُقطت لنا ونحن لا نزال رضّعًا. هذه المصاعب ما كانت لتحدث لولا الذاكرة الصناعية، متّخذةً هيئة صور فوتوغرافية. يؤكّد آباؤنا أن هؤلاء الأطفال هم نحن، أمّا نحن أنفسنا فلا نتذكّر أننا تصورنا، ولا نستطيع أن نتخيّل ما كنّا عليه في السنة الأولى من أعمارنا، وما كنّا لنعرف أنفسنا من دون مساعدة آبائنا. وما يجري في الواقع هو إنه على الرغم من وجود عدد لا يحصى من آثار الماضي التي تحيط بنا معالم أثرية، معابد، سجلات مكتوبة، أضرحة،منتجات يدوية، وهلم جرًا- فإن هذا الماضي صعب الوصول إليه ويغدو خارجيًا على نحو متزايد بالنسبة إلينا. وفي الوقت ذاته، ثمة أسباب كثيرة تدفعنا إلى أن نشعر بأننا في حاجة إلى هذا الماضي، ولو كنوع من المرساة فحسب.

Abstract

In Imagined Communities , I tried to illuminate the nature of this change by comparing it to the difficulties we face when we are shown photographs of ourselves taken as babies. These are difficulties which only industrial memory, in the shape of photographs, produces. Our parents assure us that these babies are us, but we ourselves have no memory of being photographed, cannot imagine what it was like to be ourselves at one year old, and would not recognize ourselves without our parents' assistance. What has happened in effect is that though there are countless traces of the past around us—monuments, temples, written records, tombs, artefacts, and so on—this past is increasingly inaccessible, external to us. At the same time, for all kinds of reasons, we feel we need it, if only as some sort of anchor. But this means that our relationship to the past is today far more political, ideological, contested, fragmentary, and even opportunistic than in ages gone by.

الكلمات المفتاحية:
  • القومية الغربية
  • الجماعات المتخيلة
  • القومية الشرقية
  • الفارق
Keywords:
  • Imagined Communities
  • Western Nationalism
  • Eastern Nationalism
  • Difference

ترجمة: ثائر ديب **

إهنّا لمن النِّعَم أننا لم نعد نسمع كثيرًا عن

القيم الآسيوية، تلك «القيم» التي كانت

بلاغتها من الصفاقة حدّ التحوّل إلى عبارات

ملطّفة يطلقها قادة بعض الدول تبريرًا للحكم

السلطوي والفساد ومحاباة الأقارب. وعلى أيّ

حال، فإن الأزمة المالية في سنة 9971 كانت قد

وجّهت ضربة قاسية إلى زعم هؤلاء أنهم وجدوا

طريقًا سريعًا إلى النماء والازدهار الاقتصاديين

الدائمين. لكن أمر الفكرة التي مفادها وجود

شكل آسيوي مميّز من القومية لا يقتصر على أنها

لا تزال منتشرة بيننا على نطاق واسع، بل يتعدّى

ذلك إلى أن جذورها تعود إلى أكثر من قرن من

الزمان؛ ذلك أن أصولها الأبعد تكمن على

نحو واضح تمامًا في ما أبدته الإمبريالية الأوروبية

العنصرية من إصرار سيئ الصيت على أن «الشرق

وكان هذا المقال قد نشُر في:

شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا». بيد أن عددًا

من القوميين، في أجزاء مختلفة من آسيا وفي وقت

مبكر من القرن العشرين، راح يستخدم هذا

الإصرار على قسمة عنصرية غير قابلة للعلاج،

بغية حشد المقاومة الشعبية ضد سيطرة كانت

حينئذ غريبة تمامًا. فهل لمثل هذه القسمة الجذرية

ما يبررها حقًا، أكان على الصعيد النظري أم على

الصعيد التجريبي؟ لا أعتقد، من جهتي، أن الفوارق الأهمّ بين

القوميات - في الماضي، أو اليوم، أو في المستقبل

القريب- تنبع من الانقسام إلى شرق وغرب.

وأقدم القوميات في آسيا – كالهند والفليبين

واليابان- هي أقدم من كثير من القوميات

الموجودة في أوروبا وأراضي أوروبا وراء

القومية وانتشارها (8319) الذي تصدر قريبًا طبعة جديدة منقّحة من ترجمته العربية عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

New Left Review 9, May- June 2001, pp. 31-42.

البحار، مثل كورسيكا واسكتلندا ونيوزيلندا

وإستونيا وأستراليا وأوسكادي، وهلم جرًا.

