التنقيب في عملية تحويل جماعة إلى أقلية
Digging into the Process of Turning a Community into a Minority
الملخّص
* أستاذة وباحثة في علم الاجتماع.
Abstract
Karthala et IISMM: الناشر
- الكنيسة
- المهجر
- جماعة
- الممارسات الدينية
- أقلية
- تحويل
- Coptic Church
- Diaspora
- Community
- Minority
- Religious Practices
الكاتب: لور جرجس مكان النشر: باريس تاريخ النشر 2012:
عدد الصفحات 312:
المؤلفة لور جرجس باحثة مصرية في العلوم السياسية والفلسفة السياسية. عملت سنوات عدة لإنجاز هذه الأطروحة في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية (EHESS) في باريس، ثم نشرتها بالفرنسية بدعم من معهد دراسات الإسلام ومجتمعات العالم الإسلامي (IISMM.) تواصل المؤلفة حاليًا أبحاثها في جامعة مونتريال- كندا، حول آليات التحويل إلى أقلية في كل من مصر وفلسطين ولبنان. كما سبق لها أن أشرفت على إصدار كتاب حول اعتناق دين آخر والتحول
السياسي، وأبحاث عن الكنيسة القبطيةوالاحتجاجات القبطية المعاصرة، نشرتها في كتب مشتركة. لا شك أنه صدر بشأن أقباط مصر في العقود الثلاثة الأخيرة عدد كبير من الكتب والدراسات، إلّ أن اختيار كتاب لور جرجس للمراجعة كان لسببين: الأولهو أن جرجس، خلافًا للباحثين الآخرين، لا تعتبر أقباط مصر «أقلية» بطبيعة حالهم، بل تعمل على إثبات أن ممارسات معيّنة من الحكم تحولّهم إلى وضع دوني «أقلوي». والسبب الثاني هو أنها اعتمدت منهجية جديدة (غير مسبوقة في
الأبحاث العربية) لدراسة موضوع الأقليات، تصلح لدراسة أوضاع مختلف الجماعات المميّزة سلبًا، في المجال العربي. وبالتالي، فإن الجديد والمفيد في دراستها هو كشفها آليات التحويل إلى أقلية، واستنتاجها أن تغيير هذه الآليات والسياسات المتّبعة من قبل قوى محددة واعتماد سياسات أخرى، قد يزيلان الوضع الأقلوي لجماعة ما ويدفعان أفرادها إلى طريق الانتماء المتساوي في المواطنة. وقد استفادت المؤلفة من المنهجية التاريخية التنقيبية) Archeologique) التي بناها وطبّقها العالم الفرنسي ميشيل فوكو في أبحاثه بشأن الظواهر الاجتماعية الكبرى في المجتمع الفرنسي، ومنها دراسته ل«مسار تكوّن الدولة» في المجتمع الأوروبي، وكانت قد نشُرت بعد وفاته.
الموضوع
ركزت المؤلفة على الفترة الأخيرة من عهد مبارك (2011 - 2005) حتى ما بعد ثورة 25 يناير (في سنة 2012) ووصول الإخوان المسلمين إلى الحكم، وعالجت الموضوع في ثلاثة أجزاء وعلى مستويات ثلاثة. عالجت في الجزء الأول «سياسات الهوية والعنف البنيوي» على المستوى الأشمل، مستوى السلطة والمجتمع ككل، وبيّنت كيف ساهمت سياسات الحكومات المتتالية في إنتاج الفتنة الطائفية وأشكال متنوّعة من العنف الجماعي. سردت أولًالمواجهة الإعلامية التي أثارها فيلم «حسن ومرقص» الذي يروي علاقة حب بين شاب مسيحي (ابن مرقص) تنكّر بهوية مسلمة، وفتاة مسلمة (بنت حسن) تنكّرت بهوية مسيحية، والعلاقة بين عائلتيهما على خلفية الحرب الأهلية اللبنانية. ثم حلّلت الأيديولوجيات الجماعاتية (communautaristes) القبطية والمسلمة، في سجالات المجلس النيابي، وفي سرديات حزب الوسط، وتمثلّاتها (representation) لموقع الأقباط داخل الوطن وعلى مستوى الأمة. وربطت بين هذا التمثُّل الإقصائي والصورة النمطية المتخيَّلة ل «الفتيات القبطيات المخطوفات والمزوَّجات قسرًا من شبان مسلمين، إنكارًا لهويتهن، ولإجبارهن على اعتناق الإسلام والانتماء إلى أمة أخرى.» وتقابل هذه «الهويات المرغوب فيها» لفتيات الأقلية ب «الهويات الممنوعة» عن شبان الأكثرية المسلمة، فتسرد المؤلفة بعض حالات اعتناق الهوية الممنوعة، ومنها حالة الشاعر والكاتب المعروف محمد حجازي الذي اعتنق الدين المسيحي، وكيف تعامل معه الإعلام والقضاء والمجتمع لضبط هذه الحالة من الارتداد عن الإسلام واعتناق دين آخر. وترسم المؤلفة بشكل دقيق الرموز والخطب والمواقف والسياسات الصادرة عن الحكم والسلطة والقوى الاجتماعية والمؤسسات الخاصة بالجماعات