العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إشكالية التأسيس لنظام الحكم في الفكر الإسلامي المعاصر بين الخصوصية والعالمية

إشكالية التأسيس لنظام الحكم في الفكر الإسلامي المعاصر بين الخصوصية والعالمية

Problems Surrounding the Institution of a System of Government in the Particularist and Universalist Currents in Modern Islamic Thought

رشيد الحاج صالح

Rasheed AlHaj Saleh

الملخّص

إذا ما عدنا إلى الأسس التي يجري بناء عليها قبول الفكر الإسلامي المعاصر بنظام حكم ديمقراطي حداثي، لوجدنا أن هذا الفكر ينقسم إلى اتجاهين: يؤكد الاتجاه الأول التوفيق بين قيم الحداثة السياسية الغربية ومبادئ الإسلام، شرط إعطاء نظام الحكم خصوصية إسلامية. أما الاتجاه الثاني، فيعتقد أن الدين الإسلامي دين عالمي ذو طابع إنساني شامل ولا يضيره أن يُبحث داخله عمّ يتوافق مع المفهوم الحديث للدولة المدنية من دون أي حديث عن خصوصيات أو استثناءات تخشى على الإسلام من العولمة أو الغرب.

Abstract

There is no more debated issue in contemporary Islamic thought than that over the possibility of establishing a civil Islamic state or an Islamic democracy that combines Islamic values of justice, equality, religious freedom, and humanism, with modern universal political values based on democracy, rationality, the social contract, individualism, and citizenship. Going back to the foundations of modern Islamic thought’s acceptance of the modern system of democracy, it appears that there are two main currents to this thought: one that seeks a compromise between the values of western political modernity and Islamic principles by giving the system of government an Islamic specificity, and another that holds that Islam is a world religion that encompasses the totality of human affairs and that does not fear the search for common grounds with the modern concept of the civil state. This study takes a methodological approach to these two currents to analyze the foundations and principles of each, the problematic issues that arise from each vision, and the challenges they face. The author offers an evaluation of both trends and a look to the future of the “system of government in Islam” in response to the major political movement of today after a decades-long dormancy.

الكلمات المفتاحية:
  • الفقيه التقليدي
  • الفقيه الحركي
  • الدولة الإسلامية
  • الثورات العربية
Keywords:
  • contemporary Islamic thought
  • religious freedom
  • humanism

لا توجد قضية تثير اليوم نقاشًا واسعًا في الفكر الإسلامي المعاصر مثل البحث في إمكانية

إقامة دولة مدنية إسلامية، أو نظام ديمقراطي إسلامي يزاوج بين قيم الإسلام من عدالة

ومساواة وحرية دينية ونزعة إنسانية وغيرها، وبين قيم الحداثة السياسية العالمية القائمة على

الديمقراطية والعقلانية والعقد الاجتماعي والفردية والمواطَنة وغيرها. وإذا ما عدنا إلى الأسس التي يجري بناء عليها قبول الفكر الإسلامي المعاصر بنظام حكم

ديمقراطي حداثي، لوجدنا أن هذا الفكر ينقسم إلى اتجاهين: يؤكد الاتجاه الأول التوفيق

بين قيم الحداثة السياسية الغربية ومبادئ الإسلام، شرط إعطاء نظام الحكم خصوصية

إسلامية. أما الاتجاه الثاني، فيعتقد أن الدين الإسلامي دين عالمي ذو طابع إنساني شامل ولا

يضيره أن يُبحث داخله عمّ يتوافق مع المفهوم الحديث للدولة المدنية من دون أي حديث عن

خصوصيات أو استثناءات تخشى على الإسلام من العولمة أو الغرب. هذا البحث هو مقاربة منهجية بين الاتجاهين المذكورين، لتحليل الأسس والمقولات التي

ينطلق منها كل اتجاه، والإشكاليات التي تتفرع عن كل رؤية، والتحديات التي تواجهه،

لينتهي إلى خاتمة تقيّم الاتجاهين السابقين، وتستشرف مستقبل «نظام الحكم في الإسلام» على

وقع الحراك السياسي الكبير الذي نعيشه اليوم، بعد سبات طال أمده عقودًا طويلة.

مقدّمة

ليس من قضية تثير اليوم نقاشًا واسعًا في الفكر الإسلامي المعاصر مثل البحث في إمكان إقامة دولة

مدنية إسلامية، أو نظام ديمقراطي إسلامي يزاوج بين قيم الإسلام، من عدالة ومساواة وحرية

دينية ونزعة إنسانية... إلخ، وقيم الحداثة السياسية العالمية القائمة على الديمقراطية والعقلانية والعقد

الاجتماعي والفردية والمواطنة... إلخ، ولا سيما أن مسألة التوفيق مسألة معقدة منهجيًا وأيديولوجيًا،

بسبب الاختلافات التي لا يستهان بها بين منظومة المبادئ الإسلامية المنظمة للعمل السياسي في الإسلام

والقائمة على الشورى ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستخلاف الإنسان في الأرض... إلخ،

ومفاهيم النظام الديمقراطي الغربي القائمة على الحريات السياسية وحقوق الإنسان والحق الطبيعي

والعقلانية... إلخ. على الرغم من أن المقارنة بين مبادئ الدين الإسلامي وقيم الحداثة الغربية ليست بالأمر الجديد، بل

تعود إلى عصر النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على يد كلٍّ من

الطهطاوي وخير الدين التونسي ومحمد عبده والكواكبي، فإن المقاربة المعاصرة تأخذ معنى جديدًا

ومختلفًا، من حيث الأوضاع السياسية والتاريخية المحيطة التي نعيشها اليوم، والمتمثلة في وصول

الأنظمة القومية والعلمانية إلى طرق شبه مسدودة، وتحولّها إلى أنظمة شمولية فاسدة أولً، وعدم تمكن

الحركات الإسلامية المتشددة من إثبات وجودها الفعلي في صوغ مستقبل جديد للأمة، وفشلها في

استيعاب المنجزات السياسية العالمية وبناء قاعدة شعبية ثانيًا، واستفادة الفقه الإسلامي المعاصر من

العلوم الاجتماعية المعاصرة ليبدأ عصرًا جديدًا من الانفتاح والموضوعية المتحررة من هواجس الآخر

وأطماعه ثالثًا. وقد أتى الحراك الثوري الكبير ليكون بمنزلة الشرارة التي دفعت الكل إلى العمل من

أجل الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية للبحث في النموذج السياسي الأمثل، أو في النظام السياسي

المستقبلي الذي يلائم مجتمعنا وديننا، ويتمكن من مواجهة مشكلاتنا الكبرى والمتمثلة في الاستبداد

والفقر والفساد وفشل برامج التنمية... إلخ. وإذا ما عدنا إلى مجمل القضية، أي إلى الأسس التي يتم على أساسها قبول الفكر الإسلامي المعاصر بنظام

حكم ديمقراطي حداثي، لوجدنا أن هذا الفكر ينقسم إلى اتجاهين: الأولهو الاتجاه الخصوصي الذي يؤكد التوفيق بين قيم الحداثة السياسية الغربية ومبادئ الإسلام،

شريطة إعطاء نظام الحكم خصوصية إسلامية؛ فهذا الاتجاه، وعلى الرغم من تأكيده أن النصوص

الإسلامية، من قرآن كريم وسنّة نبوية شريفة، لم تتضمن حديثًا صريحًا عن وجود نظام سياسي محدد

للحكم في الإسلام، وأنه ليست هناك مواصفات محددة لشكل الدولة وهيكلتها ومبادئها سوى المبادئ

العامة التي تتحدث عن العدل والمساواة والحريات الدينية وأخلاق المسلمين السمحة، بحيث تكون

مسألة إقامة الدولة والمبادئ العامة المؤسسة لها مسألة تخضع للاجتهاد ومنوطة بعلماء الدين، وعلى الرغم

من تأكيده أن المسلمين في كل عصر هم الذين يقيمون نموذج الدولة الذي يلائمهم ويحقق مصالحهم

ويحفظ دينهم، وعلى الرغم من تأكيده أن الإسلام يقبل بمبدأ المواطنة وحقوق الإنسان والديمقراطية،

فإنه يذهب إلى إعطاء نظام الحكم بعدًا إسلاميًا ومهمات إسلامية، كما لا يخفي الدور الفعال الذي يريده

لعلماء الدين في نظام الحكم، وأن تلك المهمات وهذا الدور ضروريان لحفظ خصوصية الأمّة وصون

شخصيتها الحضارية المستهدفة. لذلك، نجد أن هذا التيار يسعى إلى إقامة دولة حديثة، ولكن ببصمات

وخصوصيات إسلامية، بحيث يكون هناك مفهوم إسلامي خاص بنظام الحكم، ومفهوم إسلامي

خاص بحقوق الإنسان، ومفهوم إسلامي خاص بالديمقراطية، ومفهوم إسلامي خاص بعلاقة الدين

بالدولة... إلخ.

وسنأخذ مثال لهذا النموذج المفكر الإسلامي محمد سليم العوا الذي يؤكد أن مصدر السلطة في الدولة

السياسية هو الأمّة شريطة أن تطبق الشريعة، وأن الشورى مساوية للديمقراطية، وأن الإسلام يقبل

بالأحزاب والتعددية السياسية والتداول السلمي للحكم، وتحديد مدة حكم الحاكم بزمن معين، وأن

الخلافة نظام سياسي يعتمد على الاجتهاد لأن القرآن الكريم والسنّة النبوية لا يتضمنان نظام حكم

محدد المعالم يجب على المسلمين الالتزام به على مر العصور، كما أن «حرية الرأي السياسي» من القيم

الملزمة في الشريعة الإسلامية، وأن مشاركة المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية أمر لا يمنعه الشرع

شريطة التزامها الحشمة في اللباس والسلوك، من دون أن يعني ذلك تخلّ العوا عن مبدأ «الإسلام دين

ودولة»، أو المرجعية الإسلامية في كل ما يتعلق بشؤون الدولة السياسية، وأن للدولة مهمة أساسية

هي «تطبيق الشريعة الإسلامية»، حتى أنه يتجنب مصطلح الدولة المدنية ويستبدل به الدولة السياسية. أمّا الاتجاه الثاني، فهو الاتجاه العالمي الذي يعتقد أن الدين الإسلامي دين عالمي ذو طابع إنساني شامل،

وهو موجود بفاعلية منذ نحو أربعة عشر قرنًا، وأنه عاصر شعوبًا وحضارات، وتفاعل معها فأخذ منها

الكثير وأعطاها الكثير، ولذلك لا يضير هذا الدين أن يبحث في داخله عمّ يتوافق مع المفهوم الحديث

للدولة المدنية، من دون أي حديث عن خصوصيات أو استثناءات تخشى على الإسلام العولمة أو الغرب.

