العودة إلى تفاصيل المؤلَّف جان مولينو مراحل التأويلية

جان مولينو مراحل التأويلية

Stages of Hermeneutics by Jean Molino

عبود كاسوحة

Abboud Kassouha

الملخّص

* أستاذ السيميائية في جامعة لوزان- سويسرا.

*** مترجم سوري، حاز عددًا من جوائز الترجمة، ولقب فارس من الحكومة الفرنسية.

Abstract

Consciously or not, the purpose of all human sciences is significations. Accordingly, all lessons ought to be learned from hermeneutics, as it is the science of interpretation. Whether we are interpreting texts or behavioral conduct, we use the same methods and we face the same difficulties. The history of hermeneutics has continuously clarified the dimensions of symbolic facts which constitute the purpose of interpretation, namely: the neutral aspect of textual configurations, the poetic aspect of production strategies and the aesthetic aspect of reception strategies. Hermeneutics is a semiology, but semiology is also a hermeneutic. Both should merge into one theory of symbolic forms inspired by Percy; which alone could transcend the traditional intellectual impasse of hermeneutics and the uncertainty of semiology.

الكلمات المفتاحية:
  • التأويلية
  • السيميائية
  • النصية
  • النصوص
Keywords:
  • Hermeneutics
  • Semiotics
  • Textual Configurations

ترجمة: عبود كاسوحة ***

شأنها وحدها أن تتجاوز الإحراجات التقليدية للتأويلية وشكوك السيميائية.

لقد نشب نزاع كبير، كان له دويّه على

الساحة، أيام ازدهار البنيوية: هل نقف

إلى جانب البنية أم إلى جانب التاريخ؟ كان ذلك

هو الجدل الذي احتدم بين البنيويين والماركسيين.

وهل نقف مع البنية أم مع التفسير؟ إنه الجدل

الآخر ما بين ليفي ستراوس وريكور. ومن ثم

دخلت البنيوية الفائزة شيئًا فشيئًا في ضباب ماضٍ

مصفر، لكن زمان التفسير لمّ يأت، رسميًا على

الأقل، فظلّت العلوم الإنسانية تتشح ببهارجها

العلموية وتتلكّأ قبل الوقوف تحت راية التأويلية.

الدلالة غرضُ العلوم الإنسانية، أوعَت ذلك أم لم تع ه. وعليه، فمن الملائم أن تُستخلَص

جميع الدروس من التأويلية، بوصفها علم التفسير. ولئن تعل ق الأمر بالنصوص أو

بالسلوكات، فالتفسير يستخدم الطرائق أو يواجه الصعوبات نفسها. والحال أن تاريخ

التأويلية أوضح على التوالي الأبعاد شتى التي تشكّل الوقائع الرمزية، وهي غرض التفسير:

المستوى المحايد للتشكيلات النصّية، والمستوى الشعري لاستراتيجيات الإنتاج، والمستوى

الجمالي لاستراتيجيات التلقّي. فالتأويلية سيميائية، لكنّ السيميائية تأويلية هي أيضًا،

وعليهما أن تنصِهرا معًا داخل نظرية من الأشكال الرمزية المستلهَمة من بيرسي، والتي من

ومع ذلك، كيف لنا في واقع الأمر، إذا ما نحيّنا

جانبًا الشكليات الصورية التي أفرط في استخدامها

لبعض الوقت عدد من اللغويين والسيميائيين -

مع تفريطهم في قرّائهم- ألاّ نعترف بأن التأويلية

ماثلة أينما تكن، إذا ما قصدنا بذلك فنّ التفسير؟ يستند التحليل الأدبي، وتحليل العمل الفني والحقوق والتاريخ وسوسيولوجيا الدِّين،

ودراسة العقليات، إلى تفسير الأعمال الإنسانية، وعليها كلها أن تجيب، وبالطريقة الخاصة بها،

printemps 1985, pp. 73-103

على السؤال نفسه: ماذا يعني هذا الأثر أو النص

أو الصرح أو هذه الحركة أو هذا السلوك؟ إن

التقليد الثقافوي في الإناسة وفي السوسيولوجيا

على استعداد، في تطوّراته المعاصرة - التفاعلية

المتبادلة الرمزية والإناسة الرمزية وتطوّرات

أخرى كثيرة - على الاعتراف بالمكانة الحاسمة

التي يحتلّها التفسير في عمل التحليل، لكن يسعنا

التساؤل إن كان يؤخَذ دومًا قياسُ المسائل التي

تُطرَح حين نجعل من التفسير أساسًا لطريقة ما.

حين قدّم غيرتس في سنة 1979 أحد المؤلّفات

الشائقة التي خصّ بها المجتمع المغربي (١)، كتب

يقول: «تقوم قناعتنا المشتركة على أن منظومات

الدلالة، أكانت غاية في الوضوح كالإسلام، أم

أقلّ وضوحًا بكثير كالكرَم، والتي يعيش الأفراد

حياتهم ضمن حدودهما، إنمّا تشكّل النظام نفسه

الذي يستوعب تلك الأنماط من الحياة. فنحن

نشهد العلاقات الاجتماعية كأنّا متجسّدة في

أشكال رمزية تنتجها وتضع بُنيَتها، ويتمثّل همّنا

في تحديد هويتها وتصوير غايتها». وكتب عالم

الإناسة أيكلمان سنة 1981 يقول: «الناس،

باختصار، حيوانات ثقافية. فهم يتواصلون في

ما بينهم ويفهمون العالم بفضل مناهج منظّمة

من الرموز المشتركة ». وعلى ذلك يتأكّد

بوضوح، منذ البداية، الدور الذي تؤدّيه الرموز

في الحياة الاجتماعية: الحق أن عملَ عال الإناسة

عمل تفسير. وحينها تطرح الأسئلة نفسها: أين

هي تلك الرموز؟ وما شكل وجودها؟ وكيف

نستخلصها؟ وكيف نتثبّت من صحة تفسيرها؟

يتعلّق الأمر بالنسبة إلى البعض في العثور على

الممثلين المنخرطين في الأداء الاجتماعي، أو كما

يقول رابينوف (٣): «يتمركز المنهج الذي أعتمده

حول الممثّلين ويستجيب لما دُعيَ بالطريقة

المتقدّمة - المنكفئة. وإن طريقة متمركزة على

ذلك النحو تسعى إلى أن تستوعب مفهوم الممثّل

عن عالمه الاجتماعي الخاص». أمّا بالنسبة إلى

البعض الآخر، فلا يمكن سوى اكتشاف حس

مشترك، والقيم التي تتقاسمها ثقافة واحدة،

ولسوف نقول في سبيل البقاء على الأرضية التي

أخذنا منها أمثلتنا، إن المغاربة يدركون التجربة

الاجتماعية انطلاقًا من خمسة مفاهيم أساسية:

مشيئة الله، والعقل، والأصول الاجتماعية،

والالتزام والإلزام الأخلاقي (٤). وإنّ ما يثير

اهتمامنا هنا، ملاحظة أن عال الإناسة يتعامل

بالرموز والدلالات، وكأنمّا الأمر يتعلّق بأشياء

وبأغراض محددة تحديدًا واضحًا، وبحجارة

أُحسِنَ نحتُ وجوهها فغدت صالحة لإعادة بناء

رؤية للعالم. ومع ذلك، هل نحن واثقون من

قدرتنا على التلاعب بالدلالات مثلما نتلاعب

بالأشياء؟ إن وضع عالم الإناسة هنا ليس بأفضل

ولا أسوأ من وضع ناقد أدبي حيال رواية لبلزاك:

فمن هو البطل الحقيقي في أوجيني غرانديه؟ هل

هي أوجيني أم الأب غرانديه؟ وما القِيَم المتجسّدة

في الشخوص؟ فهل ينبغي العثور على المعنى الذي

عاشه بلزاك، والذي رغب في إسباغه على إبداعه

أم نعيد بناء معنى ماثل في النصّ فنستخلصه منه؟

وأين يكمن ذلك المعنى؟ وما شكله؟ والأسئلة

نفسها تتكرّر دائمً: ما صيغة وجود الرمزي؟ وهل

المعنى معيش أم متأصّل؟ تلك هي تحديدًا الأسئلة

التي تُادِل فيها التأويلية منذ قرابة ألفي سنة.

وعلى ذلك، يبدو لنا أن التبصّ في الطريقة المتعلّقة

بالعلوم الإنسانية لم تحرز أيّ تقدّم منذ نزاع الطريقة

في «غايستفيسّن شافتن» (العلوم الإنسانية) الذي

احتدم أواره في ألمانيا لدى منعطف القرن. وكان

ريمون آرون يتخذ نقطة انطلاقه، للتفكّر في

«حدود الموضوعية التاريخية »، من تحليلات

ديلتي وجاسبرز وسبرنجر ومن مصطلح الفهم:

«سيكون الفهم بالنسبة إلينا إعادة بناء وعي الغير

أو الأعمال المنبثقة من الضمائر». ولا تزال العلوم

الإنسانية ملزمة اليوم بالبدء من هنالك: يتواصل

الناس ويعبّون بالإشارات والرموز.

أمّا التأويلية التي هي منذ مولدها فنّ تفسير

الإشارات، فقد راكمت خلال تاريخها الطويل

كنزًا من المعرفة يدور حول تلك المسألة المركزيّة:

ما التفسير؟ يقوم قولنا إذن على استجواب

تاريخها، لنعرف إن كان لديها اليوم أيضًا أن تعلّمنا

الكثير. وقد يكون في مصلحة العلوم الإنسانية،

بدلً من المراوغة بشأن مسائل المعنى، أن تُصغي

إلى دروس التأويلية، وأن تعي قانونها: سوف

تنشغل أيضًا بالإشارات والرموز، فليست إذن

سوى الوجوه المتعددة للتأويلية، أو للسيميائية،

إذا ما شئنا. ولئن كانت التأويلية في الواقع تفسير

الإشارات، والناس لا يعبّون إلا بإشارات

ورموز، فإن التأويلية والسيميائية متواصلتان: كل

تأويلية هي سيميائية، أو بالأحرى كل تأويلية هي

ذات أساس سيميائي. فما الرمز، ما لم يكن - وفق

الصيغة التقليدية جدًا - ما يحلّ مكان شيء آخر

أو ما يُيل إلى شيء آخر؟ فيُلزِمنا مفهومُ الإحالة

هذا بترك التعريف التقليدي المزدوج للإشارة

كيانًا بوجهين اثنين: لا تقوم الإشارة على دالٍ

ومدلول بل على إرجاع الدال للمدلول، أو بدقة

أكبر إرجاع إشارة إلى أخرى. وبناء عليه، لا يسع

نقطة الانطلاق لسيميائية أصيلة إلّ أن تكون في

تعريف للإشارة بوحي بيرسي: «إنّ إشارة أو تمثيل

شيء يمثِّل لأحد ما شيئًا ما، ضمن علاقة ما أو

تحت عنوان ما. وهي تتوجّه إلى أحد ما، أي تُنشئ

في ذهن ذلك الشخص إشارة مماثلة وربما متطوّرة

أكثر. وأدعو هذه الإشارة التي تُنش ئها مُفسِّة

الأولى. فالإشارة تمثّل شيئًا ما، إنّه غرضها. وهي

لا تمثّل هذا الشيء من جميع النواحي، بل بالرجوع

إلى فكرة دعوتها أحيانًا أساس التمثيل». لا يسع غرضًا أن يوصف إلّ بالاستعانة بإشارات

أخرى، هي المفسّ ة للإشارة الأصلية: «ومهما يكن

من أمر، فنحن نقيس الدور الأساس للمفسِّ في

كل عملية دلالة»، حتى أنّه لا يسع إشارة أن توجد

بلا مفسِّ: «إن مفسِّي أنا - هكذا أتخيّله- هو شيء

يرتبط أساسًا بكلّ ما يَعتمِل كإشارة»، أو أيضًا:

«الإشارة إشارة فقط بمقتضى ما تنال من تفسير،

أي بمقتضى ما تحدّد إشارة أخرى للغرض نفسه.»

