العودة إلى تفاصيل المؤلَّف دور التاريخ الشفوي، المفهوم والمنهج وحقول البحث في المجال العربي بيروت: 21-23 شباط/فبراير 2014

دور التاريخ الشفوي، المفهوم والمنهج وحقول البحث في المجال العربي بيروت: 21-23 شباط/فبراير 2014

The Role of Oral History: Concepts, Methods, and Research in the Arab World (Beirut, February 21-23, 2014)

هيئة التحرير

الملخّص

يوم الجمعة الواقع فيه 21 شباط/فبراير2014 ، افتتح المركز العربي للأبحاث ودراسةالسياسات في فندق الريفييرا في بيروت، المؤتمر السنوي الأول للتاريخ: «دور التاريخ الشفوي، المفهوم والمنهج وحقول البحث في المجال العربي »، واستمرت أعمال المؤتمر لغاية يوم الأحد 23 شباط/فبراير 2014 .

Abstract

The Arab Center for Research and Policy Studies (ACRPS) held its first annual conference dedicated to the field of history and titled: "The Role of Oral History: Concept, Methods and Research in the Arab World", in Riviera Hotel in Beirut, on February 21-23, 2014.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ الشفوي
  • المفهوم
  • المنهج
Keywords:
  • Oral History
  • Methods
  • Arab Word

بيروت، 23-21 شباط/فبراير 2014

يوم الجمعة الواقع فيه 21 شباط/فبراير 2014، افتتح المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في فندق الريفييرا في بيروت، المؤتمر السنوي الأول للتاريخ: «دور التاريخ الشفوي، المفهوم والمنهج وحقول البحث في المجال العربي»، واستمرت أعمال المؤتمر لغاية يوم الأحد 23 شباط/فبراير.2014 شهد اليوم الأول من المؤتمر (الذي يعدّ الأول من نوعه على مستوى المنطقة) عددًا من الجلسات الأكاديمية ناقشت «إشكاليات التاريخ الشفوي» والتجارب في هذا المضمار. وأوضح الدكتور وجيه كوثراني، المدير العلمي للمركز العربي - فرع بيروت، في كلمته الافتتاحية أهمية عقد المركز العربي مؤتمرًا عن التاريخ الشفوي، شارحًا أن المركز العربي للأبحاث يسعى من وراء عقد هذا المؤتمر إلى سد ثغرة على صعيد الممارسة التأريخية العربية، وهي أن يكون للشهادة الشفوية، بما هي تعبير مباشر عن ذاكرات لم يقدَّر لها أن تنتقل إلى مرحلة الكتابة، فرصة تحولّها إلى تاريخ، وعلى الأقل إلى أرشيف وإصدارات. ورأى كوثراني أن الانفجار العربي

الكبير الذي اشتعل بعد الثورة التونسية، يؤسس لمرحلة تاريخية جديدة، لما يكشفه وسيكشفه من ذاكرات مطموسة ومقموعة ومكبوتة. تحدث في الجلسة الأولى شون فيلد الذي قدّم ورقة بعنوان «التعاطف، والشعور، والاختلاف: التاريخ الشفوي في جنوب أفريقيا»، فعرض التاريخ الشفوي في جنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد الفصل العنصري. ولفت إلى وجود تقصير لدى المؤرخين الشفويين في نقل الحوادث، وقال إن التعاطف يستخدمه المؤرخون في عملية الاستماع، ودعا إلى تصوّر للتعاطف يتأسس على أشكال التمايز ضمن سرديات التاريخ الشفوي، لا بحثًا عن مصالحة مدبّرة أو مساواة مزيّفة. وطالب المؤرخين الشفويين بتيسير جهد الرواة في ترجمة مشاعرهم وتجاربهم عن العنف والاضطهاد إلى ذكريات يمكن الحديث عنها من خلال الاتصال والانقطاع المتأرجح بين الطرفين. كما دعا إلى أن تكون المقابلة قائمة على الموضوعية بين الطرفين في رواية الشهادات، منبّهًا من الانجراف وراء العواطف لدى الاستماع إلى