ولذلك، يرفض هذا الاتجاه مقولة «الخصوصية» ويعتبرها بدعة تساعد على تحجيم الفقه الإسلامي وتقف

بينه وبين عالميته. فالفقه الإسلامي يستطيع اليوم استخراج مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان والحريات

السياسية والديمقراطية... إلخ، من داخل نصوص «الإسلام»، كما فعل الأوروبيون عندما استخرجوها

من التراث الإنساني. وسنأخذ مثال لهذا النموذج المفكر الإسلامي رضوان السيد الذي يذهب إلى أن القيم التي أقيمت عليها

الدولة الحديثة، من التأسيس على العقل، والعقد الاجتماعي، والحق الطبيعي والحقوق الفردية... إلخ،

هي قيم موجودة في ديننا الإسلامي، وأن إقامة دولة مدنية حديثة في بلاد المسلمين أمر يقول به «الدين

الإسلامي»، وأن الموانع هنا تعود إلى أسباب سياسية وتاريخية ونرجسية، وليس للإسلام أي ذنب في

ذلك؛ ففي الإسلام يجد السيد أن «العقل أساس الإيمان»، وأن «الحق الطبيعي» لا يختلف عن «التكليف

الإلهي للإنسان»، أمّا «العقد الاجتماعي» فموجود في مبدأ «تبادل الاعتراف بالوجود والمصالح

والكرامة»، وأن الحريات والحقوق الفردية تقابلها في الإسلام حرية الفقهاء تجاه السلطة السياسية

في أزمنة عديدة، وإن يكن الفقه الإسلامي لم يصل إلى فكرة «فصل السلطات». فالسيد في النهاية

يرفض أي قول بخصوصية نظام سياسي في الإسلام، ويشدد على أن مسألة الخصوصية هي هروب من

الاستحقاقات العالمية والمحلية، وتقديم ل «مسألة الهوية» على حساب «مسألة التقدم والتمدن»، مع

حرصه ضمن هذا المسار على تقديم «مبدأ الاستقلالية» على مبدأ «الخصوصية»، و«إشكالية التقدم» على

«إشكالية الهوية». هكذا، يكون البحث الذي بين أيدينا مقاربة منهجية بين الاتجاهين المذكورين، لتحليل الأسس والمقولات

التي ينطلق منها كل اتجاه، والإشكاليات التي تتفرع من كل رؤية، والتحديات التي تواجهه، لينتهي هذا

البحث إلى خاتمة تقيم الاتجاهين السابقين وتستشرف مستقبل «نظام الحكم في الإسلام» على وقع الحراك

السياسي الكبير الذي نعيشه اليوم، بعد سبات طال أمده عقودًا طويلة.

في إشكالية الخصوصية والعالمية

لماذا الخصوصية؟

يُقصد ب«الخصوصية الإسلامية» التوجه الفكري العام الذي يعتقد بأنه ليس هناك «قيم إنسانية عالمية»

يمكن لجميع شعوب الأرض أن تحيا وفقها، وبأن للإسلام نظام قيم وحياة خاصين به، قد يشترك فيها مع

بعض الشعوب الأخرى وقد يختلف، ولكن للإسلام في النهاية خصوصية مستمدة من مصادره الأساسية،

وهذه الخصوصية هي التي تحفظ هويته ووجوده التاريخي ورسالته الحضارية، ولا يجوز المساس بها، لأن

لها تجليات في الجوانب الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. وإذا كانت مقولة الخصوصية قد دفعت القائلين بها في النصف الأول من القرن العشرين (حسن البنا،

سيد قطب،..)، إلى إقامة قطيعة مع العالم الغربي، والنظر إليه بوصفه دار كفر وفساد مطلق، فإن الجيل

الثاني من هذا الاتجاه (محمد سليم العوا، حسن الترابي، يوسف القرضاوي، وهبة الزحيلي،..) يميل

إلى الأخذ من التجارب العالمية والتفاعل معها، مع الحفاظ على الخصوصية الإسلامية؛ فبالنسبة إلى

الديمقراطية - على سبيل المثال - يشجع أصحاب هذا الاتجاه على الأخذ بها وتطبيقها في بلاد العرب

والمسلمين، ولكن عبر المزاوجة مع نظام «الشورى الإسلامي»، والاقتصار على أخذ ما يتوافق فقط

مع الشريعة الإسلامية. يقول الترابي في ذلك: «الديمقراطية في الإسلام لا تعني سلطة الشعب المطلقة

بل هي سلطة الشعب وقفًا على الالتزام بالشريعة... ولا مجال بالطبع في الإسلام لحكم شعبي منقطع

عن معاني الإيمان.. فالخروج بالديمقراطية من الإطار الديني إلى إطار سياسي بحت، ردة وضرب من

الإشراك لأنه يشرك إرادة الشعب مع خالقه». وقل مثل ذلك على مقولات: المواطنة، نظام الحكم،

الحرية السياسة... إلخ. ويعلل محمد سليم العوا، وهو أحد الممثلين لهذا الاتجاه، القول ب«الخصوصية الإسلامية» بثلاثة أمور

أساسية: الأمر الأول هو وجود «القيم السياسية الإسلامية»، وهي قيم «ملزمة» للمسلمين في حياتهم الاجتماعية

والسياسية، وعليهم العيش وفقها، لأنها قيم عامة مستخرجة من القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة،

كما أنها كانت على مدى التاريخ الإسلامي «موضوع إجماع الأمّة». وهذه القيم هي: - القول ب«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» بوصفه واجبًا، وكل من تخلى عنه ينال غضب الله وتحل

عليه لعنته. - الشورى، وهي عند العوا ملزمة للحكام، ويجب عزلهم إذا تركوها، لأنها لا تقل مرتبة عن مراتب

الصلاة والزكاة. - العدل، وذلك لمكانته الرفيعة والمركزية في تعاليم الدين الإسلامي. - «حرية الرأي السياسي»، وأساسها قول الرسول (ﷺ) «الدين نصيحة.»

(((حسن الترابي [وآخرون]، الإسلاميون والمسألة السياسية، سلسلة كتب المستقبل العربي؛ 26 (بيروت: مركز دراسات الوحدة

العربية، 2003)، ص.29-27

- المساواة، إذ أكد الإسلام في نصوص كثيرة عدم جواز التمييز بين الناس على أسس عرقية أو اجتماعية

أو دينية. - «مسؤولية الحاكم أمام محكوميه»، لأن الحاكم في الإسلام يحاسَب على أفعاله، ولا يطاع في معصية. هذه القيم - بالنسبة إلى العوا - هي التي يجب أن نحتكم إليها، «ونحن ندير النظر في كيفية تأسيس النظم

السياسية المعاصرة على هدى الإسلام وتعاليمه. وفقه السابقين من الأئمة المجتهدين معين لنا على الفهم،

ومؤنس عند التردد، وهاد عند الحيرة. فكما حققوا مصالح الناس في اجتهادهم يجب على أهل كل عصر

أن يجتهدوا فيفعلوا مثل ما فعلوه». الأمر الثانيهو عدم ملاءمة القيم السياسية العالمية لنظام الحكم الإسلامي. والمقصود بذلك أن الديمقراطية

مثلً يمكن أن نأخذ بها بوصفها «طريقة لحل مشكلات الحكم» و«التخلص من الحكام المستبدين»،

وتحقيق التداول السلمي للسلطة، ولكن بعد تكوين مرجعية إسلامية لها، وتكوين هذه المرجعية يقوم

على التمييز في الديمقراطية بين السلطة والحكم، بحيث تكون السلطة للشعب والحكم لله. ويقصد العوا

بهذا التمييز أن الحاكم يصل إلى الحكم عن طريق الشورى وإجماع الأمّة، وبذلك تكون السلطة للشعب،

غير أن الحاكم ملزم بأن يحكم «بشريعة الله بحكم النصوص القرآنية التفصيلية، وبالنصوص البنيوية

الصحيحة التفصيلية، ويحكم باجتهاد الأئمة العلماء ممّا ليس فيه نص وهذا حكم الله». ولذلك يجد العوا أن هناك قيدين لا بد من وضعهما على الديمقراطية، وهما: ألّ تخالف الديمقراطية نصًا

تفصيليًا من نصوص القرآن والسنّة، وألّ تؤدي إلى غير مصلحة المسلمين. وهذا يعني في النهاية أن نظام

الحكم في الإسلام عند العوا «لا يقبل بالأحزاب التي تتعارض مع المرجعية العامة للدولة»، وما دامت

المرجعية الشريعة الإسلامية، فإنه يرفض الترخيص لأي حزب تتعارض منطلقاته مع تلك الشريعة،

فإذا كانت «المرجعية في الديمقراطية مطلقة بلا حدود لها..، [فإن] المرجعية في الإسلام محدودة بالكتاب

والسنّة وبعقيدة الإسلام وشريعته». أمّا بالنسبة إلى الغرب، فإن الذي يحدث هو «أن الناس يقررون ما

يشاءون من إباحة المحرمات، وإجازة المنكرات، وفتح باب الفساد، هذا كله يحدث، لأن القيمة المرجعية

هي رأي الناس وحدهم، أمّا القيمة المرجعية عندنا فهي كتاب ربنا، وسنّة نبينا أولً، تاريخنا، وفقهنا،

وتراثنا، وحضارتنا، وإيمان الناس ثانيًا». بناء على هذا، فإن العوا ينتهي من ذلك كله إلى رفضٍقاطع للدعوى بعالمية القيم الإنسانية، على الرغم

من المشكلات الكبرى التي تواجه بلاد العرب والمسلمين، وعلى الرغم من إقراره بإمكان الاستفادة من

(((محمد سليم العوا وبرهان غليون، النظام السياسي في الإسلام (دمشق: دار الفكر، 2008)، ص.133-120

((المصدر نفسه، ص (.133

((مقابلة تلفزيونية أجرها د. حامد الأنصاري مع محمد سليم العوا، ضمن برنامج «الشريعة والحياة» تحت عنوان «الإسلام (

والديمقراطية»، قناة الجزيرة، تاريخ 1999/5/30، نشرت على موقع الجزيرة نت الإلكتروني:

>.http//:www.aljazeera.net/programs/pages/c8efdb3d-20bd-4d91-9d25-1432472e437f<

((المصدر نفسه (.

((المصدر نفسه (.

((المصدر نفسه (.

((المصدر نفسه (.

((المصدر نفسه (.

