هيرمينوطيقا الفعل الإنساني: الإنسان بين الإرادة واللاعصمة
The Anthropology of the Erring Human in the Philosophy of Paul Ricoeur
الملخّص
* جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء.
Abstract
According to Ricoeur, the central human question concerns the search for the human element in evil and its point of connection with human reality, and he addresses the concept in the beginning of his book Philosophy of the Will. In this study, Aref roots his analysis on Ricoeur’s philosophical thinking, focusing on the theme of fallibility represented in the formative fragility of the human being that allows for the possibility of evil. A reexamination of the concept of fallibility provides the opportunity to research and expand upon the structures of human reality. The binary of the voluntary and the involuntary has returned to its position of a dialectic of greater breadth, governed by thoughts of disproportionality and the binary of the finite and the infinite. It is possible to search for the vulnerability and fragility that humans are composed of within this human specific structure. The attempt to understand the problem of evil via freedom poses a serious challenge, according to Ricoeur, because entering this problem from such a narrow door is a project based on the assumption that “evil is human, quite human.” By exposing the philosophy of Ricoeur, Aref illustrates how human beings may very well be the original root of evil, and that the human recognition of evil reveals how it represents the greatest manifestation of human nature—the recognition of evil and, thus, the recognition of the freedom to choose evil and its responsibility for it. This recognition is what binds humanity to evil; Ricoeur, however, does not consider this point not to be the goal conclusion itself, but the original premise of each approach to evil.
- الإنسان الخطاء
- الهيرمينوطيقا
- الشر
- ريكور
- Erring Human
- Hermeneutics
- Evil
- Ricoeur
أنثروبولوجية الإنسان الخطَّاء في فلسفة بول ريكور
يكمن التساؤل المركزي، بحسب ريكور، في البحث عن المكان البشري للشر ونقطة اتصاله
بالواقع الإنساني. وقد أجاب ريكور عن هذا السؤال من خلال ملامح أنثربولوجيا فلسفية
في بداية كتابه «فلسفة الإرادة»، حيث ركزت هذه الدراسة على موضوع «عدم العصمة»،
متمثلً في الهشاشة التكوينية للإنسان التي جعلت الشر ممكنًا.
أتاحت إعادة قراءة مفهوم «عدم العصمة» الفرصة للبحث والتوسع في بنى الواقع البشري،
فثنائية «الإرادي واللاإرادي» أ عِيدت إلى موضعها في جدلية أكثر اتساعًا تحكمها أفكار عدم
التناسب، وثنائية «المتناهي وغير المتناهي»، وداخل هذه البنية الخاصة بالإنسان يمكن البحث
عن الضعف والهشاشة اللذين يُكوِّنان الإنسان.
إن محاولة فهم إشكالية «الشر» من خلال الحرية يشكل تحديًا خط رًا، بحسب ريكور، لكونه
يعتبر أن الدخول إلى هذه الإشكالية من الباب الضيق أمر مشروع انطلاقًا من الافتراض
أن «الشر إنساني، إنساني جدًا». إن هذا الاختيار لا يهدف إلى فهم معنى الشر انطلاق ا من
أصله الجذري، بل يهدف فقط إلى وصف المكان الذي يظهر فيه؛ فمن الممكن جدًا ألا يكون
الإنسان هو الأصل الجذري للشر، لذلك تبقى الإمكانية المتاحة لنا مقاربة هذه الإشكالية
انطلاقًا من كونها ظهرت وتنجلي داخل فضاء إنساني بَحت. ربما يبدو للبعض أن قرار مقاربة
الشر من منظور الحرية قرار تعسفي، لكن الأمر ليس كذلك، فاعتراف الإنسان بالشر يبي
كيف أنه يمثّل الطابع الإنساني الأكثر تجليًا، ذلك أنه يعترف بالشر، وبالتالي يعترف بوجود
حرية اختيار الشر وبمسؤوليته عنه، وهذا الاعتراف هو الذي يربط الإنسان بالشر، إذ يعتبر
ريكور أن هذه النقطة لا تمثل الهدف في حد ذاته بل هي المنطلق الأصلي لكل مقاربة للشر.
نشر بول ريكور، بعد أعماله التي كرسها للفيلسوف الألماني كارل ياسبرز، كتابه الضخم فلسفة
الإرادة الذي تضمن ثلاثة أجزاء: « الإرادي واللاإرادي »، وهو عبارة عن أطروحة دافع عنها في سنة
1950، ثم «التناهي والذنب » الذي يضم جزأين «: الإنسان الخطّاء» و«رمزية الشر ». وقد كان هدف ريكور
من هذه المؤلفات محاولة مقاربة مفهوم الشر انطلاقًا من تأويل رموز أولية، كالخطيئة والدنس والذنب. تعبّ الإرادة، حسنة أكانت أم سيئة، عن معنى واحد، فتقدِّم نفسها بوصفها فعلً تأسيسيًا للوعي الإنساني
يصدر عنه فعل قصدي واعٍ بشيء ما. يحاول ريكور تحت عنوان جريء للكتاب، «التناهي والذنب »،
إقامة جسر تواصل فلسفي ومفاهيمي وقوي بين الوصف (éidétique) الجوهري للبنى الأساسية للإرادة
الإنسانية، ونزعة أمبريقية تحاول مقاربة مفهوم الإرادة من منظور الفعل الحسن والفعل السيئ. من
أجل ذلك، سيحاول ريكور رفع اللَّبس الذي يمنع الخلط بين المقاربة الأمبريقية للإرادة والمقاربة أو
التجربة التاريخية للشر والإرادة السيئة، أي محاولة توضيح أن البنية التكوينية للإرادة الإنسانية هي في
الأصل هشة؛ فبين فكرتي المتناهي واللامتناهي يمكن البحث عن الهشاشة النوعية للإنسان وكونه غير
معصوم وخطّاء. وانطلاقًا من توضيح مفهوم اللاعصمة، يمكن ربط مسألة الشر بالخطاب الفلسفي.