رواية الأشخاص، ومطالبًا بالتمييز بين الندّية والغيرية. ثم قرأت الدكتورة كاترينا لانغ، نيابة عن الأستاذة المحاضرة مي صيقلي، نصّ دراستها عن «توسيع حدود التاريخ: من التاريخ السردي إلى التاريخ التسجيلي»، فأشارت إلى الاعتراف اليوم بالتاريخ الشفوي، كعقل معرفي متداخل له أهداف مختلفة. وذكرت أن التاريخ الشفوي يعيد بناء التاريخ بصفته منصة لنشاط الضمير. وركّزت دراستها على تقصّ أوضاع الإنتاج العربي للتاريخ الشفوي، مشيرة إلى صعوبة تقديم تعريف محدّد للتاريخ الشفوي، نظرًا إلى صيغته الإنسانية. ولفتت إلى ما وجدته تباينًا في أرشيفات الغرب في الموضوع الفلسطيني لدى توثيق التاريخ الفلسطيني وطمس المعلومات. وتطرّقت في الجزء الثاني من دراستها إلى الواقع الاجتماعي في الخليج، فأشارت إلى المرأة كرمز في الخليج بوصفها جهة فاعلة تعبرّ عن فهمها وعن إدراكها للتغير الاجتماعي. ولفتت إلى أن توثيق المرأة لتلك المرحلة شفويًا، جعلها عنصرًا فاعلً وحاضرًا. وأشارت إلى منهجية البحث الأكاديمي وكيفية معرفة صحة الأدلة، وكيفية إدماجها في الروايات التاريخية المقبولة. وتحدّث الأستاذ في علم الاجتماع في جامعة ستراسبورغ والقاضي في المفوضية العليا للاجئين في الأمم المتحدة، إسماعيل الأعشر عن «مسألة الحقيقة والزيف في السرديات القسرية»، مشيرًا إلى إجرائه عددًا كبيرًا من المقابلات خلال عمله في المفوضية العليا للاجئين في سياقات الحرب والسلم وحالاتهما. ورأى أن المقابلة لا تنطوي على رصانة أساسية لدى الطرفين، ويبقى الأهم التركيز على موضوع معيّ، لا توضيح بعض الحوادث الماضية. ولفت الانتباه إلى ضرورة اعتماد بعض المهارات لدى الكلام في المقابلة. ثم تطرّق إلى محكمة اللجوء السياسي والسرديّات التي تجري في أروقتها، فرأى أن سرديات طالبي اللجوء تحمل الكثير من الصعوبات، إذ يسعون لجعل القاضي يصدق ما لا يُصدَّق، ويحاولون إقناعه بسردية ورواية لا تندرجان في قوانين وأعراف الدول المضيفة. وأكد أن الصدقية لا تتحقق إلا من الاتساق الداخلي، والاستعانة بالشهود والتسلح بصور وسجلات وصكوك ملكية وشهادات تثبت شخصية طالب اللجوء وموثوقيته وسرديته.

الشفوية ليست مصدرًا خامًا للتاريخ

تناولت الجلسة الثانية إشكاليات التاريخ الشفوي، فعرض الباحث عبد الله إبراهيم، أستاذ شرف التاريخ الأفريقي والإسلامي، جامعة ميسوري، الولايات المتحدة، ورقة عنوانها «المخبرون: مؤرخون مثلي مثلك»، جدَّد من خلالها النظر في العلاقة بين الإخباري والمخبر في ضوء ما استجد من معرفة بالخبر التاريخي بفضل علوم اللسانيات والتواصل والإثنوغرافيا الجديدة. وتحدّث عن تجربته في تسجيل شهادات الكبابيش على النيل، في فترة الستينيات من القرن الماضي في السودان. ثم تحدث إبراهيم بوتشيش، أستاذ التاريخ في جامعة مكناس في المغرب، عن «مواطن القوة والضعف في الشهادات الشفوية: دراسة تطبيقية في تاريخ المغرب 1973 - 2005»، ذكر فيها أن يد المؤرخين لم تمتد إلى تلك المرحلة؛ إذ إنها فترة شهدت ندرة الوثائق، وبعضها ط مس في حين أن البعض الآخر مجهول المصير. من هنا تبرز أهمية الشهادات الشفوية في توفير إفادات وإضافات عن تلك الفترة. وأوضح أن هذه الشهادات حصل عليها في جلسات هيئة الإنصاف والمصالحة التي نظمت في المغرب بعد الانفتاح الذي حصل مع العهد الجديد سنتي 2004 و 2005، وتسنّى له فيها الاستماع إلى ضحايا «سنوات الجمر والرصاص.»

وأوضح أن هذه الشهادات تعزّز التاريخ المكتوب؛ إذ إن بعض الشهود احتفظ بأوراق ووثائق مكتوبة، إضافة إلى أهمية دور النساء في الإدلاء بشهادات شجاعة. وأكد أن أهمية تلك الشهادات تكمن في إظهارها اللغات المهمشة، أي اللغة الأمازيغية واللغة العامية. وأضاف أن تلك الشهادات كانت حديثة ولم يمضِ عليها ردح من الزمن، وهذه من نقاط قوتها، إذ إنها أتاحت دراسة التاريخ من الأسفل، فسمحت هذه الشهادات بمعرفة أسماء المعتقلين، كما وفرت معرفة أسماء المعتقلات وأماكنهم. وكشفت الشهادات تلك عن أنواع التعذيب الذي كان يتعرض له المعتقلون في الزنازين، في حين أن نقاط الضعف في الشهادات المروية، تكمن في ظرفية الرواية، إذ من الصعب أن ترضي الشاهد- الراوي وترضي التاريخ في الوقت نفسه. اختُتمت الجلسة الثانية بمداخلة للباحث المغربي عبد الرحيم الحسناوي من جامعة محمد الخامس في المغرب، فتحدث عن «المصادر الشفوية أو الذاكراتية ورهانات كتابة تاريخ المغرب الحاضر.» وحاول إبراز دور الشهادات الشفوية في كتابة تاريخ المغرب الحاضر أو الراهن، فرأى فيها التاريخ الشفوي للحاضر المكتوب وأهميتها في تكوين أرشيف شفوي من شأنه أن يؤرخ للحدث المنسي وللذاكرة الجماعية، وأن يساهم في بناء المسارات الفردية والجماعية. وقبل مناقشته جميع هذه الأفكار، وقف الباحث على السياق العام المؤطر لتجربة الانتقال إلى الراهن في المغرب. ورأى الباحث أن وفرة هذه الشهادات تساهم في سد فراغ الوثائق المفقودة، ولا سيما أن الشهادات الشفوية تتجاوز الكلام المحظور، أو أي ممنوع آخر في المجتمعات العربية. وأوضح أن الشهادات في المغرب نصوص تتناول سنوات الرصاص، كما أنها إرادة معلنة لطي صفحة الماضي.