تجارب الحضارات الأخرى. ويعود ذلك الرفض إلى أن لكل فكرة أو قيمة منبتًا حضاريًا خاصًا بها، يعب

عن روح تلك الحضارة وخصوصيتها. والقيم العالمية اليوم هي «قيم المسيحية الغربية» التي تتعارض

وتختلف مع قيم الإسلام، فإذا «كانت بلادنا جلها أو كلها - تفتقر إلى النظم الديمقراطية في الإدارة

والسياسة، فإنه ليس حتمً أن نستوردها من الغرب محملة بقيمها المسيحية الغربية تحت دعوى العالمية التي

يروج لها هؤلاء الكتّاب في كل مناسبة وغير مناسبة.... وهي لا تحتاج إلى فكرة المساواة المسيحية، ولديها

نصوص القرآن التي تقرر أن الناس خُلقوا من ذكر وأنثى، وأنهم جُعلوا شعوبًا وقبائل ليتعارفوا». الأمر الثالث هو اعتقاد العوا بوجود «هجمة عالمية على الإسلام»، تحاول وصفه بالإرهاب تارة، وبعدم

التسامح تارة ثانية، وبعدم قدرته على مجاراة متطلبات الحياة المعاصرة تارة ثالثة. ومن يقرأ أطروحات

فوكوياما وهنتنغتون وغيرهما، سيلاحظ بسرعة العدوانية الشديدة التي يكنّها الغرب للإسلام، كما أن

المتابع لسياسات القوى العالمية سرعان ما يصدمه حجم المؤامرات والخطط الاستعمارية التي تحاك ضد

العالم العربي والإسلامي. أمّا سبل مواجهة تلك الهجمة الشرسة، فتكون لدى العوا بكشف زيف تلك

الأطروحات وإظهار ما فيها من تناقض ورياء، وبالرجوع إلى الأصالة الإسلامية وقيم التسامح والعدل

والمساواة وحرية الرأي والتعبير التي أكدها الإسلام، والانطلاق من تلك القيم لتأسيس هوية إسلامية

تعطي الإسلام والمسلمين حقهم، وتعبّ عن شخصيتهم الحضارية بموضوعية. ولذلك، يمكن القول إن

«رجوعنا إلى هذه القيم الإسلامية الأصيلة، وذودنا عنها، واعتزازنا بها، هو السلاح الناجح في مواجهة

هذه الهجمة الفكرية وما قد يتبعها من هجمات بالقوة العسكرية». إن الأساس في العلاقة بالغرب هو «الصراع» بكل أنواعه، لأن الغرب ما عاد اليوم سوى قوى متوحشة

استعماريه لا تعرف إلّ مصالحها، ولا تهتم إلّ بنهب الشعوب الأخرى وتسخيرها لخدمتها، والشواهد

تكاد لا تعد ولا تحصى، وهذا ما دفع العوا إلى رفض أطروحة الاندماج الإسلامي بالعالمية لأنه اندماج

سيؤدي إلى ضياع هويتنا ومصالحنا، ويحوّلنا إلى سلعة تباع وتشترى. على الرغم من الجهد الطيب الذي بذله العوا وزملاؤه من القائلين بالخصوصية الإسلامية، بغية جعل ديننا

الإسلامي يواكب التطورات المعاصرة، وتكوين نظرية تحفظ هوية الإسلام في عصر المتغيرات الكبرى،

وعلى الرغم من العقلانية المنفتحة في مناقشة قضايا لا يزال كثيرون من الإسلاميين يرفضون حتى الدخول

في مناقشتها، أقول على الرغم من ذلك، فإننا نرى أن هناك مجموعة من الملاحظات على طرح الخصوصية

الإسلامية، يمكن تحديدها بما يلي: - القول ب«الخصوصية الإسلامية» يكتفي بالتأصيل لنفسه داخل القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة

واجتهاد العلماء، ويتجاهل تعقيدات التجربة الإسلامية في التاريخ والسياسية لأربعة عشر قرنًا. فالعدل

في القرآن الكريم شيء، وعند الانتقال إلى الواقع وتشعباته وما فيه من صراع للمصالح ومماحكات شيء

آخر. كما أن الشورى في آيات القرآن الكريم أمر، وتطبيقاتها في بعض الحالات التاريخية أمر مختلف تمامًا،

((1 محمد سليم العوا، «الهجمة على الإسلام ((3)،» (موقع الدكتور محمد سليم العوا)، ص 3، على الموقع الإلكتروني:

>http//:www.el-awa.com/new2/main.php?pg=search&act=show_article&art=46>.

((1 المصدر نفسه، ص (.2

وكثيرًا ما عانى خلافات واستقواء البعض على الآخر... إلخ. والمشكلة هنا أن تطبيق أي تفسير لنظرية

ما لا بد من أن يراعي التجربة التاريخية والممارسة العملية التي مرت بها هذه النظرية خلال المراحل

الطويلة التي مرت بها، وهو ما يوحي أننا في النهاية أمام «نموذج نظري مثالي» أكثر ممّا هو واقعي، يتجنب

التعقيدات لمصلحة المتعة العقلية في التنسيق. فعلى سبيل المثال، نجد أن ذهاب تركيا بالأخذ من منجزات العالم المعاصر إلى أقصى الحدود، لم يؤثر في

خصوصيتها الإسلامية، ولم يمنع «أحزاب محسوبة على الإسلاميين» من الوصول إلى السلطة. كما أن عيش

الجوالي الإسلامية في بلدان غربية لم يمنعها من الحفاظ على هويتها الإسلامية، ومن الدفاع عن شخصيتها

الإسلامية في وجه كل من يريد أن ينال منها، حتى أن الحرية التي يتمتع بها المسلمون في بلاد الغرب

تتجاوز كثيرًا الحرية التي يعيشها المسلمون في بلدانهم التي تحكمها حكومات تقول عن نفسها بأنها تحكم

وفق الشريعة الإسلامية. - إعطاء بعض آيات القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة معنىً مختلفًا عن السياق الذي وردت فيه،

وتحميلها معاني قد لا تتحملها، فالحديث الشريف «الدين نصيحة» لا يتضمن القول ب«حرية الرأي

السياسي»، ومقولة «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» المأخوذة من آيات القرآن الكريم تحمل معاني

أخلاقية ووعظية، ولا تحمل أي معانٍسياسية أو تنظيمية، وليس فيها أي إمكان لاستخراج «مبدأ

مركزي» تُبنى عليه نظرية في السياسة. - الانجرار وراء إعطاء بعض المفاهيم الإنسانية العالمية طابعًا دينيًا محددًا؛ فالعدل والتسامح والحرية..

قيم عالمية ولا يختص بها الدين المسيحي، وتطبيقها في بلد معيّ قد يخضع لتعديلات تراعي الوضع

الاجتماعي والسياسي للبلد، ولكن لا يمكن الحديث عن خصوصية دينية لتلك المفاهيم. وكون مفكرين

غربيين معروفين، من أمثال فوكوياما وهنتنغتون وماكس فيبر... إلخ، وقعوا في مثل هذه المطبات، لا يبرر

الوقوف على القاعدة نفسها التي وقف عليها هؤلاء. فالحديث عن خصوصية ما من جانب أي فريق لا يمكن إلّ أن يؤدي إلى العدوانية تجاه الآخرين.

واللافت للانتباه أن أنصار مقولة الخصوصية في كل دين لا يستشهدون على صحة أطروحاتهم إلّ بأنصار

الخصوصية من الطرف الآخر، لأن الفريقين يؤمنان بأن «الصراع» هو الذي يفرض نفسه على العلاقة بين

الحضارات، وأنه لا مجال للقاء إلّ عن طريق القوة. ولعل هذا ما يفسر عدوانية بعض المفكرين الغربيين

تجاه الإسلام، مثلما يفسر عدوانية الاتجاه الخصوصي الإسلامي تجاه الغرب، وعدم قدرته على التمييز بين

الغرب بوصفه أرقى ما وصلت إليه الحضارات من تطور، والسياسات الغربية الاستعمارية التي عانتها

بلاد العرب والمسلمين عقودًا طويلة.

في مبررات العالمية

ينطلق أصحاب التوجه العالمي من أن «قيم ومبادئ الإسلام» هي قيم ومبادئ عالمية، كما أن للقيم

والمبادئ الإنسانية العالمية جذورًا واضحة الأساس في الإسلام. بناء على ذلك، ليس من مبرر للحديث

عن «خصوصية إسلامية»، لأن الأساس في العلاقة بين الحضارات هو أساس «اندماج» و«تلاؤم» لا

صراع وتناحر، ومن يعُد إلى الثقافة العربية الإسلامية يجد أنها «ثقافة عالمية ظهرت في هذا العالم ومرت

بالمراحل التي مرت بها الثقافات الكبرى، ونحن اليوم جزء من هذا العالم وفيه، ولسنا خارجه». كما أن

التوجهات العالمية اليوم تعتبر التنوع غنىً ومجالً للإبداع الإنساني، والحديث اليوم هو حديث عن «الترابط

والتساند والتواصل بين الحضارات والثقافات والأمم، ليس اليوم فحسب بل ومنذ آلاف السنين أيضًا،

فالتنوعات أنساق فرعية على النسق العالمي العام». وعلينا اليوم أن نكون جزءًا لا يتجزأ من «الكونية

الصاعدة» التي تتضمن «مجالات رحبة للنزوع الإنساني نحو القيم الشاملة والرفيعة للمساواة وعدم

التمييز، والتضامن البشري، والثقة بإمكانيات الإنسان (فردًا وجماعة) للعيش بسلام وحرية وانسجام».

أمّا النزعة الاستعمارية الغربية وشراستها التي تزداد في زمن ما بعد الحداثة، فهما أمر واضح ويجب أن

نحسب له ألف حساب، ولكن الأمر لا يكون عبر التقوقع والانكماش داخل هويات وخصوصيات وهمية

ومتوهمة، ولكن عبر التشديد على تقوية الذات من خلال نقدها، وقراءة المستجدات العالمية قراءة واعية،

والاقتناع بأن العلاقة مع العالم الخارجي يجب أن تتجاوز الصراع إلى البحث عن أسس تقام عليها حياة

مشتركة، وأن مشكلاتنا مع الآخر سببها أوضاعنا المتردية وليس أي شيء آخر، حتى أن رضوان السيد

ينظر إلى التوجه الذي يسير بالإسلام إلى العالمية والتوافق التام مع القيم الإنسانية العالمية على أنه يعود إلى

العصور الوسطى، ولا سيما عند الجوني والغزالي والشاطبي الذين اعتبروا أن الشريعة إنما أُنزلت من أجل

قوى خمس مصالح ضرورية لبني البشر هي: النفس (حق الحياة) والعقل والدين والملْك والنسل، إلى درجة

أن الشاطبي خصص لها كتابًا خاصًا أسماه الموافقات في أصول الشريعة، ووجد فيه أن هذه الضروريات أو

مقاصد الشريعة أمر إنساني عام، وليست خاصة بالشريعة الإسلامية لأنها «مراعاة في كل ملة». فمشكلة الاتجاه الخصوصي الإسلامي المعاصر - بالنسبة إلى السيد - هي أنه ينشئ عقائدية إسلامية متعالية

على السياسة وصراعاتها، الأمر الذي يدفعها إلى اختزال العالم إلى عدو، واختزال الإسلام إلى أيديولوجيا

للمواجهة «ووضع المسلمين ودينهم بين حدَي السكين»، بحيث يعتبر الإسلام رهن ردّات الأفعال،

إمّا بحجة الفكر المتشدد وإمّا بحجة سياسات الهيمنة الغربية. ويذهب السيد إلى أن الجدال حول الخصوصية والعالمية، وأن للإسلام هوية خاصة به، وانتشار شعارات