وهنا يطرح سؤال - إشكال قديم لكنه حُيِّ مع كانط، وهو: «ما الإنسان؟» أي ما هي المقاربة الفلسفية -
الأنثربولوجية التي يمكن أن تعطينا إجابة عن هذا السؤال - الإشكال. لذلك يعود ريكور كثيرًا إلى أسئلة
كانط الثلاثة: - «ماذا يمكنني أن أعرف؟» - «ماذا يجب عليّ فعله؟» - «ماذا يجوز لي أن أرجو؟.» تمثّل هذه الأسئلة منطلقًا لفهم بنية الإنسان التكوينية؛ ذلك أن ريكور يعتقد بوجود بنية انتقالية تؤسس
لنماذج الهشاشة الإنسانية والمتمثّلة في هشاشة المعرفة وهشاشة في الفعل وهشاشة الشعور. لابد، بحسب
ريكور، من إعادة مقاربة أسئلة كانط الثلاثة من وجهة نظر أنثربولوجية - فلسفية تكشف لنا عن حقيقة
هذا الكائن الإنساني. لذلك، فإن الأسئلة الثلاثة يجب أن تخضع لتأويل فلسفي - أنثربولوجي. - يشير السؤال الأول بطريقة ضمنية إلى الأسئلة الثلاثة، ففعل «المعرفة» يُربط بمفهوم «القدرة»،
وفعل « agir » يضاف إلى فعل «الواجب»، بينما يحيل فعل «الترجي» إلى مجاورة «إمكانية الحق في»
.) avoir le droit de (
- جاءت الأسئلة الثلاثة في صيغة صرفية تعبّ عن ضمير المتكلم الذي يتساءل عن إمكانية المعرفة وعن
الفروض التي تحرف أفعاله وتصرفاته، ثم عن المتمنيات العقلية التي تمكّنه من العيش. - تختفي هذه الإحالات الذاتية في العبارة غير المتعينة للسؤال الرابع: «ما هو الإنسان؟» الذي تتضمن
عبارته وحده نظرة أنطولوجية. يكمن التساؤل المركزي، بحسب ريكور، في البحث عن المكان الإنساني للشر ونقطة اتصاله بالواقع
الإنساني. وقد أجاب ريكور عن هذا السؤال من خلال ملامح أنثربولوجية فلسفية في بداية الكتاب،
حيث ركزت هذه الدراسة على موضوع اللاعصمة، أي الهشاشة التكوينية التي تجعل الشر ممكنًا. ومن
خلال مفهوم اللاعصمة، تلتقي الأنثروبولوجية الفلسفية بشكل من الأشكال مع رمزية الشر التي جعلت
(1) Voir Préface de Jean Greisch, dans: Paul Ricoeur, Philosophie de la volonté , préface de Jean Greisch, Points Essais (Paris: Points, 1960), tome 2: Finitude et culpabilité , p. 7. (2) Voir Paul Ricoeur, « Avant propos, » dans: Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité, p. 27.
الأساطير قريبة من الخطاب الفلسفي. يقترب مذهب الإنسان بشكل كبير، انطلاقًا من مفهوم اللاعصمة،
من عتبة المعقولية، فعن طريق الإنسان استطاع الشر أن يدخل العالمَ الإنساني.
إن إعادة صوغ مفهوم اللاعصمة وإعادة قراءته أتاحتا الفرصة للبحث والتوسع في بنى الواقع الإنساني، فثنائية
الإرادي واللاإرادي أعيدت إلى موضعها في جدلية أكثر اتساعًا تحكمها أفكار اللاتناسب وثنائية «المتناهي
واللامتناهي»، وداخل هذه البنية الخاصة بالإنسان يمكن البحث عن الضعف والهشاشة اللذين يكوّنانه.
يواجه ريكور صعوبة إدراج رمزية الشر في الخطاب الفلسفي الذي يقود في نهاية الجزء الأخير من هذا
الكتاب إلى فكرة إمكانية الشر أو اللاعصمة، حيث يتلقى من رمزية الشر دفعة كبيرة، وذلك على حساب
اللجوء إلى منهج الهيرمينوطيقا، أي قواعد تفكيك الرموز المطبَّقة على عالم الرموز. والهيرمينوطيقا هذه
ليست بالفعل متجانسة مع الفكر الفلسفي التأملي الذي أدى إلى مفهوم اللاعصمة. إن محاولة فهم إشكالية الشر من خلال الحرية تشكّل تحديًا خطرًا؛ فهي تعتبر أن دخول إشكالية الشر من
الباب الضيق أمر مشروع انطلاقًا من الافتراض القائل إن «الشر إنساني، إنساني جدًا». لا يهدف هذا
الاختيار إلى فهم معنى الشر انطلاقًا من الأصل الجذري للشر، بل يهدف فقط إلى وصف المكان الذي
يظهر فيه الشر؛ فمن الممكن جدًا ألّ يكون الإنسان الأصل الجذري للشر، لذلك تبقى الإمكانية المتاحة
لنا هي مقاربة هذه الإشكالية انطلاقًا من كونها تظهر وتنجلي داخل فضاء إنساني خالص. قد يبدو للبعض
أن مقاربة الشر من منظور الحرية قرار تعسفي، لكن الأمر عكس ذلك تمامًا، فاعتراف الإنسان بالشر يبي
كيف أنه يمثّل الطابع الإنساني الأكثر تجليًا، ذلك أن الإنسان يعترف بالشر، وبالتالي يعترف بوجود حرية
اختيار الشر وبمسؤوليتهعنه، وهذا الاعتراف هو الذي يربط الإنسان بالشر، وبالتالي يعتبر ريكور أن
هذه النقطة لا تمثّل الهدف في حد ذاته بل هي المنطلق الأصلي لكل مقاربة للشر.