الدينية، والتي تتشابك في الحالات المدروسة لتؤدي إلى إنتاج الحالة الأقلية وإعادة إنتاجها. تنتقل جرجس في الجزء الثاني إلى مستوى الجماعة القبطية نفسها، تحت عنوان الديناميات داخل الجماعة وإنتاج الحالة الأقلية، فتدرس تضافر الحقلين السياسي والديني في العقود الأربعة الأخيرة في إحداث تحولّات حاسمة داخل الكنيسة القبطية، وهي تحولّات أدّت تدريجيًا إلى إنتاج فضاء جماعي مقفل (ص. 27). وتتعمّق في دراسة مشروع البطرك شنودة الثالث (2012 - 1971) لإحياء الأمّة واللغة القبطية، والعلاقة الملتبسة التي أقامها بين الكنيسة ونظام حسني مبارك. كما تتوقف عند مواجهة سياسته داخل الطائفة من قبل تيار «العلمانيين»، وأخيرًا الصراع حول خلافته، فتّبين
كيف تعمّق مسار التحوّل إلى أقلية على الرغم من مقاومة هذا المسار وبسبب هذه المقاومة، وكيف تكوّن تدريجيًا الوضع الأهلي وبُني على المستويين المؤسسي والرمزي. لتمثيل هذا التحوّل، تسرد المؤلفة واقعة وفاء قسطنطين (سنة 2004) التي أحدثت «خضة» كبيرة (عند الأقباط). ووفاء مهندسة زراعية في العقد الرابع من عمرها وأم لولدين، متأهلة من كاهن قبطي يعاني مرض السكري الذي أقعده في المنزل. وبسبب سوء معاملته لها، تركت وفاء منزلها وقريتها وذهبت إلى مخفر للأمن الداخلي بصحبة جارة مسلمة تطلب اعتناق الدين الإسلامي (لتتمكّن من الطلاق). وتبيّ جرجس كيف تضافرت سلطتا البطرك شنودة والتحرّكات المناهضة لها داخل الطائفة، وتدخُّل الرئيس مبارك والقضاء، لإجبار وفاء على العودة إلى الكنيسة والتراجع عن طلبها. كما تُظهِر المؤلفة بصورة لافتة كيف ولّدت السلطة الكنسية نقيضها بسبب هيمنتها المتصاعدة على الطقوس والممارسات الدينية، فبرزت لدى الأقباط ممارسات دينية جديدة أكثر فردية، تحت تأثير الإرساليات البروتستانتية الجديدة وشهود يهوى وأقباط المهجر. وأدّى هذا السلوك المناهض للطقوس التقليدية المفرطة إلى تبنّي عدد متنام من الكهنة الشباب الأساليب الخطابية والممارسات الدينية الوافدة إليهم عبر الشاشة، معظمها من صنع التيارات الكاريزمية الإنجيلية والتبشيرية العالمية. وتسوق المؤلفة مثالً لذلك قصّة بعض الشخصيات التي تبنّت الطقوس والخطب الجديدة، مثل أبونا سمعان، راعي الأقباط العاملين في مزبلة المقطّم، ومكاري يونان وزكريا بطرس. في الجزء الثالث والأخير تصف لور جرجس، على المستوى المجتمعي- السياسي، ممارسة السلطة وسيادة نظام الجماعة في الحياة السياسية المصرية، وهي تتّسم (عشية الثورة) بالانحدار أكثر فأكثر نحو المزيد من «الممارسات الجماعاتية»، فتبيّ كيف أدّى إدخال تعددية سياسية محدودة في النصف الأخير من عهد مبارك، إلى المزيد من السلوك «الجماعاتي» في الوسطين القبطي والإسلامي. كما أدّى في الفترة نفسها إلى بروز حركات مصرية وطنية مثل حركة «مارد» (مصريون ضد التمييز الديني) التي قاومت شتى أنواع التمييز الديني. وتصف المؤلفة بإسهاب الصراع حول مشاركة الأقباط في الانتخابات النيابية، ورفضهم التمثيل النسبي المناطقي، وسلوك قوى الإسلام السياسي («الإخوان المسلمين» و«السلفيين») تجاه المرشحين الأقباط، في نظام التحالفات، وإعادة إنتاج النظام الأقلوي. وتروي كمثال لذلك، تجربة جمال أسعد في انتخابات 1987. كما تبيّ كيف عملت حكومة «الإخوان» المنتخبة بعد ثورة 25 يناير على تحييد النقد المصري العلماني الموجّه ضدها، من خلال اتّباع سياسة استيعاب بعض القيادات القبطية واستبعاد البعض الآخر. تختم لور جرجس بحثها برؤية واقعية، غير متفائلة على المدى القريب، فحواها أن التحولات داخل الكنيسة القبطية والإسلام السياسي في مصر والمنطقة العربية، لن تؤدي إلى إلغاء النظام الجماعاتي المبني على مبدأي الهيمنة والإقصاء. وتشرح كيف تأسس هذا المنحى منذ قيام الدولة الناصرية انطلاقًا من عهد السادات وصولًالى عهد مبارك. كما أن صعود منطق الهوية الإسلامية في صيغتها الحديثة، أدّى إلى تغيّ طرق التمييز تجاه غير المسلم في مصر، كما في العالم العربي. وتلاحظ المؤلفة أن هذا المنطق ليس خاصًا بالدول الناشئة بعد فترة الاستعمار الغربي، بل إنه منتشر الآن أيضًا في مختلف أنحاء العالم، وأن خطابات تأكيد الهوية والتحوّل الأقلوي (Minorisation) للجماعات الأقل عددًا والأضعف موقعًا، تعمل داخل معظم