وتبدو القومية الفليبينية، في أصولها - ولأسباب

واضحة- شديدة الشبه بقومية كوبا وقوميات

أميركا اللاتينية القارية؛ وتبدي قومية ميجي أوجه

شبه واضح بقوميات أواخر القرن التاسع عشر

الرسمية التي نجدها في تركيا العثمانية وروسيا

القيصرية وبريطانيا العظمى الإمبراطورية؛ وتشبه

القومية الهندية في شكلها ما يجده المرء في إيرلندا

ومصر. وينبغي أن نضيف أيضًا أن ما يعدّه الناس

الشرق والغرب قد اختلف بصورة جوهرية على

مرّ الزمن. ولقد شاعت الإشارة إلى تركيا العثمانية

في اللغة الإنكليزية، لأكثر من قرن، باسم رجل

أوروبا المريض، على الرغم من توجّه سكانها

الديني الإسلامي، ولاتزال تركيا اليوم تسعى

جاهدة للدخول في الجماعة الأوروبية. وفي أوروبا،

التي اعتادت النظر إلى نفسها على أنها مسيحية -

ناسيةً ألبانيا المسلمة -المسلمين تتنامى أعداد

بسرعة يومًا بعد يوم. ولطالما عُدَّت روسيا قوة

آسيوية، ولايزال في أوروبا كثير من البشر الذين

يفكّرون على هذه النحو. ويمكن أن نضيف أن في

اليابان نفسها بعض من يعتبرون أنفسهم نوعًا من

البِّيض. ثمَّ أين يبدأ الشرق وأين ينتهي؟ تقع مصر

في أفريقيا، غير أنها لطالما كانت جزءًا من الشرق

الأدنى إلى أن باتت الآن، مع توقّف استخدام

مصطلح الشرق الأدنى، جزءًا من الشرق

الأوسط. أمّا بابوا غينيا الجديدة، فتقع في الشرق

الأقصى بالنسبة إلى أوروبا، شأنها شأن اليابان،

لكنها لا تنظر إلى نفسها على هذا النحو. وتحاول

دولة تيمور الشرقية الجديدة الصغيرة الشجاعة

أن تقرر ما إذا هي جزء من جنوب شرق آسيا،

أو جزء من أوقيانوسيا التي يمكن النظر إليها من

زوايا نظر معينة – مثل ليما ولوس أنجلوس - على

إنها الغرب الأقصى. وقد زادت من إرباك هذه المشكلات هجراتُ

السكّان الجماعية عبر حدود أوروبا وآسيا التي

افرْتُِضَ إنها ثابتة. ومنذ افتتاح موانئ المعاهدات

في الصين سنة 8421، بدأ ملايين البشر من المملكة

السماوية يعبرون البحار - إلى جنوب شرق آسيا

وأستراليا وكاليفورنيا- ولاحقًا، إلى أرجاء الدنيا.

وأخذت الإمبريالية الهنود إلى أفريقيا وجنوب

شرق آسيا وأوقيانوسيا والكاريبي؛ وأخذت

الجاويين إلى أميركا اللاتينية وجنوب أفريقيا

وأوقيانوسيا؛ وأخذت الإيرلنديين إلى أستراليا.

وذهب اليابانيون إلى البرازيل، والفليبينيون إلى

إسبانيا، وهلم جرًا. وعجّلت الحرب الباردة

وتداعياتها من هذا التدفق، الذي اشتمل الآن على

الكوريين والفيتناميين واللاوسيين والتايلانديين

والماليزيين والتاميل، وغيرهم. من هنا الكنائس

في كوريا والصين واليابان؛ والمساجد في مانشستر

ومرسيليا وواشنطن العاصمة؛ ومعابد البوذية

والهندوسية والسيخ في لوس أنجلوس وتورونتو

ولندن ودكار. ويشير كلُّ ما في الاتصالات

المعاصرة إلى أن هذه التدفقات سوف تتواصل

وربما تتسارع: حتى اليابان التي سبق أن كانت

مغلقة، لديها من المقيمين الأجانب الآن ما يفوق ما

كان لديها في أي وقت مضى من تاريخها، وتوضح

معطياتها السكانية أن المزيد من المهاجرين أمر

أساس إذا ما أريد لنموّها وازدهارها أن يتواصلا. ما ستسفر عنه هذه الهجرات - ما تنتجه من هويات

وما ستنتجه منها- مسائل بالغة التعقيد، ولاتزال

بلا إجابات إلى حدّ بعيد. ولعلّ يروقكم أن أُقحم

حكاية شخصية مقتضبة بشأن هذا الموضوع. منذ حوالى أربع سنوات، درّست حلقة بحثية

تتعلق بالقومية لطلاب الدراسات العليا في

جامعة ييل، وطلبتُ في البداية من كلّ طالب أن

يذكر هويته القومية، ولو كانت مجرد هوية مؤقتة.

كان في الصفّ ثلاثة طلاب بدوا لي «صينيين» من

ملامح وجوههم ولون بشراتهم. غير أن إجاباتهم

فاجأتني كما فاجأت الجميع. ذلك أن الأول،

الذي يتقن تمامًا التحدث بلكنة الساحل الغربي

الأميركي، أكّد جازمًا إنه «صيني»، على الرغم من

تبيّننا إنه ولد في أميركا ولم يرَ الصين قطّ. أمّا الثاني

فقال بهدوء إنه «يحاول أن يكون تايوانيًا». لقد

تحدّر من عائلة من الكومنتانغ كانت قد انتقلت

الى تايوان مع تشيانغ كاي شيك سنة 9491، وولد

في تايوان، وتحددت هويته هناك: لذلك، هو ليس

«صينيًا». وقال الثالث بغضب، «أنا سنغافوري،

اللعنة. لقد تعبت من الأميركيين الذين يحسبونني

صينيًا، لستُ صينيًا!» هكذا، اتضح أن الصيني

الوحيد هو الأميركي.

القوميات الكريولية

إن لم تكن الفوارق بين الشرق والغرب، بين

أوروبا وآسيا، هي المحاور الأكثر واقعية أو إثارة

للاهتمام وينبغي التفكير بالقومية على أساسها، كما

رأيتُ، فما عساها تكون بدائلها الأكثر فائدةً؟ كان

واحدًا من التصورات الأساسية في كتابي الجماعات

المُتخَيّلَة أن القوميات بأصنافها جميعًا لا يمكن

أن تُفْهَم من دون التفكير في الأشكال السياسية

القديمة التي بزغت منها: الممالك، وخصوصًا

الإمبراطوريات من نوع ما قبل الحديث أو

الحديث الباكر. وكان أقدم أشكال القومية –

ذلك الذي دعوته بالقومية الكريولية- قد نشأ من

ضروب التوسّع الكبرى التي توسلتها بعض هذه

الإمبراطوريات عبر البحار، باتجاه مناطق نائية في

كثير من الأحيان، ولكن ليس دائامً. كان روّاد ذلك

سكانًا مستوطنين من البلد القديم، يتقاسمون مع

المتروبول الدين واللغة والعادات لكنهم يشعرون

على نحو متزايد باضطهاد هذا المتروبول لهم

وباغترابهم عنه. تشكّل الولايات المتحدة ودول

أميركا اللاتينية المختلفة التي استقلت بين سنتي

7761 و 8301 أشهر أمثلة لهذا النوع من القومية.

