قراءة في كتاب المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا
The Hermeneutical Turn of Phenomenology by Jean Grondin
الملخّص
صدر عن منشورات الاختلاف، بالإشتراك مع الدار العربية للعلوم ناشرون، ترجمة لكتاب من الأصل الفرنسي "Le tournant herméneutique de la phénoménologie" ، تأليف جان غراندان و التي تجشم المترجم الجزائري عمر مهيبل جهدا كبيرا لنقلنا الى اللسان العربي مترجما إياها ب " المنعرج الهيرمينوطيقي للفينومينولوجيا " ، هذا الكتاب الذي يمكن أن نمركز سياقه التاريخي و الإبستمي في فترة سبقها إزدهار لمباحث فلسفية كبرى كالوجودية في ألمانيا و فرنسا في مرحلة الثلاثينيات و الاربعينيات مرورا بفترة الخمسينيات و حتى نهاية الستينيات التي بزغت معها تكشفات لمباحث البنيوية و التفكيكية التي إندرجت ضمن سياقات الألسنية و اللغوية ليليها في فرنسا فترة التشذر فلسفي مفرزا أنماطا ذات صيغ فلسفية معرفية مستقبلية و التي لطالما حبذ المترجم عمر مهيبل على تسميتها بالفوضى المبدعة و في ظل هذه التراكمات الفلسفية المثيرة تنعتق معها مباحث فلسفية مشوقة والتي نشيد بالذكر منها الهيرمينوطيقا الملامسة للفينومينولوجيا و الأنطولوجيا.
Abstract
An Arabic translation of the book, The Hermeneutic Turn of the Phenomenology, by Jean Grondin, was published by Dar Al Ikhtilaf in collaboration with the Arabic House of Sciences. A huge effort was invested by the Algerian translator, Omar Mhaybel, to translate the text into Arabic. The historical and epistemic context of the book can be situated within an era preceded by the flourish of influential philosophical schools such as existentialism in Germany and France, in the thirties and forties leading up to the fifties. By the end of the sixties, the new schools of structuralism and deconstructionism appeared within linguistic contexts; this was followed by an era of philosophical fragmentation, in France, which Omar Mhaybel likes to call, “Creative Chaos”. These exciting philosophical accumulations allowed for interesting schools, namely hermeneutics which borders on the fields of phenomenology and ontology.
- عمر مهيبل
- الفينومينولوجيا
- التأويلية
- مارتن هايدغر
- Hermeneutics
- Phenomenology
- Linguistics
- Philosophy
- Ontology
الكتاب: المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا الكاتب: جان غراندان ** ترجمة: عمر مهيبل *** مكان النشر: بيروت/ الجزائر تاريخ النشر 2007: الناشر عدد الصفحات 199:
تجشم المترجم الجزائري عمر مهيبل جهدًا كبيرًا في ترجمة كتاب الفيلسوف الكندي جان غراندان (J. Grondin) المنعرج الهيرمينوطيقي للفينومينولوجيا Le tournant الكتاب الذي يمكن أن نمركز سياقه التاريخي و الإبيستيمي في فترة سبقها ازدهار لمباحث فلسفية كبرى، كالوجودية في ألمانيا وفرنسا في مرحلة الثلاثينيات والأربعينيات، مرورًا بفترة الخمسينيات و حتى نهاية الستينيات التي بزغت معها تكشفات لمباحث البنيوية والتفكيكية التي
: الدار العربية للعلوم - ناشرون، منشورات الاختلاف
اندرجت ضمن سياقات الألسنية و اللغوية، لتليها فرنسا فترة التشذر الفلسفي التي أفرزت أنماطًا في ذات صيغ فلسفية معرفية مستقبلية طالما حبّذ مهيبل على تسميتها الفوضى المبدعة. في ظل هذه التراكمات الفلسفية المثيرة، تنعتق معها مباحث فلسفية مشوقة، نشيد بالذكر منها الهيرمينوطيقاالملامِسة للفينومينولوجيا والأنطولوجيا. ويأتي كتاب غراندان بما يجبله من عمق فلسفي ومماحكة هيرمينوطيقية قدمها مهيبل للقارئ العربي بأسلوب سلس ورائق يتوافق
وأبجديات التأويلية وإحالاتها الفلسفية المعاصرة، خصوصًا أن المترجم عوّدنا بين الفينة والأخرى، من خلال كثير من الترجمات التي قدمها في كتاباته الفلسفية، على وضع مقدمات طويلة للكتب التي ترجمها، بما يجعل ولوج المتن المعقد سلسًا، وكذا فك طلاسم هذا الكتاب المهم. حري بنا ونحن نعمد إلى استيضاح حيثيات هذه القراءة أن تستوقفنا مصطلحات فلسفية ذات دلالات ألسنية ولاهوتية عميقة. على رأس هذه المصطلحات الهيرمينوطيقيا التي مارسها غراندان في متن كتابه الذي نحن بصدد قراءته، ويمارسها في الوقت ذاته المترجم مهيبل كقارئ ومؤول، لأن للنص المترجم نفسه شيفرته و أفقه الخاص، لكن: أين مكامن هذا المنعرج؟ وماهي طبيعته وتمظهراته؟ وكيف استطاع غراندان عبر الانعطافة الهيرمينوطيقية أن يتقصى عويص المحاذير التي تتلبس به؟ إذ حاول هو الآخر، وبحذاقة مثيرة، الانفتاح على تفكيكية جاك دريدا، مع العلم أن أي مطارحة هيرمينوطيقية في اللغة تحيل الدازاين لا محالة إلى مقاربتين تأويليتين، إحداهما تنكشف من خلال اللغة الميتافيزقية المضمرة في غياهب المتن اللغوي والأخرى صارمة دقيقة تبدأ معها لعبة التأويل من لدن المؤلف. وحينما نتباحث مع المترجم بشأن ملابسات اعتماد غراندان على لفظة المنعرج كمنطلق لعنوان كتابه، نجده يصرح بأنه نهلها من أبحاثه الألسنية، وكذلك من فلسفة اللغة. استهل المترجم الكتاب الذي نحن بصدد قراءته، وهو في خمسة فصول (غراندان، ص 7)، بتقديم مطوَّل نهج فيه نهجًا أركيولوجيًا، مستقصيًا البُعد التاريخي للهيرمينوطيقا والتداخلات الكبيرة بينها وبين الفينومينولوجيا والانطولوجيا، وذلك طبعًا داخل الفلسفة الألمانية على وجه الخصوص. بادئ ذي بدء، نشرع في استكناه مغاليق القراءة الحفرية التي ولج خباياها المترجم عمر مهيبل، واضعًا غراندان داخل حدود معرفية ومنهجية، ومفصّلها على مراحل ثلاث: بدأ بالفينومينولوجيا المتأصلة في جذورها من الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل، مقرِّا