الدول المعاصرة؛ فتتساءل المؤلّفة: هل يعني ذلك استحالة قطع حلقة العنف الجماعاتي على المدى البعيد؟ وتجيب على المستويين الدولي والفردي، داعيةً إلى إنشاء نظام عالمي بديل مبني على قيم غير نفعية، واعتناق قيم جديدة (لا تحدّدها) كفيلة بتحويل العنف الداخلي الفردي (الكامن داخل جميع الأفراد) من الحيز الجماعاتي إلى الحيز الإنساني العام. وهي، بالتالي، لا تقترح سياسات أو مشروع إصلاح لمصر، بل تدعو إلى صوغ منطق فلسفي ثقافي وإنساني عالمي جديد.
السياق البحثي، والجديد في طرحها
استندت لور جرجس إلى معظم ما نشُر بالعربية والفرنسية والإنكليزية (أكثر من 200 مصدر) في ما يتعلق بموضوعها، من أبحاث ومقالات وكتب، في العقد الأخير (2012 - 2000) وفي العقود الثلاثة السابقة. واعتمدت على الوثائق المنشورة في الصحافة المصرية الخاصة والعامة، وتلك الصادرة عن القوى والأحزاب والمناضلين والسياسيين لرصد تفصيلات الحوادث الكاشفة للحالات المدروسة، ولمعرفة وجهات نظر أصحاب الرأي والفعل في موضوع الجماعات الدينية والسياسية. كما أجرت عددًا كبيرًا من المقابلات المعمّقة مع شخصيات قبطية وإسلامية مصرية مؤثرة. ورصدت الحوادث الخاصة بالحالة «الجماعاتية» القبطية و«الإخوانية»، وبمواقف أصحاب السلطة وسلوكهم وسياساتهم، فيشكل كتابها من هذه الناحية وثيقةً غير مسبوقة تكشف زاوية المسألة القبطية تعقيدات الحياة السياسية من والوطنية المصرية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وعشية ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011 حتى سنة 2012، فيتابع القارئ معها المخاض الصعب لتكوّن المواطنة المصرية على من دون تمييز بين جميع أساس قانون مدني يساوي المواطنين وفي مجالات الحياة العامة كافة. ربما يبرز الجديد في بحث جرجس إذا ما قورن بعمل بحثي (أطروحة) مماثل صدر في الفترة عينها للباحثة مي مجيب مسعد، عنوانه «الأقباط ومطالبهم في مصر بين التضمين والاستبعاد»، فيظهر الاختلاف بين البحثين في فرضيتهما الرئيسة كما في المنهج المتَّبَع. تعتبر لور جرجس، كما سبق وعرضنا، أن سياسات السلطة الحاكمة وسلوكيات الجماعات الدينية الأخرى، وردود المؤسسة الكنسية، جعلت من الأقباط جماعة مميزة سلبًا، في وضع أقلوي، ومعرّضة للإقصاء والتعنيف، في حين أن مي مجيب عالجت الحالة القبطية من زاويتين: سياسات «الاستبعاد» (أو العزل) التي تجعلهم قلّة عدديّة مميزة سلبًا، وعكسها، سياسات «التضمين» التي تجعلهم مواطنين متساوين مع الآخرين. ولكي لا «تعزل» مي مجيب بدورها الأقباط بحثيًّا، وسّعت المقاربة لتشمل على حد سواء سياسات الدولة المصرية تجاه المسلمين، في الاستبعاد والتضمين، لتثبت أن الحالة القبطية جزءٌ من كل، وأن ما يختلف في سياسات الدولة إزاء الجماعتين هو أنواع الاستبعاد والتضمين ودرجاتهما. يكمن الفارق الثاني والأهم في المنهج المتّبع أو في طريقة المعالجة؛ فقد درست لور جرجس عملية تحويل الأقباط إلى أقلية على المستويات كافة (الحكم والتشريعات، الجماعات الدينية الأخرى، الثقافة السائدة، وقياديي الكنيسة) من خلال رصد وتحليل الحوادث السياسية والاجتماعية الكاشفة والمعبّة عن تفاعل هذه العناصر في ما بينها. في المقابل، اعتمدت مي مجيب منهجًا سوسيولوجيًا كلاسيكيًا مقارنًا (المعطيات الإحصائية الكميّة، العيّنة والاستمارة، رصد سياسات الدولة تجاه الجماعتين الأقباط والمسلمين)، فاعتمدت لتدعيم فرضياتها على المعلومات الإحصائية المتوافرة حول