وبناء عليه، لا يسع إشارة أن تكون معزولة: لا يسع

إشارة واحدة أن توجد دونما علاقة بإشارة أخرى.»

وتستتبع الطبيعة الثالوثية للإشارة وجود التعددية

اللازمة من الإشارات: إنّا تفترض مسبقًا، انطلاقًا

من لحظة كون التمثيل «وساطة، وجود منظومة

من الإشارات ». وليست الطبيعة الثالوثية

للإشارة، بمفهوم بيرسي، هي ما يبدو لنا مهمًّ في

هذه التعريفات، بقدر تأكيد سيميائية لامحدودة.

ونحتفظ من تعريفات بيرسي بالنقاط التالية: - تمثّل الإشارة غرضها، لكن فقط بوساطة

إشارات أخرى، تكون مفسِّ. ة لها - هذه الإعادة من إشارة إلى إشارات أخرى غير

محدودة. وما يطرحه بيرسي على هذا النحو، هو

الطابع المتعذّر التخفيض للعمل الرمزي - إعادة

لامحدودة وتوسّط من إشارات أخرى. لكن يتوضّ ع

في الوقت نفسه، داخل هذا التعريف، أساس

التأويلية السيميائي، والزخم التفسيري الملازم لكل

عمل رمزي: لا يؤدّي عمل المفسّ إلّ إلى إطالة

العملية التي تستخدمها بنية الرمزي نفسها.

ذكر المعنى

إن التفكير تفسير، وكلّ شيء يَطلب أن يشُرَح،

وكلّ شيء يطلب أن يُفسَّ: فحاجات العالم

كحاجات اللغة. وليست الأغراض هنا، أمام

تمييزنا، مجهّزة بواقع كتيم نظلّ متشبّثين به. فنحن

لا نظلّ محتجزين أبدًا ومجمّدين أمام عالم له حضور

بنفسه ومعروض أمام تأمّلنا الخالص. فلا وجود،

في نظر حيوان، لضجة أو لون أو شكل أو حركة

بحدّ ذاتها، فهي تعني أنّا نقطة انطلاق لارتكاس

ما: هجوم أو هروب أو ملاحقة لنشاط مقطوع.

واستخدمنا كلمة الدلالة عمدًا للتشديد على واقع

أساس، على الإرجاع: فالحافز إرجاع، وهو الشكل

الأكثر غِلظة والأكثر فورية في الإرجاع. وإن هذه

السمة المشتركة هي التي تُفَظ إذا ما انتقلنا من

الإحساس الحيواني إلى الإحساس البشري.

فليست الغيمة السوداء هي ما أرى، حين أتجوّل في

البرّية، بل أفكّر في المطر: هل سيتوافر لديّ الوقت

الكافي للعودة إلى البيت قبل العاصفة؟ فالمؤشّ لا

يسبق الدلالة والتمثيل، بل هو جزء منهما، وليس

التمثيل هو إعادة إنتاج أغراض العالم. ولقد

تحققتُ بشكل أو بآخر من الغيمة العابرة، لكن

ليست هي ما رأيت وليس فيها تفكّري. فدلالة

الغيمة هي تحديدًا كلّ ما ليس بالغيمة، إنّا كلّ ما

ترجعنا إليه دونما تحديد. أحاول «رؤية» المنظر، أو

«رؤية» الجانب الأيسر من ربيعبوتيتشلّ: الحق أنّ

لا أرى شيئًا ولا يسعني سوى التحديق في بقعة أو

شكل لحين تشوّش رؤيتي - وهي تقنية معروفة في

التأمّل التنويمي- أو أنّ حينها أُصدِر أمرًا لنفسي.

فما هي الألوان؟ وماذا تمثّل البقع والأشكال؟ وما

هو هذا الشيء؟... إلخ. وما يصحّ على المؤشر

والتمييز يصحّ على اللغة أيضً. وإذا ما سمّيت ا

الوردة، فليس ذلك بلقاء فعلين يشكّل أحدهما

الكلام والآخر الشيء، في الوحدة المقصودة

لفعل واحد يسمّي ويصوغ كذلك. إذا ما سمّيت

الوردة، فقد غدت غائبة وما عادت هنا. فالكلام

دائمً هو التفكير بشيء آخر. ورؤية العالم تفسيره.

والكلام تفسير. والتفسير قائم في الأساس نفسه

لعلاقتنا بالعالم وبالكلمة. هي إذن حركة واحدة

تقودنا إلى تفسير العالم وتفسير الكلام، أي إلى

الإدراك أو المعرفة أو الكلام أو التفكير. وهكذا

نفهم أن يكون التفسير أصلَ الإجراءين الكبيرين

اللذين تنتمي عبرهما الحضارات التقليدية للعالم

المحيط بها: تفسير الإشارات وتفسير الكلام.

فهنالك تفسير الإشارات من ناحية: طيران

الطيور، أكباد الأضاحي وأحشاؤها، والمطر أو

الجفاف أو الكوارث الطبيعية. ففي الحضارات

التقليدية اختصاصيّون يتولّون إيضاح دلالة

الحوادث والأشياء. وإن المفهوم الأكثر تداول

لتلك الممارسات يؤكّد المسافة القائمة بين «العقلية

القبمنطقية» التي تفسّ التنجيم وعقليتنا التقنية

والعقلانية التي تنفيه. يبقى أن ما يهمّنا هنا هو

ثبات بنية مشتركة، هي بنية تفسير. إن رفًا من

السنونو على الأسلاك الكهربائية، هو أيضًا بالنسبة

إلى جميع الذين يعرفون الريف مؤشّ على الطقس

الرديء المقبل. أمّا في نظر الأطفال، فمؤشر على

بدء قنص الطيور. وهنالك أخيرًا من لا يلحظه

أبدًا. والعالم ممتلئ بالنسبة إلينا أيضًا بإشارات

ووقائع وحوادث تكلّمنا. والفارق الوحيد أنّا

لا تتكلّم اللغة نفسها. فالأغراض التقنية حلّت

في محلّ أغراض الطبيعة، لكنّها تُرج ع إلى ما ورائها

بعيدًا، كما الحيوانات والظواهر الطبيعية. ولئن

رأيتُ قطارًا أو طائرة أو عربة، فإنّ أنظر إلى ما

وراء كلٍّ منها. وإن ما يُدعى أساطير الماكنة ليس

أقلّ كثافة ولا أقلّ ثقلً من أساطير الثقافات

التقليدية ذات الشكل الإنساني. فلا يكفي تفسير

أشياء العالم، بل ينبغي أيضًا تفسير الكلام: وكلام

الآلهة في البداية. فحين يتكلّم الإله بلسان وسيط،

ينبغي لاختصاصي إيضاحُ الرسالة التي هي غالبًا

غامضة أو ملتبسة. وليس من فارق أساس في

ثقافات كثيرة، بين أشياء العالم والكلام الربّاني:

فالرعد صوت الرب، وليس العالم سوى لغة

أخرى يكلّمنا الإله عبرها. ولئن كانت الأرباب

لا تتكلّم مباشرة، فذكرى زمان وجودها تظلّ على

الأرض. وإنّ آثار ذلك الوجود الأولي محفوظة

في نصوص نتناقلها من جيل إلى جيل - هي

الأساطير- وفي طقوس نكرّرها بانتظام. وينبغي

تفسير تلك الأساطير وتلك الطقوس. والمهمّ هنا

أيضًا تأكيد التواصل القائم بين التفسير الشخصي

والتفسير الاختصاصي. فالتراب الأحمر الذي يظهر

في طقس ما، ليس ترابًا أحمر فقط، إنّه دم الطمث

أيضًا أو دم الجدود. ويعرف جميع المشاركين في

الطقس واحدة أو أكثر من الدلالات المرتبطة

بالغرض نفسه (٨). ويستطيع المفسّ المحترف إكمال

مجموعة الرموز وإغناءها، وإقامة علاقات معقّدة

ومنتظمة بين أقسام الطقس المختلفة أو بين طقوس

مختلفة، بل يستطيع أن يبني، على نمط الحكيم

أوغوتوميلي (Ogotoméli) الذي استشاره غريول

(Griaule)، مفهومًا للعالم متكاملً ومتجانسًا،

فيقع تفسيره دائمً ضمن استمرارية التفسير الذي

يعيشه المؤمنون. ومع ظهور ديانات الخلاص

التوحيدية وتطوّر الكتابة، ظهر نوع جديد من

الكلام، هو كلام مكتوب لكنّه مؤرّخ ويظهر على

شكل كتاب تأسيس. والمقصود نصّ، مُنزَل أو

غير مُنزَل، تتجسّد فيه القيم الأسمى لثقافة ما:

القصائد الهوميرية، أو دواوين شعرية، أو كتب

حكمة صينية، أو التوراة أو القرآن. ويجري تعلّم

تلك النصوص منذ الطفولة لأنّا تَستخدِم في

تلقين الأجيال الجديدة قيمَ الثقافة التي يعيشون

في كنفها. فيؤدي كل شيء حينها إلى تعداد ووفرة

في التفاسير: فمن الضروري، كلمّا تقدّم النص

زمنيًا، أخذُ تلك الشقة بالحسبان وشرحُ ما لم يعد

يكلِّم المعاصرين مباشرة. وهكذا ينشأ التفسير،

وهو علم مستقل يتولّ تفسير النصّ المؤسِّس.

