العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة في كتاب جدلية العلمنة، العقل والدين ليورغن هابرماس و جوزف راتسنغر

قراءة في كتاب جدلية العلمنة، العقل والدين ليورغن هابرماس و جوزف راتسنغر

The Dialectics of Secularization: On Reason and Religion by Jürgen Habermas and Joseph Ratzinger

عبد الباسط الغابري

الملخّص

هذا الكتيب محاضرتان ألقاهما يورغن هابرماس وجوزف راتسنغر في الأكاديمية الكاثوليكية بمقاطعة بايرن الألمانية. وقد نُشر باللغة الألمانية سنة 2012 بعنوان ديالكتيك العلمانية حول العقل والدين تحت إشراف مدير الأكاديمية الكاثوليكية فلوريان شولر.

Abstract

This short book comprises two lectures given by Jürgen Habermas and Joseph Ratzinger at the Catholic Academy of Bavaria in Germany. The work was published in German in 2012 under the title The Dialectics of Secularization: On Reason and Religion under the supervision of the head of the Catholic Academy, Florian Schuller.

الكلمات المفتاحية:
  • هابرماس
  • العقل
  • الدين
  • العلمنة
Keywords:
  • Reason
  • Religion
  • Secularism

: جدلية العلمنة، العقل والدين

الكتاب الكاتب

: يورغن هابرماس وجوزف راتسنغر

ترجمة: حميد لشهب مكان النشر: بيروت تاريخ النشر 2013: الناشر: جداول للنشر والتوزيع عدد الصفحات 98:

هذا الكتيب محاضرتان ألقاهما يورغن هابرماس وجوزف راتسنغر الأكاديمية الكاثوليكية بمقاطعة بايرن الألمانية. وقد نشُر باللغة الألمانية سنة 2012 بعنوان ديالكتيك العلمانية حول العقل والدين تحت إشراف مدير الأكاديمية الكاثوليكية فلوريان ينبّئ سياق هاتين المحاضرتين بأن جدل العقل والدين لا يعدّ أمرًا مستجدّا في الثقافة الغربية الراهنة باعتبارها انفتحت على مراجعات جذرية لمرتكزات العقلانية الغربية نفسها في إطار ما يُعرف بتيارات «ما بعد الحداثة»، إلا أنه لم يكن بمستوى بيّ مثلما بدا عليه الأمر في هذا الكتيب. في إن مقاربة الفيلسوف هابرماس والكاردينال راتسنغر المعروف بالبابا بندكتُس السادس عشر لجدلية العلمنة مجدية كذلك بالنسبة إلى البلدان العربية التي تمرّ بمرحلة انتقال ديمقراطي؛ إذ أثبتا كلاهما حقيقة أن الفكر الخلّق قادر على تجسير الفجوة مهما اتسعت بحيث إن من الممكن أن تفصل بين المنتمين إلى مجال تداولي واحد أو بين غيرهم لأسباب ثقافية أو سياسية. ولم يكن ذلك ليتم لو لم يكن المحاضران متشبّعين بمجاليهما البحثيين، ومنفتحين على اختصاصيهما بعيدًا عن مشروطية الاختصاص الضيّق.