أوضاع الجماعتين وعلى آراء 182 فردًا من الأقباط استجوبتهم عن طريق الاستمارة، لمعرفة مطالبهم ونظرتهم إلى أوضاعهم في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولم تتوقّف مجيب عند أعراض الظاهرة، أي عند الحوادث الكاشفة للعلاقات المتأزمة بين الجماعات الدينية ومختلف السلطات في المجتمع المصري. أمّا في ما يتعلّق بالمفاهيم، فإن الباحثتين استبعدتا مفهوم الأقلية (Minorité) السيئ الصيت، فاستبدلته مي مجيب بمصطلح محايد هو القلّة العدديّة وهذا يصلح لوصف أي جماعة أقل عددًا من سواها، في حين أن لور جرجس فضّ لت مصطلح فوكو الشديد الدلالة « Minorisation »، وهو فعل التمييز الدوني الذي تمارسه سلطة ما على جماعة ما. إذن، لدينا من ناحية منهجيةٌ تنقيبيةٌ متعددة الأبعاد، تتشابك ضمنها الحوادث والفاعلون والمستويات، ولدينا من ناحية أخرى منهجيّة خطيّة «سببية») Linéaire causale) تربط بين سياسة محددة وسلوك جماعة (ناتجة منها)، كما تَفترض أن رأي نسبة محدودة من الأفراد وسلوكها يمثٍلّان من دون شك رأي الجماعة وسلوكها (وهي الجماعة التي يُفترَض أنهم ينتمون إليها)، فتساهم هذه المنهجية الشائعة في بوتقة الجماعة وفي تكريس تميّزها. ولئن لم تقترح الباحثتان سياسات محددة لحل المعضلة الطائفية، فإنهما كلتيهما أشارتا إلى الطريق: أشارت مجيب إلى بناء الدولة المصرية الحديثة: المساواة في الحقوق وتجسير الفجوات وتحقيق العمل على التداول السلمي للسلطة وثقافة المواطنة، وهي مطالب مرفوعة منذ أكثر من ثلاثة عقود، وأشارت جرجس إلى كشف آليات إنتاج الوضع الأقلوي في مصر بتفصيلاته، وبالتالي جعل عملية تفكيكه ممكنة. وعلى الرغم من اختلاف الحجم، فإن في الإمكان التوقّف عند كتاب لعزمي بشارة صدر في السنة نفسها (2012)، عنوانه هل من مسألة قبطية في مصر؟، وقد ارتكز على عمل بحثي تم بإشرافه ونجم عنه تقرير بشأن أهم الأبحاث الصادرة بشأن المصريين الأقباط منذ خمسينيات القرن الماضي، وعلى رصد الدساتير والتشريعات والفتاوى المؤثرة في أوضاعهم، وتحليل الحوادث الطائفية البارزة التي وقعت في عهد مبارك. تبرز نقاط التشابه مع دراسة لور جرجس من حيث المنهج، في أن الاثنين حللّا سياسة الحكم تجاه المصريين الأقباط، وأهم الحوادث التي تظهر فيها حالات الإقصاء والتعنيف الجماعي. إلّ أن تحليل الحوادث الطائفية يبدو أشمل عند جرجس (لاختلاف حجم الدراستين)، كونها تبنّت مفهومًا للحكم أوسع يشمل «حكمية» كل الأطراف المتفاعلين في إنتاج الحالات الدونية الإقصائية التي يطلق عليها تسمية «الحوادث الطائفية». إلّ أن منهج بشارة يتميّز من منهجي الباحثتين (جرجس ونجيب) بكونه انطلق من تحليل تعاقبي (Diachronique) تاريخي عرض فيه بوضوح واقتضاب مسار قرنين من سياسات الحكم تجاه المصريين الأقباط، منذ مطلع القرن التاسع عشر وقيام دولة مصر الحديثة في عهد محمد علي ثم في حكم الخديوي إسماعيل (وسياسات التمييز الإيجابي وإصلاح أوضاع الأقباط ومساواتهم شبه التامة مع سائر المصريين)، ثم في عهد عبد الناصر والسياسة المتناقضة تجاههم بعد ثورة 23 يوليو، وما تلاها من تراجع وتمييز سلبي في عهد السادات وصولً إلى عهد مبارك (الذي ترك للكنيسة إدارة شؤون «جماعتها.)» وإذا كان الباحث لا يفسّ بالماضي ما يحصل في الحاضر، فإن المعالجة التعاقبية لسياسات الحكم على مدى قرنين وتأثيراتها في أوضاع الجماعة
المصرية القبطية، تساعد على فهم ما تكوّن في ذاكرة ثمانية أجيال من المصريين مرّوا جماعيًا بأوضاع خاصة تقلّبت بين الاحتواء والإقصاء وصولً إلى التعنيف. وعلى الرغم من أن المؤلفين الثلاثة استبعدوا تطبيق مفهوم «الأقلية» على الأقباط، أو تحفّظوا عنه، فإنهم بحثوا في أوضاعهم كجماعة على حدة، عوضًا عن دراستهم في إطار أشمل يخرجهم فعلً من العزلة، وذلك بالبحث في ممارسات الحكم تجاه مختلف الجماعات القائمة في المجتمع المصري، الدينية منها والثقافية والمذهبية، باعتبارها «حكمية» من نوع واحد، لها تفرعات وممارسات متنوّعة تغذّي بعضها بعضًا وتعيد إنتاج نظام السلطات السائد في المجتمع. وبفضل الأبحاث الثلاثة توصّلنا إلى الفرضية التالية: لا يكتمل فهم أوضاع جماعة ما ومصيرها، ما لم تُدرّس مع الجماعات الأخرى، كأجزاء مكوّنة لكل مجتمعي- ثقافي واحد.