الإمكانية الأنثروبولوجية للشر: اللاعصمة الإنسانية
الإشكال الأساس الذي يؤطّر مفهوم اللاعصمة ويحيط به هو الطريقة التي يمكن الانتقال بها من مجال
إمكانية الحرية إلى مجال الحرية النهائية؛ فالحرية الإنسانية التي تأخذ طابعًا إنسانيًا خالصًا توجد داخل عالم
يحمل بصمات الشر، وفي مقابل مفهوم الحرية يُطرح سؤال معرفة الطريقة التي يمكن أن تجعل الإرادة أمرًا
واقعيًا، أي إن الإشكال ينصبّ هنا على كيفية الانتقال من البراءة إلى الخطأ. إذا أرادت الفلسفة مقاربة الشر مقاربة تأملية، فيجب أن تتعامل معه باعتباره واقعة)fait) لا ماهية
) essence)، وبعبارة جون غرايش، التعامل معه باعتباره أمرًا واقعًا) fait accompli). يعتبر ريكور
أن على الفيلسوف الاعتراف بأن الخطأ يشكّل عنصرًا خارجيًا عن تكوين الإنسان. لذلك، فإن الانتقال
من البراءة إلى الخطأ لا يمكن أن يكون نقطة تأمل فلسفي فقط، بل يحتاج أيضًا إلى مقاربة أسطورية تجعل
من الشر واقعة للملاحظة، إنها أسطورية واقعية، أي إنها تنهل من المصادر الأسطورية التي قاربت مفهوم
الخطأ الإنساني، لكنها في الوقت نفسه قريبة من الواقع.
(((المصدر نفسه، ص.28 (((المصدر نفسه، ص.31 (((المصدر نفسه، ص.32
(6) Jean Greisch, Paul Ricoeur: L’Itinérance du sens , collection Krisis (Grenoble: J. Millon, 2001), p. 53.
يُطرح هنا إشكال آخر يتعلق باختلاف لغة الأسطورة عن لغة الفلسفة، وسيجد الفيلسوف إذ ذاك صعوبة
في قراءة واقعة الشر ومقاربتها من منظور فلسفي فقط. لهذا السبب يتطلب الأمر مقاربة هيرمينوطيقية
تخترق مجال اللغة الأسطورية لمقاربة واقعة الشر من منظور أسطوري وفلسفي في آن معًا. تظهر إمكانية الخطأ واللاعصمة في الهشاشة العاطفية للإنسان، ومن ثمة يمكننا طرح الإشكال المؤطر
لهذه الإمكانية، ومضمونه: بأي معنى يمكن للهشاشة الإنسانية أن تكون قادرة على الخطأ؟ الجواب عن
هذا الإشكال يفترض الإحاطة بمفهوم الهشاشة الإنسانية. تمنح الهشاشة الإنسانية الشر فرصة للظهور، فيكون الإنسان هو الواقع الذي ينكشف فيه الشر. نحن هنا
أمام مفهومين أو مقاربتين: إمكانية ظهور الشر وواقعية الشر، حيث تنعكس هذه المسافة بين الإمكانية
والواقع داخل علاقة أنثروبولوجيا اللاعصمة والأخلاق، تمنح الأولى إمكانية ظهور الشر، وتعارض
الثانية حضور الشر بمفهوم «الخير». تؤكد أنثروبولوجيا «اللاعصمة» الحضور القوي للشر انطلاقًا من لغة الاعتراف، حيث يعترف الإنسان
باقترافه الشر بإرادته واختياره الحر، وهذا ما يؤكد تلك النقيضة الإنسانية التي تجمع بين الحرية والإرادة
بمفهومها الكانطي من جهة، وإمكانية ارتكاب الشر بحرّية وإرادة تامتين من جهة أخرى. لا يهدف ريكور
إلى تأكيد أطروحة «أن الإنسان كائن شرير بطبعه»، بل يحاول أن يبيّ أننا ما دمنا نستطيع الوعي بمفهوم
«الخير» و«الطَّيِّب»، فإننا على وعي تام بمفهومي «الشر» و«الخبث». يتضمن مفهوم «اللاعصمة»
إمكانية الشر من منظور إيجابي: يتميز الإنسان بعدم التناسب الذي يجعله قادرًا على ارتكاب الخطأ، وهنا
يظهر مفهوم «اللاعصمة» باعتباره الحافز الذي يجعلنا ننتقل إلى الخطأ والشر، «اللاعصمة هي شرط الشر،
والشر هو الذي يكشف لنا عن محدودية الإنسان وعدم عصمته». إن القول بأن الإنسان خطَّاء يعني أن المحدودية الخاصة بالكائن غير المتطابق وغير المتناسب مع نفسه
هي النقطة الأصلية الضعيفة التي ينبثق منها الشر؛ فانطلاقًا منها يبرز الشر كسلوك واع - إرادي حر يعب
عن نفسه ويعترف به كائن يُقر مسبقا بأنه بريء. هذا الانتقال من البراءة إلى الخطأ هو الذي يجعل مفهوم
«اللاعصمة» مفهومًا غامضًا.