وعاجل ا أم آجل ا، بات تاريخ هذه القوميات

الكريولية المميّز، خاصة مزجها السكانيّ بين

المستوطنين والشعوب الأصلية، دع عنك التقاليد

والجغرافيات والمناخات المحلية وهلم جرًا، واحدًا

آخر من مبرراتها. لاتزال مثل هذه القوميات الكريولية حيّةً إلى حدّ

بعيد، بل يمكن القول إنها تنتشر؛ ذلك أن قومية

المستوطنين الفرنسيين في كيبيك لاتزال قيد النشوء

منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين، ولاتزال

تتأرجح على شفا الانفصال عن كندا. وفي بلدي،

إيرلندا، لاتزال قضية «المستوطنين» في الشمال تلك

القضية الملتهبة التي حالت إلى الآن دون توحيد

البلاد بصورة كاملة. وكان بعضٌ من أقدم القوميين

في الجنوب، أعضاء إيرلندا الفتاة الذين أطلقوا تمرد

سنة 8179، قد تحدّر من عائلات مستوطنين أو

من عائلات مختلطة بين المستوطنين والسكّان

الأصليين ذوي الأصول السلتية - الكاثوليكية،

وهذه هي حال أجدادي الذين شاركوا في هذا

التمرد. أمّا الأستراليون والنيوزيلنديون، فهُم الآن

بصدد إقامة قوميات كريولية الطابع، في محاولة

لتمييز أنفسهم من المملكة المتحدة بإدماج عناصر

من تقاليد السكان الأصليين والتقاليد الماورية

ورمزياتها. قد تبدو هذه الأمثلة جميعًا غربية. لكني

سأخاطر بارتكاب شيء من الإساءة، وأطرح أن

بعض ملامح القومية التايوانية هي كريولية أيضًا

على نحوٍ واضح، شأنها شأن بعض ملامح القومية

السنغافورية، وإن يكن على غير مزاج. الدوائر الأساسية لهذه القوميات هي المستوطنون

في «ما وراء البحار» من المناطق الساحلية الجنوبية

الشرقية للمملكة السماوية، وبعض الهاربين من

الدولة الإمبراطورية، وبعض الذين أرسلتهم

إلى هناك تلك الدولة. فرض هؤلاء المستوطنون

أنفسهم على السكّان الموجودين من قبل، بصورة

سلمية وتكاملية في بعض الأحيان وبالعنف في

أحيان أخرى، بطريقة تذكّرنا بنيوزيلندا والبرازيل،

وبفنزويلا وبوير جنوب أفريقيا. غير أن هذه

البلدان الكريولية، التي تتقاسم مع المتروبول

درجات متفاوتة من الدين والثقافة واللغة، تمكّنت

بمرور الوقت من تطوير تقاليد ورمزيات وتجارب

تاريخية مميّزة، وخطَت في النهاية نحو الاستقلال

السياسي حين شعرت أن المركز الإمبراطوري

شديد الوطأة أو شديد البعد. وينبغي أالّ نبيح

لأنفسنا الإفراط في التشديد على الأهمية الفريدة

التي تتّسم بها خمسون سنة من وجود تايوان

تحت الحكم الإمبريالي الياباني. في النهاية، عانى

المستوطنون الفرنسيون في كيبيك ما يقرب من

200 سنة من الحكم الإمبراطوري البريطاني،

وعانى الهولنديون في جنوب أفريقيا الشيء ذاته

على مدى نصف قرن. وليس من السهل القول

إن الثقافة الإمبريالية اليابانية كانت أشدّ غربة عن

الثقافة «الصينية» وراء البحار قياسًا بما كانت عليه

الثقافة الإمبريالية البريطانية من غربةٍ عن الثقافة

«الفرنسية» و«الهولندية» وراء البحار. لا يمكن لنا أن ندّعي أيّ تمييز سهل أيضًا

بين عنصرية الكريول الأوروبيين أو الغربيين

وعنصرية الكريول الآخرين. كانت الولايات

المتحدة وجنوب أفريقيا والأرجنتين عنصرية

للغاية، غير أنه يصعب القول إن أهل كيبيك أكثر

عنصرية من مهاجري جنوب شرق الصين إلى

تايوان أو من المهاجرين اليابانيين إلى البرازيل.

وإذا ما كان هذا الكلام صحيحًا، فإننا نكون أمام

شكل كريولي للقومية يبرز في القرون الثامن عشر،

والتاسع عشر، والعشرين، والواحد والعشرين

بلا شكّ، في الأميركيتين، وأوروبا، وأفريقيا،

وأستراليا ونيوزلندا، وكذلك في آسيا. إنها ظاهرة

عالمية، ولها أثر جانبي غير متوقَّع: وجود كثير

من الأمم اليوم تتقاسم الإسبانية، أو الفرنسية،

أو الإنكليزية، أو البرتغالية (بمنوّعاتها الخاصّة)،

من دون أن تتخيّل أيّ أمّة منها إنها «تمتلك» هذه

اللغة. وإنه لمن المستحبّ أن نفكّر ب«الصينية»

وهي تسارع إلى السير في أعقابها متّبعةً هذا السبيل.

ثمّة شكل ثانٍمن القومية، ناقشتُه باستفاضة في

كتابي الجماعات المُتخيَلَّة، يبدو ذا صلة هنا، هو

ما سمّيته القومية الرسمية، على أثر هيو سيتون

- واتسون. نشأ هذا الشكل من القومية تاريخيًا

كردة فعل رجعية على القوميات الشعبية المنطلقة

من تحت، والموجهة ضد الحكّام والأرستقراطيين

والمراكز الإمبريالية. وأشهر مثال للقومية

الرسمية هو روسيا الإمبراطورية، حيث بسط

القياصرة حكمهم على مئات الجماعات الإثنية

وكثير من الطوائف الدينية، وكانوا في دوائرهم

الخاصة يتكلمون الفرنسية، علامةً على اختلافهم

الحضاري عن رعاياهم. وبدا الأمر كما لو أن

الفلاحين الروس هم وحدهم الذين يتكلمون

الروسية. غير أن انتشار القوميات الشعبية في

الإمبراطورية في القرن التاسع عشر (الأوكرانية،

الفنلندية، الجورجية، وهلم جرًا)، دفع القياصرة

إلى أن يحسموا أمر أنهم روس قوميون في النهاية،

وإلى أن يشرعوا في ثمانينيات القرن التاسع عشر

– أي منذ 201 سنة فحسب- بسياسةٍ قاتلة من

رَوْسنَة رعاياهم، أو جعل القياصرة ورعاياهم

الشعب الواحد ذاته إذا جاز التعبير، وهذا على

وجه التحديد ما كانوا قد تحاشوه من قبل. بهذه

الطريقة ذاتها، حاولت لندن (بنجاح كبير)

أَنْكلَة إيرلندا، وحاولت ألمانيا الإمبراطورية

(بأقلّ قدر من النجاح) أَلمنَة حصتها من بولندا،

وفرضت فرنسا الإمبراطورية (بنجاح نسبيّ)

اللغة الفرنسية على كورسيكا الناطقة بالإيطالية،

وفرضت الإمبراطورية العثمانية (من دون أي

نجاح) اللغة التركية على العالم العربي. وكما قلتُ

سابقًا، فإنه بُذِلَ جهد مضنٍ، في كلّ حالة من هذه

الحالات، لمطّ جلد الأمّة الضيق القصير على جسد

الإمبراطورية القديمة الشاسع.