المنهج والمفاهيم، ميشيل فوكو في الخلفية
تشرح لور جرجس في مقدمة الكتاب المفاهيم والمصطلحات التي استعارتها من العالِالفرنسي ميشيل فوكو، مثل مفهوم «ممارسة الحكم ») ومصطلح «التحويل إلى Fouvernementalité (أقلية» (Minorisation) اللذين وردا في سياق محاضراته في كوليدج دي فرانس في سنتي 1977 و 1978، وهي المحاضرات التي نشُرت بعد وفاته تحت عنوان «الأرض، الأمن والسّكان»، وفيها شرح لمسار تكوّن الدولة وحكمها في التاريخ الغربي الأوروبي، ابتداءً من القرون الوسطى حتى القرن العشرين. فعرّفت جرجس، بعد فوكو، مفهوم Gouvernementalité ب «عملية الحكم، أي مجموعة الممارسات والآليات والخطابات والمؤسسات التي تُطبَّق في دولة ما لضمانة أمن وازدهار هذه الدولة، وبشكل لاحق أمن السكان وازدهارهم» (ص. 26). واستنتجت، بالاستناد إلى المصدر المذكور، أن فوكو حلّل معًا «دون تناقض ولا تعارض مستويين في ممارسة السلطة، الخاص التفصيلي (ميكرو) والعام الشامل (ماكرو)، وإنه يمكن تأريخ نشأة الدولة من خلال دراسة ممارسات البشر في أفعالهم وطريقة تفكيرهم... وإن إجراء التحليل على مستوى السلطات المحلية يلتقى بلا صعوبة مع المستوى الشامل لممارسة السلطة من قبل الحكومة والدولة.» يمكن هنا أن نتساءل: لماذا لم تعتمد لور جرجس منهجية فوكو في دراسة «مسار تكوّن الدولة في أوروبا»، لتدرس بدورها مسار تكوّن الدولة في مصر؟ الجواب واضح: ليس موضوع جرجس دراسة تكوّن (أو تعسّ) بناء الدولة في مصر، بل إن بحثها اقتصر على دراسة علاقة ممارسة الحكم في مرحلة الرئيس مبارك، بتحويل السكان المصريين الأقباط إلى أقلية، من دون أن تربط هذه الممارسة بطبيعة الدولة المصرية في الفترة ذاتها، وبالتالي استعارت بعض مفاهيمه التي ساعدتها على الربط بين مستويات ثلاثة في ممارسة السلطة والحكم؛ ممارسة الدولة والحكم؛ ممارسات وسلوك الجماعات والمؤسسات الأخرى المكوّنة للمجتمع، وصولً إلى مستوى الجماعة المستهدفة؛ الأقباط كجماعة وكأفراد والكنيسة القبطية كمؤسسة فاعلة، وكيف يؤدي تفاعل المستويات الثلاثة في أوضاع محددة إلى إنتاج «الوضع الأقلوي» وإعادة إنتاجه، فنحّت جرجس مفهوم الأقلية Minorité اللاتاريخي الذي يوحي بوضع مُعطى، دائم وجامد، وتبنّت مفهوم فوكو، أي «التحويل إلى أقلية») Minorisation) الذي يشير إلى دور يمارسه فاعلون سياسيون ومجتمعيون على جماعة من الناس ليصبحوا تدريجيًا في موقع المفعول بهم. كما يتضمّن المفهوم الجديد عملية «التحوّل» (Processus de minorisation) إلى أقلية في زمن محدّد.