«الإسلام هو الحل»، وهل للإسلام خصوصية تمنعه من التلاؤم أو الاندماج بالعالمية، كل ذلك يعود إلى

أسباب عدة يمكن إيجازها بالآتي: - الأزمات التي يمر بها العرب والمسلمون: فالدكتاتوريات منتشرة في كل مكان، والقضية الفلسطينية

ما زالت بلا حل، والفساد ينخر الأجهزة الإدارية، والعدل الاجتماعي غائب، وشعور أغلبية المسلمين

بأن الدولة لا تمثلهم، والقمع الشديد الذي تعرض له الإسلاميون على أيدي السلطات لم يتوقف يومًا،

وضعف المؤسسة الدينية السنية واستتباعها وصل إلى درجات غير مسبوقة... إلخ، كل ذلك دفع

(1((رضوان السيد، الصراع على الإسلام: الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية (بيروت: دار الكتاب العربي، 2004)، ص.13

((1(المصدر نفسه، ص.16

(1((رضوان السيد وأحمد برقاوي، المسألة الثقافية في العالم الإسلامي، حوارات لقرن جديد (دمشق: دار الفكر، 1998)، ص.118

(1((رضوان السيد، «الإنسان وحقوقه لدى المسلمين والغربيين والمسؤوليات المشتركة،» التسامح (عمان)، العدد 18 (ربيع

، ص 2007.11)

(1((رضوان السيد، «مأزق الفكر الإسلامي المعاصر والإصلاح والمسؤولية الجماعية،» التسامح، العدد 9 (شتاء 2005)، ص.64

(1((رضوان السيد، «الدين والدولة في زمن الثورات: المنظور النهضوي ومطالبه،» المستقبل العربي، السنة 35، العدد 406 (كانون

الأول/ ديسمبر 2012)، ص.5

بقطاع واسع من الإسلاميين إلى الظن أن حل تلك الأزمات يكون عبر بناء نظام إسلامي شامل، يستطيع

أن يجد مخرجًا لجميع تلك المشكلات. وهذا يعني أن الاتجاه الخصوصي بالنسبة إلى السيد هو «فكر أزمة»،

يزول بزوالها. - انتقال الفكر الإسلامي من فكرة التقدم إلى هواجس الهوية: فمتتبّع التاريخ المعاصر للفكر الإسلامي منذ

أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، يجد أن «فكرة التقدم» واللحاق بالركب العالمي ومعالجة أسباب

تأخرنا الحضاري هي التي سيطرت على عقول مفكري الإسلام منذ أيام الطهطاوي وحتى عشرينيات

القرن العشرين. ثم تحوّل الفكر الإسلامي إلى الاهتمام بفكرة «الهوية الإسلامية» وإقامة نظام إسلامي

شامل، وذلك تحت ضغط وقوع أغلبية الدول العربية والإسلامية تحت هيمنة الاستعمار الغربي، وعدم

اطمئنان الإسلاميين إلى «الدولة الوطنية» التي نشأت بين الحربين العالميتين واستمرت بعد ذلك، لأنها

دولة لم تستكمل شروط التحرر من الاستعمار، ولم تصن المصالح الوطنية الكبرى، ناهيك بأنها كانت

معادية للدين، أو محايدة في أحسن الأحوال. كل ذلك دفع الإسلاميين «الإحيائيين» إلى الشعور بالخوف

على هوية المجتمعات والدول الإسلامية، بحيث أصبح ما يميز هذه المرحلة هو «الإشكالية التي تقول

ليس كيف نتقدم، بل كيف نحافظ على هويتنا وديننا». - عدوانية الغرب والنزاع الأيديولوجي معه: ذلك أن السياسات الاستعمارية الغربية، وزراعتها لإسرائيل

في قلب العالم العربي، بالإضافة إلى مقولات «المستشرقين» التي كثيرًا ما تنال من العرب والمسلمين، ناهيك

بالأطروحات المعادية للإسلام، ولا سيما أطروحات هنتنغتون وفوكوياما..، كل ذلك كان له تأثير كبير

في تأجيج «الحساسيات الدينية والخصوصيات الثقافية ووسائل أخرى حميمية تتعلق بإحساس الناس

ومشاعرهم، وما يعتبرونه خاصًا وعزيزًا»؛ فالنزاع مع الغرب يسمّيه السيد «نزاعًا أيديولوجيًا»، وفي

النزاعات الأيديولوجية «يصعب التمييز والتفسير»، بحيث ينجر الطرفان وراء وصف الآخر بصفات

لاأخلاقية ولاعقلانية. حتى في العالم الغربي نجد أن الكثير من الأميركيين (بعد هجمات 11 أيلول/

سبتمبر 2001) ذهب إلى أن «القاعدة» هاجمتهم لا بسبب سياسات الهيمنة الأميركية، بل بسبب طرائقهم

في التفكير والتصرف والعيش، بحيث تحولت حرب الأميركيين على الإسلام (أو الإرهاب، كما يسمّونه)

إلى حرب الدفاع عن قيم الحرية والإنسانية والاختيار الأخلاقي الحر. وما قصرت «القاعدة» في تغذية هذه

الاتهامات بالحديث عن مجاهدة الصليبيين واليهود، وعن فسطاطَي الكفر والإيمان. لذلك نجد أن السيد يسعى جاهدًا إلى استعادة مقولة التقدم في الفكر الإسلامي المعاصر بدلً من مقولة

الهوية، لأن فكر الهوية هو بالأساس فكر «انفصالي»، يفصل الذات عن العالم لحفظها وصونها. أمّا مصدر

التهديد لهذه الذات فليس محددًا بحيث يمكن مقاومته بدقة، «إنه العالم كله»، المليء بالشرور والمغامرات،

ولذلك نجد أن فكر الهوية يتحول إلى «ثقافة طهورية»، « ثقافة المقدس والمدنس»، بحيث يتحول كل ما

ينتمي إلى هويتنا إلى مقدَّس وخيّ، ويتحول كل ما ينتمي إلى العالم الآخر إلى شر وفساد، وهذا الآخر قد

يكون العالم الخارجي، وقد يكون «المجتمع الأقرب»، لأنه «انفصال القلة القليلة عن الكثرة الضالة»،

((1 المصدر نفسه، ص (.3

((1 السيد، «الإنسان وحقوقه لدى المسلمين،» ص (.14

((2 المصدر نفسه، ص (.14

لأن القلة تعني اصطفافًا لا توحيه الكثرة أو لا توافقه. هكذا يجد السيد أن فكر الهوية غالبًا ما

يستبعد «التغيير»، كما أنه يقوم على «الرموز والشعائر» التي تجنح نحو التقديس، ناهيك بأنه فكر لا يقبل

التسويات والمصالحات، ولذلك سيبقى فكرًا يعاني الافتقار إلى ثقافة النقد الذاتي، ونقص المعرفة بالعالم،

والضغوطات المتناقضة التي لا يزال يتعرض لها ذلك الفكر من الأنظمة من جهة، وجماهيره هو، من جهة

أخرى. ولذلك، لا يجد السيد مخرجًا من «الخصوصيات والاهتياج والثوران إلا العودة جزءًا من العالم

والعصر، ونهج التعارف الخيري وعمله..، والمبادرة والمشاركة..، واعتناق العصر وتنظيماته وممارساته

في تشكيل الحكم الصالح». والتعارف يستخرجه السيد من القرآن الكريم الذي جعل منه وسيلة

لإدارة الخلافات، والاعتراف المتبادل بين الأطراف المختلفة المصالح والاهتمامات، مثلما يعني التعرّف إلى

«المشتركات التي يمكن التلاقي حولها استنادًا إلى طبيعة الإنسان الواحدة، والضرورات الكامنة في طبع

الخليقة، والمصالح الموجودة في الاجتماع الإنساني». فالمنهج القرآني عند السيد هو «المنهج الشمولي القائم على وحدة بني البشر، والوحدة الكبرى والعامة

للمفاهيم الأساسية، وبخاصة لدى أهل الكتب السماوية». والرسالة الإسلامية هي «رسالة شاملة»

تستند إلى «وحدة الطبيعة الإنسانية»؛ ففي الإسلام، ما دام الله خلق الجميع من نفس واحدة، والرسول (ﷺ)

أُرسل إلى الناس جميعًا ولم يُرسَل إلّ رحمة للعالمين، فإنه لا بد من «التعامل بين البشر على قدم المساواة في القيمة

الإنسانية، وفي الحقوق المترتبة على ذلك شكلً وموضوعًا». و«المساواة هنا تعني أيضًا أنه لا أحد يمتلك

الحقيقة المطلقة أو لديه تفوق أخلاقي منفرد...، وهكذا لا ميزة للموحدين على غيرهم». وبذلك ينتهي

السيد من مجموعة من الآيات الكريمة إلى أن الإسلام دين عالمي، وأن قيمه تتضمن «رؤية للعالم» تقوم على

وحدة الطبيعة الإنسانية، والرسالة الشاملة، والتعارف، والتقوى، والرحمة، والمسؤولية الإيجابية... إلخ.

في المبادئ المنظمة للعلاقة بين الدين والدولة

ينعكس الخلاف بين الاتجاهين الخصوصي والعالمي على قضايا سياسية واجتماعية إسلامية كثيرة. وسوف

نقصر الحديث هنا على الخلاف بين كلٍّ منها لنظام الحكم في الإسلام، ورؤيته للعلاقة بين الدين والدولة،

ثم مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان. فالخصوصية بالنسبة إلى الاتجاه الأول ترى في مجال السياسة ضرورة

إقامة «نظام حكم إسلامي المرجعية»، بعكس الاتجاه العالمي الذي لا يرى ضرورة أن يختص المسلمون

بنظام حكم لهم، لأن نظام الخلافة لم يكن نظامًا دينيًا، وأن نظام الحكم الإسلامي المعاصر يجب أن يكون

(2((رضوان السيد، «الإسلاميون والعولمة: العالم في مرآة الهوية، » (دراسة، موقع الدكتور رضوان السيد، 2001)، ص 141، على

الموقع الإلكتروني:

>.http//:www.ridwanalsayyid.com/ContentPage.aspx?id=76.#Up4k-9zALoY<

((2(المصدر نفسه، ص.138

(2((رضوان السيد، «الدين والمجتمع والدولة في العلاقات والمرجعيات والمصائر،» التسامح، العدد 17 (شتاء 2007)، ص ((2 المصدر نفسه، ص (.17-16

((2 المصدر نفسه، ص (.18

((2 السيد، «الدين والمجتمع والدولة،» ص (.17

((2 المصدر نفسه، ص (.18-17

((2 المصدر نفسه، ص (.18-16

نظامًا مستمدًا من منجزات الحضارة المعاصرة، ومن التجربة الإسلامية التاريخية. وتدلنا هذه التجربة على

أن الخلافة لم تكن سلطة دينية أولً، وعلى أن الأمّة/ الجماعة لا الشريعة كانت المرجعية للدولة ثانيًا، وعلى

أن الدولة لم تكن حارسة الدين وسائسة الدنيا ثالثًا، بل إن الدين هو الذي حرس الدولة، وهو صاحب

الفضل عليها، ولذلك ليس هنا من دواع دينية لإقامة دولة بمواصفات إسلامية محددة.