تحديدات منهجية لمقاربة إشكالية الشر
- أولوية إشكال إمكانية الشر
يتعلق التحديد المنهجي الأول في مقاربة الشر بالانطلاق من مشروعية التساؤل عن إمكانية حضور الشر
باعتباره تساؤلً متعاليًا؛ فالشر بوصفه إشكالية، وعلى الرغم من أنه يعطي نفسه صبغة المتعالي والفوقي
- المقدس، يوجب التساؤل عن المكان الإنساني الذي ينبثق منه. وانطلاقًا من هذا التساؤل، يحاول ريكور
(((المصدر نفسه، ص 194. يرى ريكور أن المقاربة الأخلاقية محدودة إزاء مفهوم الشر، فهي تعادل بين الشر والخير وتقول
إن الإنسان قادر على التمييز، وبالتالي الابتعاد عن الشر والاتجاه نحو الخير، انطلاقًا من تربية الإنسان. هذا هو الخطاب الفلسفي
الأخلاقي من بارميندس الذي اصطحب الإنسان في رحلته خارج ثنائية النهار والليل، وهو نفسه الذي أخرجه أفلاطون من الكهف،
من عالم الظلال إلى عالم الحقيقة، ثم هو نفسه الذي انتزعه ديكارت من الأحكام المسبقة والخطأ إلى الشك ثم إلى الحقيقة: إنها
فلسفة تعبّر عن الإنسان الضال والضائع الذي نسي أصله.
(((المصدر نفسه، ص.197
(((المصدر نفسه.
(((1 المصدر نفسه، ص.199
تطوير أنثروبولوجيا فلسفية تتمحور أساسًا حول مفهوم «اللاعصمة»، أي التكوين الهش للإنسان الذي
يسمح بظهور الشر. لذلك تلتقي هذه الأنثروبولوجيا الفلسفية مع رمزية الشر التي ساهمت بشكل
كبير في تقريب الخطاب الأسطوري من نظيره الفلسفي.
- التحدي الأنثروبولوجي: انبثاق الشر الإنساني
ينطلق ريكور في هذه النقطة من فكرة أن «إنسانية الإنسان هي المكان الذي يتمظهر فيه الشر».
وتفترض هذه الفكرة ظهور فكرة أخرى تتعلق بمحاولة تحديد دقيق لمفهوم الحرية الذي يُثري ما يسمّيه
ريكور «الحرية الإنسانية الخالصة»، أي إن الإنسان يعي حريته المسؤولة التي تختار الشر بكل حرية. إن
هذه المقاربة للشر من خلال مفهوم «الحرية» تجرنا إلى النظر إلى العالم من منظور أخلاقي خالص.
تكمن أهمية النظرة الأخلاقية في كون «الحرية فقط سبب للشر، لكن الاعتراف بالشر هو أيضًا شرط
للوعي بالحرية». بعبارة أخرى، إن النظرة الأخلاقية إلى العالم تفرض علينا التفكير في الحرية بوصفها
فعلً يتحمل بشكل مباشر الشر الإنساني، إنه فعل إنساني، إنساني جدًا. لكن النظرة الأخلاقية إلى العالم
تجد محدوديتها عندما نلاحظ فظاعة الفعل الإنساني الشرير ونتساءل من هو المسؤول عن هذه الفظاعة؟
يبدو هذا السؤال الأخلاقي تافهًا مقارنة بالتجارب اليومية للشر التي يعيشها الإنسان ويتعايش معها. إن الجواب عن التساؤل الذي طرحناه في البداية، المتعلق بالتكوين الهش للإنسان الذي يجعل الشر أمرًا
ممكنًا، يفرض بناء مفهوم اللاعصمة انطلاقًا من استثمار المصادر الأساسية للفلسفة التأملية التي يمكنها
أن تخبرنا وأن تبيّ لنا أن إمكانية حضور الشر تدخل في التكوين الحميمي للواقع الإنساني.
- مفارقة الإنسان المتناهي - اللامتناهي
تفرض فكرة «المتناهي واللامتناهي» بدورها إجراء فلسفيًا يحدد الأنثروبولوجيا الفلسفية التي اعتمدها
ريكور، وهو الاختيار بين نوعين من الأنثروبولوجيا، الأولأنثروبولوجيا للمتناهي، وهي موجودة عند
هايدغر وسارتر وفوكو، والآخر الأنثروبولوجيا التي تنطلق من مفارقة الإنسان «المتناهي - اللامتناهي.» يختار ريكور المقاربة الثانية لكونها تمكّننا من فهم أن مفارقة « المتناهي - اللامتناهي» تعتبر أن الإنسان كائن
تتدخل فيه وساطات داخلية - ذاتية؛ فالإنسان باعتباره كائنًا يجد نفسه غير منسجم مع ذاته، وتبرز لنا
إشكالية الشر هذه الفكرة بوضوح لأنها تقدم لنا كائنًا أنطولوجيًا غير ثابت. يرفض ريكور تأويلات
ديكارت التي ربطت هذه المفارقة ب «سايكولوجية الملَكات»، حيث يقدم الفهم الإنساني فكرة «التناهي»
وتقدم الإرادة فكرة اللامتناهي.