يشرح فوكو في محاضراته المعنونة يجب الدفاع عن المجتمع الملقاة في سنة 1976، «أشكال ممارسة الدولة عنفها»، وأشكال استبعادها، واضطهادها وبسط هيمنتها على الجماعات والأفراد، وطرق تحويلهم إلى وضع دوني. ويشير إلى «أنه لا يكفي أن نحلل الأشكال المنظّمة والشرعية لممارسة السلطة في المركز، بل ينبغي بالعكس كشف السلطة في أطرافها، في خطوطها النهائية حيث تصبح «شَعرية» (Capillaire »). ويتابع: «أعني بذلك السلطة في أشكالها الأكثر محلية وخصوصية، حيث تتجاوز القوانين والأنظمة التي تضبطها وتبتعد عنها لتتوغل في مؤسسات المجتمع وتولّد تقنيات وأدوات مادية (جديدة) للتدخل، كما تستخدم العنف والقوة إذا لزم الأمر.» بالاستناد إلى هذين المفهومين، عملت جرجس على «كشف تمفصل الخطب الحكومية مع الممارسات الفردية والتخيلّات الجماعية، لتتحوّل وتتجاوب وتشرعن بعضها بعضًا، وتساهم في إنتاج وإعادة إنتاج نظام ذات دلالة (Ordre signifiant) مبني على منطق إقصاء المسيحيين» (مقدمة ص 270)، فأجرت مقاربة تحليلية للممارسات المؤسساتية والرمزية والخطابية الصادرة عن مختلف أنواع السلطات المؤثّرة في أوضاع الجماعة المدروسة: للسلطة العليا للحكم في مصر، والسلطة الكنسية التي ترعى شؤون الأقباط المنتمين إليها، والجماعات الرعوية القائمة داخل المجتمع (جماعة الإخوان المسلمين والأقباط وغيرهم من الجماعات الحديثة التكوين) التي ساهم إدخال تعددية وحرية محدودة في الحياة السياسية في تأجيج الصراع بينهم. والمفيد في هذه المقاربة أنها تنظر إلى «الوضع الأقلوي» بوصفه مرحليًا مُنتجًا، يمكن بالتالي تجاوزه عبر سلوك سياسي وتشريعي ورمزي مختلف، وتحويل الذين وُضعوا فيه إلى وضع مواطنين متساوين مع الآخرين. إلّ أن المؤلفة لم تعالج في كتابها هذه الناحية، أي السياسات والتشريعات والأنظمة التي يجب وضعها وتطبيقها على المستويات الثلاثة - الحكم والمجتمع والجماعات والأفراد - لوقف مسار التحويل والتحوّل إلى أقلية، وتعميم حالة المواطنة على جميع الأفراد. لا شك أن هذا المسار يتطلب بحثًا آخر وأن الجهد الكبير الذي بذلته المؤلفة لفهم المسار الأقلوي وتفكيكه لم يترك لها الطاقة الكافية لإجراء بحث إضافي ومن نوع آخر؛ فليس من يفكك هو بالضرورة من يعيد البناء.
هل يصلح منهج فوكو ومفاهيمه لدراسة حالة الأقباط في مصر؟
حدّد فوكو في درسلٍ مسار تكوّن الحكم في الغرب الفرنسي والأوروبي، ألقاه في كوليج دو فرانس (1978 - 1977)، ثلاث مراحل تاريخية تعاقبت خلالها أنواع مختلفة من الحكم في الغرب الأوروبي، اقترح في سياقها المفاهيم المذكورة أعلاه. لعل أفضل تلخيص لطرحه هو ما أوجزه بنفسه في إحدى المقابلات التي أجراها معه المؤرخ الشاب في جامعة لوفان- بروكسِل داني تيبو، حيث شرح فوكو كيف اختار موضوعات أبحاثه وكيف درس موضوع السلطة في المجتمع الغربي الأوروبي. ننقل في ما يلي ما قاله عن السلطة والحكم (الترجمة من الفرنسية:) «السلطة هي مجموعة العلاقات التي تمكّن الواحد من تحديد سلوك غيره أو التأثير فيه؛ هي ممارسة الحكم، أعني الحكم (Gouverner) بالمعنى الشامل: حكم المجتمع، حكم الجماعة، حكم العائلة، حكم الفرد. هذا ما أطلقتُ عليه تسمية الحكمية) Gouvernmentalité)، أي كيف تُارَس علاقات السلطة، وكيف يمُارَس الحكم