- الإسلام دين ودولة

صاحب هذه المقولة الاتجاه الخصوصي الذي يرى أن القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة «لا يتضمنان

نصًا عن كيفية اختيار الحكام، وكيفية محاسبتهم، وكيفية عزلهم، ولا عمّن يعيّنهم من الناس على ولايتهم

بالرأي (الشورى) ولا بالعمل (الوظائف»). ولذلك، يدعو هذا الاتجاه إلى إقامة نظام حكم في

الإسلام يخضع ل«الاجتهاد» من طرف «العلماء المؤهلين»، وأن هؤلاء العلماء بيّنوا أن الحاكم في الإسلام

اليوم يمكن أن يصل إلى الحكم عن طريق «الانتخابات»، وأنه يمكن تحديد مدة ولايته بزمن معيّ، لأن

روح العصر لم تعد تقبل بحاكم إلى الأبد، كما انتهى الاجتهاد إلى إحاطة الحاكم بكل ما يلزم للحد من

سلطانه، وذلك للتخفيف من جور الحكام وظلمهم. وفي المقابل، يبيّ العوا «أن رئيس الدولة الإسلامية،

يجب عليه الالتزام في أداء مهامه بأحكام الشريعة الإسلامية، وأن يبذل جهده كله لتحقيق مصالح الناس،

وعلى المسلمين أن يبذلوا له النصح، ويلتزموا بطاعته فيما لا معصية لله ورسوله فيه، وعليهم أن يأمروه

بالمعروف وينهوه عن المنكر». ويقصد العوا بالدولة «الشريعة»، لأن «الإسلام دين يتعبَد به ويتقرب إلى الله بفعل مأموراته وترك

منهياته، ويطلب الثواب الإضافي بالحرص على مندوباته ونوافله، وشريعة قانونية تحكم تصرفات الناس

وأفعالهم.. بحيث لا يكون المسلمون بحاجة إلى استيراد القانون من غيرهم»؛ فالمقصود بأن الدولة

شريعة هو أن مرجعية الدولة الشريعة، وأن مهمتها الأساسية هي تطبيق الشريعة والعمل وفقها. أمّا

الفصل بين الدين والسياسة أو بين الدين والدولة، فهو فصل غير صحيح نظريًا وغير واقع عمليًا -

بالنسبة إلى العوا - لأنه لا يدع للإسلام وشريعته أي مكان في حياتنا الدنيوية. ولذلك نجده يرفض

مقولة «لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين» رفضًا قاطعًا، لأن المراد بهذه العبارة «إقصاء أحكام

الشريعة والفقه الإسلاميين عن حكم حياة الناس وتنظيم مختلف شؤونها. وهو مراد يؤول إلى إنكار

أحكام إسلامية قطعية الورود والدلالة، ويؤول إلى ما هو أخطر من ذلك، يؤول إلى إقصاء المرجعية

الإسلامية العامة عن الحياة القانونية والسياسية»، حتى أن العوا يصل إلى درجة يؤكد فيها أن المرجعية

في الدولة إن لم تكن إسلامية، فإن الاجتهاد لا يعود له وجود أصلً، فماذا سيفعل المجتهدون إن عُزلت

الحياة القانونية والسياسية عن المرجعية الإسلامية؟ وفي المقابل، فإن الشريعة هي الدولة والقانون،

ومن يفسر الشريعة ويؤولها هم المؤهلون، وهو ما يعني أن هؤلاء العلماء هم الذين يحددون قانون الدولة

((2 العوا وغليون، ص (.103

((3 المصدر نفسه، ص (.107

((3 العوا وغليون، ص (.105-104

((3 المصدر نفسه، ص (.109-108

((3 المصدر نفسه، ص (.109

ويشرفون على تطبيقه، وهم الذين يحددون شكل نظام الحكم وصلاحيات كل طرف، وطرق اختيار

الحاكم وعزله، وهم الذين يضعون الدستور، وكأن العوا يريد أن يبني دولة دينية ذات مرجعية دينية

تشرف عليها نخبة دينية من ألفها إلى يائها، وهو ما حدث في دول كثيرة، ومنها جمهورية إيران الإسلامية

بعد الثورة، على الرغم من أن التجربة الإيرانية لم تؤد إلى نشوء دولة إسلامية ديمقراطية، بل أدت إلى نشوء

دولة إسلامية استبدادية. ثم ماذا سيقول العوا للعلماء المؤهلين الذين يرون أنه ليس من مهمات الدولة

تطبيق الشريعة، وأن نظام الحكم في الإسلام مدني، بالطبع سيعتبرهم علماء غير مؤهلين، بل سيصفهم

بأنهم غير موحدين. لذلك، نجد أن هناك من يقول إنه ليس لدى العوا ديمقراطية لأن «الأخذ بمثل هذه النظرية يلغي نظرية

الدولة الحديثة نفسها، ويعيدنا إلى مفهوم الجماعة الدينية التي لا ترى في الدولة إلّ أداة لفرض عقيدتها

وتعميمها وضمان توسعها وانتشارها»؛ فدولة العوا هي في النهاية «دولة عقائدية»، تحجب السياسة

كليًا عن الناس، من دون أن تكف عن الحديث باسمهم، في حين تؤكد الدولة الحديثة أسبقية المجتمع

المدني على الدولة، كما أن الحرية هي القيمة الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي وليس «العلماء

المؤهلين»، في حين أن «دولة الجماعة» لا يكون لها من همٍّ سوى السيطرة على الدولة والمجتمع وإخضاعهما

لإرادتها. وفي النهاية، إذا كانت أغلبية مواطني الدولة الديمقراطية من المسلمين، فإن هذه الدولة لا

يمكنها «أن تعكس شيئًا آخر سوى مصالح وقيم واختيارات مواطنيها المعبّ عنها من خلال انتخابات

تفرز أغلبية سياسية حاكمة».

- الدولة مدنية في الإسلام

أمّا الاتجاه العالمي، فإنه يرفض مثل هذا الربط بين الدين والدولة، لأن «الحكم مدني في الإسلام»، وأن

على الأمّة، لا الدولة، أن تطبق الشريعة، لأن المرجعية في التجربة الإسلامية هي للأمّة وإجماعها لا للشريعة

الإسلامية. أمّا مقولة أن على الدولة تطبيق الشريعة الإسلامية، فظهرت مع ظهور مقولة «الحاكمية» في

منتصف القرن العشرين، كما أن الشريعة موجودة في الدول الإسلامية بوصفها شريعة لا بد من مراعاتها

عند اشتراع القوانين والأنظمة، لا بوصفها «نظامًا شاملً» لا يخرج من تحت مظلته أي أمر. بهذا المعنى،

لم تكن الشريعة «هوية المجتمع والدولة»، وليس هذا التضخيم للشريعة جديدًا على الإسلام، كما أنه

يخفي داخله أطماعًا سلطوية، لأن المقصود به أن بلاد المسلمين لا بد لها من دولة تطبق الشريعة الإسلامية.

وغني عن البيان أن الدولة في هذه الحالة لا بد أن تكون في يد الأحزاب والقوى الإسلامية، لأنها الأدرى

بطرق تطبيق الشريعة. بالنسبة إلى السيد، إجماع الناس هو المرجعية للدولة، والتجربة الإسلامية التقليدية تؤكد ذلك. أمّا

القول بأن الشريعة هي مرجعية الدولة، فناتج من «الفوضى» في تحديد المرجعيات، واستقواء الأحزاب

الإسلامية على المجتمع بوصفه «ناقص دين». ولذلك جرى استبعاد مفهوم «الأمّة» من المعادلة، لأن

((3 العوا وغليون، ص (.109

((3 المصدر نفسه، ص (.193

((3 المصدر نفسه، ص (.205-204

(3((رضوان السيد وعبد الإله بلقزيز، أزمة الفكر السياسي العربي، حوارات لقرن جديد (دمشق: دار الفكر، 2000)، ص.30

(3((السيد، الصراع على الإسلام، ص.94

الأمّة تعني الناس جميعًا، بينما أ لحّ على مفهوم تطبيق الشريعة، لأن الذي يطبّقها هم الإسلاميون، الأمر

الذي يعطيهم سلطة لم تكن لهم في عهود الإسلام الماضية. ولذلك ينتهي السيد من وراء مناقشته للعلاقة

بين الدين والدولة إلى أن «الشأن السياسي أو إدارته لا علاقة له بالشأن الديني، لاختلاف الموضوع، فضلً

عن اختلاف المنطلقات والنتائج». حتى أن المجال السياسي كان متمايزًا عن المجال الديني في الحضارة

الإسلامية، ولذلك «لم يحصل صراع بينهما كما حصل في الغرب الوسيط، ولأن المؤسسة الدينية الإسلامية

ما ادّعت حق الإمرة في المجال العام». وبالنسبة إلى السيد أيضًا، ليس من مشكلة بين الإسلام والدولة الحديثة، فإذا كانت الدولة الحديثة في

أوروبا قامت على أسس ومبادئ شمولية العقل ومرجعيته، والحق الطبيعي، والعقد الاجتماعي، والحقوق

الفردية..، فإن شمولية العقل أمر يقول به الإسلام لأنه يبني الإيمان على العقل، كما أن الفقهاء أكدوا أن

الناس جميعًا متساوون في العقل، أمّا بالنسبة إلى المبدأ الثاني المتعلق بالحق الطبيعي، أي حقوق الإنسان

في العيش والترقي والكرامة والتسامي والحرية، فإن القرآن الكريم تحدث في مناسبات متعددة عن

«الكرامة والتسخير والاستخلاف»، حتى أن السيد يلاحظ شبهًا كبيرًا بين مقولة الحق الطبيعي ومقاصد

الشريعة عند الشاطبي. وبالعودة إلى مسألة «العقد الاجتماعي»، فإن مقولات الإسلام بشأن التعارف

وتبادل الاعتراف بالوجود والحرية والكرامة والمصالح هي أمور لا تختلف كثيرًا عن المعنى العام للعقد

الاجتماعي، أمّا القول بالحقوق الفردية، فإن الإسلام لم يلح على هذه القضية، لكن القرآن أكد مرارًا أن

كل امرئِ بما كسب رهين، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. بناء على ذلك، فإن القول بأن الإسلام دين ودولة أمر خاص بفئة من الإسلاميين، وأنه قول لا يعود إلى

إجماع الأمّة ولا إلى التجربة الإسلامية في الحكم، كما أنه رهين بأزمات تعيشها الأمّة. وقد لاحظ السيد

أن إعادة النظر بالعلاقة بين الدين والدولة وتأكيد مضمون الديني للدولة كثيرًا ما يظهران في «أوقات

الأزمات الخانقة بالذات»؛ فهناك شبه تلازم بين ارتفاع وتيرة الدعوة إلى تطبيق الشريعة وفرض الحل

الديني، وبين تعرض الأمّة للإخفاقات الكبرى. فالدعوات إلى أسلمة الدولة ظهرت عندما مرت الدولة

العباسية بمحنة ضعف الخلافة، وعندما تحولت الامبراطورية العثمانية إلى جمهورية علمانية، وعندما

تعرض العرب والمسلمون المعاصرون للاستعمار.