(11) Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité , p. 27, et Alain Thomasset, Paul Ricœur, une poétique de la morale: Aux fondements d’une éthique, herméneutique et narrative dans une perspective chrétienne , Bibliotheca Ephemeridum theologicarum Lovaniensium (Leuven: Leuven University Press; Uitgeverij Peeters, 1996), p. 67. (12) Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité , p. 31.
(((1 نشير هنا إلى أن ريكور كان سيجعل عنوان الكتاب كالتالي: « عظمة وحدود النظرة الإيتيقية للعالم ». انظر: المصدر نفسه، ص.30
(14) « Dans une vision éthique, il n’est pas seulement vrai que la liberté soit la raison du mal, mais l’aveu du mal est aussi
la condition de la conscience de la liberté »: Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité , p. 33.
(((1 المصدر نفسه، ص.31 (((1 المصدر نفسه، ص.38
تراجيديا البؤس ومفهوم اللاعصمة
قبل أن نغوص في تحليل وتفكيك الأنثروبولوجيا الفلسفية الموجَّهَة من طرف فكرة «اللاعصمة»،
سنحاول مقاربة هذه النقطة من منظور هيرمينوطيقي انطلاقًا من السؤال التالي: هل يمكن القول إن
مفهوم اللاعصمة هو من اكتشاف الفيلسوف، أم أنه وج د وفرض نفسه مع وجود الإنسان؟ إنه السؤال نفسه الذي اهتم به هايدغر، لكن في سياق آخر، في مقدمة كتاب الكينونة والزمنوالمتمثّل
في السؤال التالي: ما العلاقة بين «فهم الكائن» الذي يريد الفيلسوف بلورته مفاهيميًا وما قبل الفهم
الأنطولوجي الذي هو مكوّن أساس لكائن الدازاين؟ يراهن ريكور بدوره على وجود ما قبل الفهم
للّعصمة وهو ما سمّه «تراجيديا البؤس (» Pathétique de la misére).
لن يهتم ريكور هنا بالتعابير ما قبل الفلسفية لمفهوم «اللاعصمة» والمتمثّلة في العبارات الدينية المقدسة
مثلً، وإنما سينصبّ اهتمامه على الأسطورة الأفلاطونية للنفس كتعبير عن المزيج بين العقل والرغبة، ثم
على بلاغة باسكال بشأن «اللامتناهيين». من منطلق الأنثروبولوجيا الأفلاطونية، يعتبر ريكور أن النفس الإنسانية ليست فكرة خالدة ولا فانية، بل
تعبّ عن خليط بين المفهومين؛ إنها حركة المحسوس نحو المعقول، أي الارتقاء والتوغل نحو الوجود.
تعبّ هنا النفس عن وضع ملتبس جدًا عندما يعطيها أفلاطون صورة النظام السياسي في كتابه الرابع
للجمهورية الذي يتألف من ثلاثة أقسام، كما هو الأمر في المدينة: الرؤساء والمحاربون والعمال، من أجل
فهم التركيبة الثلاثية للنفس الإنسانية. وتعبّ النفس في الوقت عينه عن النفس الغضبية، أو ما يسمّى
التيموس) le thumos)، وعن الشجاعة التي تُعتبر بالضبط النقطة الهشة في الإنسان. إن ما يجعل أساطير كتابالوليمة) Banquet) وحوار فيدورس) Phèdre) على رأس الصور غير الفلسفية
أو ما قبل الفلسفية لأنثروبولوجيا اللاعصمة، ليس فقط أسبقيتها التاريخية بل أيضًا صفتها غير المميزة
لمحن «البؤس» الذي تحملهِ، فالبؤس هنا هو محدودية أصلية وشر أصلي، وهو ما يجعل النفس تسقط
في فخ الجسد المادي. الإحالة الفلسفية التي يعتمد عليها ريكور تعود إلى فلسفة باسكال التي تصف الإنسان في كتابه خواطر
()Pensées باعتباره وسطًا ولا تناسبًا لمفهومي اللامتناهيين، ويعتبر أن فكر باسكال يتضمن نقطتين
مهمتين في ما يخص علاقته بإشكال اللاعصمة. النقطة الأولىأدبية، وهي تحاول أن تبيّ أن الخطاب بشأن البؤس لا يقتصر على الأسطورة، بل يمكن
التعبير عنه أيضًا داخل إطار من البلاغة الأدبية التي تحرك مفهوم «الخيال» وتغذيه من أجل فهم وضع
الإنسان في الوجود. ما هو الإنسان في اللامتناهي؟ هذا هو السؤال الذي يتبيّ لنا من خلاله أن الإنسان
(((1 يُعتبر هذا المفهوم من المفاهيم الأساسية التي استعملها ريكور في كتابه فلسفة الإرادة، ويعني به الحالة التراجيدية التي يعيشها
الإنسان لكونه يتميز بحالة من الهشاشة العاطفية تجعله كائنًا غير متناسب وغير منسجم مع ذاته. وقد وجدنا صعوبة كبيرة في ترجمة
المفهوم لكونه يشير إلى دلالات متعددة، منها: المؤثر جدًا؛ الدرامي؛ التراجيدي؛ المفجع... وقد اخترنا التراجيدي الذي يبدو قريبًا
من الناحية الدلالية لمفهوم Pathétique.
(18) Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité , p. 43.
(((1 المصدر نفسه، ص.44 (((2 المصدر نفسه، ص.46
(21) Greisch, p. 58.
هو ذلك الكائن الموجود بين العدم والوجود؛ إنه «يرى نفسه تائهًا في هذه الناحية المقفرة من الطبيعة».