ولا تقع السمات المميزة لهذا التفسير في الديانات

الكتابية فقط - بالمعنى الذي يعطيه الإسلام لهذا

التعبير- بل في جميع الحضارات الكتابية أيضً، ا

حيث المرجعية فيها، أو الدليل الرئيس، كتاب

واحد أو مجموعة من الكتابات. فما الذي يحتاج

إلى تفسير في الكتابات؟ سبق أن لاحظنا أن معنى

الكلمات تغيّ لبُعد الشقة: فينبغي شرحها. لكنِ

يحدث غالبًا أيضًا أن النصّ المقدّس كُتب بلغةِ

خاصة، لغة تقارب الشعر أو الفصاحة المنمّقة:

فينبغي إذن أن نتُرجِم لمصلحة الذين لا يفهمون

أو ما عادوا يفهمون أبدًا. وكما كان التلميذ اليوناني

أو الروماني يكتب على عمودين اثنين كلمات

هوميروس أو فيرجيل وترجمتها باللغة اليومية،

كذلك المؤمن يسعى وراء شرح الكلمات التي لا

يفهمها. ولا يسع الشرح التوقّف عند الكلمات،

لأن الأشياء نفسها والوقائع والحوادث قد تكون

اختفت أو تغيّ معناها. وقد تكون الحاجة ملحة،

ولاسيما حين يكون المقصود نصًّا أعلنه نبيّ دخل

الواقع التاريخي ويمكن لأفعاله وحركاته أن

تشرح معنى رسالته. فالمصدران الأولّان للشريعة،

في التراث الإسلامي مثلً، هما القرآن والحديث

أي الحكايات التي تسرد سلوك الرسول: فتتيح

تلك الحكايات فهمً أفضل للآيات المنزلة، وتلقي

إضاءة تحدّد معناها بدقة. وذكرنا من بين الأسباب

الداعية إلى التفسير، الشقة اللغوية وضرورة شرح

الأشياء. لكن النصّ نفسه يطرح مشكلات أخرى

لا يحلّها سوى التفسير. فقد يكون معنى النص

غامضًا في بعض المواقع: ماذا تعني على سبيل

المثال الحروف التي نجدها عند مستهلّ عدد من

سور القرآن؟ ويمكن للنصّ المنزل، الغامض في

بعض المواقع، أن يكون ملتبسًا في مواقع أخرى،

كما حال الوحي ذي المعاني العديدة في العالم

اليوناني- الروماني. وإنّ آية من القرآن، حساسة

هي نفسها حيال التفسير، تؤكّد الالتباس المحتمل

للوحي: ﴿ منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأُخَر

متشابهات ﴾ (٩). فعلى المفسّ طبعًا أن يُزيل التشابه.

ويمكن للنصّ المنزل، حتى وهو واضح، أن يطرح

مسائل شاقة حين يبدو متعارضًا مع نفسه، بوجود

مقطع يناقض صراحة ما جاء في آخر. وإن فرعًا

من التفسير القرآني مخصص بكامله لهذه المسائل،

في ما يُدعى بحث الناسخ والمنسوخ. فيجري حل

التناقضات في النصّ باللجوء إلى التسلسل الزماني:

المتفق عليه أن الله نسخ آيات فاستبدل بها أخرى. ويمكن حل الغموض والالتباس والتناقض

باللجوء إلى طريقة أخرى، هي التفسير المجازي.

وقد تظهر أهمية هذه الطريقة خصوصًا حين يرى

القارئ أو المؤمن تناقضًا بين الأهمية والعظمة

للناس والحوادث، الذين يتناولهم النصّ، وبين

ضِعة التعابير أو الوقائع المقترنة بهم: إن التفسير

الرواقي لقصائد هوميروس يرمي إلى رفع

ذلك التناقض برؤيته في المغامرات، السوقية أو

الفاضحة، التي يقوم بها أرباب الأولمب وربّاته،

صورة واقع فلسفي وأخلاقي عميق لكنّه خفيّ.

كذلك هي حال مفسّي التوراة العقلانيين إلى

حد ما، ومعلّقي المعتزلة على القرآن وهم يرون

مجازًا حيث يتكلّم النصّ عن يدي الله وعن نظره

وعرشه. وهكذا يظهر في التفسير البُعد غير المباشر

للغة، والاستعارات والكنايات والمجازات.

لكن ينبغي عدم إقامة قطيعة، على نحو ما يحصل

غالبًا، بين المجازي والحرفي، وبين الكلام المباشر

وغير المباشر. ذلك أن الكلام المجازي يشكّل

بُعدًا أساسًا من كلام البشر: فهو غير مقصور على

الاستخدام الأدبي، بل ماثل في جميع سجلّ ت

الكلام وتنوّعاته وميادينه. وهو ما يهب الكلام

مرونته وقدرته على أن يُبدِع في كل آنٍدلالات

جديدة. فنظرية التفسير، على نحو ما تظهر في

كتاب القديس أوغسطين دوكترينا كريستيانا

(عن العقيدة المسيحية)، نظرية مخادعة في تفرّعها

الثنائي الفاصل بين الكلمات والرموز، بين كلمة

«بيير» التي تُرج ع إلى الصخرة وكلمة «بيير» التي

تُرجِع إلى ما وراء الصخرة الواقعية، إلى معنى ثانٍ،

نظرًا إلى أن الصخرة تذكير ورمز لواقعة وردت في

الإنجيل ولها معناها في حياة المسيحي (٠١)، ونظرية

التفسير المسيحية القروسطية أكثر تعقيدًا لأنّا تميّز

ثلاث سويّات في النصّ المنطوق: - المعنى الحرفي. - المعنى المجازي، الذي يتحوّل المنطوق عبره عن

معناه الخاص فيعني واقعًا آخر، غير الذي يعنيه

عادة، وهي حال يدَي الله أو نظره. - المعنى الرمزي الخالص، الذي يغدو فيه إرجاع

الكلمة الماثلة في النصّ مزدوجًا. إنه يُرجع مباشرة

أو بصورة غير مباشرة، واقعًا من العالم، وهذا

الواقع من العالم يُرجع إلى واقع آخر أخلاقي أو

ديني - تتغيّ مواضع الإشارات حينما الأشياء

التي نقصدها بكلمات خاصة، تعني بدورها شيئًا

آخر (١١). ولا يأخذ ذلك الإرجاع الثاني معناه، إل

ضمن إطار إدراك عام للعالم، ويكون العالم نفسه

ضمن ذلك الإدراك لغة يخاطب الله بها الناس:

فليست الحكايات التوراتية فقط ذات معنى

مباشر، بل التاريخ كله وجميع الظواهر الطبيعية

التي تكلّمنا (٢١). ونعود فنقع على تلك الصلة

بين العالم واللغة التي أشرنا إليها: اللغة والعالم

يتبادلان أدوارهما أو بالأحرى يطبّقان خصائصهما

الواحد على الآخر، ويتبادلان مزاياهما. ليس تفسير الكلمات وتفسير الحوادث الوجه

الآخر للكلام أو خلفية الكلام، أو مظهرًا ثانيًا

وخصوصيًا، وكأنّ الكلام الحقيقي كلامٌ مباشر،

وأن غير المباشر لا يعدو كونه نامية فطرية أو زائدة

منفصلة: فالتكلّم تفسير، وليس من انقطاع بين

المعنى الخاص والمعنى المجازي، أي بين الشيء

الملموس وما يمكن أن يُرجِع إليه. ومن الجليّ

والواضح أن المعنى المجازي ماثل أينما كان في

الكلام وليس من فصل مسبق ما بين الاثنين:

فالفارق المتحوّل والمتغيّ، متكوّن، بل هو نفسه

فعل تفسير (٣١). فما حال الاستعارة في لغز رمزي؟

إن المقصود حصرًا هو الرمز بالمعنى الأكثر شيوعًا

للكلمة، أي حين يستثير واقعٌ طبيعي، بالترابط

أو بالإرجاع، واقعًا آخر (ونجد تعريف القديس

أوغسطين، ثابتًا تقريبًا). والحال أن تلك هي

الخاصّية الأساسية للفكر واللغة: يُرج عُ الغرض

دائمً إلى شيء مغاير له. فليس الشعار المرمّز -

ميزان العدالة - سوى حالة خاصة لتلك الظاهرة

العامة، حين يكون الإرجاع الأول كأنّه محدّد

المسلك بعادات الثقافة وتقاليدها. وينبغي بصورة

عامة، إفساح مجال خاص داخل تلك الرمزية،

لحوادث التاريخ البشري، التي تشكّل قسمً متميّزًا

من أغراض العالم. وهذه الحوادث نفسها هي نقطة

انطلاق لسيرورة تفسير غير محددة. وغالبًا ما يكون

بعض تلك التفسيرات مرمّزًا في الثقافات التقليدية،

فيوَلّد أنماطًا من الخطاب، لأجناس أدبية ذات

وظيفة اجتماعية. ويقول جولي إن الخرافة الدينية

وُلدت من استعداد روحي خاص يهبها معناهاِ،

أي المحاكاة. فالخرافة مثال يُتذى. لكنها أيضًا

حال أشكال بسيطة أخرى تولّ جولي تحليلها (٤١):

الأسطورة، التي تكرِّر ما جرى في زمن الأصول،

والمثَل، الذي يعبّ عن حكمة تطبَّق في الأحوال

كافة. ويمكن لمآثر بطل أن تغدو أمثالً تُتذى. كما

يمكن للقصص، بوصفها أنماط سلوك، أن تدخل

في علاقات مع قصص أخرى تبشّ بها وتكمّلها.

فلدينا حينها جميع أشكال التصنيف، التي يمكن

فيها، لحادث من العهد القديم، على سبيل المثال،

أن يبشّ بحادث من العهد الجديد، يكمّل الوعد

المتضمَّن في الأول. ولدينا في الأحوال كلها البنية

نفسها من إرجاع وتطبيق: فحكاية تستدعي

حكاية أخرى أو تذكّر بها أو تعلنها. ولا ريب في

أن الأهمّ في التفسير بين تلك الإرجاعات كلها،

هو ذلك الذي يُعصَرِ ن النصّ. أمّا النظرية القروسطية لمعاني الكتاب المقدس

الأربعة - أو المعاني المتعددة التي ليست دائما

ممنهجة بالطريقة نفسها- فنعتقد أنه لا يمكن

فهمها من غير اللجوء إلى مفهوم العصرنة هذا.

وينبغي التمييز من جهة، وفقًا لتلك النظرية،

ومن أجل تفسير النصّ المُنزَل، بين معنى حرفي

أو تاريخي، هو نفسه بسيط أو مجازي، ومعنى

روحي من جهة أخرى، هو معنى ثان يأتي ليُضاف

إلى المعنى الأول. وينقسم المعنى الثاني بدوره إلى

ثلاثة معانٍمتميّزة: المعنى المجازي أو النموذجي

حين تعني وقائع الشريعة القديمة وقائع الجديدة.

والمعنى الأخلاقي أو الثالوثي، حين تكون حياة

المسيح الإشارة إلى ما ينبغي أن نقوم به بأنفسنا.