هل يقبل نظام الحكم في الإسلام بالمواطنة وحقوق الإنسان؟

لا يمنع الاتجاه الخصوصي من تقبّل بعض المفاهيم المرافقة للدولة الحديثة، وهذا أمر يُسب له، لكنه

يواصل في الوقت نفسه عملية تأصيل تلك المفاهيم وإعطائها مرجعية إسلامية، اعتقادًا منه أنه يحافظ على

الهوية والخصوصية الإسلاميتين، وينفتح على التجربة السياسية العالمية.

(3((رضوان السيد، «الإسلام ومشكلات الدولة الحديثة،» التسامح، العدد 29 (شتاء 2010)، ص.221

((4 المصدر نفسه، ص (.230

((4 المصدر نفسه، ص (.230-225

(4((رضوان السيد، الجماعة والمجتمع والدولة: سلطة الأيديولوجيا في المجال السياسي العربي الإسلامي (بيروت: دار الكتاب

العربي، 1997)، ص.360

فبالنسبة إلى مفهوم المواطنة، الذي يعني مساواة أبناء المجتمع الواحد في الحقوق والواجبات، من دون

أي اعتبار لدينهم أو عرقهم، فإنه شهد بعض التعقيدات عندما أُخضع للخصوصية الإسلامية، حتى أن

العوا ذهب إلى أن «تطبيق الشريعة الإسلامية» لا يضير المسيحيين في شيء «لأنها تراثنا معًا، والاستمتاع

بها واجبنا معًا». أمّا مصدر استمتاع المسيحيين بالشريعة الإسلامية، فناتج من أن إذا كان الأقباط في

مصر يتمسكون بالمساواة الوطنية والإنسانية في النظام القائم (نظام حسني مبارك آنذاك)، فإن المساواة

التي تمنحها لهم الشريعة الإسلامية تزيد على مساواة النظام القائم أنها «تستند إلى عدالة سماوية وليست

أرضية». ولذلك يدعو العوا المسيحيين إلى حوار شامل وعميق بشرط أن يكون «داخل نظام هذه

الشريعة، وفي ظل أحكامها» أولً، وأن «يراعي كلٌّ منا احترام أصول عقيدة الآخر وخصوصيات

الأحكام المترتبة عليها»ثانيًا، فللمسيحيين مثل ما للمسلمين، وعليهم مثل ما على المسلمين، إلّ ما

استُثنى بنص أو إجماع ثالثًا، وذلك مقتضى الشراكة في الوطن الواحد. وفي ظل نظام الدولة الإسلامية المرجوة، يجب على المسيحيين أن «لا يروّجوا من الأفكار ما ينافي

عقيدة الدولة ما لم يكن ذلك جزءًا من دينهم، كالتثليث والصليب عند النصارى، وعلى أن يقتصروا

في ذلك على أبناء ملّتهم ولا يذيعونه في أبناء المسلمين ليفتنوهم عن دينهم»؛ فالمسيحيون ذميون في

الإسلام، والذمة عقد عليه واجبات، أولها «التزام أحكام القانون الإسلامي، لأنه قانون الدولة التي

هم مواطنوها، ويحملون جنسيتها»، وثانيها «مراعاة شعور المسلمين »، فغير المسلمين «في المجتمع

الإسلامي مواطنون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين إلّ ما كان تكليفًا بحراسة دين الإسلام

ممّا لا يجوز أن يشق عليهم به، كل ما يمنع منه غير المسلم من وظيفة قيادية في الدولة أو في الجيش أو حتى

من الزواج من غير المسلم». على الرغم من أن تحديد العوا وضع المسيحيين في النظام الإسلامي تحديد تقليدي قال به كثير من الفقهاء

على اختلاف عصورهم، وأنه لا يلائم تطورات العصر واتساع الرؤية الإسلامية الإنسانية، ولا يحمل

أي جديد، فإنه يصف هذا التحديد بأنه يراعي «الأخوة الإنسانية»، وأنه يقوم على «الشراكة في الوطن

الواحد»، كما أنه تحديد لا تغيب عنه «بديهيات الإنسانية والوطنية»، ناهيك بوصف غير المسلمين

ب«المواطنين» حتى أن متابع اهتمامات العوا يجد أنه كثيرًا ما يهاجم الأقباط في كتاباته، إذ يصفهم بالسلبية

السياسية لأنهم لم يشاركوا في الانتخابات سنة 1987، على الرغم من أن «مصر 87 19[] إنما تنعم

بمناخ ديمقراطي لم تنعم به من قبل ولا يحظى بأقل القليل منه وطن من الأوطان العربية»، ثم يعود

(4((محمد سليم العوا، الأقباط والإسلام: حوار 1987 (القاهرة: دار الشروق، 1987)، ص.19

((4 المصدر نفسه، ص (.16

((4 المصدر نفسه، ص (.19

(4((العوا، الأقباط والإسلام، ص.44

((4 المصدر نفسه، ص (.44

((4 المصدر نفسه، ص (.50

((4 مقابلة تلفزيونية أجرها أحمد منصور مع محمد سليم العوا، ضمن برنامج «الشريعة والحياة»، قناة الجزيرة، تاريخ (1997/3/8،

نشرت على موقع الجزيرة نت الإلكتروني.

((5 المصدر نفسه، ص (.21

((5 المصدر نفسه، ص (.22

ويصفهم بأنهم يقفون إلى جانب الحزب الوطني في الانتخابات، وأنهم يعيشون أجمل العهود مع حسني

مبارك. كما أنه اتهم الكنيسة قبل ثورة 25 يناير بأشهر قليلة بالتغول على الدولة والقانون، وأن

بعض رموزها مرتبط بإسرائيل، ويأخذ السلاح منها، كما أنها تقود فتنة تريد من خلالها حرق الأخضر

واليابس. وما يقال عن مفهوم «المواطنة» يقال أيضًا عن مفهوم حقوق الإنسان، والإعلان العالمي الذي صدر

سنة 1948؛ إذ يذهب العوا إلى تأكيد «سبق الإسلام في تقرير هذه الحقوق وإرساء دعائم احترامها

استنادًا إلى نصوص ثابتة في القرآن الكريم - لا تقبل التغيير ولا الحذف ولا الإضافة - ونصوص

صحيحة في السنّة النبوية الشريفة تصلح أساسًا لبناء متكامل لإعلان عالمي لحقوق الإنسان مستمد من

الإسلام». ولذلك نجد العوا يرحب ب«البيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام» الصادر عن

المجلس الإسلامي في أوروبا سنة 1981. ولكن ما هو الفارق بين البيانين؟ ولماذا لا يقبل العوا بالإعلان

العالمي لحقوق الإنسان؟ في البداية يوافق العوا، بل يتحمس للعمل الذي تقوم به منظمات وجمعيات دولية تُصدر تقارير للكشف

عن المخالفات التي تقوم بها الدول في موضوع حقوق الإنسان، لأن الواجبات التي تقوم بها هذه المنظمات

يشبه ثلاثة واجبات في الإسلام هي: واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ واجب التعاون على البِّ

والتقوى؛ واجب منع الظلم. غير أن الاختلاف الذي يريد العوا أن يؤكده بين «نظرة الإسلام إلى حقوق الإنسان، ونظرة الحضارة

الغربية إليها هو أن الحضارة الغربية حققت أعظم إنجازاتها في هذا المجال بتحويل حقوق الإنسان من

حقوق طبيعية إلى حقوق سياسية، بينما يجعلها الإسلام - في نصوص ثابتة حقوق ربانية -.. فالشريعة

الإسلامية تنظر إلى حقوق الإنسان على أنها فرائض إلهية وواجبات شرعية». والفارق بين واجبات

الشريعة وحقوق الإنسان في العالم الغربي هو أن الحقوق يمكن التنازل عنها، وممارستها ليست ملزمة، بينما

الواجبات لا يستطيع صاحبها إسقاطها، ويأثم إن فرّط فيها أو تنازل عنها. على الرغم من إشارة العوا إلى أن المشكلة الحقيقة هي في التطبيق الفعلي لمبادئ حقوق الإنسان، عالمية

أكانت أم إسلامية، فإنه لا يولي هذه المشكلة الحقيقية الأهمية التي تستحق، وإنما يكتفي بتشجيع عمل

المنظمات الحقوقية وإيجاد الغطاء الإسلامي لها؛ فالمشكلة هي في نوعية النظام السياسي ومدى احترامه

للحريات، وقبوله حقوق الإنسان وصونها، وهي قضية مرهونة عنده بتطبيق الشريعة الإسلامية طبعًا،

((5 مقابلة تلفزيونية أجرها أحمد منصور مع محمد سليم العوا، ضمن برنامج «بلا حدود»، تحت عنوان «اتهام الكنيسة القبطية (

بالتغول على الدولة والقانون»، قناة الجزيرة، تاريخ 2010/9/15، نشرت على موقع الجزيرة نت الإلكتروني:

>.http//:www.aljazeera.net/programs/pages/0d83d70c-ba17-4c66-824c-cfb6f4698d58<

((5 المصدر نفسه (.

((5 محمد سليم العوا، «تنظيم الدفاع عن حقوق الإنسان (محاولة للتأصيل من منظور إسلامي)،» (موقع الدكتور محمد سليم العوا ()،

ص 1، على الموقع الإلكتروني:

>.http//:www.el-awa.com/new2/main.php?pg=search&act=show_article&art=206>

((5 المصدر نفسه، ص (6.

((5 المصدر نفسه، ص (.6

((5 المصدر نفسه، ص (.6

على الرغم من أن تطبيق الشريعة من خلال تجارب تاريخية لم يفضِإلى أي حديث عن حقوق الإنسان،

بالمعنى المعاصر للمفهوم. ولا يكتفي العوا بتجاهل العلاقة بين حقوق الإنسان والسياسة، ومحاولة حل القضايا عن طريق تطبيق

الشريعة الإسلامية، بل إنه يصر على تطبيق الشريعة على حالات تجاوزتها الحياة المعاصرة، ولم نعد نسمع

بها إلّ من القليل ممن لا يزال يقارب الأمور بطريقة تقليدية، ونقصد هنا مفهوم «الردّة». والمفاجأة التي

نجدها في مقاربة مفهوم «الردّة» أن العوا يريد إحياء الموضوع من جديد، وتحديد قواعد إسلامية تسمح

باتهام الناس بالردّة بناءً على اجتهادات عدد من «العلماء المؤهلين»، وأنه ألّف كتابًا خصيصًا لهذه القضية.