هل كان هذا الشكل من القومية غربيًا أو أوروبيًا

فريدًا؟ لا أظنّ ذلك ممكنًا. لننظر، مثل ا، في حالة

اليابان الغريبة، التي تناولها مؤخّرًا كتاب لافت

لتيسا موريس سوزوكي، توضح فيه بتفصيل

رائع ما رافق عودة ميجي من تحول مفاجئ

في الطريقة التي كان ينظر بها بعض سكّان

الجزر من الأينو والريوكيو إلى بعض ويتعامل

بعضهم مع بعض. ولطالما كانت سياسة شوغنيّة

توكوغاوا منع الأينو من ارتداء ملابس اليابانيين

التوكوغاويين أو اختّاذ عاداتهم وتقاليدهم؛

وبالمثل، كان المبعوثون من الريوكيو الذين يجلبون

الإتاوة إلى إيدو يتلقون تعليمات بأن يرتدوا ملابس

صينية على أكبر قدر ممكن من الغرابة والاختلاف.

وفي كلتا الحالتين، كانت الفكرة الأساسية فصل

هذه الشعوب الطرفية (البربرية) قدر الإمكان

عن المركز الإمبراطوري. أمّا مع صعود قومية

ميجي الرسمية، كانت هناك سياسة معاكسة

تمامًا: صار الأينو والريوكيو يُعَدّان الآن نوعين

بدائيين وقديمين من العرق الياباني ذاته، شأنهم

شأن أوليغارشيي الميجي أنفسهم. وبُذِلَكلُّ

جهد، مُقنع في بعض الأحيان وقسري في أكثرها،

ليَيْبنَة هؤلاء (بقدر متفاوت من النجاح). ويمكن

القول إن السياسة الإمبراطورية اللاحقة في كوريا

وتايوان اتّبعت المنطق ذاته. كان على الكوريين أن

يتخذوا أسماء يابانية ويتكلموا اللغة اليابانية، وكان

على التايوانيين أن يحذوا حذوهم، كما الأخوة

الأصغر سنًّا. كان يُعتقَد أن عليهم في النهاية أن

يغدوا يابانيين، ولو من الدرجة الثانية، تمامًا مثل

الإيرلنديين في المملكة المتحدة حتى سنة 2319،

ومثل البولنديين في ألمانيا حتى سنة.1920 بيد أن الحالة الأشدّ لفتًا للانتباه والأكثر انطواءً

على مفارقةٍ هي حالة الإمبراطورية السماوية،

التي حكمتها سلالة مانشو - وتتكلّم المانشو

أيضًا- من سنة 6441 حتى انهيارها، قبل أقل

من 09 سنة (ولا غرابة في هذا، بالطبع؛ إذ لم يكن

ثمّة سلالة إنكليزية في بريطانيا العظمى منذ القرن

الحادي عشر: لم يكن أول حاكمين من العائلة

المالكة الحالية، جورج الأول والثاني الألمانيين،

يعرفان الإنكليزية تقريبًا، وما كان أحد ليهتمّ

لذلك). ومن العلامات المهمة على جدّة القومية

الصينية أن هذا الوضع اللافت لم يكن يزعج سوى

قلّة قليلة حتى قبل نحو 011 من السنوات. ولم

تجر أيّ محاولة نْشنَة السكّان أو حتى بيروقراطية

الماندارين، لإن هيبة الحكّام كانت تقوم، كما في

أماكن أخرى، على الاختلاف، لا على التشابه.