بالحذاقة الفريدة لهذا الفيلسوف وقدرته الهائلة على المناورة داخل إطار إبستيمي - فكري ومنهجي ضيق. فهوسرل يدّعي تارة أن «الفينومينولوجيا تعني الدراسة الوصفية للظواهر»، ويقر تارة أخرى بأنها العودة إلى الأشياء ذاتها، معرّجًا على أهم سمة تتسم بها هاته الفلسفة ألا وهي القصدية من منطلق أن الوعي هو دائمً وعي بشيء ما، بإضافةٍ إلى خطوة الإيبوخية والرد أو الاختزال الفينومينولوجي الذي استحق جدارته بحمل المنهج الفلسفي. لكن المترجم يعتبر أن هذه الفينومينولوجيا الهوسرلية وقعت في انسداد إبستيمي كون المطمح الأساس للفلسفات كلها هو العودة إلى الأشياء ذاتها وإن تباينت المسالك والمناهج. وبذلك يقتبس المترجم اقتراح أندري دو ميرا القائل بضرورة إماطة اللثام عن الصورنة التي مُنيت بها الفينومينولوجيا، وبأن تلتجئ هذه الصورنة إلى عالم المعنى والدلالة ودحض جميع الإحالات المرتبطة بمفهوم القصدية وإحالاتها السايكولوجية عند فرانز برنتانو، لينقلنا بعدها المترجم من الأنطولوجيا إلى الهيرمينوطيقا، وحينئذ يستكنه أنطولوجيا هايدغر، مقرًّا بمدى تعقيد هذا البراديغم الأنطولوجي، ومستظهرًا المقاربة الهايدغرية التي تظهر بسيطة وهي تبطن عمقها الدفين. قطعًا، طفت فينومينولوجيا هوسرل على سطح الكينونة ولم تفقه المكنون الباطني الذي وجد
بديله في أنطولوجيا هايدغر باللغة الشاعرية الهولدرلينية المقتدرة على حذق بعض ألغاز هاته الكينونة. ويركز بعدها مهيبل على اللغة بحكم قدرتها على حذق أم الظواهر، أي الكينونة، لأنها وسيلتنا لفهم الكائن، ولكنها ستكون في الوقت ذاته أداة لعدم فهمنا لها وهو ما يفتح الانبجاسة نحو الهيرمينوطيقا التي جعلت غادامير يتجاوز أنطولوجيا هايدغر إلى منحى جديد ينطلق من الهيرمينوطيقا وينحو سالكًا التفكيكية؛ اذ جعل غراندان من هيرمينوطيقا غادامير منعطفًا أساسًا في الربط بين مباحث الفينومينولوجيا والأنطولوجيا. و الأبرز من هذا كله من حيث الرونق توكيداته الكبيرة التي تجمع بين الهيرمينوطيقا و تفكيكية جاك دريدا، معتبرًا تفكيكية دريدا مناشدة لمقارباتية ألسنية كلاسيكية في منحاها الغراماتولوجي. طبعًا، هذا حينما نقرأ لدريدا الشاب، بخلاف دريدا المنهَك والمنهمك بمساءلة الهوية والأصالة وما جُبلت عليه من نوستالجية و دراماتيكية (غراندان، ص 10.) في الفصل الأول: «إسهام هوسرل الصامت في الهيرمينوطيقا»، نجد أن اقتحام هوسرل مجال الهيرمينوطيقا لم يكن البتة مطمحه، بل كان ضد كل ما يمكن وصفه بالفكر الهيرمينوطيقي، كونه يحمل في بواطنه المحنى التاريخاني. ولا أدل على ذلك من الحوار الجدالي بين هوسرل و دلتاي، قطعًا من دون أن ننسى ذلك الصراع الدياليكتيكي المرير مع تأويلية هايدغر؛ فهوسرل كان دأبه هو الظواهر ذاتها لا ما يمكن تأويله حول الظواهر. و لكن هل هذا يعني أن هوسرل لم يكن هيرمينوطيقيًا؟ يلفت الفيلسوف بول ريكور في كتابه المثير فينومينولوجيا وهيرمينوطيقا الانتباه إلى بعض المصطلحات التي يستعملها هوسرل بحكم أنها من صميم النهج الهيرمينوطيقي، لكن هوسرل يعمد إلى تأكيد أنه يتداول هذه المصطلحات الهيرمينوطيقية بغية العودة إلى الماهيات بشكل أفضل. ويجدر أن نصرح بأن هوسرل لم ينشر كتبًا بقدر ما كان يعمد وضع أبحاث، وما يمكن أن ننعته بالهيرمينوطيقا في فينومينولوجيا هوسرل هو في كوامن الجملة الفينومينولوجية الشعاراتية الشهيرة «العودة إلى الأشياء ذاتها»، ومعها تبدأ رحلة البحث عن الماهيات المستترة خلف الاشياء، ومساءلة القصدية القابعة خلف الظواهر وإحالاتها، أو بحث مقاصد المعنى التي تشكل الأشياء. إن المطارحة الفينومينولوجية الهوسرلية تشجبها إحالات تأويلية عدة يمكن اقتفاء آثارها الجليلة من خلال المسعى الكبير للفينومينولوجيا وهو «العودة إلى الأشياء ذاتها». هذا الإيعاز الهوسرلي نستشف حيثياته من خلال دعوته إلى أن نحتمي من أي نسق ميتافيزيقي، وأن نكتفي بما يقدمه لنا الحدس، ونعمد إلى الاختزال الفينومينولوجي الذي بفضله نتخلص من كل ما لا يظهر بشكل «معطى في الحدس». لكن مصطلح ايبوخية (epoche) يدثر بدثار اللَّبس والغموض؛ فمفهوم الرد) la reduction) تجبله الهيرمينوطيقا بطريقة سرية لأنه يحيلنا إلى الاتجاه نحو الأشياء الماهوية المسبوقة بإعادة هيكلة لنظرتنا إلى العالم، بحكم أن هناك دائمً هوة بين القول الخارجي والقول الباطني الذي نحاول استنطاقه؛ هذه الهوة هي مكمن الهيرمينوطيقا، بالإضافة إلى القصدية التي هي في صميمها توتر ينبجس نوره عن الذات باتجاه المعنى؛ هذا التوتر الموجود بين المعنى المقصود والمعنى في حد ذاته. وهنا تعانق الفينومينولوجيا الهيرمينوطيقا كمبحث. كما اعتبر غراندان أن من أكبر استحقاقات هوسرل الهيرمينوطيقية عدم اختزاله المعنى داخل الاتجاه القصدي للموضوع؛ فالموضوع لا يفعل شيئًا سوى أن يقوم بالمشاركة في تشكيل المعنى الذي
يولد معه. وبذلك، يكون هوسرل من خلال توجيهه الفينومينولوجيا بمنحى القصدية، قد ولج الهيرمينوطيقا من بابها الواسع. كما انه حري بنا أن نشير إلى اعتبار التصور الهيرمينوطيقي للدازاين، بما هو مشروع مقذوف تردد صداه في تصور هوسرل بشأن «عالم الحياة»، المصدر الاول لكل تشكّل للمعنى (غراندان، ص 74.) إن مصطلح الهيرمينوطيقا يظل بلا أدنى شك الأقل وضوحًا داخل تراتبية هايدغر المعجمية، كما يرد في الفصل الثاني: «الهيرمينوطيقا في مؤلف الكينونة والزمان». والمثير في هذا الفيلسوف أن فهمه صعب وسهل في آن معًا، بحكم لغته ذات النغمة الصوفية. يستهل غراندان هذا الفصل بعرض إحدى أهم جُل مؤلَّف هايدغر المركزي الكينونة والزمان التي اعتبرها المؤلف مهمة مؤداها أن «الفلسفة هي أنطولوجيا فينومينولوجية كلية تنطلق من هيرمينوطيقا الدازاين بما أنها تُعَدّ تحليلً للوجود قامت بتحديد نهاية الخيط الموجه بأي مطارحة فلسفية، حيث