وأخيرًا المعنى التأويلي أو الشامل، الذي يحدّثنا عن

المجد الأبدي، أي يكشف لنا عن المكانة أو الوظيفة

لحادث ما، ضمن التناسق العام للرؤية المسيحية

للعالم (٥١). وعندها يظهر لنا بوضوح، أن المعاني

الروحية الثلاثة هي المعاني التي تعصرن النص:

توافق العهد القديم مع الجديد، ودرس أخلاقي أو

درس يتعلّق بانسجام الخلاص، هي تقنيات ترمي

إلى أن تجعل النصّ يُظهِر ما يُبهج المؤمن اليوم

والآن. ويكاد يكون في وسعنا القول إن المعاني

الثلاثة، الروحية الخالصة، هي معان تأويلية، أي

إنها تحدّثنا بنبضتها الأخيرة عن الخلاص: «والحال

كذلك إلى حدٍ بعيد مع الكتب المقدسة التي كتبت

لفكر الناس وتعاقب الأجيال كلّها، واستباقًا

لجميع الهرطقات وتناقضات الكنيسة وظروفها،

وللمختارين أيضًا على وجه الخصوص، إذ ينبغي

ألّ تفسَّ فقط وفقًا لانتشار المعنى الخاص بالمكان،

وعلى التوالي بمنظور المناسبة الراهنة التي نُطِقت

فيها الكلمات، أو تحديدًا بالتوافق والانسجام مع

الكلمات الواردة من قبل أو من بعد، أو باعتبار

المدى الرئيس للمكان. لكنّها تحمل في ذاتها ينابيع

وأنهارًا بلا حدود في العقيدة لم يُنهل منها كلّيًا

وجماعيًا فقط بل باستغراق في العبارات والكلمات،

لإرواء الكنيسة من النواحي كافة. فالمعنى الحرفي

إذن هو التيار الرئيس للنهر إن صحّ القول. لكن

المعنى الأخلاقي أيضًا بشكل رئيس، وأحيانًا

المجازي والتصنيفي، هي معان أكثر استخدامًا

لدى الكنيسة»... (٦١). يقرّب الحرص على العصرنة التفسير الديني من

التأويل الفقهي. والواقع أنّنا ننسى في أغلب

الأحيان، ونحن نقارب التأويلية الدينية، أن

النصّ الديني يُستخدَم نمطًا في السلوك فينَمُّ عليه

ويوعِزُ به: النصّ الديني قانون أيضًا يرشِدنا كيف

نتصرّف. وينبغي للقانون الديني والأخلاقي

والفقهي أن يُطبَّق. والحال أن القانون عام،

وهذه العمومية، وفق اعتقادنا، خاصية أساسية

للقول والرمزية: فالقول وحده يستطيع فرض

العمومية. فكيف الانتقال من القاعدة العمومية

إلى الحالات الخصوصية؟ ومثلما هنالك مفسّ، ون

كذلك فإنّ في جميع الثقافات التقليدية أشخاصًا

يحلّون المشكلات، من هواة وممتهنين، فيتولّون

تطبيق القانون الديني أو الأخلاقي أو الفقهي،

في جميع الحالات الخصوصية التي تظهر. فينبغي

تفسير نصّ القانون، وإنّ ما يطلق عليه الفقهاء

اسم التقنية التأويلية لتفسير القانون الفقهي تطابق

تمام المطابقة تقنيات التأويل. كان على مجموعة

القوانين النابوليونية التي اعتُبِت طول القرن

التاسع عشر الإنجاز الحاسم للعقل القانوني،

أن تتضمّن المعطيات القانونية الكافية لحل جميع

الحالات الخاصة التي يطرحها تطبيقها. فيكفي

إذن حسن تأويل المجموعة للوصول إلى الحل

السليم: إن المجموعة هنا هي المعادل التام للكتاب

المُنزَل، لأن عليه وحده أن يكفي لتحليل جميع

المسائل التي يطرحها هو، ويطرحها تطبيقه.

وإن الاستنباط بالقياس هو واسطة الأساس

في التفسير بجميع أشكاله. وإن تاريخ الشرع

الإسلامي مليء بالإرشادات في هذا المجال. فحين

ألحّ بعض الفقهاء على ضرورة تأويلٍمحصور

بالمصادر وحرفي، تم الوصول إلى الاستنباط

بالقياس ليغدو أحد مصادر التشريع من بعد

القرآن والحديث وإجماع أهل السنّة. فأضحى

الاستنباط بالقياس يؤدي دورًا مركزيًا في جميع

ميادين الفكر والعلوم في الحضارة الإسلامية

الكلاسيكية، كما الحال في مجالات النحو والفقه

والعلوم الفيزيائية والفلسفة. والواقع أن التشابه

في نمط من القياس يتيح في الوقت عينه المنهجة

والتطبيق. ولقد رأينا أنمّا المسألتان الأساسيتان

المطروحتان في تفسير النصوص، أيًا يكن نوعها.

والبنية الشكلية للمسألتين متماثلة: فينبغي في حالةٍ

جعلُ مختلف أقسام نصّ ما متساوقة، ومن الملائم

في الحالة الأخرى إدخالُ حالة خاصة في زمرة لم

تتوقعه صراحة. وعلى كل حال، فالمقصود هو

الانسجام والتنظيم في ما لم يكن كذلك حقًا أو لم

يكن تقديريًا. بل يسعنا إحلال انسجامات أكثر

دقّة بين العمليتين. إن التفسير المجازي، الذي

يجعل النصّ منسجمً مع ما نعرف خارجًا عنه في

العالم وخصائصه، يطابق الإفتاء الذي يقيم صلة

بين حادث لم يتوقعه القانون وحادث جاء إلى

ذكره صراحة: إن الإفتاء حالة نقل مجازي. والبنية

الشكلية هي كذلك، حيث المقصود الاستنباط

بالتشابه صراحة والتي عرّفها أرسطو مسبقًا

بصيغة الافتراض: إن «» بالنسبة إلى أ «» هي ب

«» بالنسبة إلى ج «». فإذا ما استخدمتُ «كأس د

أريس» للدلالة على درع إله الحرب، فأنا أفترض

تطابقًا أو قياسًا بين العلاقات التي تربط الرب

آريس بدرعه من جهة، وبين ديونيزيوس بكأسه

من جهة أخرى. وأفسّ على النحو ذاته «يدي الله»

بإثبات علاقة بين الإنسان ويده من جهة، وبين الله

وقوّته من الجهة الأخرى: فالقدرة منسوبةً إلى الله

هي اليدُ بالنسبة إلى الإنسان. وسواء تعلّق الأمر بمنهجة أم بتطبيق، فالتفسير

مفتوح بالضرورة: لا يستطيع أي معيار أو أي مبدأ

- ما لم يكن مفروضًا من الخارج فرضًا تعسفيًا - أن

يضيّق على الممارسة. وليس من تفسير بلا تصارع:

وتصارع التفسيرات مدوّن، من الأصل، في أهدافه

وطرائقه. فتأتي من هنا ظاهرتان اثنتان لا تفترقان،

هما ظاهرتا الفيض من التأويلات وتصادم الملل.

ولا بدّ من الشروح لتنظيم التنزيل والعقيدة

والقاعدة وتطبيقها. لكن التعليقات التي تقودها

أشكال حرصها المتشعبة في العصرنة، من وجهات

النظر المختلفة حول النصّ وتطبيقاته، فإنّ بعضها

يعارض البعض الآخر بالضرورة. والتطوّر هو

نفسه بشأن الكتاب المقدسوالقرآنأو نصوص

الآباء مؤسسي الماركسية: ماركس وإنغلز ولينين. ومن الضرورة بمكان، على الرغم من تلك

الاستفاضة في التفسيرات، الإشارة إلى أن هذه

الوفرة أمر واقع وغير موجب: فكل مفسّ مقتنع

بامتلاكه الحقيقة والمعنى، معنى النصّ الوحيد

والأوحد. فماذا نستبقي من صيغة العمل الأولى هذه

حول التفسير؟ هنالك أولً أن اللغة ليست شفّافة،

ولا أكثر شفافية من العالم الذي تُرجِع إليه. فليس

من شيء يشبه معنى، أو المعنى القائم هنالك ويكفي

اكتشافه: فالمعنى مشيد بعمل التفسير الذي لا يقوم

إلّ بأن يتابع، وبمنهجية أكبر، الإرجاعَ الثابتِ

للإشارة نحو إشارات أخرى. ومن ناحية أخرى،

فالإشارة والرمز لا ينفصلان عن القاعدة: فالنص

في هذا النمط الأول من التفسير هو قاعدة وعقيدة،

وعليه أن يُستخدَم لاستنباط قواعد تيسّ تطبيقه. أخيرًا، فالنصّ مقدّم، وهو منزل من الله أو

موضوع من قبل المشرّع الأسمى، لكنّه بحاجة في

كل وقت إلى التحديث، فالمرء لا يقرأه ولا يفسّ ه

إلّ لأنّه قاعدة حياة. فالنصّ إذن هو الذي يشكّل

هنا البعد الأساس للتأويلية: الله تكلّم ثم استراح،

ويبقى نصّه وحده هنا ليرشدنا. ولا يسعى المفس

إلّ وراء معنى هو هنالك مسبقًا، فلا يجرؤ على

الامتراء ولا حتى على المجاهرة بأنّه حرّ في القيام

بذلك على هواه.

العثور على النص

حصل مع عصر النهضة ودراسة الآداب القديمة

والإصلاح، تحوّل عميق في التأويلية، وهو

تحوّل أحدثته أسباب شتى، لكنّها متقاربة. وقد

أدّت وفرة التفسيرات دورًا أساسًا في التأويلية

القروسطية، وهو دور أساس لكنّه موضوعاني:

فكانت التفسيرات تتصادم في فوضى الحاجات

البشرية، أمّا قانونًا فحاجة واحدة، كانت وينبغي

أن تكون ويمكن أن تكون، حقيقية. فعصر

الإصلاح فجّر فضيحة التفسيرات المتباعدة التي

تتشكّل متخاصمة وتتعارض بلا تبسيط في ما

بينها. وفضلً عن ذلك، فإن التأويل الكاثوليكي

يندرج في عُرف يضمن استمرارية التفسيرات.

وفي المقابل، فقد رمى عصر الإصلاح إلى القطيعة

مع هذا التقليد وهيّأ وضعًا ممتازًا للصلة المباشرة

مع النصّ المنزل لاستخلاص المعنى منه. وهذا

المعنى هو في الوقت نفسه راهن - المؤمن الذي

يقرأ التوراة لنفسه، يجد فيها، كما يجد الثوار

الكالفينيون، إعلانات متعددة أو مبرّرات لعمله

- ومفقود: إنه مفقود لأن المعنى الأصلي للرسالة

اسودّت صفحته بسبب التراث وتراكم التعليقات

التي يجب التخلّ عنها وتجاوزها للعثور على المعنى

الأول.