وحاولت الإمبراطورة الأرملة، في النهاية

فقط، أن تستغل العداء الشعبي تجاه الإمبرياليين

الغربيين باسم التراث الصيني، لكن الأوان كان

قد فات؛ وتلاشت السلالة في سنة 9111، كما

تلاشى المانشو، إلى حد ما. ومع أن الكاتب الأكثر

شهرة في الصين اليوم، وانغ شو، هو مانشو، فإنه

لا يذيع هذه الحقيقة. حين نشأت القومية الصينية في النهاية، كان ذلك

متأخّرًا بعض الشيء في التوقيت التاريخي العالمي،

وهذا ما أتاح للي تا تشاو الرائع كتابة مقال

شهير حول الصين في ربيعها، حين كانت فتيّةً كلّ

الفتوّة وجديدة كلّ الجدّة. بيد أن القومية الصينية

نشأت في وضع بالغ التميّز، لا تشبهه سوى قلّة

قليلة من الأوضاع في العالم. في تلك الفترة، كانت

الإمبرياليات المختلفة، بما فيها الإمبريالية اليابانية،

قد اخترقت الصين ذلك الاختراق العميق،

لكن الصين لم تُستعمَر فعليًا. كان ثمّة كثير من

الإمبرياليات المتنافسة في ذلك الحين، وحتى

بريطانيا العظمى، التي كانت تجد صعوبة في

ابتلاع الهند الشاسعة، كان وجهها يمتقع إذ تفكّر

في ابتلاع إمبراطورية الصين الأوسع (ربما تكون

إثيوبيا الإمبراطورية هي الشبه الأقرب). علاوة

على ذلك، وبقدر ما كان للصين الإمبراطورية

حدود حقيقية، فإنها كانت تتشارك هذه الحدود مع

قيصرية ضعيفة تتروسَن وفي مراحلها الأخيرة. كان

انتصار البحرية اليابانية على الأسطول القيصري

قد وقع قبل ست سنوات فحسب من انهيار سلالة

المانشو، وقبل 21 سنة من بلوغ القيصرية نهايتها

الدموية. كلُّ هذا شجّع معظم قوميي الجيل الأول

في الصين على تصوّر أن بمقدور الإمبراطورية

أن تتحول إلى أمّة، من دون كبير عناء. كان هذا

أيضًا حلم أنور باشا في اسطنبول في الحقبة

ذاتها، وحلم العقيد منغستو هيلا مريام في أديس

أبابا بعد ثلاثة أجيال، وحلم العقيد بوتين في

موسكو اليوم. وقد جمعوا بذلك، من دون كثيرٍ من

التفكير، بين القومية الشعبية لدى الحركة المناهضة

للإمبريالية العالمية النطاق والقومية الرسمية التي

برزت في أواخر القرن التاسع عشر؛ ونحن نعلم

أن هذه الأخيرة كانت قومية انبثقت من الدولة،

لا من الشعب، ونُظِر إليها من جانب السيطرة

على الأرض، لا من جانب التحرر الشعبي. من

هنا ذلك المشهد الغريب؛ مشهد شخص مثل صن

يات صن، القومي الشعبي الأصيل، الذي كانت

له أيضًا مطالباته السخيفة بأراضٍ في مناطق شتّى

من جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى، بناءً على

فتوحات إقليمية حقيقية أو خيالية قام بها الحكّام

من السلالات الملكية الذين يُفْترَض بقوميته

الشعبية أن تقارعها، وكثير منها ليس صينيًا. وقد

توىلّ كلٌّ من الكومنتانغ والحزب الشيوعي الصيني

أمر هذا الميراث لاحقًا، بنسب مختلفة باختلاف

الأوقات والمراحل. والحال، إن الإمبراطورية السماوية السابقة لم تكن

فريدة تمامًا على النحو الذي عرضته. لقد تقبّل

وارثوها في أوقات مختلفة، وبدرجات متفاوتة،

أنواعًا من الحدود والدول الجديدة التي شكّلتها

الإمبريالية والقومية المناهضة للاستعمار، في

المحيط على الأقل: منغوليا، كوريا، فيتنام، بورما،

الهند، باكستان. وتأتّى هذا القبول أيضًا من الفكرة

الجديدة التي مفادها أن الصينيين أمّة، وهو ما

يجعلها، إذًا، ومن النواحي الأساسية، مثل عشرات

الدول الأخرى الممثلة في الأمم المتحدة وفي عصبة

الأمم قبلها. ولقد بنيّ المؤرخون التايوانيون أيضًا

أن الجماعات الحاكمة في البرّ الرئيس تقبّلت، في

أوقات مختلفة بين سنتي 8951 و 9451، وضع

تايوان كمستعمرة يابانية، ودعمت نضال الشعب

التايواني من أجل الاستقلال عن اليابان، كما

فعلوا في بعض الأحيان مع الشعب الكوري. وقد

سبق أن قلت إن التناقضات اللافتة اليوم في البرّ

الرئيس بين القومية الشعبية والقومية الرسمية

ليست بالتناقضات الفريدة؛ إذ يمكن أن نجدها في

أجزاء أخرى من العالم، لكنها تتسم اليوم بأهمية

خاصة بسبب حجم الصين الضخم، وتعداد

سكانها الهائل، ونظامها الذي يبدي، بعد تخليه

عن الاشتراكية التي سبق أن برر بها دكتاتوريته،

كلّ علائم التحوّل إلى القومية الرسمية بغية تجديد

شرعية حكمه.

مشاهد من الماضي والمستقبل

ثمّة ميزة أخرى للقومية الرسمية تميّزها، في جميع

أنحاء المعمورة، من غيرها من أشكال القومية.

ولعلّ من الإنصاف القول إنه سبق لجميع

المجتمعات المنظَّمة أن اعتمدت في تأمين تماسكها

(جزئيًا) على رؤى للماضي ليست شديدة التضاد

بعضها مع بعض. وكان تناقل هذه الرؤى يجري

عبر التراث الشفوي، والشعر الشعبي، والتعاليم

الدينية، وسجلات المحاكم، وما إلى ذلك. وما

يصعب إيجاده أشدّ الصعوبة في مثل هذه الرؤى

هو الاهتمام الشديد ب المستقبل. لكن ذلك كلّه

لم يلبث أن تغريّ بصورة جذرية مع مجيء القومية

إلى العالم أواخر القرن الثامن عشر. وذلك أن

السرعة المتزايدة التي سيطر بها التغيير الاجتماعي

والثقافي والاقتصادي والسياسي، مدفوعًا بالثورة

الصناعية ووسائل الاتصال الحديثة، جعلت الأمة

أول نموذج سياسي أخلاقي يستند بقوة إلى فكرة

التقدم. وهذا هو السبب أيضًا في أن ابتداع مفهوم

الإبادة الجماعية لم يحصل إالّ مؤخّرًا، على الرغم

من إشارة السجلات القديمة إلى أسماء آلاف

الجماعات التي اختفت بهدوء على مرّ العصور من

دون أن يلاحظ أحد ذلك أو يهتمّ به حقًّا إالّ في ما

ندر. كما كان لسرعة التغيير وقوة المستقبلأثرهما

في تغيير أفكار البشر عن الماضي تغييرًا جوهريًا. حاولتُ، في الجماعات المتخيَّلة، أن ألقي الضوء

على طبيعة هذا التغيير بمقارنته بما نواجهه من

مصاعب حين يرينا أحد صورًا التُقطت لنا

ونحن لا نزال رضّعًا. هذه المصاعب ما كانت

لتحدث لولا الذاكرة الصناعية، متّخذةً هيئة صور

فوتوغرافية. يؤكّد آباؤنا أن هؤلاء الأطفال هم

نحن، أمّا نحن أنفسنا فلا نتذكّر أننا تصورنا، ولا

نستطيع أن نتخيّل ما كنّا عليه في السنة الأولى من

أعمارنا، وما كنّا لنعرف أنفسنا من دون مساعدة

آبائنا. وما يجري في الواقع هو إنه على الرغم من

وجود عدد لا يحصى من آثار الماضي التي تحيط بنا

- معالم أثرية، معابد، سجلات مكتوبة، أضرحة،

منتجات يدوية، وهلم جرًا- فإن هذا الماضي

يصعب الوصول إليه ويغدو خارجيًا على نحو

متزايد بالنسبة إلينا. وفي الوقت ذاته، ثمة أسباب

كثيرة تدفعنا إلى أن نشعر بأننا في حاجة إلى هذا

الماضي، ولو كنوع من المرساة فحسب. غير أن

ذلك يعني أن علاقتنا بالماضي هي اليوم سياسية،

وأيديولوجية، ومحلّ نزاع، ومتشظية، بل وانتهازية

أكثر بكثير ممّا كانت عليه في العصور الماضية. هذه ظاهرة عالمية النطاق، وأساسية بالنسبة إلى