النقطة الثانية فلسفية، ومن خلالها يحاول الفيلسوف أن يبيّ الوضع الأنطولوجي للإنسان باعتباره منتجًا
مباشرًا للخطأ. تحاول البلاغة الباسكالية، مثل الأسطورة الأفلاطونية، أن تمنحنا فكرة محددة عن بؤس
الإنسان؛ فمهمة الفيلسوف هي محاولة ملء الهوة بين التراجيديا) le pathétique) والمتعالي، لكن كيف
سيقوم الفيلسوف بذلك؟ إنه سينطلق من أسئلة كانط الثلاثة: «ماذا أستطيع أن أعرف؟»، «ماذا يجب علي
فعله؟» والسؤال المركزي «ما هو الإنسان؟»، وهذا ما يجعلنا نقول إن هذه القراءة تفترض ملاحظتين
أساسيتين: تحاول أنثروبولوجيا ريكور الفلسفية أن تؤسس نقدًا «عقليًا» بالمعنى الكانطي. وفي هذا الإطار ترفض
هذه الأنثروبولوجيا الفلسفية كل مقاربة لمفهوم «اللاعصمة» من منظور ثنائية «الكينونة والعدم»، أي
اعتبار الإنسان كائنًا يوجد بين هذه الثنائية، والنظر إلى مفهوم «اللاعصمة» من منظور متعالٍمحض.
يمنحنا المتعالي اللحظة الأولى لأنثربولوجيا فلسفية، في حين تهدف فلسفة اللاعصمة إلى ملء الفراغ
بين الشفقة والمتعالي، لذلك سينصبّ اهتمام ريكور على العمل أو الفعل أولً ثم على الشعور في ما بعد.
من جهة أخرى، يبدو أن الحاجة إلى فلسفة تأملية متعالية تجد حدودها في كون هذه الأخيرة تتجاهل الفرق
الواضح بين الفعل المعيش والفعل المفكَّر فيه، وتركز اهتمامها فقط على الفعل كتعبير عن الفكر التأملي،
في حين أن الاعتماد على مقاربة للفعل المعيش انطلاقًا من فهم الإنسان لذاته بواسطة ما قبل الفهم يمكنه
أن يغني هذه المقاربة التي لا يمكن للفكر التأملي الوصول إليها، وهنا تظهر الحاجة إلى الانفتاح على
الهيرمينوطيقا لكونها تؤول الرموز الأساسية فيعترف الإنسان فيها بعبوديته وخضوعه بمحض إرادته. يظهر لا تناسب الإنسان ولا انسجامه مع ذاته انطلاقًا من مستوى قدرته على المعرفة، أي اللحظة التي
تلتقي فيها الذات بموضوع المعرفة. لهذا السبب ينطلق ريكور من السؤال الكانطي المتعلق بالمعرفة
أو بشروط المعرفة، على الرغم من أن كتاب نقد العقل الخالصلا يمكن اعتباره كتاب أنثروبولوجيا
فلسفية. لكن ريكور على وعي تام بأنه يُقحم كتابًا معرفيًا تأمليًا متعاليًا داخل مجال الأنثروبولوجيا
الفلسفية، ويعتبر أن التساؤل عن شرائط المعرفة يبعدنا تمامًا عن مبحث الأنثروبولوجيا الفلسفية، ويعيدنا
إلى موضوع المعرفة. إن ميزة الفكر التأملي المتعالي هي أنه ينطلق من الموضوع، وبالضبط من «الشيء»، ففي
هذا الأخير يمكن إدراك القدرة على المعرفة. ويكون الفكر المتعالي فكرًا تأمليًا لكونه ينصبّ في الشيء وفي
الموضوع مباشرة ويفكر فيهما، ولكي يبُرز ريكور الرهانات الأنثروبولوجية للإشكالية الكانطية بشأن
المعرفة، ينحت مجموعة من المفاهيم التي تسلط الضوء على حدود المعرفة الإنسانية وشرائطها: المنظور
المتناهي والفعل اللامتناهي والمخيال الخالص.
(22) Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité , p. 49. (23) Greisch, p. 59. (24) Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité , p. 42
(((2 المصدر نفسه.
(26) Greisch, p. 60. (27) Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité , p. 43. (28) Greisch, p. 61.
يعجب هنا غرايش من كيف أن ريكور يريد مقاربة شرائط المعرفة الكانطية من منظور أنثروبولوجي- فلسفي على الرغم من أن كتاب
كانطنقد العقل الخالصلا يمكن تصنيفه ضمن مجال الأنثروبولوجيا الفلسفية.
(29) Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité, p. 54.
مفهوم «اللاعصمة»
وصلنا هنا إلى المفهوم المركزي الذي تتأسس عليه التحليلات السابقة كلها، أي مفهوم «اللاعصمة»
(La faillibilité)؛ فعندما نقول إن الإنسان كائن غير معصوم من الخطأ وأنه خطّاء، فإن هذا يعني أن
إمكانية الشر منقوشة ومتجذرة في تكوينه.