تبدأ انبجاسة هذا الوجود أو حيث يفترض فيه أن ينبجس»، وهذه جملة هايدغرية اعتبرها غراندان مثقلة وتحمل تمويهًا من نمط هيرمينوطيقي للدازاين. وحري بنا، ونحن نلج المتن الهايدغري الأصيل (الكينونة والزمان) أن نستكنه بوضوح مدى استيعاب الكتاب مباحث الأنطولوجيا والفينومينولوجيا. أمّا ما يتعلق بالهيرمينوطيقيا، فإن متنها لم يحظ إلّ بالنزر اليسير في نصية هايدغر الركيزة (نصف صفحة على أقل تقدير). إنها باقتدار تكتم عرضي يقودنا إلى نوع من إلزامية أن يكون المنطلق الأنطولوجي والفينومينولوجي من هيرمينوطيقا الدازاين. ولكن، لماذا؟ وعلى أي أي مستوى؟ و كيف تشكل الهيرمينوطيقا نقطة انطلاق الأنطولوجيا والفينومينولوجيا الشاملة في الكينونة والزمان، فممّ لا شك فيه أن محادثات هايدغر تناغمت مع المنهمكين بدرسه في الهيرمينوطيقا، ولكن بإشادة يغمرها التكتم والمكر، من دون أن ننسى كتابات هايدغر الشاب في دروسه التي لخصها في مشروعه الفلسفي «هيرمينوطيقا الحدوث.» إنه من الصعوبة بمكان أن نتمثّل فينومينولوجيا وأنطولوجيا من دون هيرمينوطيقا، وفقًا للقول الغرانداني. إذًا نعود إلى هيرمينوطيقا الدازاين كمنطلق أولاني أصلاني في المشروع الهايدغري. وعلينا أن نصرح بأن فيلسوف «الغابة السوداء» أدرج هذا المفهوم لغرض شرح مفهوم آخر هو الحدوث. علينا أيضًا أن نقر بأن مصطلح الدازاين حمّال أوجه ليعمد بعدها هايدغر إلى التحوير من هيرمينوطيقا الحدوث إلى هيرمينوطيقا الدازاين. حقًا إن مصطلح هيرمينوطيقا عند هايدغر مرتبط بصورة ركيزة بالفهم، أي فهم الدازاين لحقانية وجوده، وبذلك يكون تمسك هايدغر بهيرمينوطيقا الدازاين يعني بصورة أكثر جلاءً إعادة تزويده بالوسائل التي تمكّنه من شحذ انتباهه إلى وضعيته الخاصة ككائن هناك. حقيق أن نعتبر هيرمينوطيقا هايدغر بمنزلة ممارسة للأنوار، وتكون قصدانية هايدغر في النهاية إخراج الدازاين وانبجاسته المنفتحة وتهديم كل ما من شأنه أن يقف حائل أمام التملك الملكوتي لخصوصية الدازاين وفرديته الذاتوية. لذلك يجدر بنا أن نضيف بسرعة إضاءة هيرمينوطيقية إلى الدازاين لأن الدازاين ما زال مخفيًا عن ذاته بفرديتها، خاضعًا للمثرثرين بشتى إسقاطاتهم الأتيقية والساساتية والأيديولوجية، وهذا مايحول دون بلوغ الدازاين الأشياء ذاتها. نشير في قراءتنا ل الفصل الثالث: «الانتقال من هيرمينوطيقا هايدغر إلى هيرمينوطيقا غادامير»،
إلى أن من باب المواضعاتية اعتبار هيرمينوطيقا غادامير استمرارية طبيعية لهيرمينوطيقا هايدغر، وهو ما جعل غادامير الأكثر وفاء لأستاذه، فهل معنى ذلك أن غادامير سارع إلى النهج الهايدغري في مبحث الهيرمينوطيقا، ونحن نعرّج على مبحث الهيرمينوطيقا الهايدغري فنقع فريسة التعقيد المتفصل على ثلاثة مناح كبرى: - هيرمينوطيقا الحدوث الأولى - هيرمينوطيقا الدازاين في الكينونة و الزمان - هيرمينوطيقا المرحلة المتأخرة، و