القومية. غير أن البرّ الصيني الرئيس يوفّر مرة

أخرى تلك الأمثلة الأكثر لفتًا للانتباه، وسوف

يظلّ كذلك. تقيم الحكومة، مرة كلّ عام، عرضًا

تلفزيونيًا ضخامً، يتواصل ساعات عديدة ويحظى

بشعبية كبيرة، ويُظْهِر مختلف الشعوب التي يتكوّن

منها سكان جمهورية الصين الشعبية. الشيء البارز

أشدّ البروز في هذا العرض الطويل هو التمييز

الحاد بين شعب الهان العظيم ومختلف الأقليات.

عادةً ما يُراد للأقليات أن تظهر في أزيائها التقليدية

صارخة الألوان، وهو ما يخلق مشهدًا رائعًا

بالفعل. أمّا الهان أنفسهم فلا يمكنهم أن يظهروا

بلباسهم التقليدي، مع أننا نعلم من الرسوم

وغيرها من السجلات التاريخية كم كانت أزياؤهم

زاهية الألوان وجميلة بالفعل. هكذا يظهر الرجال،

مثل ا، ببزات العمل، المستمدة من الطِرُز الإيطالية

والفرنسية، التي ليس فيها أيّ شيء هانيّ على

الإطلاق. هكذا يظهر الهان باعتبارهم المستقبل،

وتظهر الأقليات بوصفها الماضي، في لوحة سياسية

تمامًا، وإن لم يكن ذلك واعيًا تمامًا. هذا الماضي،

الذي تمثّل الأقليات علامته الواضحة، هو أيضًا

جزء من ماضٍ كبير يتم من خلاله إضفاء الشرعية

على رقعة الأرض التي تقوم عليها الدولة الصينية.

وهذا ما يجعله ماضيًا صينيًا، بطبيعة الحال. من الطبيعي، في مثل هذا النوع من الخطاب

الرسمي، أن يكون الماضي أفضل كلما كان أقدم.

ويمكن أن نرمق هذه الظاهرة بنظرة مستطلعة إذا

ما تأملنا بعض أوجه الآثار التي ترعاها الدولة.

كان أحد أغرب هذه الأوجه قد برز كردة فعل على

النظرية التي تلقى قبوالً واسعًا ومفادها أن الجنس

البشري المميَّز ظهر على الأرجح في ما يعرف اليوم

بشرق أفريقيا. ومن الواضح أنها ليست بالفكرة

اللطيفة في الدوائر الرسمية أن يكون أسلاف شعب

الهان العظيم الأصليون، وأسلاف جميع الشعوب

الأخرى، قد عاشوا في أفريقيا، وليس في الصين،

فلا يكاد يمكن وصفهم بأنهم صينيون. ولذلك

خُصِّصَت أموال ضخمة للبحث، داخل حدود

الصين الحالية، عن بعض البقايا المادية تكون أقدم

من أيّ شيء في أفريقيا، ومتميزة منه كلَّ التميّز في

الوقت ذاته. ليس في نيتي هنا أن أسخر من بيجين،

مع أن ذلك يسير إلى أبعد حدّ، بل أن أؤكّد إمكانية

مقارنتها بسواها. وأسهل طريقة لتبيان ذلك هي

أن أخبركم أنني حين كنت صغيرًا، أترعرع في

إيرلندا، وجدت لي والدتي، في مكتبة تبيع الكتب

المستعملة، مجلدًا ضخامً، كُتبَ للأطفال، عنوانه

تاريخ الأدب الإنكليزي، كان قد نَُِ في الأصل

في نهاية القرن التاسع عشر عندما كانت إيرلندا

لا تزال جزءًا من مملكة بريطانيا العظمى وإيرلندا

المتحدة. ويُظْهِر الفصل الافتتاحي الطويل لندن

وهي تبحث عن ماضٍ مغرق في القدم بالطريقة

ذاتها التي وجدناها لدى بيجين. ويناقش هذا

الفصل ملحمة شفوية باللغة الغيلية، تُدعى كتاب

البقرة السمراء (أو البنيّة)، دُوِّنَت في القرن الحادي

عشر، حين لم يكن وجودٌ بَعْد للغة الإنكليزية كما

نعرفها. وحين كبرتُ، وجدتُ بمحض المصادفة

طبعة لاحقة من الكتاب ذاته، نشُرت في ثلاثينيات

القرن العشرين. وكان معظم إيرلندا قد استقلّ في

ذلك الحين، ولا عجب إذًا أن الفصل الذي يدور

حول البقرة البنيّة قد اختفى، كأنه لم يكن قطّ.

معركة الألسن

دعوني ألتفت أخيرًا إلى شكل آخر من القومية، هو

شكل أوروبيّ الأصل على نحو واضح كما أعلم،

لأتساءل هل كان يمكننا القول إنه لا يزال شكل ا

غربيًا بأيّ معنى مفيد من المعاني؟ أدعو هذا الشكل

بالقومية اللغوية التي كانت قد بدأت بالظهور في

بداية القرن التاسع عشر في إمبراطوريات أوروبا

السلالية، ووجدت أسسها الفلسفية في نظريات

هردر وروسو. وكان الاعتقاد الأساس لدى

هذه القومية اللغوية أن كلّ أمّة حقّة تتسم بلغتها

الخاصة وثقافتها الأدبية المميزة، اللتين تعربّان معًا

عن عبقرية ذلك الشعب التاريخية. ومن هنا تلك

الطاقة الهائلة التي كُرِّسَت لوضع معاجم كثير من

اللغات التي لم يكن لها مثل هذه المعاجم في ذلك

الوقت، مثل التشيكية والهنغارية والأوكرانية

والصربية والبولندية والنرويجية، وغيرها. ومع

التزايد البطيء في معرفة الشعب القراءة، راحت

التقاليد الأدبية الشفوية تُدوَّن وتُنشرَ مطبوعةً.