والمفاجأة تظهر عندما نطالع اسم العوا من بين أعضاء لجنة الدفاع عن أعضاء محكمة النقض في دعوى

المخاصمة التي رفعها نصر حامد أبو زيد ضد المحكمة التي أقرت التفرقة بينه وبين زوجته بحجة أنه

«مرتد»، وأن أبحاثه ومؤلفاته تؤكد ذلك. أمّا الاستناد في الدعوة، فكان مذهب أبي حنيفة الذي يقرر «أن

الشهادة حسبة بلا دعوة تقبل في حقوق الله تبارك وتعالى»، مثلما ورد في بعض آيات القرآن الكريم،

جرى الاستناد إليها في تثبيت حكم الارتداد على أبو زيد، ومنها قوله تعالى ﴿ كنتم خير أمّة أُخرجت

للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴾، على الرغم من تأكيد أبو زيد أنه مسلم

ويتمسك بدينه، وأنه ينطق بالشهادتين، وأنه يرفض كل ما نُسب إليه من أقوال تستنبط بشكل فاسد

أنه مرتد جملة وتفصيلً، وعلى الرغم من «رأي مفتي الديار المصرية بوجوب استتابة المرتد قبل التفريق بينه

وبين زوجته»، وهو ما لم يحصل مع أبو زيد. بل إن العوا يهيب بالدولة محاربة المرتد و«التصدي له لمنع الأضرار المترتبة عليه»، من دون أن يأبه

للقواعد الشرعية التي تتريث وتتمهل وتتيقن وتتحقق قبل أن تصف شخصًا بأنه مرتد، وكأن المسألة

«نكاية وسوء نية»، كما قال أبو زيد. أمّا العوا، فإنه يطلب من أبو زيد - لحل الموضوع - أن يعود

إلى مصر ويتقدم من قاضي الأحوال الشخصية في أي محكمة بطلب الحكم بإثبات زواجه، على أن يقول

أمام القاضي «إن كل قول رأت فيه المحكمة ردة عن الإسلام فهو راجع عنه»، من دون أن ينسى

العوا التشديد على أن «التفكير الديني تفكير بنّاء، ونحن ندعو إليه ونؤيده ونسعى أن يسود بين الناس

جميعًا». أمّا بالنسبة إلى التوجه العالمي، فإنه يقارب وضع المواطَنة وحقوق الإنسان والردّة في نظام الحكم

الإسلامي انطلاقًا من رؤيته العالمية للإسلام؛ ف«وحدة الخلق» في الإسلام قيمة ناجمة عن وحدة الخالق،

وهذه الوحدة تعني «الوحدة الإنسانية، أو المساواة لهذه الجهة في الخلق والطبيعة والوجود، ممّا ينجم عن

(5((محمد سليم العوا، الحق في التعبير، ط 2 (القاهرة: دار الشروق، 2003)، ص.84

(5((القرآن الكريم، «سورة آل عمران،» الآية.110

(6((العوا، الحق في التعبير، ص.127

((6 المصدر نفسه، ص (.139

(6((العوا، الحق في التعبير، ص.72

((6 المصدر نفسه، ص (.140

((6 المصدر نفسه، ص (.76

((6 محمد سليم العوا، «الفكر الديني وتقدم المجتمع،» (موقع الدكتور محمد سليم العوا)، ص (2، على الموقع الإلكتروني:

.>http//:www.el-awa.com/new2/main.php?pg=library&act=show_article&art=76&cat=10&type=1>

ذلك من إمكانيات أو قدرات»، وهذا يعني بالنسبة إلى السيد أن البشر «متساوون في القيمة والحقوق

والواجبات»، بغضّ النظر عن اختلافاتهم، لأن الاختلاف الإنساني طارئ وحاصل لا بسبب تغيير

أو اختلاف في الوضع الأصلي بل بسبب المساواة والحرية. فاليوم، لم يعد من المقبول تجاهل «شمولية

الأخلاقيات الدينية»، أو النظر إلى النصوص الدينية بوصفها لا تملك «مشتركات كبرى»، قد تتقدم حتى

على المثُل والقيم العقلانية والعلمانية في رؤية العالم. ويرى السيد أن قيم التعارف والمعروف المستخرجة من القرآن الكريم هي قيم شاملة «في العلاقة بين

البشر على اختلاف أديانهم وثقافاتهم وأخلاقهم. فالآيات القرآنية تفترض قواسم مشتركة أساسية تتمثّل

في المساواة والكرامة والمعروف والتعارف». والمساواة تعني المساواة بين الناس من سائر الوجوه،

«وهذا يقتضي من جانب المؤمن - نظرًا وعملً- الابتعاد عن التمييز، والابتعاد عن الكبرياء، واعتبار

حصول الأمرين كبائر فظيعة، قد توصل إلى الكفر والفساد والإفساد، إن صارت قيمً أو مبادئ في النظر،

وليس مجرد سلوكيات مخطئة». والقرآن واضح في هذا الأمر، فإذا كانت قيم التعارف تقوم على أساس

«الندية» و«الشراكة»، فإن الأمر يتعلق بالتعامل مع جميع البشر، «سواءٌ أسلم الناس أم لم يسلموا، وهذا

مقتضى ومنطق الاستباق في الخيرات، ومقتضى الدعوة بالحسنى إلى الحسنى، وهو أيضًا مقتضى قوله

صلوات الله وسلامه عليه: إنكم لا تسعون الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم، فقبول الآخر على ما هو

عليه، والتعامل معه بالمعروف والشراكة، هو سر قوة الإسلام، وقوة معنى الأمّة فيه». ضمن هذا المنظور، لا يجد السيد من جدوى للحديث عن خصوصية وضع غير المسلمين، أو تحديد

وضع معيّ للمرتد وحقوق الإنسان في الإسلام، حتى أنه يذهب إلى القول إن نظام أهل الذمّة وتحديد

وضع المرتد، والقيود التي قيدت بها المرأة في الإسلام هي في أكثر وجوهها اجتهادية لا قرآنية.

ولذلك، فإن «الظروف التاريخية» و«الأوضاع السياسية» أدّت دورًا كبيرًا في التمييز تجاه أولئك

الأطراف؛ فبالنسبة إلى غير المسلمين، أدّى نظام أهل الذمّة إلى إلحاق «الحيف» بهم، وإحاطة وضعهم

بنوع من « التوجس». ولكن على الرغم من ذلك، فإنهم تمتعوا بحرية دينية واجتماعية، كما أن التوجس

والحيف بقيا في حدود بعض الأوضاع الطارئة، ولم يتحولا إلى «سياسة مقررة»، ولا سيما أن المسيحيين

كانوا أكثرية في بلاد الشام ومصر إلى عهد الحروب الصليبية. أمّا المرتدون، فقد تعرضوا ل«ظلم»

كانت أسبابه «غير دينية»، بقدر ما كانت «ناجمة عن ضغوط اجتماعية ومحافظة»، حتى أن السيد يؤكد

أن الإعدامات التي حصلت لأسباب دينية تكاد لا تزيد على عدد أصابع اليدين، الأمر الذي يعكس

(6((رضوان السيد، «منظومة القيم والحياة الأخلاقية في الرؤية الإسلامية،» التسامح، العدد 28 (خريف 2009)، ص.14

((6 المصدر نفسه، ص (.14

((6 المصدر نفسه، ص (.21

(6((رضوان السيد، «القرآن والتاريخ: الرؤية القرآنية في الأمم والحضارات،» التفاهم، العدد 32 (ربيع 2011)، ص.18

((7 المصدر نفسه، ص (.16

(7((رضوان السيد، «الأمة والانتماء والمشروع: الأبعاد التاريخية والعلاقات بالأديان والأمم،» التسامح، العدد 29 (شتاء 2010)،

ص.41-40

(7((رضوان السيد، «التعدد والتسامح والاعتراف: نظرة في الثوابت والفهم والتجربة التاريخية،» التسامح، العدد 12 (خريف

2005)، ص.14

((7 المصدر نفسه، ص (.15

((7 المصدر نفسه، ص (.16

أهمية احترام حرية الرأي «حتى في المسائل الدينية والتعبدية». ولذلك، يأخذ السيد على الفقهاء أنهم

لم يتقدموا في مسألة الردّة، وأنهم كانوا يطالبون بما لا يطالب به القرآن الكريم، وذلك بسبب سيطرة

هواجس «التبشير» على تفكيرهم؛ فالقرآن الكريم يكرر دائمًالاحتكام إلى «الحرية الدينية، ولا يشترع

عقوبات دنيوية على المرتد». أما بالنسبة إلى مسألة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومدى ملاءمته للقيم الإسلامية، فإن السيد كعادته

لا يقول بالتوفيق فحسب، بل إنه يرجع حجج الإسلاميين الإحيائيين بمحاولتهم إنشاء إعلان إسلامي

خاص بحقوق الإنسان، وأن الإعلان العالمي يؤسس مبادئه على «الحق الطبيعي» للإنسان، والإسلام

يعتبر ذلك تأليهًا له لأن تلك الحقوق تكليف من الله عز وجل ولا علاقة له بطبيعة الإنسان. يرجع ذلك

كله إلى أن المسلمين فقدوا الثقة بالأمم المتحدة في منتصف القرن العشرين، وذلك بسبب إقرارها تقسيم

فلسطين، واستيلاء الإسرائيليين على ضعف المساحة التي أُعطيت للعرب، ناهيك بعدم تنفيذ القرارات

إلّ إذا أرادت الدول العظمى ذلك، الأمر الذي زاد من التشكيك في كل ما هو عالمي. والمشكلة بالنسبة إلى

السيد «تكمن في النظر إلى القيم الإنسانية العالمية (ورمزها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) باعتبارها قيم

الآخر المسيحي أو الغربي. وهي في أحسن الحالات ‹نسبية›، وخاضعة لإعادة النظر في كل مرة استنادًا إلى

سلوك المؤسسات الدولية، وسلوك القوى الكبرى الغربية، تجاه قضايا العرب والمسلمين». على الرغم من ذلك كله، فإن السيد لا يخفي تفاؤله الحذر من أن هناك تقدمًا لجهة الاحتكام إلى الإعلان

العالمي لحقوق الإنسان، وانتشار الجمعيات والمنظمات التي تعمل من أجل ترسيخ قيم حقوق الإنسان

في العالمين العربي والإسلامي؛ فهناك، كما يسمّيها، «بدايات إرادةٍ» لتحمّل المسؤولية مع العالم عن الأمن

والاستقرار والتقدم، وإن تكن بدايات حافلة بالشكوك والتحفظات، ولم تصل بعدُ إلى الآفاق التي

وضعها الشاطبي للقيم والإسلامية بوصفها قيمً إنسانية واحدة.