تفرض موضوعات الكتيب وإشكالياته إعادة التساؤل عن مدى نجاعة الدولة الديمقراطية الغربية الحديثة والمعاصرة في ضمان كرامة الإنسان، أكان داخل مجاله الحضاري أم خارجه، في علاقته بغيره من المجتمعات الأخرى، ولا سيمّا تلك التي تعدّ في المخيال الأوروبي أطرافًا هامشية، وهو ما يُفضي إلى إعادة النظر في مدى قدرة القوانين الوضعية على ضمان قيم التضامن والسلام العالمي. بما أن الحوار هو في الأساس بين عالمين متمكّنين، فإنه كان منتظَرًا أن يتطرّقا إلى ثنائيات معرفية عديدة تمثّل عمق الإشكاليات المطروحة وجوهرها، مثل ثنائية العقل والدين، والسياسة والأخلاق، والواقع والمخيال، والفكر والممارسة، والتشريع والواقع، والمركز والهامش، والحداثة وما بعد الحداثة... تتنزّل إعادة طرح تلك الثنائيات التي لها تاريخ طويل في المنظومة الفكرية الغربية وغيرها منذ عصر الفلسفة اليونانية في سياق تصحيح مسار الحداثة لا إلغائها أو «تبديعها»، وهذا يعني أنه نقد من داخل الحداثة الغربية بالآلية النقدية نفسها، أي العقل الذي يقوم بوظيفتين مزدوجتين في آن معًا، فهو يراجع مقولاته، مثل مقولة الذاتية ومقولة العقلانية نفسها ومقولة التاريخانية، كما يسعى في الوقت نفسه لإدراج القناعات الأخلاقية والدينية التي من الممكن أن تساهم في ترشيد الحداثة ضمن دائرته الموسّعة. يتمثّل المحور العام الذي يربط عناصر هذا الكتيب في البحث عن السبل الممكن اقتراحها للرقي الإنساني، وتعزيز التضامن العالمي، بما يحفظ كرامة الكائن البشري مهما تكن هويته الدينية والحضارية. لذا يمكن إدراج هذا الكتيب ضمن «استراتيجيا التأسيس» (ص. 48). وقد حرص كلّ واحد من المحاضرين في مداخلتيهما اللتين تُعتبران الفصلين الكبيرين للكتيب، على طرح وجهة نظره بطريقة منهجية متّسقة وبأسلوب واضح يخلو من الغلو والتكلّف والتعقيد، وهو أمر منتظَر باعتبار أن طبيعة المحاضرة تفرض على صاحبها الإيجاز والبلاغة والدقّة والتبسيط كي لا يضجر المتلقّون لخطابه ويجفلوا منه. تُعتبر مداخلة هابرماس الموسومة ب«الأسس القبل السياسية للدولة الديمقراطية القانونية» امتدادًا في مستوى مضامينها لما عُرف به هابرماس من نقد للعقل الأداتي والعقلانية المجرّدة، ودعوة إلى عقل تواصلي يفترض انفتاحًا إبداعيًا على جميع العناصر الممكنة مساهمتها في توسيع دائرة أفقه ونظره اجتنابًا للتقنية والأداتية التي تُغرق الإنسان في الاختزالية والجزئية والتشيّؤ. وقد تسنّى لهابرماس إقامة نظريته في الأخلاق والتواصل بعد أن جمع فكره النقدي بين فلسفة اللغة ونظرية العلم والتحليل النفسي والتأويليات الذاتية والتاريخية، وغيرها من المكتسبات المنهجية والمعرفية. أما محاضرة راتسنغر الموسومة ب«ماذا وحّد العالم؟ أسس الحرّية الما قبل السياسية لدولة حرّة»، فهي لا تقل قيمة عن محاضرة هابرماس، بل إنها تُعتبر مؤشًّا مهمًّ لقياس حجم التطوّر الذي وصل إليه الخطاب الديني في الغرب، وما غنمه من مكتسبات معرفية ومنهجية نتيجة تفاعله مع الفكر العلماني؛ إذ انبنت محاضرة راتسنغر على تمشٍّ منهجي أكاديمي يتمحور حول خمسة عناصر مرتّبة تقريبًا كما يلي: «أوّلًالنداء إلى الالتقاء والتعاون بين العقل والإيمان، ثانيًا التحدّيات الجديدة التي تواجه الإنسان، ثالثًا فكرة الحق الطبيعي كحقّ عقلي، رابعًا التعدّد الثقافي كفضاء لارتباط العقل والإيمان، خامسًا العقل والإيمان مدعوان لتنظيف وإشفاء بعضهما البعض» (مقدّمة المترجم، ص.)32

يطرح هابرماس وراتسنغر عددًا من القضايا المهمة التي تتنزّل ضمن الإشكاليات الراهنة للحضارة المعاصرة. وهما من هذا المنظور يحرصان حرصًا بيّنًا على تقديم مقاربة كونية متكاملة تتعدّى المجال التداولي الأوروبي لتشمل بقية الثقافات (الإسلامية والهندية والصينية...). وسنحاول في ما يلي الإحاطة بمجمل تلك القضايا في حدود ما يتّسع له مجال التقديم ومداه.