استعمالات مفهوم «اللاعصمة» وحدوده
يعتبر التقليد الفلسفي أن محدودية المخلوقات تشكّل فرصة لممارسة الشر وإنتاجه، لكنها فكرة تحتاج إلى
مراجعة دقيقة؛ ذلك أن محدودية الإنسان لا تتيح بالضرورة إمكانية للخطأ، بل إنها تعبّ عن عدم مطابقة
الإنسان لذاته. ما نحتاج إليه هنا هو تحليل مفهوم «المحدودية الإنسانية» بغضّ النظر عن كونه يعبّ عن
حالة عامة، بل انطلاقًا من كونه يطرح تركيبًا بين وضعية معيّنة ونفي شيء ما. يحتاج الأمر إذن إلى نوع
من «الاستنتاج المتعالي»، أي إلى محاولة تبرير المفاهيم انطلاقًا من قدرتها على تركيب الثلاثي المفاهيمي:
المعرفة والفعل والإحساس. يقترح ريكور العودة إلى الثالوث الكانطي: «الواقع والسلب والمحدودية»، وهو المفاهيم التي
يمكن إعادة صوغها من المنظور الأنثروبولوجي على الشكل التالي: «التأكيد التأصيلي» و«الاختلاف
الوجوداني (» existentialle la différence) و«الوساطة الإنسانية». يبيّ مفهوم «التأكيد التأصيلي»
بالنسبة إلى ريكور الفعل الذي تعبّ عنه المعرفة الإنسانية والسعادة التي يعبّ عنها الفعل ثم السعادة التي
يعبّ عنها الشعور والإحساس. وبينما يعبّ مفهوم « الاختلاف الوجوداني» عن المنظور الإنساني والطبع
والشعور، يعبّ مفهوم «الوساطة الإنسانية» عن المخيال والاحترام واللذة أو المتعة ()Passion. يمكن القول إن مفهوم «التأكيد التأصيلي» الذي يمثّل الفعل والسعادة المحسوسة بالقلب، يعب
عن لحظة متعالية عندما ننتقل من الوجود المعيش إلى الوجود المفكَّر فيه. يمنح هذا الانفتاح المبدئي
الإنسان إنسانيته ويجعله مشروعًا منفتحًا، وبهذا المعنى تصبح الإنسانية شرط إمكانية الشخص.
لكن هذا «التأكيد الأصيل» للإنسان لا يصبح كذلك إلّ إذا اجتاز ما يسمّيه ريكور المنظور والطبع
والإحساس الحيوي، أي إن «الاختلاف الوجوداني» (différence existentialle) هو الذي يمكّنني من
التميُّز عن الآخر (المنظور) ثم الاختلاف عن نفسي كذات (الطبع). الوعي بمنظوري الذاتي يجعلني أدرك
وجهات نظر أخرى تجاه العالم، وبذلك لا يكون الآخر هو الغير فقط وإنما هو شبيهي أيضًا، وهنا لا
تتحقق الإنسانية إلّ داخل حركة تواصل بين الأنا والغير. إن الإحساس بالاختلاف يجعل الغير خارج
ذاتي، لكن الشعور يستجْوِن هذا الإحساس، فما أتصور نفسي أنني هو أنا ينتفي في الشعور بأن أكون من
الضروري كذا أو كذا، أي لعبة الإحساس بالتناقض والاختلاف الداخلي بين الأنا ونفسها. لا يمكن لهذا
(((3 المصدر نفسه، ص.184
(((3 المصدر نفسه، ص.185
(32) Greisch, p. 84.
(((3 المصدر نفسه.
(((3 المصدر نفسه، ص.85
(35) Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité , p. 188.
(((3 المصدر نفسه ص.190
الشعور أن يكون من دون حضور مفهوم «المستحيل»، لأن تخيّل كوني آخر يفترض حضور ذات أخرى
مغايرة لكنها تنتمي إلى الذات الأولى، فالذات تكون متطابقة مع نفسها ومختلفة عنها في الوقت نفسه، هذه
الغيرية الداخلية الجوَّانية هي التي تثبت لنا أن الوجود هو الذي يختارنا، «فأنا لم أختر وجودي، الوجود
وضع معطى». يعيش الإنسان هذا الوجود المعطى في النمط العاطفي للحزن الذي يعبّ عن جهد الإنسان نحو الاكتمال.
وهذه التجربة تتغذى من السلب بوصفه بنية مُكَوِّنة للإنسان: الفقدان، الخسارة، الأسف، الخيبة... تعب
هذه المفاهيم كلها عن تجربة للتناهي، أي عن تجربة الفقدان والطموح الدائم نحو استعادة « التملك.»
إن هذا السلب هو ما يجعل الإنسان كائنًا محدودًا وهشًّا، باعتباره (الإنسان) مزيجًا وخليطًا من «التأكيد
الأصلي» للوجود والسلب الوجودي، ذلك أن هذا التمزق الداخلي وعدم التطابق الموجود بين الذات مع
الذات هما ما يكشفهما الشعور؛ فهذا الأخير يكشف لنا عن الطبيعة الصراعية للإنسان التي تظهره تركيبًا
بين جدلية الهشاشة وصيرورة التعارض بين التأكيد الأصلي والاختلاف الوجوداني.