تتعلق أساسًا بتاريخ الميتافيزيقا. المنحى الأول نستطيع استيعابه تحت شعار «من أجل هيرمينوطيقا للحدوث». و يعيدنا غراندان مرة أخرى إلى هيرمينوطيقا هايدغر، وبالتحديد هيرمينوطيقا الحدوث الأولى التي تتلبس بها غوامض هي من صميم غياهب هيرمينوطيقا هايدغر. وإذا عمدنا إلى الاستكناه المقارباتي لمصطلح «الحدوث») facticité) الذي يعني المعيش وفق طريقة الكائن المعني (أن يكون للدازاين حدوثية نفسه)، فإن الحدوث في النهاية يعيش وسيعيش داخل انهماك الذات بذاتها. إن المهمة الأولى للهيرمينوطيقا هي العمل على تذكير «الحدوثية» بذلك الطابع الكينوني الذي هو طابعي أنا، فهذا الكائن - المنتدب هو التأويل ذاته. لذلك تلتجئ هيرمينوطيقا الحدوث إلى إخراج الحدوثية من واقعة نسيانها لذاتها أو «اغتراب الذاتوية» إلى منحنى التيقظ التجذري الراديكالي اتجاه الذات لذاتها (غراندان، ص 101.) ثم يعرّج غراندان على «هيرمينوطيقا الكينونة والزمان» التي هي استمرارية طبيعية لهيرمينوطيقا الحدوث، في الوقت الذي نجد أن هيرمينوطيقا الحدوث الأولى تردد على مسامعنا، و بكل أنواع الإبانة الممكنة، أن موضوع الهيرمينوطيقا هو «الدازاين الفردي لكل منا»، حتى تتمكن من أن تساهم في استنهاض يقظة راديكالية بخصوص الذات المتماهية مع ذاتها، وهيرمينوطيقا «الكينونة والزمان» ستلجأ إلى الاهتمام بالدازاين بطريقة تصاعدية. • هيرمينوطيقا تاريخ الميتافيزيقا: إن نسيان الكينونة يدخل ضمن التركيبة النسقية للميتافيزيقا ذاتها، بل إن التاريخ الغربي كله يطبعه هذا النسيان للكائن على نطاق واسع. • غادامير في مواجهة المشروع الهيرمينوطيقي لهايدغر: حري بنا أن نطرح سؤالً مركزيًا مفاده: كيف نموقع منظومة غادامير الهيرمينوطيقية في مواجهة تلك الخاصة بهايدغر؟ إننا تارة نجد أن غادامير يستمد إلهامه من هيرمينوطيقا الحدوث «عند هايدغر الشاب »، ونتجشم طورًا صعوبة في كوننا لا نقدر على إلحاق غادامير بأيٍّ من التصورات الهيرمينوطيقية الثلاثة التي دافع عنها هايدغر. لا بد أن نقر بتأثر جلي بهايدغر المفكر التاريخي، المنهمك باللغة والناهج مسلك الأثر الفني، إلّ أننا لا نلحقه بذلك المشروع الخاص بهيرمينوطيقا تاريخ الميتافيزيقا (غراندان، ص 103.) • في سبيل فينومينولوجيا محورها حدثية الفهم: ينطلق غادامير من الفهم ويحاول بهذا ممارسة الهيرمينوطيقا بدءًا من التساؤل التالي: ما الذي يقع لنا؟ و ماذا يأخذنا عند إحساسنا بأننا فهمنا؟ إن غادامير فهمه - وفق السليقة الألمانية التي فطر عليها - من معناه الأول، وهو الحدث. ومع ذلك، فإن الحدث الذي يهم غادامير ليس ذاك المتعلق بتلك اللعبة المركّبة بين تخفي الكائن وعطائه وهو في قمة عزلته، ولكنه الحدث