النزاع والقطيعة

إنمّا العاملان الاثنان لموقف جديد حيال النص

المنزل. وليس هذا الوضع خاصًا بدراسة التوراة،

لأننا نقع عليه تحت شكل ضئيل الاختلاف، في

تفسير جميع النصوص، الأدبية أو القانونية أو

التاريخية. وتولد دراسة الآداب القديمة وعهد

النهضة، إلى حد كبير، من شعور بالقطيعة. ولئن

استطاع العصر الوسيط استخدام تركة العصور

الكلاسيكية القديمة من غير شكوك وبلا طريقة

نقدية، فلأنه كان بكل بساطة لا يزال حيًا؛ فقد

مثّل الرسامون والشعراء أبطال العصور القديمة

بملابس وسلوكات تشبه المعاصرين لأنّم

تخيّلوهم باستمرارية تامة لثقافتهم الخاصة:

يظهر بيرام وتيسبيه (٧١)، في مخطوط لأوفيد يعود

إلى سنة 1289، مثل أناس العصر الوسيط، فلا

يميزهما شيء - من ناحية الزخرفة أو الملابس

أو السلوكات، وحتى في طرائق التفكير- من

معاصري مصوّر المنمنمات (٨١). تأخذ دراسة الآداب القديمة وعصر النهضة

جذورهما، بطريقة مفارقة للوهلة الأولى، من

وعي قطيعة ومن مسافة لا يمكن تجاوزها: ما عاد

بيرام وتيسبيه، كما حال الإسكندر أو شيشرون،

معاصرين لنا البتة؛ فأن يكون المرء ذا نزعة

إنسانية هو أن يعثر على ما كان مفقودًا، أي على

ما عملت قرون عديدة على إتلافه وإفساده. فيلزم

إذن التمييز بين القديم والجديد، وبين الأصيل

والمزوّر، والصحيح والغلط. وحينها نرى الوضع

جديدًا تمامًا سيمثل أمامه ذاك الذي يريد تفسير

أحد النصوص: في ما مضى، كان النصّ الصحيح

يُعطى، فيكفي جلاء ما جاء فيه. أمّا الآن،

فالنصّ غير معطى، فينبغي بناؤه أولً، وإعادة

بنائه بحرفيته الأصلية. ينبغي العثور على لاتينية

شيشرون السليمة التي أفسدها علماء الكلام، لكن

ينبغي أيضًا العثور على نصوص العهود القديمة،

وتمييز النصوص السليمة من النصوص المشوهة،

وتمييز الوثيقة الأصلية من الوثيقة التي صاغها

أحد المزوّرين، كأن نلاحظ على سبيل المثال أن ه بَة

قسطنطين وثيقة مزوّرة بكل تأكيد، فينشأ حينئذ

انضباط نشوءًا تدريجيًا ليتولى هذه العملية من

التطهير والتنظيم وتحليل النصوص، والتي أ طلِق

عليها اسمُ الفنون النقدية أو النقد، وهي الكلمة

التي استخدمها ريشار سيمون في الكتابين اللذين

أسّسا النقد التوراتي بالمعنى العصري للكلمة،

التاريخ النقدي للعهد القديم (1678) والتاريخ

النقدي للعهد الجديد (1689). ولم يقدّر مؤرّخو

التأويلية ومنظروها، من ديلتي إلى غادامر، أهمية

النقد ضمن ذلك التفضيل التقني. وليس في

الواقع التفسير الكاثوليكي أو البروتستانتي هو

الذي يحدّد عهدًا جديدًا في تاريخ التفسير، ذلك

أن هذا التفسير لا يُدخِل قط من عناصر جديدة

بالنسبة إلى التفسير القروسطي التقليدي. لم يكن

دارسو الآداب القديمة بلا أسلاف في عملهم

النقدي - يسعنا على سبيل المثال أن نتذكّر البحّاثة

الإسكندريين-، لكنّ نقد هؤلاء الدارسين

واتساعه ومداه تظلّ غير مسبوقة؛ إذ ينبغي أخذ

النقد بمعناه الاشتقاقي: النقد هو مجموع العمليات

التي تسمح بالتمييز بين الحق والباطل وإصدار

حكم قطعي على نصّ أو على حادث. ولسوف

يؤدي هذا النقد، المطبّق على النص أولً، إلى النقد

الفقهي اللغوي والنقد التاريخي للقرن التاسع

عشر. ويسعنا استخدام التمايزات التي ستغدو

كلاسيكية في هذا العصر، لكن أصلها يعود تحديدًا

إلى عصر النهضة. فالنقد بادئ ذي بدء نقد أصالة:

هل يعود النصّ بتاريخه حقًا إلى الحقبة المنسوبة

إليه؟ وهل مؤلّفه هو حقًا ذاك الذي يعترف به

التراث؟ وعلينا أن نتفهّم الهزّة التي أحدثتها

تلك الأسئلة حين تناولت كتابًا مُنزَلً، وحين تمّ

بمنهجية، في القرن الثامن عشر، اعتبارُ العهدين

القديم والجديد أعمالً بشرية، دونّها «مؤرّخون

بشر ليس إلّ»: إنّه التعبير الذي يستخدمه ليسينغ

في مذكّرة سنة 1778 حين يسعى إلى حلّ المسألة

الإيزائية للأناجيل (٩١). وفي الفترة نفسها تقريبًا

كشف العلّمة أستروك بكل وضوح عن وجود

روايتين متوازيتين في سفر التكوين لكن بوحي

مختلف. ويمكن لنقد الأصالة أن يعتمد على معايير

خارجية وداخلية، وأن يتناول وثائق تاريخية أو

أدبية أو دينية. يبقى أنه يظلّ نقدًا عبر واحدة من

طرائقه والأسئلة التي تنوي أن تجيب عليها: ينبغي

لجميع النصوص، أيًا تكن طبيعتها أو عملها،

الخضوع مسبقًا للصلاحية نفسها، ولمحكمة العقل

نفسها التي تحكم على المزاعم التي يمكن أن تصدر

عن نصّ ما لمصلحة حقيقته. ويقع هنا في الواقع المعنى الأصلي للمسعى

النقدي الذي نوى كانط أن يُضِع له المعرفة.

وهنالك العديد من المسائل الأخرى المطروحة

على النصوص: والمقصود بذلك نصّ منسوخ

في مخطوطات عدة، فينبغي إجراء موازنة بين

المخطوطات سعيًا وراء إنشاء النصّ الأصلي

ثانية، وهو النصّ الذي اشتُقّت منه النصوص

الأخرى كلها، وينبغي في سبيل ذلك التمييز بين

المخطوطات الجيدة والرديئة، وبين الدروس

الجيدة والسيّئة. وكلّها تقنيات تزداد إتقانًا شيئًا

فشيئًا للوصول إلى الصرح المدهش لفقه اللغة

الكلاسيكي على نحو ما يجري إعداده في القرن

التاسع عشر بطوله. ويغدو فقه اللغة النموذج

المستخدم مذ أن يتعلّق الأمر بدراسة نصّ، أيًا

يكن. ولنرَ على سبيل المثال كيف يرقّم لانسون

الأسئلة المتوجّب طرحها بشأن نصّ أدبي (٠٢): - هل النصّ أصيل؟ ولئن لم يكن كذلك، فهل هو

منسوب خطأ أم مختلق كليًّا؟ - هل النصّ صاف وتام دونما تلف أو بتر (...)؟ - ما تاريخ النصّ؟ أي تاريخ التأليف، لا تاريخ

النشر فقط. وتاريخ الأجزاء، لا التاريخ الإجمالي

للنصّ كله. - كيف جرى تعديل النصّ من الطبعة الأصلية

الأولى وحتى الطبعة الأخيرة التي أعطاها المؤلّف؟

وما التطوّرات في الأفكار والأسلوب المدوّنة في

النصوص المختلفة؟ - كيف تشكّل النصّ، من التخطيط الأولّي

حتى الطبعة الأولى؟ وما حالات الأسلوب وما

المبادئ الفنية، وما العمل الفكري الذي يتجل

في المسوّدات وفي مشاريع الكتاب، إذا ما جرى

الاحتفاظ بها؟ - يُصار بعدئذ إلى إثبات المعنى الحرفي للنصّ. ومعنى

الكلمات والصّيَغ عبر تاريخ اللغة والصرف وتاريخ

النحو. ومعاني الجمل عبر إيضاح المعاني الغامضة

والتنويهات المتعلقة بالتاريخ أو سيرة الكاتب. - ويجري بعدئذ إثبات المعنى الأدبي للنصّ، أي

تحديد القِيَم الفكرية والعاطفية والفنية.)...(ليست الطريقة محصورة في دراسة النصوص.

ويسعنا القول إن إرشادًا واحدًا هو منشأ علم

اللغة التاريخي والمقارن في القرن التاسع عشر.

وما عاد موضع بحث الآن بناء علم نحو عام قائم

على المنطق أو على الطبيعة النفسية للفكر البشري،

ويلزم فقط متابعة تطوّر الكلمات والأصوات

وعقد مقارنة بين هذه العناصر لنستخلص منها

قوانين التطوّر. وهنالك حركة متوازية في قيد

العمل هي الانفكاك الحاصل نفسه، في علم اللغة

كما في فقه اللغة: ما عاد المقصود عبور النصّ أو

اللغة للوصول إلى معنى الفكرة أو إلى بنيتها، بل

ينبغي، بخلاف ذلك، البقاء أولً على صفحة اللغة

والنصّ. وهذان الاثنان يكتسبان الآن سماكة خاصة

غير منقوصة، كان التراث يحظرها عليهما، ولم

يكونا لها قط سوى ثوب أو إشارة للفكر والواقع:

« إن الرنّات التي يرسلها الصوت هي رموز الحالة

النفسية، والكلمات المكتوبة رموز الكلمات التي

يرسلها الصوت» (١٢). وتغدو اللغة والنصّ من

أغراض الناس وسط أغراض أخرى للناس ينبغي

وصف خصائصها الخارجية والمنظورة، مثلما نقوم

بذلك حيال أغراض العالم المادي: إن الكلمات

والنصوص، من أصوات وحروف ومخطوطات،

ذات وجود مادي يتعذّر تبسيطه. والحق أن

الرواقيين أكّدوا الطبيعة الجسدية للكلام («الكلمة

جسد» (٢٢))، لكن المقصود الآن شيء آخر: إن

اللغة والناس مصيرهما مترابط ضمن إطار الفيزياء

الحديثة. وكما أن هنالك ميكانيكًا يسعه تقديم بيان

عن العالم بأشكال وحركات، هنالك «خطاب

فيزيائي للكلام» يجعل من اللغة حادثًا من العالم

المادي. فالكتاب والعالم يلتقيان بفضل هذا الكلام

الجديد الذي هو كلام الفيزياء الرياضية: إن كتاب

العالم، في نظر غاليليه، مكتوب بحروف رياضية.

ولئن كانت هنالك فكرة قبل الكلمات- الحوادث

أو بعدها أو تختلط الفكرة بها، فإن القول يتجسّد

وتتحوّل علاقته بالمتكلّم تحولً عميقًا. ترتكز الفيزياء الجديدة على وضعنة العالم، المفترق

الآن عن المراقب: ما عاد لصفات الغرض الثانوية،

أي تلك التي تظهر لحواسنا على الفور، من ألوان

وطعم وملمس، أي علاقة بالبنية الواقعية. إذن،

فإن معرفة العالم على حقيقته هي التخلّص من كل

ما يصدر عنا، عن جسدنا كما عن فكرنا، فهو مرآة

مخادعة للأحاسيس والأحكام المسبقة لطفولتنا.

إن معرفة العالم هي الانصراف إلى زهد يطهّره من

كل الظلمة الناجمة عن صلتنا به. إنه إذن التحوّل

نفسه الذي هو في قيد العمل في دراسة العالم

ودراسة النصوص: لكن لا يتوجّه إلينا لا هذا

ولا ذاك بحديث مباشر. وكما حال المنظار الذي

يكشف لنا، وهو موجه إلى القمر، أن الكواكب

ليست على نحو ما تبدو لنظرنا الحسّاس والمصاب

بالعمى، كذلك النقد المطبّق على النصوص، يرينا

أنها ليست شفّافة. وبدلً من أن يضعنا في حضن

السهولة المخادعة لدلالة فورية، يتوجّب علينا أن

نُخضِعها لعمل النقد الطويل. ويبرهن لنا المنظار

على عدم وجود نوعين من الوقائع، الوقائع تحت

القمرية الخاضعة للتغيير، والوقائع فوق القمرية

الثابتة والأبدية: ليس هنالك سوى فيزياء واحدة.

