العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الاستشراق الألماني في عصر الإمبراطورية

الاستشراق الألماني في عصر الإمبراطورية

German Orientalism during the Age of Empire-Religion

زياد منى

Ziad mouna

الملخّص

لنعُد إلى مادة الكتاب ونؤكد أنه يملأ فراغًا كبيرًا في كتاب الاستشراق المشار إليه؛ فمن المعروف أنه أهمل المستشرقين الألمان على نحو كامل، ووجّه جل اهتمامه إلى المستشرقين الإنكليز والفرنسيين، وجعل من الاستشراق الأميركي وارثًا لهم. وهناك من يرى أن إهمال إدوارد سعيد للمستشرقين الألمان لم يكن يرتكز على مرجعية وقواعد علمية، بل لأن استحضار كتاباتهم في المئة سنة التي تتعامل معها مؤلفة هذا الكتاب سيعني بالضرورة نفي أطروحته القائلة إن الاستشراق كان الأداة الاستعمارية التي وظفتها الدول المستعمرة.

Abstract

This book fills a major gap in Edward Said’s book Orientalism, which completely overlooked the German orientalists and focused its whole interest on English and French orientalists, making American orientalism their legacy. Some think that Edward Said’s neglect of German orientalists was not based on academic authority and rules, but because bringing in their works from the hundred years which the author of this book deals with, would necessarily negate Said’s argument that orientalism was the tool of colonialism used by the colonial states.

الكلمات المفتاحية:
  • الاستشراق الألماني
  • عصر الإمبراطورية
  • الدول المستعمرة
Keywords:
  • German Orientalism
  • Age of Empire
  • Colonial States

الكاتب: سوزان مارتشند مكان النشر: كيمبردج تاريخ النشر: 2009

الناشر: كيمبردج يونيفرستي برس

عدد الصفحات: 526 يشي عنوان الكتاب بأن ثمة موضوعًا ما جرى تجاهله في كتابات سابقة، ويوحي في الوقت نفسه بأنه موسوعة عن الاستشراق الألماني في مئة سنة، أي بين سنتي 830.19301 و بداية، لا بد من تأكيد التأثير الكبير لمؤلَّف الاستشراق الذي كتبه الراحل إدوارد سعيد ولا يزال يُستعمل مرجعًا للمادة. كما لا بد من الاعتراف بأن قراءة نحو ستمئة صفحة ليس بالأمر الهينّ، خصوصًا عندما تكون مادتها مبتعدة أحيانًا عن الموضوع فتخوض مؤلفته في تفصيلات حيوات المستشرقين الألمان في تلك المرحلة، لكن من دون أن تعني ملاحظتنا هذه انتقاصًا من الجهد الكبير التي بذلته في الكتاب ومن معارفها العلمية الموسعة بشأن المادة. لقد دار حوار معمّق بين قارئي الكتاب من علماء

الكتاب: الاستشراق الألماني في عصر الإمبراطورية – الدّين والعِرق والمعرفة العلمية

من أهل الاختصاص، فانقسموا إلى أقلية مادحة وأكثرية ناقدة، وهو ما استدعى قيام المؤلفة بتناول بعض الانتقادات التي وجِّهت إليها وشرح وجهة نظرها بالخصوص. لنعُد إلى مادة الكتاب ونؤكد أنه يملأ فراغًا كبيرًا في كتاب الاستشراقالمشار إليه؛ فمن المعروف أنه أهمل المستشرقين الألمان على نحو كامل، ووجّه جل اهتمامه إلى المستشرقين الإنكليز والفرنسيين، وجعل من الاستشراق الأميركي وارثًا لهم. وهناك من يرى أن إهمال إدوارد سعيد للمستشرقين الألمان لم يكن يرتكز على مرجعية وقواعد علمية، بل لأن استحضار كتاباتهم في المئة سنة التي تتعامل معها مؤلفة هذا الكتاب سيعني بالضرورة نفي أطروحته القائلة إن الاستشراق كان الأداة الاستعمارية التي وظفتها الدول المستعمرة، إذ من المعروف أنه لم يكن لألمانيا أي طموحات استعمارية في الشرق في تلك