(على المستويات كافة). خلال المرحلة الأولى في القرون الوسطى، لم يكن الحكم واسع التحكُّم، بل كان يهتم فقط بجمع الضرائب، ولا يتدخل في شؤون الناس. في المرحلة الثانية الرعائية الكنسية) (في القرنين السادس Pastorale ecclesiale (عشر والسابع عشر)، أصبح الحكم يرعى شؤون الناس، فتكوّنت في هذه الفترة الإدارة العامة وجهاز الشرطة وأصبحا سائدين في طريقة ممارسة الحكم، يقومان بأدوار تنظيمية وتأديبية قمعية. أمّا في المرحلة الحالية (بعد ثورات القرن الثامن عشر)، فقد اتسع مجال الحكم وأصبح تدريجيًا يشمل جميع مجالات الاستهلاك والمعيشة، حتى في الأنظمة الأكثر ليبرالية. إلّ أنني لا أظن أن حكمية اليوم هي عملية مراقبة سافرة ومستمرة للناس، بل إنها تُارس بخفّة (Subtile) لتوجيه سلوكهم.» [ويمكن أن نضيف: في معظم المجالات، التعليم، والصحة والسكن والغذاء والاستهلاك، والإعلام والتنقّل... إلخ.] إن الصعوبة الأولى في منهج فوكو هي في تحديد نوع الحكم السائد في مجتمع ما خلال مرحلة تاريخية محدّدة، لفهم ممارساته وممارسات الجماعات والأفراد المشمولين في حكمه وتفسيرها. هل اهتمت لور جرجس في عملها الأطروحي بمستوى تكوّن الحكم في مصر لتحدّد طبيعة السلطة والحكم في الحقبة الزمنية المختارة، ولكي تربط مسار التحويل إلى أقليّة بنوع الحكم السائد في المجتمع المصري آنذاك؟ هل هو حكم «اقتطاع ضريبي» (مثل حكم الدولة العثمانية)؟ أم إنه رعائي يسود فيه الجهاز الإداري والبوليسي (شبيه بحكم الدولة القيصرية في روسيا قبل الثورة البولشفية)، ويترك للناس وللجماعات والعائلات إدارة شؤونهم الحياتية كما يشاؤون؟ أم إنها دولة عصرية تدير شؤون الناس والمجتمع (مثل الدول الأوروبية الحديثة)؟ لم تتوقف المؤلفة بما فيه الكفاية عند توصيف نوع الحكم في الدولة المصرية الحديثة التي نشأت وتكوّنت بعد الثورة الناصرية وكانت في بدايتها (في رأيي) تنموية ورعائية «عادلة» (مع دور كبير للإدارة والأمن والخدمات)، وتحوّلت في عهد السادات إلى دولة هجينة احتفظت بإدارة متضخّمة غير فاعلة وجهاز أمني بوليسي قمعي. ثم تخلّت تدريجيًا في عهد مبارك عن الخدمات الأساسية التي تقدّمها عادة الدولة الرعائية «الاشتراكية» إلى السكان. إن تخلي الدولة المصرية في عهدي السادات ومبارك، وبصورة متزايدة، عن دورها الرعائي واحتفاظها بدور أمني قمعي وإدارة مترهلة فاسدة، قد يفسّ ان بروز دور الجماعات داخل المجتمع المصري لتقوم أكثر فأكثر برعاية ناسها، فتصاعد دور جماعة الإخوان المضطهَدة والمقصاة سياسيًا، في تأطير ورعاية المسلمين. كما ازداد دور الكنيسة في تأطير الأقباط ورعايتهم وحمايتهم ليديروا أكثر فأكثر شؤونهم بأنفسهم. وبالتالي، يبدو أن المؤلفة طبّقت مفهوم «الحكمية» الذي أنتجه فوكو في سياق تاريخي مختلف، من دون أن تحدد طبيعة الحكم في مصر في المرحلة الناصرية وفي عهد مبارك. إلّ أن وصفها الدقيق لسلوك الحكم وسلوك المؤسسات والجماعات الأخرى تجاه الأقباط في عهد مبارك، رسم جزءًا كبيرًا من الصورة، كما فتحت بمنهجها الطريق إلى المزيد. غير أن تفسير منطق (Rationalité) هذا الحكم يتطلب مقاربة شاملة لممارساته تجاه مختلف الجماعات المكوَّنة تنظيميًا داخل المجتمع المصري؛ فلن يُفهَم الجزء (القبطي) ولن يُفسَّ منطق حكمه، إلّ إذا جرى البحث في حكمية الأجزاء- الجماعات الأخرى. ذلك أن منهج فوكو في دراسة الظواهر الاجتماعية «الطرفية»، كالمصح/ الجنون، والسجن/ الجريمة، والمستشفى /
المرض، والسلوك الجنسي/الانحراف، لا يركّز على جماعة واحدة (منبوذة، مقصاة أو مضطهَدة)، بل يبحث في المجتمع ككل على المستويات كافة، عن المؤسسات والتشريعات والسلطات المعنية بالظاهرة التي لها علاقة بها وتأثير وحكم فيها، فيكشف في نهاية المطاف (والبحث) الأفراد والجماعات المنبوذة أو المستضعفة الذين تشملهم الظاهرة المدروسة، باختلاف أوضاعهم ودرجات معاناتهم: من التصنيف الوقائي التمييزي، إلى العزل من خلال المسموح والممنوع، وصولً إلى الاضطهاد والإلغاء. إن تركيز البحث على جماعة واحدة دون الجماعات الأخرى التي تعاني أنواعًا مختلفة بل شبيهة من العزل والاضطهاد، لا يساعد على فهم «حكمية» السلطات المؤثرة في أوضاع هذه الجماعات، وتفسير (عقلنة) ممارسات هذه الجماعات المتأثِّرة بحكمها. ألا يدفع البروز الحالي المتصاعد للجماعات، في مصر وفي الدول العربية الأخرى، إلى دراسة هذه الظاهرة بشموليتها وفق منهج مقارن، يضع توصيف نوع «الحكمية» السائد/المتغيّ في الصدارة والسلطات المنبثقة عنه والمناهضة له؟ قد يساعد هذا المنهج على فهم و«عقلنة» ما جرى في المجتمعات العربية (والمصرية خاصة) قبل ثورات 2010، وما يجري الآن للجماعات التي تعاني شتى أنواع العزل والاضطهاد، كما التي تمارس تجاه الآخرين أنواعًا من الإقصاء والتعنيف. تكمن الصعوبة الثانية في تطبيق منهج فوكو على المجتمعات العربية في اختلاف الزمن المعرفي والتراكم العلمي في المجتمع المدروس؛ فزمننا المعرفي (العربي والمصري) يختلف عن الزمن المعرفي الذي أجرى فيه فوكو أبحاثه (فرنسا وأوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين.) إذ استطاع فوكو أن ينتج خلال الأربعين عامًا التي خصصها لأبحاثه، دراسات موسوعية عن المصح والخلل العقلي، والسجن/الجريمة، والمستشفى/المرض، والحكم والسلطة والأمن، وتاريخ العلاقات الجنسية والشذوذ. فدرس هذه المؤسسات والتشريعات والخطب والرموز الملازمة لها، منذ نشأتها وخلال مراحل تطورها، على مدى قرون عديدة (من ثلاثة إلى عشرة قرون)، واستطاع أن يقوم بهذا العمل «الهائل» ليس فقط لأنه «عبقري متواضع» (يقول عن نفسه « Je piétine » «أ راوحُ مكاني»)، بل لأنه استفاد أيضًا من كمّ كبير من الدراسات والأبحاث والكتابات الجزئية والشاملة، النظرية والتطبيقية، الصادرة في القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، وصولً إلى سبعينيات القرن العشرين، وهي التي تناولت مختلف جوانب الظاهرة المدروسة، فاستطاع بذهنه التوليفي الفريد أن يفهم الظاهرة ويفسّها. كما ساعدته الوثائق القديمة المحفوظة في أرشيفات المؤسسات المعنيّة بالظاهرة المدروسة (والتي تعود إلى القرن الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، حيث عملت الدولة الرعائية الغربية على إنشاء إدارة «حديثة» لضبط مقومات سلطتها وحكمها وتوثيقها وحفظها)، وسمحت له بتدعيم تفسيره التوليفي (Synthèse) بالحجج والأمثلة، من أجل «عقلنة» الظاهرة المدروسة وإخراجها إلى حيز المعرفة. أما نحن، والمؤلفة لور جرجس، فلا نزال في زمن معرفي لم يبلغ التراكم البحثي والتوثيقي فيه، المستوى الذي بلغه في الغرب الأوروبي، إذ لا يتعدى عمر «دولنا» - بحكمها الرعائي أو الريعي وإداراتها ومؤسساتها - العقود السبعة في أقصى الحالات. ولم تسمح السنوات الست التي أمضتها الباحثة في دراسة علاقة «حكمية» الدولة المصرية بالجماعة القبطية، إلّ بالإحاطة بفترة قصيرة لا تتعدى السبع سنوات (من أواخر عهد مبارك 2005 حتى عهد مرسي 2012، بعد ثورة 25 يناير)، كما والاقتصار على التنقيب في التفاعلات
الخاصة بجماعة واحدة. إلّ أنها عوّضت عن ذلك بالتعمّق في دراسة مجمل العلاقات بين هذه الجماعة وكنيستها، ومع الجماعات والمؤسسات الدينية والسياسية الأخرى، كما والعلاقات المتبادلة بين الكنيسة والسلطات العليا في مصر. وقد ساهمت الباحثة بمنهجها المنفتح والمتشعب في فكّ العزلة عن الأقباط، فاتحةً الطريق لدراسة الجماعات الأخرى في المجتمع المصري، من أجل فهم وعقلنة ممارساتها ل «الحكم»، و علاقاتها بعضها ببعض، وبالسلطة العليا التي لم تُبلور حتى الآن طريقة حكمها.
الهوامش
(4) مي مجيب عبد المنعم مسعد، الأقباط ومطالبهم في مصر بين التضمين والاستبعاد، سلسلة أطروحات الدكتوراه؛ 104 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2012 (5) عزمي بشارة، هل من مسألة قبطية في مصر؟ (بيروت؛ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2012
(7) قد تصلح كلمة «استضعاف» للتعبير عن معنى Minorisation، إلا أنها مستخدمة في سياق آخر. انظر:
(8) التشبيه مقتبس من الأوعية الشعرية الدموية في الجسد.