وكذلك حال النقد الذي يرغمنا على الاعتراف

بعدم وجود نوعين من النصوص، النصوص

البشرية المتبدّلة والغامضة، والنصوص المنزلة

الثابتة والحقيقية: ليس هنالك سوى نقد واحد

يُضع جميع النصوص للمعالجة نفسها. فقد كلٌّ من الفيزيائي والناقد براءة اليقين حيال

العالم وحيال النصوص؛ فالعمل الصافي للنقد

يُظهِر بُعدًا تجهله الفيزياء، هو بُعد التاريخ. ونحن

دائمً لا نقدّر أهمية التاريخ والنقد في ميلاد العالم

الحديث حقّ التقدير، فتطوّرهما يوازي تطوّر

الفيزياء، ولا ريب في أن أهميّتهما تماثل أهمّيتها. بل

ربما لا يكون تطور الفيزياء مفهومًا ما لم نضع في

الحسبان انتظام النقد: إن الثورة الغاليلية لا تقبل

الانفصال عن الثورة النقدية. ومن الواضح،

على سبيل المثال، أن نقد الأحكام المسبقة وأوهام

الوعي هو نقل طرائق الفنون النقدية إلى علومية

الفيزياء. إن علماء من أمثال لايبنتز وسبينوزا يعون

تمام الوعي التقارب القائم بين طرائق الفيزياء

وطرائق النقد: «ألخّصُ هذه الطريقة بإيجاز قائل

إنّا لا تختلف بشيء عن تلك المتّبعة في تفسير

الطبيعة لكنّها تنسجم معها بكل شيء. وكما أن

الطريقة في تفسير الطبيعة تقوم أساسًا على النظر

إلى الطبيعة أولً نظرة مؤرخ، والخلوص بعد

الحصول على معطيات أكيدة، إلى تعاريف الأشياء

الطبيعية، كذلك الحال بالنسبة إلى تفسير الكتاب

المقدس، فمن الضروري تحقيق معرفة تاريخية

مضبوطة عنه، أي معطيات ومبادئ موثوقة،

لنتمكن من الخلوص بطريق حصيلات مشروعة

إلى فكر مؤلفي الكتاب» (٣٢). إن الهدف من التفسير هو العثور على معنى النص،

لكن نرى أن هذا المعنى، المبني بناء عسيرًا، لم

يُقارَب إلّ كأنه تحليل. ولنسترجع الأسئلة التي

ينبغي، بحسب رأي لانسون، طرحُها على النصّ:

فالخمسة الأولى تتعلّق بنقد أصالة النصّ وتكوينه،

ووحدهما السؤالان الأخيران يعكفان على

المعنى- المعنى الحرفي والمعنى الأدبي. فينبغي إذن،

قبل دراسة النصّ، الانصراف إلى تلك المقاربة

الطويلة القائمة على وضع النصّ في موضوعيته

العملية: فالمعنى الموضوع أولً بين قوسين

يبتعد، وعلى الناقد أن يقوم بانعطاف طويل قبل

الرجوع إليه. فالنصّ المفصول عن القارئ بتعتيم

غرضه، منفصل عنه أيضًا ببُعد الأزمنة واختلاف

الثقافات: فنحن ما عدنا نتكلّم لغة العبريين أو

الإغريق أو الرومان. والعالم الذي نعيش فيه، من

مدن ومنازل ومؤسسات وعادات وأفكار، قد

تغيّ تغيًّا كبيرًا. وهنا أيضًا كان دارسو الآداب

القديمة أول من وعى تلك الشقة والاختلافات،

فعملوا على إعادة الآداب القديمة ولغة القدماء

اللاتينية إلى صفائها (مراجعة لورنزو فايا)،

واسترجاع عادات القدماء وتقاليدهم (مراجعة

غويوم بوديه). فيأتي إذن، من بعد نقد الأصالة،

النقد النحوي أو اللغوي أو التاريخي: فلا يكفي،

من أجل أن نفهم أحد النصوص، وأن نفهمه أول

بمعناه الحرفي، أن نقرأه. ذلك أنه لا يسعنا، لدى

قراءته أول مرة، أن نكون واثقين إلّ من شيء

واحد، وهو أننا لا نفهمه كما ينبغي، ذلك أننا لم

نفهمه كما فهمه المؤلّف أو معاصروه. وينبغي

معرفة اللغة والتاريخ، فالكلمات والأشياء وجميع

مفاهيم النقد أو فقه اللغة تلتقي بهذين المكوّنين

الأساسين اللذين يأتيان تاليين لنقد الأصالة. يرى تحليل النصّ مصيره مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا

بمصير التاريخ، لا بطريقته فقط - يقول لانسون

«طريقتنا إذن هي الطريقة التاريخية، أساسًا-»...

بل بهدفه أيضًا. ذلك أن التاريخ الأدبي هو

التحوّل الأخير الإيجابي والعقلاني للنقد، وفقه

اللغة، هو - بحسب لانسون- جزء من تاريخ

الحضارة، لكن التي يأتيها بمساهمة لا تُستبدَل:

«لقد سجّلَ الأدب في تطوّره الطويل والغني

كلّ الحركة للأفكار والعواطف التي امتدت في

الوقائع السياسية أو الاجتماعية، أو توضّ عت في

المؤسّسات، لكنّه سجّل فضلً عن ذلك تلك

الحياة الداخلية والسرّية من الآلام والأحلام التي

لم تستطع أن تتحقق في عالم الواقع.» كان الفلاسفة الألمان الكبار في القرن التاسع عشر

أكثر وضوحًا في منظورهم وأكثر طموحًا في آن معًا؛

فكان في وسعهم، بوصفهم اختصاصيين بحضارة

كانت الوثائق الأكثر عددًا لمعرفتها أعمالً أدبية، أن

يقيموا تراسلً مباشرًا وتوازنًا مطلقًا بين التاريخ

وفقه اللغة: فالنصوص تنير التاريخ الذي يتيح

بدوره تفسير النصوص. وهنا تحديدًا نشأت الحلقة

التأويلية الأولى التي لم يستنبطها فقهاء اللغة قط

بتلك الصفة لكنّها تبدو لنا نموذج الحلقة الأخرى

التي سنلتقي بها بعد قليل. وإن الهدف المشترك

والوحيد لفقهاء اللغة والمؤرخين هو الانبعاث

التام لماض غال على قلب ميشليه: « إن فقه اللغة

هو دراسة العالم الكلاسيكي في كلّية حياته الفنية

والعلمية، العامة والخاصة» (٤٢)، أو هو، وفقًا لصيغ

بويكخ المدهشة (٥٢)، التعرّف إلى المعروف. إن طموح فقه اللغة إذن أكبر كثيرًا من طموح

تاريخ العقليات اليوم: إنه مجموع ثقافة يريد

إعادة إحيائها. وهذا المفهوم لفقه اللغة يقوم على

نحو ما أتينا إلى رؤيته، على حلقة تأويلية: ينبغي،

في سبيل فهم النصوص، معرفة اللغة والتاريخ،

ولا يسع اللغة والتاريخ بدورهما أن يصيرا

ظاهرين ومعروفين إلّ بواسطة النصوص. إنّا

مفارقة لها الصيغة الشكلية لما يسمّيه شلايرماخر

تسمية ملائمة بالحلقة التأويلية: لا يُفهَم نص

ما إلّ باللجوء إلى مجموع النصوص، ولا يُفهَم

مجموع النصوص إلّ بفهم كلّ نصّ. فالأمر يتعلّق

بتعارض الخصوصي والعام، والكلّ والجزء.

وعلى النحو ذاته، وفق شلايرماخر، فإن جزءًا

من النصّ لا يمكن أن يكون مفهومًا إلّ بالرجوع

إلى العمل بأكمله، في حين أن العمل كاملً ليس

مفهومًا بدوره إلّ إذا قورن معناه بمعنى مجموع

أجزائه. وإذا كانت الصيغة الشكلية للمفارقتين

الاثنتين متماثلة، فإن غايتهما مختلفة؛ فالأمر

متعلّق في حالة بمنحى تاريخي وثقافي، يضع فيه

الفيلسوف انبعاث ثقافة بجميع أشكالها هدفًا،

ويتعلّق في حالة أخرى، بالنسبة إلى المفسّ، بفهم

نصّ بمفرداته، وبما يقصد أن يقوله في أعماله،

أفلاطون أو روسو أو كتبة الأناجيل. ولا يقوم

السؤالان، أحدهما حيال الآخر، إلّ بالعثور على

الوضع نفسه للحلقة التأويلية. ويلحّ لانسون على

ذلك المظهر المزدوج من التحليل: « وهكذا فعلينا

الدفع باتجاهين متعارضين في آن معًا، استخلاص

الفردية، والتجربة بمظهرها الأوحد الذي لا يقبل

الاختزال أو التفكك، وأيضًا أن نضع العمل الرائع

في سلسلة، والعمل على إظهار الرجل العبقري

بوصفه نتاج وسط وممثّل مجموعة»؛ فهو مؤلف

تاريخ الأدب الفرنسي، وهو أيضًا من يتساءل

حول: « الوحدة الفكرية لجان جاك روسو.» ويسعنا القول في تلك الأثناء إن جهد فقه اللغة

الأساس شدّد على العصر أكثر من تشديده على

الفرد، وشدّد على الثقافة بمجموعها أكثر من

تشديده على الكاتب وعلى الدلالة الجوهرية لمؤلفاته.