التاريخ الشفوي أتاح الانتقال من الأرشيف إلى الشارع

استأنف المؤتمر أعماله بعد استراحة الغداء بجلستين عن التجارب. فافتتحت الجلسة الثالثة الأستاذة ليندا شوبس عبر الفيديو بورقة عنوانها «ستة عقود من التاريخ الشفوي»، عرضت فيها للطريقة المعتمدة في الولايات المتحدة الأميركية، مشيرة إلى الذاتي والموضوعي في عمل التاريخ الشفوي، وهو تاريخ يحاول أن يفهم نمط الموضوعية في صفوف المؤرخين. فأرتأت أن الإنجازات في التاريخ الشفوي أتاحت الانتقال من الأرشيف إلى الشارع وإلى الحيّز العام، مشدّدة على أهمية الرواية السردية والتاريخ الشفوي وعلى التجربة الإنسانية. وأكدت أن سرديات الحياة اليومية هي التي تشكل قاطرة للتاريخ الشفوي. وانتقدت غلبة النظرية لأنها تفوّت الفرصة على بناء السرديات الجمْعية والفردية. أما الدكتور عباس الحاج الأمين، الأستاذ في جامعة الخرطوم، فقد تحدّث عن «الرواية الشفوية بين رهن الأرشيفات الأكاديمية وبين حرية نزع الحجاب عن المسكوت عنه في قراءة في تجربة أرشيف معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية في جامعة الخرطوم»، فأعطى تعريفات عن التاريخ الشفوي ومبادرات فيه، لافتًا إلى أن الرواية التاريخية يغلب على محتواها السرد التاريخي. ورأى أن الرواية الشفوية تمر بمراحل عديدة، أولها الجمع الميداني من أفواه الرواة، فضل عن المسح العام للمنطقة المستهدفة. ثم تحدث الدكتور طوني عطا الله، الأستاذ في الجامعة اللبنانية، عن «إشكالية التاريخ الشفوي وبناء الذاكرة في المجتمعات التعددية: الخبرة اللبنانية 1957 - 2013»، فنوّه بدور المؤسسات المدنية في إعداد أفلام وثائقية في هذا المجال، وطالب بألا يكون التاريخ مجتزءًا. وأشار إلى أن مكتسبات اللبنانيين وحقوقهم مرشحة للانهيار إذا اكتفينا بالتاريخ المكتوب فقط،

داعيًا في الوقت ذاته إلى تغيير نظرة الأصل تجاه مادة التاريخ، وعدم حذف أجزاء من تاريخنا، ذلك أن التاريخ فعل مستمر. أمّا في الجلسة الرابعة، فتحدث الدكتور محمد السعدي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الملك محمد الأول، بالمغرب، عن «التاريخ الشفوي وحفظ الذاكرة الجماعية: تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة بالمغرب نموذجًا»، فركّز على تجربة الشهادات النسائية في المغرب، وعن القوائم المشتركة بهذه التجربة، وعرض أن الهيئة اعتبرت أن الشهادات الواردة هي انتقائية وانفعالية، ولكنها كانت تجربة في إطار التنفيس وخلق مناخ سلمي في المجتمع. وعرض لتغييب النساء وما تعرضن له بسبب ذكورة المجتمع العربي، وأسف لاعتبار البعض أنها مجرد خسائر جانبية تعرضت لها النساء، ولاقتصار الحديث على الرجال. وأضاف أن تداخل النظام السلطوي مع سلطات المجتمع نجح في إخفاء قضايا هؤلاء النسوة سنوات طويلة، وهو ما أدى إلى معاقبتهن عندما تجرأن وتحدثن عن معاناتهن. وتحدث الدكتور منذر جابر، الأستاذ في الجامعة اللبنانية والباحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، عن «حدود الصحيح والمفتعل في المقابلة الجنوبية في المهجر وفي الضاحية»، لافتًا إلى أن هذا التاريخ لا يزال مغيَّبًا، إذ إن مجتمعنا سليل مجتمعات تاريخها شفوي، ومحفوظ في حدود العامة أو القبلية أو الطائفة. وأشار إلى موقع المرأة في الرواية الشفوية، وإلى الدور الذي مارسته النساء في أثناء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني حين كن ينتظرن أمام معابر الاحتلال بدلً من الرجال، ويحملن الرسائل والعقود والأموال والسلاح إلى المقاومة في الجنوب. وألقت لورا أوداسو، نيابة عن الدكتورة كاترين دولاكروا، بحثها عن «تاريخ المهاجرين المغاربة إلى فرنسا»، فاعتبرت أن هؤلاء واجهوا تحديات اجتماعية وثقافية ومستقبلية وعنصرية، ووصفت الحياة اليومية لهذه العائلات منذ وصولها إلى فرنسا، وعمل الرجال من هذه الأسر في مهن محفوفة بالمخاطر. وفي تعقيب للدكتور عبد الرحيم غانم، لفت إلى أن المرأة لم تكن بطلة في التاريخ الشفوي، لكنها أكثر خوضًا في التفصيلات، وتتميز بذاكرة قوية في سرد الحوادث.