الانتقال من اللاعصمة إلى الخطأ: اللغز
إذا كانت إمكانية الخطأ كامنة في هشاشة الوساطة التي يجريها الإنسان في الموضوع وفي تصوره عن الإنسانية
وفي قلبه، فإن الإشكال المطروح هنا هو بأي معنى يمكن للهشاشة الإنسانية أن تكون قادرة على الخطأ؟
الجواب عن هذا الإشكال يفترض الإحاطة بمفهوم الهشاشة الإنسانية. إن الهشاشة تعطي الشر الفرصة للظهور، فيكون الإنسان هو الواقع الذي ينكشف فيه الشر. نحن هنا
أمام مفهومين أو مقاربتين: إمكانية ظهور الشر وواقعية الشر، حيث تنعكس هذه المسافة بين الإمكانية
والواقع داخل علاقة أنثروبولوجية اللاعصمة والأخلاق، تمنح الأولى إمكانية ظهور الشر وتعارض
الثانية حضور الشر بمفهوم الخير. تؤكد أنثروبولوجية «اللاعصمة» الحضور القوي للشر انطلاقًا من لغة الاعتراف، إذ يعترف الإنسان
باقترافه الشر كفعل ليس خارج إرادته بل بإرادته واختياره الحر، وهذا ما يؤكد تلك النقيضة الإنسانية
التي تجمع بين الحرية والإرادة بمفهومها الكانطي وإمكانية ارتكاب الشر بحرّية وإرادة تامتين. لا يهدف
ريكور إلى التشديد على أن الإنسان كائن شرير بطبعه، بل يحاول أن يبيّ أن الشر واقع بشري يفرض نفسه
على الإنسان الذي يعترف ويقر بأنه مسؤول عن أفعاله الشريرة كلها. يتضمن مفهوم «عدم العصمة»
إمكانية الشر من منظور إيجابي: فعدم التناسب عند الإنسان هو القدرة على الخطأ، بمعنى القدرة على
ارتكاب الخطأ، وهنا يظهر مفهوم «عدم العصمة» باعتباره الحافز الذي يجعلنا ننتقل إلى الخطأ والشر
«فعدم العصمة هو شرط الشر، والشر هو الذي يكشف لنا عن محدودية الإنسان وعدم عصمته».
(((3 المصدر نفسه، ص.191
(38) Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité , p. 193.
(((3 المصدر نفسه، ص 194. يرى ريكور أن المقاربة الأخلاقية محدودة في مقاربتها لمفهوم الشر؛ فهي تعادل بين الشر والخير،
وترى أن الإنسان قادر على التمييز وبالتالي الابتعاد عن الشر والاتجاه نحو الخير، انطلاقًا من تربية الإنسان. هذا هو الخطاب الفلسفي
الأخلاقي من بارميندس الذي اصطحب الإنسان في رحلته خارج ثنائية النهار والليل، وهو نفسه الذي أخرجه أفلاطون من الكهف،
عالم الظلال إلى عالم الحقيقة، ثم هو نفسه الذي انتزعه ديكارت من الأحكام المسبقة والخطأ إلى الشك ثم إلى الحقيقة: إنها فلسفة
تعبّر عن الإنسان الضال والضائع الذي نسي أصله.
(40) Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité.
إن القول إن الإنسان خطّاء يعني أن المحدودية الخاصة بالكائن غير المتطابق مع نفسه هي النقطة الأصلية
الضعيفة التي ينبثق منها الشر؛ فانطلاقًا منها يبرز الشر كسلوك واع - إرادي حر يعبّ عن نفسه ويعترف به
كائن يقر مسبقا بأنه بريء. هذا الانتقال من البراءة إلى الخطأ هو الذي يجعل مفهوم «اللاعصمة» مفهومًا
غامضًا. إن هشاشة الإنسان ليست فقط المكان الذي ينبثق منه الشر، وليست فقط أصل الشرور
الإنسانية كلها، بل إنها تمنح الشر « القدرة » على الظهور والإنبثاق وفرض نفسه باعتباره واقعًا ملموسًا. إن أي بحث أو تأمل بشأن وعي الخطأ واللاعصمة يفترض الوقوف والتأمل في مفهوم «الحرية الإنسانية»،
أو بعبارة أخرى «حرية الاختيار») Serf-arbitre) في علاقته بمفهوم «عدم العصمة»؛ فداخل هذه العلاقة
تبدو حرية الاختيار كما لو أنها حرية ضعيفة قادرة على الوقوع في الخطأ، لكن داخل علاقته برمزية الوعي
بالخطأ وبالذنب تبدو هذه الحرية مسؤولة عن جميع الأفعال والذنوب والشرور المركزية. يحاول ريكور
داخل هذا الإطار الإشكالي لمفهوم «حرية الاختيار» الكشف عن الأبعاد الثلاثة التي تشكل هذا المفهوم. البُعد الأولل «حرية الاختيار» هو أن الشر ليس عدمًا ولا مجرد خطأ بسيط أو غياب لنظام معيّ ظهر
بسببه، بل إنه وجود واقعي- موضوعي يفرض نفسه على الإنسان ومن ثمة على حريته، وهنا الإشكال
الأساس لمفهوم «حرية الاختيار»: كيف يمكن أن يكون الشر موضوعيًا ويكون الإنسان، في الوقت نفسه،
مسؤولً عنه؟ يتعلقالبُعد الثانيبخارجية الشر؛ فهذا الأخير يأتي إلى الإنسان من خارج، ويعبّ عن نفسه بشكل موضوعي،
ثم خضوع الإنسان له انطلاقًا من إغوائه له. ليس الإنسان الشرير الأول أو المطلق، بل إنه كذلك من
الدرجة الثانية، فالشر حاضر دومًا، وحيث إنه كذلك فإنه سيظل مرتبطًا بالإنسان بشكل كبير. يكمن البُعد الثالثفي كون الشر يتنقل إلى الإنسان كما ينتقل المرض المعدي؛ فتاريخيًا، كان الشر مرفوضًا
من طرف الإنسان لكنه في المقابل حاضر بقوة، وهذا الحضور يعتبره الإنسان نوعًا من تسميم الوجود
البشري أو تلطيخه.
(((4 المصدر نفسه، ص.199
(((4 المصدر نفسه، ص.365
(43) Ricoeur, tome 2: Finitude et culpabilité.
(((4 المصدر نفسه، ص.366