واستُخْدِمَت هذه المنتجات في مقارعة سيطرة

اللغات الكبرى، لغات الإمبراطوريات السلالية،

كلغة العثمانيين، والألمانية الرفيعة، والفرنسية

الباريسية، وإنكليزية الملك، وأخيرًا الروسية

الموسكوفية، أيضًا. نجحت هذه الحملات في

بعض الأحيان، وأخفقت في أحيان أخرى،

لأن النتيجة كانت تتحدد سياسيًا في كلّ حالة.

والنجاحات معروفة إلى حدّ بعيد ولا حاجة بنا

لأن نتوقف عندها. أمّا الإخفاقات، فمجهولة

ومثيرة للاهتمام. على سبيل المثال، نجحت باريس،

في القرن التاسع عشر، ومن خلال السيطرة على

نظام المدرسة ومعظم النشر، في أن تختزل لغات

كثيرة كانت مستخدمة فعليًا في فرنسا إلى مستوى

اللهجات أو اللغة العامية. ولم تحرز مدريد

النجاح ذاته في تحويل اللغات الكثيرة التي كانت

مستخدمة في إسبانيا (كالكاتالونية والغاليسية) إلى

مجرد لهجات من اللغة القشتالية. أمّا لندن، فدنت

كثيرًا من القضاء التام على اللغة الغيلية كلغة حيّة،

لكنها اليوم بصدد عودة واسعة. لو انتقلنا إلى آسيا، نجد تشكيلة ضخمة من

محاولات القومية اللغوية المفيدة للغاية في الدراسة

المقارنة. وتؤكّد هذه التشكيلة ذاتها صعوبة الدفاع

عن الفكرة التي مفادها وجود شكل واحد للقومية

الآسيوية. لقد اتّبع حكّام ميجي مثال باريس،

وفرضوا نطق طوكيو على بقية البلاد، واختزلوا

جميع الأشكال الأخرى إلى مجرد لهجات هامشية،

في وقت لم تكن لغة كيوشو المنطوقة مفهومة في

هونشو، فما بالك بلغة جزر ريوكيو. ونحن على

دراية بالعملية التي أدّت إلى اختزال الكانتونية

والهوكينية والهاكّا وسواها، وهي لغات بحدّ ذاتها

على نحو واضح – وترتبط ببعضها ذلك الارتباط

المهلهل كما الرومانية والإيطالية والإسبانية- إلى

لهجات أدنى من اللغة الماندرينية الوطنية الجديدة.

وفي تايلاند، سيطرت تايلاندية بانكوك على ما دعته

لهجات شمال البلاد وشماله الشرقي وجنوبه، تلك

اللهجات التي لا يفهمها أهل بانكوك في العادة.

تمثّل فيتنام وإندونيسيا حالتين هجينتين لافتتين.

في الحالة الأولى، كان المستعمرون الفرنسيون قد

عزموا على كسر الثقافة الماندرينية الصينية الطراز،

بفرض الأحرف اللاتينية على اللغة الفيتنامية

في المدارس ودور النشر التي كانوا يرعونها.

وفي عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته راح

القوميون الفيتناميون يتقبّلون هذه الثورة على

نحو متزايد، ويتوسّعون بها، مقيمين الأساس

لمعرفة القراءة والكتابة بالفيتنامية على نطاق

واسع، إنما مع قطع الصلة المباشرة الجوهرية مع

التقليد الأدبي الصينيّ الطابع الذي عرفته القرون

السابقة. أمّا في جزر الهند الشرقية الهولندية، فقد

عملت الحكومة الاستعمارية - الشديدة التشكك

بما للهولندية من قيمة عالمية، والشديدة الشحّ في

ما يتعلق بإنفاق الأموال اللازمة لنشر الهولندية في

الأرخبيل الضخم- من خلال شكل موحّد من

اللغة القديمة المشتركة بين الجزر، هي الملاوية. وفي

أواخر عشرينيات القرن العشرين، كان القوميون

الإندونيسيون قد قرروا أن هذه اللغة، التي باتت

الآن تُدعى الإندونيسية، هي اللغة القومية الحقّة؛

ليتحول بعد ذلك كثير من اللغات الكبرى، مثل

الجاوية والسوندية والمادورية والبوغينية، إلى مجرد

لغات إقليمية، على الرغم من أن معظمها أقدم

من الملاوية، ولبعضها تقاليد أدبية أشدّ وَقْعًا من

تقاليد  الملاوية. أخفقت كلٌّ من الهند والفليبين -إذا جاز التعبير-

في خلق لغة قومية مقبولة عمومًا. ولاتزال اللغة

الاستعمارية – الإنكليزية والأميركية -اللغة

الفاعلة لدى الدولة والنخبة الوطنية. وثمّة في

المكانين ثقافة أدبية قوية باللغة الإنكليزية –

وقومية- متكيّفة مع ثقافات هندية وبنغالية

وتاميلية وتاغالوغية وسيبوانية لا تقلّ قوة.