التاريخ الشفوي الفلسطيني أصدق من الوثائق المكتوبة للعصابات الصهيونية

في اليوم الثاني من فعاليات المؤتمر، عُرضت الأوراق والأبحاث في قاعتين منفصلتين بسبب كثرتها. فعُقدت الجلسات التي تتناول التاريخ الشفوي الفلسطيني بأصنافه المختلفة في القاعة الأولى، فتحدثت في الجلسة الأولى المؤرخة البريطانية روزماري صايغ عن إنتاج التاريخ الشفوي للشعب الفلسطيني من نكبة 1948 حتى يومنا هذا. واعتبرت أن التاريخ الشفوي الفلسطيني رسخ أعمال المقاومة الفلسطينية وعززها، على الرغم من إهمال القيادة الوطنية الفلسطينية للثقافة والتاريخ، الأمر الذي شكل عامل أساسًا لتحفيز التسجيل الغزير للذكريات الشعبية. ورأت أن الجهد في هذا المجال اقتصر على مراكز الأبحاث الفلسطينية القليلة الموارد ومنظمات أهلية وشخصيات فلسطينية مستقلة. كما عرض الدكتور عبد الرحيم غانم ورقته التي تعرضت ل «أهمية الرواية الشفوية في توثيق التهجير القسري للفلسطينيين عام 1948»، وتناول قرى قضاء طولكرم كدراسة حالة، ففنّد وبيّ، بعرض موجز للمقابلات التي أجراها بنفسه بدءًا من ثمانينيات القرن االماضي، بطلان مزاعم الحركة الصهيونية وادعاءاتها بأن الحكومات العربية هي

التي طلبت من سكان القرى المحاذية للتجمعات السكنية اليهودية الواقعة ضمن الدولة اليهودية بحسب قرار التقسيم الصادر 1947 بالرحيل عن قراهم. واعتبر أن التاريخ الشفوي في الحالة الفلسطينية أصدق من الوثائق المكتوبة والبيانات العسكرية للعصابات الصهيونية ودولة إسرائيل، إذ وجد الباحث من خلال روايات المهجّرين أن عشرات المجازر والمذابح وعمليات القتل التي ارتكبتها العصابات الصهيونية والجيش الإسرائيلي كانت ممنهجة بغية بث الرعب في قلوب القرويين، وكان مخططًا لها مسبقًا. وقُرئت في هذه الجلسة أيضًا ورقة الباحث الفلسطيني أسامة محمد أبو نحل الذي لم يتمكن من الحضور من غزة، والتي تناولت استخدام الرواية الشفوية في كتابة التاريخ المعاصر. وفي هذه الجلسة ألقى الباحث الفلسطيني محمود زيدان مداخلة قصيرة اعتبر فيها أن التاريخ الشفوي الفلسطيني يختلف عن تواريخ المناطق الأخرى باعتباره تاريخًا يقاوم التاريخ الإسرائيلي الذي يحاول أن يلغيه. أمّا في الجلسة الثانية، فتحدث الباحث الفلسطيني ياسر قدورة عن «التاريخ الشفوي وعلم الأنساب للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية»، منطلقًا من قناعته بأن تاريخ العائلة يمكن أن يشكل مدخلً لتحقيق أهداف سياسية ووطنية، ومنها تأكيد ودعم حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى بلاده فلسطين. وفي الجلسة نفسها، ركّز الباحث الفلسطيني يحيى عباد في ورقته عن «التاريخ الشفوي والتهميش المركّب: الفلاحة الفلسطينية ورواية النكبة»، على الفئات المهمَّشة التي شكّلت النكبة حدثًا أفرز حراكًا اجتماعيًا ساهم في تحسين أوضاعها المعيشية والاجتماعية، وذلك بسبب عدم ملكيتها الأرض قبل النكبة واضطهاد مالكيها لها، وتحولّها بعد النكبة إلى التعليم وتحصيل الشهادات العلمية، وهو ما ساهم في تعزيز وضعها الاجتماعي والاقتصادي. ثم تحدثت الباحثة الفلسطينية دعاء اشتية، فتناولت في ورقتها «معارك الأمعاء الخاوية في الرواية الشفوية الفلسطينية»، قضية الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، فرأت أنها تحتل مكانة واسعة في الذاكرة الفلسطينية للتضحيات الجسام التي قدمها هؤلاء الأسرى دفاعًا عن وطنهم وشعبهم في خضم صراعهم مع العدو المحتل. وتقدمت بعرض تفصيلي لأشكال الإضرابات التي خاضها هؤلاء المناضلون.