إن طرائق فقه اللغة تقوده إلى الاهتمام بالأصول

أكثر من المؤلفات نفسها، وإلى التفريق بدلً من

الجمع: نكتشف كُتّابًا عديدين لسفر التكوين،

ونلمح وراء هوميروس جمعًا من المبدعين. وبناء

عليه، يولي الفقيه اللغوي اهتمامًا أكبر للكلمات -

للنحو والأشياء - للمؤسسات والعادات- أكثر

من دلالات العمل. وحسبه ليرضى أن يكون

قد أقام اتصالً بين الأشياء والكلمات؛ فالمشكلة

المطروحة في الحلقة التأويلية الأولى تنحلّ بكل يسر

في هذه الحالة الضيقة، وهذا الحل اكتشفه العالمون

بالنقوش: «إن مبدأ السلسلة هو في واقع الأمر

مبدأ أساس. فالكلام المعزول المدوّن لا يُفضي

إلّ بجزء من إرشاده. وهو لا يأخذ معناه الحقيقي

إلّ داخل سلسلة». وكلمّا كانت السلسلة فائضة

ومتنوّعة، أضحى الكلام المدوّن أكثر أهمية، وهي

القاعدة الذهبية التي أوضحها إدوارد غيرهارد

بشأن الصروح الأثرية كافة: «من شاهد صرحًا

واحدًا لم يرَ أي صرح. ومن رأى ألف صرح فقد

رأى واحدًا» (٦٢). إن الوضع السلسلي يحلّ على نحو تجريبي ونظري

المسألة التي تطرحها الحلقة والمفارقة التأويليّتان

بين الخاص والعام. والوضع السلسلي للمعطيات

المتجانسة، وهو يسمح بالتمييز بين الاستثناء

والقاعدة والمستديمات والمتطورات، هو العملية

التي تشكّل الواقع التاريخي بوصفه واقعًا. وإنّه

لدرس عميق ودفين في فقه اللغة، ولن يكتشفه

المؤرّخون إلّ في وقت متأخّر جدًا، مع بدء

اهتمامهم بالتاريخ المتسلسل. وفي المقابل، فإن

فقه اللغة لا يهتمّ أبدًا بالدلالة الإجمالية لنص

على هذا النحو. إن وضعنة النصّ التي أتاحت

وحدها نشوء فقه اللغة، متباينة مع الحرص على

عصرنة تأويلية تحتاج إلى جعل النصّ يتكلّم

فوريًا لتخرج منه بقاعدة حياتية. وإن معنى النص

بصفته هذه، وتجانسه، هما مسألتان لا تُطرحان

على الفقيه. بناء على ذلك، نفهم ل ليس لهما من

وزن إلّ لدى شلايرماخر، خارج نطاق التطور

المنتظم لفقه اللغة. وشلايرماخر، من ناحية، هو

فقيه لغوي يقترح فرضية مبتكرة للقيام بتحليل

للمسألة الإجمالية: لقد كُت بت الأناجيلُ انطلاقًا منِ

مجموعات أقوال المسيح وأفعاله المصنّفة تصنيفًا

نوعيًا (٧٢). لكن شلايرماخر هو أيضًا لاهوتي

وفيلسوف من العصر الرومانسي. فلا يسعه إذن

أن يكتفي بتحليل نقدي للنصوص، بل يريد تحديد

معنى النصّ، وهو ملزم، في سبيل ذلك، بالعودة إلى

السؤال المطروح من جانب المؤوّلين القروسطيين

ومن جانب سبينوزا في بحثه اللاهوتي- السياسي.

فما معنى هذا النصّ؟ وما معنى الإنجيل بحسب

القديس لوقا؟ وما معنى أفلاطون؟ إن أصالة

شلايرماخر هي أنه يقع في ملتقى فقه اللغة وتراث

التفسير الديني الخالص. ويقينًا أن عنصرًا آخر قد

أدّى دورًا في نشوء التأويلية وفق شلايرماخر: عند

منعطف القرن الثامن عشر والتاسع عشر، طرأ

تعديل على وجهة الأدب ومكانة الكاتب؛ فبعد أن

كان الكاتب قديمً لاعبًا لاهيًا بالأوتاد الخشبية ثم

صار فيلسوفًا، عاد فتحوّل إلى ساحر محترف ونبي

ينافس الكاهن، قبل أن يحتل شيئًا فشيئًا مكان هذا

الأخير. وفي موازاة ذلك، ما عاد العمل الأدبي

تسلية عادية، بل هو مثقل بدلالة عميقة وحيوية

بالنسبة إلى المجتمع. وليس لنا أن ننسى أنّم

عثروا، في ذلك العصر فقط، على معنى فلسفي

لرواية دون كيخوته. فالعمل الأدبي أو الفلسفي

مثقل إذن بمعنى يُقارَن بالمعنى الذي نجده في

الأساطير أو الكتب المقدسة: إنه، هو أيضًا، يقبل

حكم نقد تفعيلي. إذن يعمّم شلايرماخر على جميع

النصوص استخدامَ طريقة تسعى إلى التوفيق بين

فقه اللغة والتفسير التفعيلي (٨٢). وإن من الصعوبة

بمكان إعادة بناء المفهوم التأويلي لدى شلايرماخر

بناءً منطقيًا، فهو مفكّر معقّد، زئبقي ومتناقض في

الغالب، ولم يخلّف لمبادئه قط من صيغة واضحة

وحاسمة. ولنُش فقط إلى النقاط التي تبدو لنا

أساسية. فيُدخ ل شلايرماخر، أول وهلة، في تفسير

التفرّغ الثنائي، الرومانسي بامتياز، من الموضوعي

والذاتي: هنالك من جانب تحليل النصّ انطلاقًا

من لغة عصر وثقافته - التفسير النحوي الذي

يجمع التحقيقين، اللغوي والتاريخي، لفقه اللغة

الكلاسيكي - ومن الجانب الآخر التفسير انطلاقًا

من المؤلِّف، أي من عمله بمجموعه كإنتاج

لفردانية - وهو ما يسمّيه التفسير التقني. وليس

الكل فقط روحًا موضوعية، وإنمّا هم أيضًا روح

شخصية هي نتاج نشاط التفكير. ونرى أي انتقال يحصل هنا: فنحن ما عدنا نبحث

عن معنى النصّ كما في التفسير القروسطي، بل

نمضي إلى ما هو أبعد من الأثر الموضوعي الذي

يدرسه الفقيه اللغوي لنبلغ، في النصّ، الذاتية

التي أنشأها. وعندها يغدو النصّ موضوعًا، كما

سيكون لدى ديلتي، تحت تصرّف استراتيجيا

ترمي، عبر النصوص، إلى اكتشاف مبدأ الفردانية

الذي منح النصوص وجودًا. وإن هذا البُعد

الموضوعي، القائم في بناء بويخ النظري، لا يؤدي

دورًا حاسمً في تطبيق فقه اللغة، ولن يرتقي إلى

المصاف الأول في الخلاف الكبير بشأن طريقة

العلوم الإنسانية التي ستحتل نهاية القرن التاسع

عشر. أمّا المظهر الأساس الثاني لتأويلية شلايرماخر،

فهو مفهوم الحلقة التأويلية. إن شرح مقطع

ما- وذلك ينطبق خصوصًا حين يكون الشرح

«التقني» هو المقصود - يقوم على موضعته

في النصّ الذي ينتمي إليه: فتجري حينها

حركة ذهاب وإياب، وحركة دائرية تقود على

التوالي من الخاص إلى العام، ثم من العام إلى

الخاص. وهذه الحلقات تزداد اتساعًا، أي إنّنا

نبدأ بوضع المقطع في علاقة مع سياقه المباشر

ونوسّع الحلقات بإدماج العناصر في مجموعات

أكثر فأكثر اتساعًا، فيتعلّق الأمر بما هو أكثر من

حلقة منطقية ونظرية، إذ يتعلق بحلقة منهجية

وتجريبية، عليها أن تقرّبنا تدريجيًا من النص

بمجموعه. هنالك شكلان من الفهم يعملان ليؤدّيا إلى هذا

التفسير الإجمالي: فهم «تنجيمي»، وشعور سبقي

يسعى بالتطابق مع الغير إلى أن يحلّ في محل المبدع

أو أن يجد بالأحرى المركز الدلالي للمقطع ليستقر

فيه عبر عمل تماثل فوري وفهم «مقارَن» يرمي إلى

أن يُظهِر بجلاء شتى المشاعر المسبقة الجزئية وأن

يُرتّبها بتنظيمها بطريقة تصل بها إلى تفسير إجمالي

للنصّ. وبناء عليه، فإن الشعور السبقي والمقارنة

هما الفعلان اللذان يحرّكان الحلقة التأويلية. عند تلك النقطة أيضًا يتجاوز شلايرماخر فقه

اللغة ويعلن التعارض، الذي استُغ لّ في نهاية

القرن، بين الشرح والفهم. ولئن كان شلايرماخر

على ذلك النحو في ما وراء فقه اللغة ويبشّ بتأويلية

القرن العشرين، فإنه لا يكفّ عن المساهمة في رؤية

العالَ التي هي منبع فقه اللغة، أي التاريخانية: إن الفهم التنجيمي يتيح لنا القيام بوثبة، هي الوثبة التي تقطع المسافة التي تفصل بين ثقافتنا وثقافة بعيدة عنا في الزمان والمكان. فالمبدأ المشترك بين فقه اللغة واللسانية المقارنة التي تنشأ بالتوازي هو المبدأ الذي يوجّه أيضًا البيولوجيا لدى لامارك

أو داروِن، والاقتصاد لدى ميل أو ماركس: لا

نعرف ظاهرة إلّ عبر قوانين تطوّرها؛ فالشرح أن

نقول ما الأصل وما الحصيلة. ويتعلّق هذا المنظور شيئًا فشيئًا بجميع ميادين فقه اللغة: نتبصّ جنسًا

أدبيًا مثل كائن ينمو نموًا نوعيًا وفقًا للقوانين شبه

البيولوجية. ويشبه العمل المعزول فسيفساء من الينابيع، حيث نجد مختلف عيّنات التراث الذي

تندرج فيه، فيُعتبَُ إنتاج العمل نتيجة تكوين

نفساني تتيح فيه قراءات المؤلِّف وحياته وما يخط ويمحو من مخططات إجمالية، بالعثور على التطوّر

التفصيلي. وأخيرًا تؤدي طرائق فقه اللغة بشأن

النصّ إلى إعادة بناء تتابع المخطوطات والطبعات. إن معنى العمل نفسه هو نتيجة عملية تاريخية متدرّجة: فما دام فقه اللغة، بحسب بويكخ،

اعترافًا بما هو معروف مسبقًا، فلا يمكن قيام إعجاب من بعد، أو فهم غير الفهم التاريخي. ولا

يسع عصرنة النصّ أن تتمّ لدى شلايرماخر إل

بالقفزة الحدسية التي تتيح لنا أن نفهم الذاتية التي أنتجته وأن نعثر عليها. فالعصر الثاني من التأويلية هو إذن عصر المنتج: يريد المفسّ العمل بأي ثمن

على إحياء المعنى الذي رمى إليه المؤلّف. لكن ماذا عن المعنى الذي نريد استخلاصه على هذا النحو؟

إن المسألة أصعب كثيرًا منها حين كان الأمر يتعلّق

بحلّ الحلقة التأويلية المطروحة بالشرح النحوي والتاريخي. فالوضع السلسلي، في هذه الحال

الأخيرة، يضمن للمشكلة حلً نظريًا وعمليًا في

آن معًا. لكن ما عاد الأمر كذلك بشأن ما يتعلّق

بمعنى النصّ باعتبار إجمالي، ولهذا السبب تحديدًا

تراجع فقهاء اللغة حيال سؤالٍبدا لهم في ما وراء ما يسعُ أدوات عملهم وطرائقهم أن تمنحهم. ظهرت صعوبات عديدة: مشكلة العلاقات بين

المعنى المُراد والمعنى الماثل في النصّ، ومشكلة

التلاحم الداخلي ومشكلات الوحدانية والشعور السبقي والديمومة، وأخيرًا مشكلة المعنى الخفي.

نتناول أولً مشكلة المعنى المراد والمعنى الماثل في النصّ: «إن معنى كتاب ما ليس دائمً معنى المؤلف

أو نيته. فمعنى الكتاب هو ذلك الماثل طبيعيًا، لدى

تفحّص النصّ كلّه. وأيًا تكن نيّة الكاتب أو معناه،

يظلّ الكتاب خاضعًا بدقةّ لرقابته الذاتية من دون

الخروج من نصّه، إن كان معناه الحقيقي والخاص،

الذي هو معنى النصّ، رديئًا. عندئذ لا يؤدّي

معنى الشخص أو نيته إلّ إلى عذر الشخص نفسه.