المتعلق بالفهم أو المتعلق بحصة الحدث في كل فهم. وبخصوص الذات المتماهية مع ذاتها، فإن هيرمينوطيقا الكينونة والزمان ستلجأ إلى الاهتمام بالدازاين بطريقة تصاعدية. في الفصل الرابع: «المنعرج الفينومينولوجي للهيرمينوطيقا وفق منظور هايدغر وغادامير وريكور»، نجد أن غادامير يعتقد أن هوسرل وهايدغر هما العرّابان الحقيقيان لهذا المنعرج الهيرمينوطيقي للفينومينولوجيا؛ فهوسرل انشغل بالفينومينولوجيا الهيرمينوطيقية عبر ذلك الاهتمام الكبير بما يدعوه القصدية الطبيعية للشعور. كان هايدغر يحبذ أن تكون الفينومينولوجيا الخاصة به أكثر فينومينولوجية ممّا هي عليه، أي أكثر هيرمينوطيقية من هيرمينوطيقية هوسرل وأكثر فينومينولوجية من فينومينولوجية هوسرل أيضًا. حري بنا، ومن باب الحصافة، أن نؤكد الهدف الجوهري لغادامير الذي يعتقد أنه لن يكون هناك فهم بمنأى عن اللغة، وبالتحديد بمنأى عن البحث في مجال اللغة؛ فهيرمينوطيقا غادامير الفينومينولوجية تدعو إلى يقظة الفهم المتحفز لمسألته اللغوية. أمّا بالنسبة إلى ريكور، فإنها لا تود أن تبيّ لنا بشكل واضح ما هي مدينة به لهايدغر، إلّ أنها تعمل على تمديد منظومته الهدمية التقويضية من خلال قبولها، و بأناة، هذه الألفة الطويلة المتعلقة بالتموضعات. كما أنها قبلت، وعن طيب خاطر، أن يعمد هايدغر أو غادامير إلى أخذ العلم (غراندان، ص 106.) فالتقويض أو التهديم الهيرمينوطيقي يود بهذا المعنى أن يباشر ما يسمّيه بول ريكور فينومينولوجيا هيرمينوطيقية أو فهمً معينًا للذات. بهذا المعنى أيضًان ليس المنعرج الهيرمينوطيقي للفينومينولوجيا بأقل أهمية، حتى لا نقول جوهرية، من المنعرج الفينومينولوجي للهيرمينوطيقا. نلاحظ في الفصل الخامس: «ماهية التفكيك عند جاك دريدا» أن دريدا يقدم لنا تعريفًا واحدًا للتفكيك؛ تعريف مقتضب يتميز بالإيجاز ومن دون أي تحذلق: «إنه أكثر من لغة»، وهو ما جعل كثيرين من جمهوره المعجب به يعتبرون تعريفه استفزازيًا؛ فهل معنى هذا أن هناك أكثر من لغة في التفكيك، لأن لغة واحدة لا تكفي أبدًا، أم مؤدى لغة معيّنة لا يمكنها البتة الوفاء بالوعد الذي قطعته على نفسها من أنه ينبغي أن يكون هناك أكثر من لغة واحدة؟ و بمقدار ما نضاعف عدد اللغات أو احتمالات قيام هذه اللغات، نستشعر حدود هذه اللغة بما هي كذلك. لكن، ما سر كل هذه المعاناة الدريدية؟ يتعيّ أن نلج خبايا كتابه أحادية الآخر اللغوية التي نستشف من مضامينها أن دريدا مسكون بهموم لغات «أجداده» (العربية والعبرية تحديدًا)، لأن اللغة الوحيدة التي تعلمها هي اللغة الفرنسية، لكنه يشك دومًا في أنه على وشك الرحيل، إذ يقول: «أنا لا أملك سوى لغة واحدة، ومع ذلك فهي ليست لغتي»؛ ذلك أن اللغة الوحيدة التي أتقنها وأحبها كانت دائمً لغة الآخر. ولكن دريدا وجد نفسه متماهيًا مع القوة الاستعمارية في مستوى اللغة، ناكرًا أصوله الأولى المخجلة كيهودي وكأحد أبناء «الأقدام السوداء». إن التجربة المتعلقة بأحادية الآخر اللغوية هي في الواقع تجربة شاملة لأنها تترجم الاغتراب الأساس للمسألة اللغوية عند الانسان.