التاريخ الشفوي استرجاع للحاضر والماضي من أجل المستقبل

تحدث في الجلسة الثالثة الأكاديمي ساري حنفي، الأستاذ في الجامعة الأميركية ببيروت، عن لاجئي حيفا الفلسطينيين وحرب 1948، فرأى أن في التاريخ الشفوي رغبة ملحة في استرجاع الحاضر والماضي من أجل المستقبل الذي لا يزال في رحم الزمان، وذلك بسبب الأمل في تذكر شيء من الماضي وتعويضه. واعتبر أن درجة التعذيب التي يتعرض لها كثير من الضحايا تمنعهم من الإدلاء بشهاداتهم. أمّا الباحث الفلسطيني حسن حسين عياش، فتناول «الحالة العامة في قرية بيت نتّيف قبل النكبة اعتمادًا على التاريخ الشفوي»، ورأى أن هناك اهتمامًا بإنعاش التاريخ الشفوي عند جميع الشعوب، فنراها تعمل على تدوينه وتسجيله، خشية ضياع أصوله مع تقادم الأيام، وغياب كبار السن، إن بالموت أو بالهجرة، فهؤلاء هم التاريخ الحقيقي غير الموثق، وغيابهم يهدد باختفاء الموروث التاريخي من خلال تدمير الشواهد الجغرافية والتاريخية المتعلقة بالقرى التي دمرتها العصابات الصهيونية. وتحدثت في هذه الجلسة الباحثة ساحرة بليبلة عن استراتيجية «المشي عبر الجدران: الحرب الخفية» التي انتهجتها القوات الإسرائيلية في اجتياحها الضفة الغربية سنة 2002، وتبعاتها عبر البحث الإثنوغرافي لهذه التجربة.

في الجلسة الرابعة، جرى تناول روايات من الحياة الريفية والقبلية في العالم العربي. فتحدث فيها الباحث المصري فيصل سيد طه حافظ عن «جوانب من حياة قبيلة اللواتية في سلطنة عمان....»، فعرض تاريخ «قبيلة اللواتية» وهجراتها ومجريات أحوالها، وعاداتها وأعرافها، وعن تنقلاتها من عمان إلى الهند والعكس. وأمّا الأنثروبولوجية البريطانية كاترينا لانغ، فتناولت سرديات التاريخ الشفوي وإنتاج التاريخ في شمال سورية في مقاربة إثنوغرافية، بينما تحدث المؤرخ السوري عبد الله حنا إلى الحضور عن تجربته مع الرواية الشفوية لكتابة تاريخ الفلاحين في سورية القرن العشرين، وعن دور مثل هذه الرواية في توضيح الوقائع المكتوبة وإماطة اللثام عن وقائع مجهولة، فضل عن معاناة النساء الفلاحات والهجرة للعمل في بلدان النفط وأثرها في البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لثلاث مناطق سورية شهدت هجرة كثيفة وهي: وادي الفرات والقلمون وحوران. كما تعرض للتناغم الشفوي والمكتوب في كتابة تاريخ بعض القرى المقاوِمة للإقطاع.

المرويات الشفوية والواقع الاجتماعي الجديد

في القاعة الثانية، عرض الكاتب المصري محمد عفيفي في الجلسة الأولى بحثه عن «أصوات قبطية قبل 25 يناير»، فتحدث عن خروج الأقباط من حضن الكنيسة إلى حضن الوطن، وعن ظهور أجيال جديدة بأفكار مختلفة. ولفت إلى أن الأقباط لا يرفضون الحضارة العربية - الإسلامية. أما الدكتور فتحي ليسير من تونس، فتحدث عن «محاذير توظيف المصدر الشفوي في كتابة تاريخ الزمن الراهن...»، ورأى أن أحدًا لا ينكر قيمة تدوين التاريخ الشفوي كمصدر تاريخي، إضافة إلى صعوبة الكتابة عن الثورة التونسية حتى لو كانت من أفواه الفاعلين، ذلك أن مراحلها لم تكتمل، علاوة على أن الثورة تمر بمد وجزر، وانتصارات وإخفاقات. وتناول الباحث المغربي عز الدين جسوس «جوانب من حركة المقاومة غير المكتوبة للاستعمار الفرنسي بالمغرب»، ودعا إلى الاستفادة من آليات اعتُمدت في تاريخ الحضارة الإسلامية في كتابة التاريخ والتدوين، ومنها علم الجرح والتعديل. أمّا الدكتور محمود الديك (من ليبيا)، فتحدث عن «شهادات من التاريخ الشفهي الليبي»، وعن المساعي التي بُذلت في تسجيل تاريخ المنفيين قسرًا من ليبيا على يد الاستعمار الإيطالي، وأشار إلى صعوبة استجواب من بقي حيًا منهم. ولفت إلى عدم إفراج الإيطاليين عن وثائق تتعلق بتلك المرحلة باعتبارها صفحة سوداء في تاريخ إيطاليا الحديث. وفي الجلسة الثانية تحدث الدكتور نادر سراج عن «دور المرويات الشفهية في تشييد الواقع الاجتماعي...»، فرأى أن العودة إلى المصادر الشفوية والصور لا تكفي لكتابة رواية شفوية. أما ورقة ضحى سمير مصطفى، فكانت بمنزلة قراءة في الحراك الجيلي داخل الإخوان المسلمين في مصر ما بعد ثورة 25 يناير، فركزت على وجود خطابين في الجماعة، مشيرة إلى صعوبات دراسة وضع الإخوان المسلمين حاليًا بسبب الاعتقال والملاحقة التي يتعرض لها أفراد الجماعة وقياداتها. ثم تحدث معمر دحماني من الجزائر عن واقع الثورة التحريرية -1954 1962 وحوادثها من خلال شهادات شفوية لنزلاء معتقل «دار الجنرال » 1955 بتلمسان، فاعتبر أن لموضوع الشهادة الشفوية مميزات تجعله يحتل صدارة فعالة في أوساط المجتمع، ذلك أن هذه الشهادات هي النصف الآخر المكمل للحدث التاريخي. في الجلسة الثالثة تعرضت الكاتبة المصرية جيهان أبوزيد ل «نساء بين ثورتين: حكايات نساء التحرير»، فقالت إنها هدفت إلى إعطاء صورة عن دور النساء المصريات في ميدان التحرير، لافتة إلى تحدّي النساء ثقافتهن السابقة بتحولّهن إلى مواطنات يردن بناء وطن. ولفتت الباحثة الدكتورة