خاتمة

- لا يمكن تجاوز الخلافات بين الاتجاهين الخصوصي والعالمي بالعودة إلى النصوص الدينية، لأن كلا

الاتجاهين يستند إلى آيات القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة والتجربة الإسلامية العريقة في تأكيد

تفسيراته ورؤيته التي يريد أن يرى الإسلام والمسلمون اليوم من خلالها. وقد وصل الأمر إلى أن جميع

المختلفين في فهم الوضع الذي يجب أن يكون عليه نظام الحكم في الإسلام في العصر الحالي، يستندون

إلى الآيات نفسها، على الرغم من أن اختلافهم قد يصل في بعض الأحيان إلى حد التناقض، وهو ما يعني

في النهاية أنه لا بد من فهم الاختلاف بين الاتجاهين عبر تفحّص الرؤية السياسية والثقافية لكل فريق،

بالإضافة إلى الخلفيات الاجتماعية والنفسية للمواقف التي يقدمها كل اتجاه. فالاتجاه الخصوصي يكتسب مشروعية أطروحاته من اعتقاد أغلبية المسلمين بأن الدين الإسلامي هو الذي

سيخلّصهم من الظلم والقهر اللذين تفرضهما عليهم الأنظمة الاستبدادية القائمة، وهو الذي سيساعدهم

((7 السيد، «التعدد والتسامح والاعتراف،» ص (.16

((7 المصدر نفسه، ص (.18

((7 السيد، «الإنسان وحقوقه لدى المسلمين،» ص (.17

((7 المصدر نفسه، ص (.18

على تبوُّؤ مكانة مرموقة بين الأمم. وما دامت الشعوب العربية والإسلامية تعاني مشكلات كبرى تتعلق

بالأمية والفقر والبطالة والتخلف، فإنها شعوب مؤهلة لأن تسيطر عليها فئة «العلماء المؤهلين»، خاصة

إذا كانت الوسيلة هي «تطبيق الشريعة الإسلامية»؛ فالاتجاه الخصوصي يقدم الحل على أن يكون المفتاح في

يد رموزه فقط، وأن تكون السلطة في الحكم والتشريع والحل من نصيبه، وليس على العامة سوى الطاعة،

أو كما يقول العوا: «وشأن العامة - حين يجد الجد - أن ينزلوا عند ما يبينه العلماء، ويلتزموا به، لا أن

يطاولوهم، ويجادلوهم». هكذا تتضح المعادلة: فالدولة تعني الشرعية، وتطبيق الشرعية مسؤولية العلماء المؤهلين، والعلماء المؤهلون

هم العوا ومن يتفق معه في الرؤيا، وتطبيق الشريعة هو الوسيلة لوصولهم إلى السلطة. وهذا ما يفسر توق

رموز الاتجاه الخصوصي للسلطة؛ فالعوا رشح نفسه لرئاسة الجمهورية وشغل منصب مستشار الرئيس

السابق محمد مرسي. أما الاتجاه العالمي، فإنه إذ يؤكد ملاءمة قيم الإسلام وتوافقها مع القيم الإنسانية العالمية، ويعبّ عن

انفتاحه الدائم على تلك القيم والبحث عن المشتركات، فإنه لا يميل إلى إعطاء «السلطة» أهمية كبيرة في

رؤيته للإسلام المعاصر. ولذلك، نجد أن السيد أهتم كثيرًا بإعطاء السلطة ل«الأمة»، أي الناس، وأن

هذا هو الأمر في النصوص الإسلامية، وفي التجربة الإسلامية المبكرة، في حين أعطى العوا الأولوية

لتطبيق الشريعة الإسلامية، أي للعلماء الذين يشرفون على التطبيق، وهذا ما يعتبره السيد تراجعًا كبيرًا

ستعاني الأمّة نتائجَه كثيرًا. فمركز السلطة عند العوا هو العلماء المؤهلون، وعند السيد هو الناس أو

الأمّة أو الإجماع، أي إن السيد يعطيهم السلطة بينما يطلب منهم العوا الطاعة والالتزام بتعاليم العلماء،

ومعرفة حدودهم. إن الاتجاه الخصوصي، وبحجة المحافظة على الهوية، يحمل في داخله نزوعًا تسلطيًا، ويتجاهل مقولة

الإنسان وتكريمه واستخلافه التي قال بها القرآن الكريم، لمصلحة فئة محددة، وكأنه يريد بناء نظرية

سلطوية كهنوتية تذكّرنا بالعصور الوسطى المسيحية، أو بنظام الحكم في جمهورية إيران الإسلامية. يضاف إلى ذلك أن عدم إيمان الاتجاه الخصوصي بالناس ومصالحهم، وتركيزه على السلطة وتطبيق الشريعة،

هما ما دفعا العوا إلى التأكيد ذات يوم أنه لا يؤمن بالثورة كوسيلة لتحرر الشعوب ووصولها إلى الحكم،

لأن الثورة تسمّى في فقهنا «فتنة»، والعلماء القدماء قالوا «جور سنة خير من فتنة ساعة»، ولذلك اعتقد

العوا أنه إذا كانت «الديمقراطية صنعتها الشعوب الغربية بالقوة وأخذتها عن طريق الثورات، ولم يقدمها

إليهم أحد على طبق من فضة، فإن الشعوب الإسلامية تصل إلى تحقيق الديمقراطية بطريقة سلمية، لأنه

لمّا الشعوب الأوروبية عملت ثورات، وفتنًا، ومصائب حتى تحقق الديمقراطية لم يكن هناك نموذج أو

مثال يطوَّر ويقلَّد ويؤخذ منه...، أنما الشعوب الإسلامية الآن لن تحتاج إلى مثل ما احتاجت إليه الشعوب

الأوروبية». بناء على ذلك، فإن على الرغم من أن الثورات العربية اليوم فاجأت الكثيرين، فإنه لم يكن

ثمة من كان لا يرغب فيها، بغية الوصول إلى الحرية، فالجميع كان يتمناها، ولكنه كان يعتقد أنها بعيدة

(7((العوا، الحق في التعبير، ص.75

((8 مقابلة تلفزيونية أجرها د. حامد الأنصاري مع محمد سليم العوا، ضمن برنامج «الشريعة والحياة» تحت عنوان «الإسلام (

والديمقراطية»، قناة الجزيرة، تاريخ.1999/5/30

((8 المصدر نفسه، ص (.30

المنال. أمّا الاتجاه الخصوصي، فإنه يفاجئنا بأنه ألغاها من كل حساباته واعتبرها فتنة، وهذا يعني أنه لن

يقبل بنتائجها إلّ إذا أوصلت «العلماء المؤهلين» إلى السلطة. - من الواضح أن الاتجاه الخصوصي لا يهتم كثيرًا ببناء آرائه ومواقفه عن طريق الاستئناس بالعلوم

الإنسانية المعاصرة؛ فهو يفهم النصوص الدينية ويفسرها بالعودة إلى النصوص نفسها، أو إلى التجربة

الإسلامية وآراء بعض الفقهاء، في حين نجد أن الاتجاه العالمي يهتم كثيرًا بقراءة النصوص الدينية في

ضوء ما أنجزته العلوم الإنسانية المعاصرة التي تقول اليوم إن هناك «قيمً إنسانية عالمية» أولً، وهي التي

تربط بين ازدهار الشعوب والحرية ثانيًا. وإذا كان الاتجاه الخصوصي يستبعد تلك الفكرتين على الرغم

من إمكان استخراجهما من النصوص الإسلامية بسهولة، فإن الاتجاه العالمي لا يكتفي باستخراجهما بل

يبحث أيضًا في إمكان تحويلهما إلى قيم عالمية. والاتجاه الخصوصي يريد إغلاق العالم الإسلامي، ومنع أي

تأثير قادم من الخارج - على الطريقة السوفياتية - وهذا الإغلاق لا يمكن إدامته وتحصينه إلّ بتخويف

الشعوب الإسلامية على هويتها، وتهويل المخاطر التي تنتظرها من الآخر. وغني عن البيان أن العلوم

النفسية المعاصرة تبيّ بوضوح أن الخوف يؤدي إلى الضعف وعدم القدرة على التفكير والتركيز، ونشوء

شخصية منقادة لا تميل إلى تحمل المسؤولية، بل تفضل أن يتحمل مسؤوليتها أشخاص آخرون يتولون

قيادتها. وهذه النقطة كثيرًا ما اشتغلت عليها الأنظمة الاستبدادية. في المقابل، توضح العلوم الإنسانية المعاصرة أن لا تنمية من دون حرية، ولا تقدمَ من دون حرية،

ولا عدالة من دون حرية، ولا مساواة من دون حرية... إلخ؛ فالحرية هي القيمة الأساسية التي لابد من

البحث عنها داخل الإسلام وفي التجربة التاريخية الإسلامية، وهي موجودة بقوة، ولكن الإنسان لا يجد

إلّ ما يريد أن يجده. - يضاف إلى ذلك أننا نلاحظ على الاتجاهين اختلافهما في رؤيتهم لدور المثقف في الحياة العامة؛ إذ من

الواضح أن الاتجاه العالمي يؤمن بدور «فوكوي» للمثقف ينطلق من أن عليه أن يعيد تشكيل الحقائق

في وعي الناس، ويدفعهم إلى التفكير النقدي حتى في أكثر البديهيات رسوخًا في أذهانهم؛ فالمثقف اليوم

هو الذي يبدع طرقًا جديدة لتساعد على حل مشكلات قديمة، وهو الذي يعيش هموم الناس حتى أكثر

من الناس أنفسهم. ولذلك نجد أنصار هذا الاتجاه يطرحون فهمً مختلفًا لنظام الحكم في ديار الإسلام،

ويبدعون في استخراج معان عالمية من النصوص القرآنية، وفي الكشف عن أوهام وأمراض «الهوية»، وعن

السلطة الخفية الموجودة في خطابات بعض الرموز الدينية. وفي المقابل، فإن رؤية الاتجاه الخصوصي لدور

المثقف هي رؤية تقليدية خطابية بطولية، تقوم على تصوّر أن المثقف هو الذي عليه أن يعظ المجتمع ويرسم

له الطريق الصحيحة، وما على الناس سوى الانبهار به وتنفيذ توجيهاته؛ فالأول هو الذي يتيح للناس

أن يعبّوا عن أنفسهم ويبنوا مستقبلهم، والثاني يحاول السيطرة عليهم والنطق باسمهم، ولذلك يمكن

تصنيف الاتجاه الثاني ب «الاتجاه الشعبوي»، والشعبوية هي اتجاه في التفكير منتشر لدى بعض المثقفين،

يقوم على قول كل ما يرضي الناس العاديين، ويجاري أحلامهم السياسية، وأوهامهم الأيديولوجية، عبر

دغدغة مشاعرهم الدينية والقومية، وذلك بغية الهيمنة عليهم، وقيادتهم إلى الوجهة التي يريدها المثقف

من دون أي اهتمام بجوهر الثقافة، ألا وهو «النقد».

(8((إمارتيا صن، التنمية حرية: مؤسسات حرة وإنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة؛ 303

(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.)2004