المرحلة، ولربما هذا ما دفع المؤلفة إلى الخوض في تفصيلات حيوات الكثير من المستشرقين الألمان وعلاقاتهم الخاصة وبالمؤسسات الحاكمة، مع أنها لم تقل ذلك صراحة أو مواربة، لكنها لا تنفي في الوقت نفسه أن مستشرقين ألمانًا أيدوا التوسع الاستعماري لبلادهم عندما وصل إلى ذروته في مطلع القرن الماضي، بيد أنها لم تعثر على دليل يدعم فرضية أن المؤسسة الألمانية الحاكمة اعتمدت على كتابات المستشرقين الألمان في غزواتها، أو أنها استفادت منها؛ بل إن المرء لا يجد أي أثر لقيام السلطات الألمانية باستدعاء أي مستشرق للعمل مستشارًا لديها بعدما بدأت خوض المرحلة الاستعمارية في مطلع القرن العشرين. والمؤلفة توضح أن كتابات المستشرقين الألمان في تلك الفترة استمرت في متابعة الموضوعات التي كانت بدأتها، أي الجوانب اللغوية واللاهوتية والتوراتية واليهودية وما إلى ذلك، بما يوضح أن الاستشراق الألماني لم يجعل نفسية أداة استعمارية لدولتها، من دون نفي تأييد بعض كبار المستشرقين لسياسات دولهم الاستعمارية التوسعية، بل وعنصرية بعضهم، لكن هذا أمر مختلف تمامًا ولا علاقة لا بطبيعة الأبحاث الاستشراقية ولا بأهدافها التي أرى أنها كانت علمية في المقام الأول، وهو ما منحها صفة المرجعية العلمية الأكاديمية. لا شك في أن إدوارد سعيد ظلم المستشرقين الألمان باستبعادهم كليًا عن الصورة التي رسمها في مؤلَّفة، على الرغم من معرفته أسماء علماء ألمان كبار قدموا دراسات استشراقية عميقة وفريدة لا يمكن تجاهلها. فهل من الممكن إهمال أبحاث أصيلة وبالغة الأهمية لمستشرقين كبار مثل تيودور نلدكه وإغناز غولدتسير وكارل برُكلمن وماكس ملر وغيرهم؟ في ظني أن استبعادهم عن كتاب الاستشراقكان متعمدًا وظلما وتسويغًا لا مبرر له من وجهة نظر سياسية. وقد تبينّ لي حين كنت أقوم بأبحاثي عن الشرق في ألمانيا أن معظم المراجع العائدة إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية هي لمستشرقين ألمان، لكن من دون إهمال بعض المساهمات الإنكليزية والفرنسية. وحال عدم إلمامي باللغة الروسية دون أن أكون في موضع القادر على إبداء رأي في ذاك الفرع من الدراسات الاسشتراقية. ربما وجب تقسيم المؤلَّف إلى جزأين: الأول يضم الفصول الثلاثة الأولى التي خصصتها العالمة للحديث في مجالات البحث الاستشراقي الألماني واهتماماته. الجزء الثاني يتعامل مع اتجاهات أو حركات محددة داخل الاستشراق الألماني، مع تركيز خاص على حيوات المستشرقين وعيشهم في نوع من الانعزال عن الحياة العامة في بلادهم. وهنا نكرر اقتناعنا بأن تخصيص المؤلفة جزءًا كبيرًا من كتابها لهذا الجانب ما هو إالّ رد مضمر على إدوارد سعيد، ولفت الانتباه إلى الثغرة العلمية، المقصودة، التي سمح باختراقها ملفه المهم. نظرًا إلى أن الاستشراق لا يُعنى بالمشرق العربي فقط، وإنما يضم أيضًا دراسات تتناول كل ما يقع على الشرق من الغرب، بل وحتى جنوبه، أي شمال أفريقيا، لكن بالبُعد الحضاري أو الثقافي للمفردات، فإن المؤلفة لم تولِالدراسات الخاصة بفارس والصين والهند واليابان، وغيرها، الاهتمام الكافي. ومن المآخذ الأخرى على الكتاب إهماله التعرض للجوانب الفنية والأدبية في الدراسات الاستشراقية، وهو أمر اعترفت به المؤلفة في معرض تجاوبها مع المقالات الناقدة لكتابها. وهنا لا بد من التنويه إلى عمل مهم في هذا المجال تحديدًا، كتبته العالمة العراقية زينب البحراني التي نشرت نظريتها في كتاب نساء بابل: الجندر والتمثلات في بلاد ما بين النهرين. في الختام، نؤكد أهمية هذا المؤلَّف الكبير نظرًا إلى ما يحويه من معلومات مهمة عن كبار المستشرقين الألمان ومجالات إبداعهم، والأحوال التي عاشوها وعملوا فيها، وعلاقاتهم الخاصة والعامة وتواصلهم مع المؤسسات الأكاديمية والحركات والاتجاهات الرئيسة في ميادين أبحاثهم. والكتاب مهم أيضًا لأنه يغني معارف القراء عن مجالات عمل كل منهم على حدة. آخذين في الاعتبار نقاط النقد الموجهة إلى الكتاب، فلربما كان الأفضل للمؤلفة لو أنها عرضته على أنه «مقدمة في الاستشراق الألماني في عصر الإمبراطورية».