دلال البزري، وهي تعرض ورقتها بعنوان «سيرة مصرية: تجربة كتاب السياسة أقوى من الحداثة: حكايات مصرية معاصرة»، إلى أن الحداثة كانت شأنًا غير مفهوم بالنسبة إلى من كتبت سيرتهن الذاتية، وإلى أهمية وسائل التواصل الاجتماعي كمادة لكتابة السير الذاتية. وتحدث الباحث المغربي قاسم الحادك عن «الشعر الشفوي والمقاومة النسائية في المغرب: معركة بوكافر نموذجًا »، واعتبر أن هذه الأنواع من الشعر كانت شفافة وخالية من التصنع وبقيت في الذاكرة الشعبية. وعلّق الدكتور علي الموسوي على الأبحاث التي عُرضت في هذه الجلسة فطالب بتحليل الشهادات وصولً إلى تنظيمها واستخلاص النتائج. في الجلسة الرابعة والأخيرة لهذا اليوم، تحدث الباحث فادي شاهين عن «الازدواجية اللغوية والعلاقة بين الشفوية والكتابة التاريخية عند العرب» فرأى أن العلاقة بين الشفوي والكتابي تتميز بدرجة عالية من الحساسية عند العرب، وأكد أن الراوي لن تكون له صدقية إلا من خلال علم اللسانيات، بسبب أهمية دور اللغة في الرواية الشفوية، ونظرًا إلى تعدد اللهجات واختلافها. ثم تحدث الدكتور الأمين بن محمد بابه المصطفى من موريتانيا عن «رفض النصوص والجمود على النصوص: نزاع الكتابي والشفوي ومفارقات الترك الموريتاني»، فأشار إلى وجود صراع بين طبقات المجتمع وصراع بين اللغات المكتوبة والشفوية، وهو صراع قومي الطابع؛ فموريتانيا بلد متعددة القوميات، وموجودة على الخط الفاصل بين الثقافتين الزنجية والعربية. وأضاف أن مشكلة التاريخ الوطني والأزمات السياسية تحول دون تأسيس تاريخ وطني موريتاني جامع لجميع القوميات التي تقطن البلاد. أمّا الدكتور عبد الحكيم أبو اللوز من المغرب فتحدث عن «سوسيولوجيا النظم الديني الأمازيغي الشفوي»، فذكر أن «النظم» بقي أمينًا للقيم الدينية الإسلامية، مشيرًا إلى وجود أقلية يهودية تأسلمت في منطقة الأمازيغ في المغرب. كما لفت إلى تعقيدات تصنيف «النظم»، على الرغم من كونه المدخل لتعليم المرأة الدين. واعتبر أن المسح البحثي مهم في هذا المجال، ولكن السلطات الرسمية تستغل النظم الديني لمحاربة اليسار.

تاريخ المهمَّشين ورواياتهم في العالم العربي

في اليوم الثالث والأخير من فعاليات المؤتمر عُقدت الجلسة الأولى بعنوان «المهمشون و موضوعات أخرى» فتحدث فيها الدكتور حسين إلياس من الهند عن «ذكريات ماضي الأمة وسردياته: مهاجرون من كيرالا إلى الخليج»، فاعتبر أن الأهمية الأكاديمية لشهادات المهاجرين من كيرالا تكمن في إمكان أن تشكل نسخة بديلة للتاريخ في الخليج، ولا سيما أن هذه الهجرات تزامنت مع مرحلة تشكُّل الدولة في معظم أقطار الخليج. ورأى أن من المهم التعرف إلى انطباعات المهاجرين العاديين الوافدين من جنوب آسيا لحوادث تاريخية كثيرة، مثل تحوّل المجتمعات الخليجية في المرحلة ما بعد الكولونيالية. كما اعتبر أنه يمكن رد سرد قصص الماضي إلى جهد جماعي لإعادة سرد التاريخ بطريقة بديلة. وقدمت منى فياض، أستاذة علم النفس في الجامعة اللبنانية، بحثها عن «الحرب من خلال حكايات مراهقين في السجن: عالم الأحداث بين صقيع السجن ولهيب الحرب الاهلية»، فربطت بين علم النفس والتاريخ، وكيفية الاستفادة من جميع العلوم، ذلك أن القوانين التي تحدد المشاعر والأحاسيس هي نفسها التي تحدد الأفعال، وأضافت أن المعرفة التاريخية تكمن في أنها تجعل نظرتنا إلى الماضي موضوعية. وتحدث الدكتور الهادي غيلوفي (تونس) عن «تاريخ المهمشين: السجناء السياسيون نموذجًا»، فأشار إلى صعوبة الحصول على شهادات من السجناء السياسيين لأن أكثرهم يخاف الحديث عن تجربته، خشية العقاب مرة ثانية، وهناك من