إن التفكيك بهذا المعنى يود أن يكون بمنزلة ذلك التذكير المستحيل بالنسيان؛ التذكير بذلك الاغتراب الضروري لكل لغة وثقافة. وقد حرصت المباحثة الهيرمينوطيقية على إماطة اللثام عن الحوار بين مفهوم الفهم الغاداميري والتفكيك الدريدي؛ هذا الحوار الذي تمخض عنه انفتاح على الآخر وبحث عن لغة أخرى غير لغتي أنا. وأحادية الآخر اللغوية تتعلق براديكالية القابلية للقذف، و نستجلي من ذلك أن الفهم بالنسبة إلى الهيرمينوطيقا إنما يصدر عن هذه القابلية الجامحة للقذف، فلا معقولية من دون نسيان، ومن هنا فإن التفكيك والهيرمينوطيقا يتحدثان لغة الآخر المستحيلة، فلغة واحدة لا تكفي أبدًا.
خاتمة: «الفينومينولوجيا المشطوبة»
استهل جان غراندان خاتمة دراسته بعبارة مفادها: «ما هو نقيض مصطلح الفينومينولوجيا؟ إن نقيضها هو الفينومينولوجيا المشطوبة بحكم أن استخدام هاته اللفظة هو لوصف فلسفة معيّنة. كما أن من الأجدر أن أمارس هذه الفلسفة بطريق الصمت عن الحديث عنها، أي أن نمارس فينومينولوجيا تقوم بشطب ذاتها بذاتها. أنه نوع من ممارسة شطب المفاهيم (غراندان، ص 165.) إن أي بحث فينومينولوجي يعمل وكأنه لوحة جميلة تجعلنا نرى ما هو مرسوم ولكن لا نقدر على التساؤل عمّ يتضمنه هذا الرسم. وربما تكون الفينومينولوجيا (المشطوبة) مجال موضوعات معيّنة أو منهجًا أو تقليدًا فلسفيًا: - الفينومينولوجيا بما هي مجال موضوعاتي: حري بنا ونحن نستكنه خبايا كتاب هايدغر الذي أهداه إلى أستاذه ظاهريًا، أن نجد من مضامينه الماثلة في متن الكينونة والزمان ما يصادق على ذلك ويدعمه بحكم أن موضوع الفينومينولوجيا الأوضح رونقًا هو ذاك الذي لا يتبدى عيانيًا. وهذه الأطروحة تخالف النهج الهوسرلي، فالشيء ذاته بالنسبة إلى أطروحته الخفية القائلة إن على الكائن أن يكون، هذا هو الموضوع. - الفينومينولوجيا عنوانًا لمنهج معيّ: اعترف هايدغر في البداية أن علمً فينومينولوجيًا يدّعي العودة إلى الظواهر هو فكرة بديهية تشبه من يحاول دفع الباب ليفتحه، وهو في الأصل مفتوح، وهنا نستكنه مقولة هايدغر في رسالة بعث بها إلى جوليوس ستانزل: «لن أتحدث إلّ عن الأشياء ذاتها، هذا وعد مني، لن أحكي لكم حكايا لا معنى لها.» عمد هايدغر إلى ممارسة الفينومينولوجيا من منطلق الأشياء ذاتها، ولكنه زادها معنى وانفتح من خلالها على الفكر اليوناني و مصطلحاته التأويلية من مثل أليثيا واللاتحجب ولوغوس وفيزيس والانبثاق، كما تصبح الفينومينولوجيا عند هايدغر إظهارًا للظواهر انطلاقًا منها هي ذاتها. هكذا نرى أن من الصعوبة أن نجعل من مفهوم معيّ مفهومًا فينومينولوجيًا يمكنه أن يصف، وبطريقة جديدة، هاته الأخيرة. إن الماهية الجوهرية للفينومينولوجيا إنما تنجلي في القدرة على إظهار الظواهر والتي تعرف معنى الحقيقي للإظهار، أكان في عظمته أم في ضعفه، ويعني في النهاية صيرورة اللغة. بهذا المعنى، فإن الفينومينولوجيا الأحسن ترتيبًا وتنظيمً تصبح هي ذاتها الهرمينوطيقا (غراندان، ص 187.)