وهو معذور على وجه الخصوص إن كان جاهل، أو أنه لم يدرك قيمة التعابير. لكن يمكن الحكم

على الكتاب عبر معناه الخاص، حكمً مستقل

عن معنى المؤلّف» (٩٢). أما إذا اختلف المعنيان أو تعارضا، فكيف لهما أن يتعايشا، وكيف أمكن لهما

أن يُدوَّنا في الكلماتِ نفسها وفي الجُمَلِنفسها؟

وكيف نفهم أن النصّ، ما إن كُتب حتى باتِ

غير متوافق والمعنى الذي رغب مؤلّفه في إعطائه

إياه؟ إنه السرّ كلّه الكامن وراء سماكة القول الذي

يظهَر، وكأنّ اللغة تقاوم الذي يستخدمها فتفرض

عليه معاني ما كان يتوقّعها. إنّا مشكلة التلاحم الداخلي: إن الصلات القائمة

بين الجمل ليست من المصاف عينه للصلات ما بين الكلمات والأشياء. وإذا ما تركنا السرديات جانبًا، فإن النصوص الأخرى تنتظم عبر علاقات

منطقية بين الجمل. فما الأدوات التي نستخدمها لتحليل هذا المنطق الداخلي للعمل؟ لا يسع المنطق الكلاسيكي للجدل الشكلي أو المحاولات الأخيرة في تحليل الخطاب أن تكفي للعثور على

المنطق المعقّد للاستنباطات الطبيعية. وهنالك مشكلة وحدانية المعنى: ليس سوى معنى واحد، بالنسبة إلى شلايرماخر، وهو يحيط بجميع المعاني المتوازية فيدمجها في تفسير متلاحم. فكيف لنا أن نكون واثقين من أن المعاني الخصوصية

والجمل الخصوصية متناغمة؟ ولَِ يكون كاتب

ما متساوقًا، وفق مسلّمة مألوفة نقع عليها لدى محللين مختلفين اختلاف غيرو أو غولدمان؟ وهل نحن أنفسنا كذلك؟ فلنستعد المسألة التي طرحتها مقالة لانسون، وكنا أتينا إلى ذكرها: «الوحدة الفكرية لدى جان جاك روسو»: فهل هنالك من

نقطة أو من منظور، تأتي كل جملة لروسّو، انطلاقًا

منهما، فتحتلّ مكانها، مثل عملية رصف مضبوط

بإحكام؟ حسبنا النظر في ما حولنا لنلاحظ أننا لم نحقق، حتى اليوم، أي تقدّم في هذا المجال. ونرى

على الدوام كيف يتصادم الموحّدون الحازمون

ومقطّعو الأوصال المتحمّسون... إنها مشكلة التطابق مع الغير: إن كان فهم نص

هو القيام بوثبة لقطع المسافة التي تفصلنا عن زمانه لنحاول، بفعل تخمين، أن نغدو معاصرين له، فكيف لنا أن نضمن أن حدسنا في مكانه؟

وتكمن الخطورة في ألّ نعثر في النصّ إلّ على ما

جئنا به إليه. ومشكلة الديمومة: لا تطرح تأويلية شلايرماخر طرحًا واضحًا مسألة العلاقات

الواجبة إقامتها بين وضعنة النصّ وعصرنته.

وسعيًا منها إلى كسب الرهان على الوجهين، فهي

تجتنب الصعوبة بدلً من حلّها، فهل أضحى النص

غرضًا خالصًا، لا يقول لنا من شيء بعفوية وينبغي

إرغامه على الكلام، أم أنه لا يزال كلمة حية تنادينا مباشرة؟ إننا نستذكر حيرة كارل ماركس حيال الفن الإغريقي الذي ما عاد بوسعنا فهمه، وليس

لنا أن نفهمه من بعد، إلّ أنه لا يزال يتحدّث إلينا:

«لكنّ المشقة ليست في أن نفهم أن الفن الإغريقي

والملحمة مترابطان ببعض الأشكال من التطوّر

الاجتماعي، وإنما الصعوبة هي التالية: إنهما لا يزالان يمنحاننا غبطة فنية، وهما يشكلان معيارًا

على بعض الأصعدة، كما أنمّا بالنسبة إلينا نمط

لا يمكن بلوغه». ذلك أن الصعود حتى الذاتية

الخلّقة يمكن تأويله بالاتجاهين: فالتقمّص

الوجداني في إحدى الحالين يؤدي إلى تطوير معنى سبق إعطاؤه، وهو معنى حي. وفي الحال الأخرى، يكون التقمّص الوجداني وسيلة لإعطاء التفخيم

لشيء ما ما عاد يكلّمنا مباشرة - وهنا يكمن معنى من الصيغة الشهيرة «الإعجاب الحقيقي إعجاب تاريخي». وهنالك أخيرًا مسألة المعنى الخفي:

هل المعنى الذي نتفنّن في العثور عليه أو لقائه مجددًا، هو المعنى الذي يقصده المبدع؟ لم يكن ذلك

رأي شلايرماخر الذي يَفهمُ الناقدُ في سبيله المبدع

أكثر من فهم هذا الأخير لنفسه: تفسير يتعلّق بالموضوع الرومانسي للإنتاج كأنّه مماثل لمرحلة

تطور طبيعية من الإنبات والنمو المستقلة كثيرًا

عن وعي المنتج. ولئن لم يتحدّد البحث عن المعنىِ

الذي يريده المؤلف والمعترف به من معاصريه، فما هو ذلك المعنى الآخر، العميق وغير الواعي، وما نظامه، وأين هو موجود؟ وهل هو من المعنى أيضًا؟ إن تلك المسائل كلها، التي تجعلنا نخرج من فقه اللغة بالمعنى الحصري للكلمة، لا تزال حيّة

بالنسبة إلينا، لأنّا تخصّنا: إنها تجعلنا ننتقل إلى

تأويلية زماننا.

الهوامش

(1) Clifford Geertz, Hildred Geertz and Lawrence Rosen, Meaning and Order in Moroccan Society: Three Essays in Cultural Analysis , with a Photographic Essay by Paul Hyman (Cambridge: Cambridge University Press, 1979), p. 6. (2) Dale F. Eickelman, The Middle East: An Anthropological approach , Prentice-Hall Series in Anthropology (Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1981), p. 8. (3) Paul Rabinow, Symbolic Domination; Cultural form and Historical Change in Morocco (Chicago: University of Chicago Press, [1975]), p. 3. (4) Dale F. Eickelman, Moroccan Islam: Tradition and Society in a Pilgrimage Center , Modern Middle East Series; no. 1 (Austin: University of Texas Press, 1976), pp. 123-154. (5) Raymond Aron, Introduction à la philosophie de l’histoire: Essai sur les limites de l’objectivité historique , 7ème éd. (Paris: Gallimard, 1948), p. 103. (6) Peirce, 2.228, la traduction est empruntée à: Pierre d’interprétant, »

« La

Notion peircéenne?

Thibaud, Dialectica , vol. 37, no. 1 (March 1983), p. 6.

(7) المصدر نفسه، ص.19

(8) انظر على سبيل المثال:

Victor Turner , The Forest of Symbols; Aspects of Ndembu Ritual (Ithaca, NY: Cornell University Press 1967).

)9(القرآن الكريم، «سورة آل عمران،» الآية.7

(10) اسم بيير أو بطرس، يعني الصخرة. وقد قال المسيح

للقديس بطرس: «أنت الصخرة، وعلى هذه الصخرة سوف أبني

كنيستي.»

(11) Augustine (Saint), De doctrina Christiana , Book 2, x-15. (12) Marie-Dominique Chenu, La Théologie au douzième siècle , études de philosophie médiévale; 45 (Paris: J. Vrin, 1964). (13) J. Molino, F. Soublin and J. Tamine, « Présentation:

Problèmes de la métaphore, » Langages , no. 54 (1979). (14) André Jolles, Formes simples , traduit de l’allemand par Antoine Marie Buguet, poétique ; 5 (Paris: Editions du Seuil, 1972). (15) Henri de Lubac, Exégèse médiévale: Les Quatre sens de l’écriture , théologie; 41, 42 et 59, 4 vols. (Paris: Aubier, 1959-1963). (16) Francis Bacon, The Advancement of Learning , Book 2, xxv-17.

)17(بيرام وتيسبيه عاشقان، عارض أهلهما زواجهما فصارا

يلتقيان في الخفاء. وقصدت الفتاة يومًا مكان اللقاء في الغابة،

ففوجئت بلبؤة جريحة مقبلة. فول ت هاربة وسقط وشاحها

فلوّثته اللبؤة بالدم. وجاء بيرام الى الموعد فرأى الوشاح فأيقن

أن السبع افترس حبيبته، فاستلّ سيفه وطعن به نفسه. وعادت

تيسبيه فوجدت حبيبها مضرّجًا بدمائه، فعانقته وانتحرت بقربه.

(18) Erwin Panofsky, La Renaissance et ses avant- courriers dans l’art d’Occident , traduit de par Laure Verron, idées et recherches (Paris: Flammarion, 1976).

(19) تسمية الإيزائية (أي المتوازية أو المتماثلة)، تُطلق على أناجيل

الرسل متّى ومرقص ولوقا، ذلك أن مخططاتها متشابهة، وهو ما

يتيح مقارنة الروايات التي تنقلها عن الحادث نفسه (المترجم.)

(20) Gustave Lanson, Essais de méthode, de critique et d’histoire littéraire , rassemblés et présentés par Henri Peyre (Paris: Hachette, 1965), pp. 43-44. (21) Aristote, De Interpretatione, 16 a. (22) Sextus Empiricus, Contre les Mathématiciens, vii,

(23) Baruch Spinoza, Traité théologico-politique , chap.

(24) Friedrich Ast, Grundriss der Philologie (Landshut: P. Krüll, 1808), p. 1. (25) August Boeckh, Ernst Carl Ludwig Bratuscheck and Rudolf Klussmann, Enzyklopädie und Methodenlehre der philologischen Wissenschaften (Stuttgart: B. G. Teubner, 1966). (26) L. Robert, « Epigraphie, » dans: Charles Samaran, dir., L’Histoire et ses methods , encyclopédie de la Pléiade; 11 (Paris: Gallimard, 1961), p. 473. (27) Friedrich Schleiermacher, Ueber die Schriften des Lukas (Berlin: [s. n.], 1817).

(28) نصوص جمعها كيمرلي، في:

Friedrich Schleiermacher, Hermeneutik , nach den Handschriften neu hrsg. und eingeleitet von Heinz Kimmerle, Heidelberger Akademie der Wissenschaften. Philosophisch-Historische Klasse. Abhandlungen; Jahrg, 1959, 4 (Heidelberg: C. Winter, 1959).

(29) ذكر لي جان ديبرون هذا الشاهد:

François de Fénelon, Oeuvres , édition établie par Jacques Le Brun, bibliothèque de la Pléiade; 307 et 437, 2 vols. ([Paris]: Gallimard, 1983-1997), vol. 1. (30) Ernest Renan, Oeuvres complètes de Ernest Renan , éd. définitive établie par Henriette Psichari, 10 vols. (Paris: Calmann-Lévy, 1947-1961).