رغب في رواية تجربته. وذكر أن تونس تفتقد تجربة التاريخ الشفوي، وأسف لعدم كتابة تسجيلات المقاومين التي لا تزال موجودة في صناديق مقفلة في وحدة الأرشيف الوطنية الحكومية. ولفت إلى تجارب البعض في مرحلة ما بعد الثورة في كتابة سيرهم في فترة سجنهم التي تعرضوا لها في عهد الرئيس الراحل بورقيبة. ورأى أنه يجب قراءة رواية السجناء بحذر لأن بعض المساجين لم يتعلموا من تجربتهم، ولم يقوموا بعملية مراجعة للذات، ومنهم من يمارس التسلط والقهر على آخرين في مرحلة ما بعد الثورة. وفي التعليقات على هذه الجلسة، أشار شون فيلد إلى وجود علاقات تاريخية بين علم النفس والتاريخ، ولكن ذلك لا يعني أن يتحول المؤرخون الى معالجين نفسيين. في الجلسة الثانية تحدث الدكتور عطوف الكبير، الخبير في تاريخ وسوسيولوجيا الهجرة، عن «تدوين التاريخ الشفوي للمهاجرين المغاربة في فرنسا»، فرأى أن كتابة تاريخ العالم العربي والإسلامي عمومًا هي كتابة انتقائية تركز أساسًا على الشخصيات التي أُريدَ لها أن تكون بارزة كالسلاطين والأمراء والملوك والبلاطات... إلخ، متجاهلة «تاريخ المهمّشين.» ومن هنا تنبع الأهمية القصوى للتاريخ الشفوي الذي يمكن به تدوين «تاريخ من لا تاريخ لهم» إذا ما توافرت الشروط الذاتية والموضوعية. وتناول تقنيات المقابلة والاستجوابات الفردية والجماعية وتسجيل أصوات الرّاوين، فضلعن تقنيات الملاحظة التّشاركية. أمّا الدكتور حميد الهاشمي، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة العالمية في لندن، فتناول في بحثه «الذاكرة والهجرة غير الشرعية: أساليب التهريب والتعرض للمخاطر: شهادات شفوية لمهاجرين عراقيين إلى هولندا»، فشرح أن دراسته تقوم على تدوين وعرض الشهادات والقصص غير المحكية عن الأساليب والمراحل والتكاليف الباهظة للهجرة السرية. وقدم الدكتور محمد المريمي (تونس) بحثه عن «خطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك في الإيالة التونسية العثمانية»، فتتبع خطاب الأقليات الدينية الشفوي والعيش المشترك، والتاريخ المحلّ لجزيرة جربة في الجنوب الشرقي للقطر التونسي، وانتقد انتقائية المؤرخين، معتبرًا أنهم يبحثون بشكل عام في التاريخ الشفوي على أنه مكمل للتاريخ المكتوب، وليس موازيًا له. افتُتحت الجلسة الثالثة بعد ظهر الأحد تحت عنوان «الشفوية في طقوس الموت والتخليد والأولياء»، بورقة الدكتورة محاسن عبد الجليل من السودان: «القتل الطقسي لرث الشلك: مقاربة تحليلية لمركزية واستمرارية الثغورات المرتبطة بالموت في الثقافة السودانية»، فأشارت إلى التحولات المنهجية التي بدأت في أوروبا وأميركا مع مدرسة الحوليات، وتأثيرها في المدرسة الأفريقية في قراءة المسيرة التاريخية. وتناولت مسألة اعتماد بعض المصطلحات كمصطلح «الانطاق» و«الاستنطاق» بديلمن البوح عن الموروث الشفوي. وذكرت إنها اعتمدت المقاربة الوجدانية للرواية الشفوية عند الذين التقت بهم، وتناولت موضوع الرث الذي هو ملك القبيلة وعلاقة أفراد القبيلة به، والأساطير المحيطة بهم. ولفتت إلى أن إحدى قبائل جنوب السودان تقتل زعيمها الروحي «الرث»، ضمن عادة تمارسها منذ 1400 سنة، وينتظر الزعيم الروحي الحالي للقبيلة دوره. وشدّدت أن القبيلة لا تزال تحتفظ بهذه العادة ضمن تماسك ثقافي واجتماعي وثيق. أمّا عن مكانة المرأة، فذكرت عبد الجليل إن المرأة تحظى باحترام شديد ورأيها مسموع. من ناحية أخرى، تؤدي الفلسفة الدينية لدى القبيلة دور ثقافة القبيلة التي تفتقر إلى الممارسة السودانية السياسية. وأوضحت المحاضِ ة ظاهرة القتل الطقسي واستمراريتها عند هذه القبيلة التي ترى أن الحياة ولدت من الماء، إذ إن الموت لدى الشلك رديف للحياة، وللميت حقوق وواجبات، فهو يضطلع بدور الوسيط بين الأحياء والإله.