وكانت باكستان القديمة قد قُسِمَت إلى دولتين

منفصلتين جزئيًا بسبب قمع كراتشي اللغة

البنغالية، التي غدت في بنغلادش المحرّك لقومية

لغوية شديدة الشبه بالقوميات اللغوية الأبكر في

اليونان والنرويج وتشيكوسلوفاكيا السابقة. أمّا

تيمور الشرقية، الدولة الأمّة الأحدث في آسيا،

المشتملة، على الرغم من صغر حجمها، على

أكثر من عشرين جماعة إثنية لغوية، فقد اختارت

البرتغالية لغةً لدولتها، واختارت لغةً مشتركةً

بسيطةً (هي التيتومية) لغةً للوحدة الوطنية. من العسير القول إن القومية الهندية، أو قومية

تيمور الشرقية، أو القومية الإندونيسية، أو القومية

التايوانية هي اليوم أقلّ جدّيةً وخطرًا من القومية

الصينية، أو القومية التايلاندية، أو القومية اليابانية،

أو القومية الكورية، على التوالي. وحين يُطْرَح

السؤال: ما الذي يجعل الأمر على هذا النحو،

اليوم خاصّةً؟ فإن التفسير يبقى مستحيل ا من دون

التفكير في دور وسائل الإعلام الإلكترونية، التي

تمارس اليوم لدى معظم البشر ما يفوق الدور

الذي مارسته الطباعة، أمُّ القومية الحقّة. ذلك أن

التلفزيون يمكّن من بثّ الصور والرموز ذاتها

في التوّ واللحظة بلغات مختلفة وإيصالها حتى إلى

الصِّغار ومن لا يكادون يعرفون القراءة. وعلاوة

على ذلك، فإن مزيدًا من البشر يعتادون، بدرجات

شتّى من المهارة، على استخدام شتى اللغات، في

السياقات المختلفة، من دون أي يحدث ذلك أيّ

تغيير جدّي في هويتهم القومية. بل من الممكن القول، كما فعلتُ في سياق آخر، إن

الاتصالات الإلكترونية، متضافرةً مع الهجرات

الضخمة التي خلقها النظام الاقتصادي العالمي

الحالي، تخلق شكل ا جديدًا عتيًّا من القومية، أدعوه

قومية المسافات البعيدة: قومية لم تعد تعتمد كما

كانت على موقع إقليمي أو أرض في وطن. ذلك

أن بعض أعنف القوميين السيخ هم أستراليون،

وبعض أعنف القوميين الكروات هم كنديون؛

وبعض أعنف الوطنيين الجزائريين هم فرنسيون،

وبعض أعنف القوميين الصينيين هم أميركيون.

ويتيح الإنترنت والخدمات المصرفية الإلكترونية

والسفر الدولي الرخيص لمثل هؤلاء الناس أن

يؤثّروا في سياسة بلدانهم الأصلية تأثير شديدًا،

حتى لو لم تعد لديهم النيّة في العيش هناك. وهذه

واحدة من العواقب الرئيسة والمنطوية على مفارقة

المترتبة على تلك السيرورات التي اشتهرت باسم

العولمة؛ وهذا سبب آخر للاعتقاد بأن أي تمييز حاد

وقاطع بين القومية الآسيوية والقومية الأوروبية

إنما تعوزه الصِّحة.

الهوامش

1 Text of an address delivered in Taipei, April 2000.

2 موانئ المعاهدات، (treaty ports)، هو الاسم الذي أُطلق على

المدن المرافئ في الصين واليابان وتايوان وكوريا التي فُتحَت أمامِ

التجارة الحرة بموجب معاهدات ظالمة. 3 الكومنتانغ، أو الحزب القومي الشعبي الصيني، تأسس في

بيجين في 15 آب/ أغسطس 2191 تحت شعار أمة واحدة

وبأهداف قومية ديمقراطية اشتراكية تجسد الوحدة الصينية

والتحرر من الاستعمار والإمبريالية وإقامة النظام الاشتراكي.

وقد توصل الى حكم جمهورية الصين في سنة.1928

4 Tessa Morris-Suzuki, Re-Inventing Japan: Time, Space, Nation , Armonk, NY 1998.

5 عودة ميجي Meiji Restoration) (، أو إصلاح ميجي، فترة

انتقالية من تاريخ اليابان، في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر،

عرفت فيها البلاد تحولات جذرية واسعة، سياسية واجتماعية،

بعد أكثر من قرنين من حكم سلالة التوكوغاوا. قادت هذه

العودة إلى إنهاء شوغنية أسرة التوكوغاوا وفترة إيدو التي

صاحبتها، ودخلت البلاد بعدها الفترة المعاصرة من تاريخها.

والشوغنية shogunate) (من شوغن shogun) (، وهو اللقب الذي

كان يُطلق على الحاكم العسكري لليابان منذ سنة 2119 وحتى

نهاية فترة إيدو سنة.1868 6 حكمت الإمبراطورة الأرملة أو الإمبراطورة الأم الصين أكثر

من 47 سنة في الفترة من سنة 8611 إلى وفاتها في سنة.1908 7 لي تا تشاو أو لي دازهاو (27-188819) أحد مؤسسي

الحزب الشيوعي الصيني، كان أستاذًا في جامعة بيجين، ألهمه

انتصار الثورة الروسية فراح يدرس الماركسية ويحاضر فيها. وفي

سنة 21 19، غدت المجموعات الدراسية التي شكّلها الحزبَ

الشيوعي الصيني. عمل لي على تنفيذ الحزب الشيوعي الصيني

سياسة الأممية الشيوعية (الكومنترن) في التعاون مع حزب صن

يات صن القومي. اعتقله زهانغ زولين، وهو واحد من أسياد

الحرب، وشنقه. آثار أفكاره عن ثورة الفلاحين الفقراء واضحة

لدى ماو تسي تونغ. 8 إسماعيل أنور باشا، ويعرف لدى الغرب باسم أنور باشا

(-1881 2219)، قائد عسكري عثماني وأحد قادة حركة تركيا

الفتاة. ولد في اسطنبول وتخرج في الكلية الحربية ضابط ا. انضم إلى

الاتحاد والترقي، وشارك في ثورة 0819 ضد السلطان العثماني،

كما شارك في حرب طرابلس ضد الإيطاليين ثم سافر إلى إسطنبول

ليصبح وزيرًا للحربية في الدولة العثمانية. خلال الحرب العالمية

الأولى قاد الجيش الثالث العثماني ضد الروس في معركة بالقوقاز،

ثم تصدى للحملة البريطانية في العراق فقاد القوات العثمانية في

العراق، ونجح في صد هجوم الجيش البريطاني ومنعه من دخول

بغداد سنة 1916، ولكنهُ سرعان ما تراجع وانهزم، واستطاع

الإنكليز احتلال بغداد سنة 1917. قُتل في بخارى خلال حرب

ضد الحكومة البلشفية في وسط آسيا سنة 22.19 يُعتبر أنور باشا

أحد القادة العثمانيين الذين خططوا لمجازر الأرمن والأشوريين.