وللميت أيضًا نصيب مادي من مهور الزوجات باعتبار أن الميت لم يمت. وأشارت الدكتورة محاسن إلى تأثيرات الدينين الإسلامي والمسيحي في بعض ممارسات قبيلة الشلك. واختتمت بالتحديات التي تواجه الرواية الشفوية، الاجتماعية منها والسياسية، وضرورة نهوض مؤسسات قادرة على الاهتمام بالتراث الشفوي. بعدها، قدم الدكتور شوقي الدويهي من لبنان، محاضرة بعنوان «كل موت هو قتل: طقوس الموت في الريف الماروني الشمالي»، تناول فيها عددًا من النقاط، مشيرًا إلى أن الهدف هو نقد العادات والتقاليد من جهة، ومحاولة معرفة كيفية التحولّات التي تطرأ على النسق الرمزي من جهة أخرى، فذكر التحولّات التي طرأت بدءًا من هامش الطقس كغياب الندابات في المآتم. وكشف عن فرضية توصل إليها هي أن الناس عندما يحكون عن موتاهم إنما يستعيرون ما قاله الناس عن موتاهم، أي إن ما قيل في يوسف بك كرم يقال في سواه، إنه بمعنى آخر كلام منمّط. ثم أوضح الدويهي إنه لم يحظ بتفسير من رجال الدين والكهنة عن رزنامة الاحتفاء بالميت بدءًا من مرور ثلاثة أيام على الوفاة ثم الأسبوع أو ذكرى الأربعين، والسنوية الأولى. ورأى أن هذه الرزنامة للاحتفال بالميت سبقت الأديان الثلاثة، وإن أصبحت تشك ل عند الناس تراكمً ثقافيًا واجتماعيًا. وتلاه الدكتور صالح علواني الذي تحدث عن «س ير الأولياء والصالحين (المناقب) كمصدر من مصادر التاريخ الثقافي والاجتماعي في الوسط الريفي»، فذكر أننا نعيش اليوم زمن التسارع التاريخي. وتطرّق إلى مسألة حرفية المؤرخ التي تشكّل تحديًا حقيقيًا بسبب ضرورة التعامل مع المعلومة الشفوية، فذكر أن المقابلة يمكن أن تكون مفتوحة أو نصف مفتوحة، مؤيدًا فكرة أن الذاكرة انتقائية وتحريضية وتبريرية بسبب خاصيتها في تخزين المعلومة. وفي ختام هذه الجلسة، علّق الدكتور منذر جابر مشدّدًا على أن التاريخ يعيد إحياء المهمَشين، وأنه لا بد من الاستفادة من هؤلاء المهمَّشين الذين يوجد عنهم كتب كثيرة في التاريخ العربي ككتاب البخلاء، على سبيل المثال. وترأس الدكتور وجيه كوثراني الجلسة الأخيرة في اليوم الثالث للمؤتمر، فأشار إلى مسرحة الحوادث التاريخية عند المسلمين والعرب في حالة عاشوراء أو عند الصوفيين وأدائهم المسرحي الراقص. وتحدث الدكتور محمد سمير الخطيب عن «مسرحة الشهادات الشفوية للمهمّشين، تدوين ذاكرة الثورة المصرية 28 يناير مسرحيًا»، فأشار إلى تعاطي المسرح مع شهادات ثم عرضها مسرحيًا، لافتًا إلى أنها خضعت لتقاليد المسرح، ومشيرًا إلى إهمال وسائل الإعلام بعض هذه الشهادات الشفوية. وركّز على الجانب التقني في دور الراوي أو المؤدي. ثم قرأ بعض فقرات من نصوص لمسرحيات أعدّها وقدّمها في مصر عن ثورة 25 يناير. وذكر أن همّه من مسرحة الروايات الشفوية يكمن في التفاعل مع المتلقّي، والتوثيق الرسمي لها، وتجسيد الشهادة البصرية. ثم تحدثت الدكتورة حنان سويد من ليبيا عن «الطرب الحوزي التلمساني والذاكرة التاريخية»، فقالت إن هذا الطرب الحوزي هو الأكثر انتشارًا في المغرب الجزائري، وله جذور أندلسية، وقد جرى تناقله شفويًا. وشرحت أنه عبارة عن أشعار شعبية، وأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام، في حين يكمن الاختلاف بينها في اللهجة. كما عرضت للآلات الموسيقية المستخدمة، ومضمون الطرب الحوزي وفيه مدح الطبيعة والرسول، وأوضحت أن الجمعيات الثقافية ساهمت في نشره واستمرايته، واضطلعت المهرجانات المحلية والدولية بدور مهم في الحفاظ عليه. ختامًا علق الدكتور سيّار الجميل على مفهوم التاريخ الشفوي وقال إن التاريخ الراهن لم يُكتب بعد، مطالبًا بالتمييز بين الحوادث الكبرى والحوادث الصغرى، محدّدا هدف التاريخ الشفوي بأنه البحث عن المخفي؛ فهو ليس مجرد عملية لجمع معلومات.