الدولة الحديثة ومفارقة الواجب والحاصل

يقرّ المحاضران إقرارًا صريحًا بوجود «خيبة أمل» (ص -54 79) ما انفكت تتفاقم، بعد أن ساد الاعتقاد عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية أن البشرية استوعبت الدرس، وأنها متجهة إلى حل مشكلات الفقر والأمية والتلوث البيئي. إزاء هذا الوضع الراهن، كان لا بدّ أن يُعاد طرح التساؤل عن الأسباب العميقة لهذا الوضع الذي كان يُنتظر فيه من الدولة الحديثة، التي انبنت على أسس عقلانية ودستورية باعتبارها «حقيقة مطلقة»، أن ترفع شعارات ذات مدلولات قيمية كونية، فإذا بها تنحرف عن تلك المقاصد والأسس الأنوارية، أكان داخل مجالها الثقافي الغربي الخاص أم خارجه. يقدّم المفكّران أمثلة لهذا «التحديث المنحرف» (ص. 53)، فيشير هابرماس إلى أن علاقة السلطة السياسية بالقانون الوضعي غالبًا ما تكون علاقة مُلتبسة، يتم فيها استعباد سلطة الدولة لا وفق إرادة المواطنين وتطلّعاتهم وإنمّا وفق توازنات ومصالح ومطامح خاصة ب«الطبقة السياسية» وغيرها من الموجّهين لها والمتعاونين معها. ويفرّق هابرماس في هذا السياق بين الدولة المكوّنة (Constitué) والدولة الدستورية (Constitutionnel)، مؤمّلً صوغ «استراتيجيا تأسيسية» (ص. 48) يُعاد فيها الاعتبار إلى حقوق الإنسان المعنوية والدستورية والمادية (ص. 48) يستند هذا الشك الهابرماسي في قدرات الدولة الدستورية الحديثة (ص. 46) إلى حقائق اجتماعية وأخلاقية وحضارية، أبرزها تحوّل المجتمع إلى «مونادة Moneda -وحدة - لا تفكّر إلا في نفسها وفي مصالحها، ولا ترى إلا حقوقها الذاتية التي تشهرها كسلاح في وجه الآخرين» (ص. 55). وتراجع سلطة الرأي العام واستشراء الخصخصة و«سلخ المواطن عن السياسة» (ص. 55)... وهو ما أفضى إلى تهميش أهم قيمة من القيم التي انبنى عليها تصوّر الدولة الديمقراطية. تتمثّل تلك القيمة في العدالة التي أضحت شعارًا أكثر من كونها واقعًا، وهو ما يعني أن النظام الديمقراطي الليبرالي بصدد تقويض نفسه آليًا (ص. 53). وليس هذا المعطى مجرّد فرضية وإنمّا هو حقيقة صاغها الواقع؛ فما دام الإنسان الذي راهنت علية الفلسفة العقلانية الغربية واعتبرته مقياس الأشياء جميعًا بصدد خسارته قيمته وتحوّله إلى «سلعة» ضمن دائرة التشيئة، فإن ما يتحدّد به جوهر الإنسان أضحى بدورة محل ريبة وتساؤل، نعني أن العقل الذي لطالما تحدّد به جوهر الإنسان انحصر في دائرة ضيّقة لا تتعدّى التنفيذ والإجراء، الأمر الذي صيّه عقلً أداتيًا له وظيفة تقنية محدّدة ومنحصرة في تلبية الحاجات الذاتية في ضروب من الأنانية والسطحية، وهو أمر يتناقض تمامًا مع الهدف من تأسيس الدولة الديمقراطية الحديثة التي كانت غايتها الأساسية توسيع نطاق سعادة الإنسان والترقّي في مدارج الكمال. أما راتسنغر، فيضيف أشكالً أخرى من أشكال مفارقة الدولة الحديثة. ويبدو أن استراتيجيته الخطابية تقوم على محاولة نقد أسس مشروعية الدولة الحديثة بالتشكيك في مدى فعالية الاحتكام إلى قرار الأغلبية. وقد اصطُلح على وصفها ب«لعب الأغلبيات» (ص. 70)، منبّهًا إلى أنها تكون في كثير من الأحيان سببًا في انخرام العدالة، واستحداث

التشريعات الجائرة، وصناعة ما يمكن أن نسمّيه «دكتاتورية الأغلبية». يختزن الموقف الراتسنغري المذكور آنفًا موقفًا سلبيًا من النظام الليبرالي باعتبار أن شرعيته، شرعية الأغلبية، مشكوك في جدواها. وهذا الموقف السلبي لا يستند إلى مبرّرات أخلاقية كما كان الشأن عند المفكّر القانوني كارل شميث (C.Schmitt) الذي اعتبر النظام الديمقراطي الليبرالي قائمً على «النفاق السياسي » (٤، وإنمّا لاعتبارات تاريخية وواقعية مستقاة من التجربة التاريخية للدولة الغربية الحديثة والمعاصرة. إذا كانت الرسالة الأساسية للنظام الليبرالي الديمقراطي تحمل مضمونًا إيجابيًا مرتبطًا بواجبات «الرجل الأبيض» المتمدّن تجاه بقية الشعوب والأمم «المتوحشة» من إعمار وتمدين وتعصير، فإن راتسنغر يؤكّد فشل النظام الليبرالي في رسالته الحضارية، بل ذهب إلى حدّ تفنيد مقولة كونية الثقافة الأوروبية (ص. 39)، محمّلً إياها مسؤولية الأضرار التي لحقت بالإنسان الأوروبي جرّاء اهتزاز مكانته لدى الشعوب الأخرى، باعتبار أنه أضحى عنوانًا للغطرسة والعنجهية والطغيان، وما ترتّب عن ذلك من ردات أفعال تلك المجتمعات المغلوبة للدفاع عن نفسها وعن ما تعتقده من قضايا عادلة (ص. 79)

حدود القانون الوضعي وأزمة العلم الأخلاقية

ترتبط إشكالية الدولة والقانون والعلم بعضها ببعض ارتباطًا جدليًا إلى حدّ وقوع التباس ربما في التمييز بين أيمّا السبب وأيمّا النتيجة. وهذا ناجم عن أن الوعي النقدي لكلا المحاضرين متأسّس على أرضية نظرية متماسكة، نواتها مراجعة المفاهيم بدل الانصراف إلى مسايرة الوقائع ومتابعتها. يتفق هابرماس وراتسنغر في الإقرار بأن أزمة الدولة الديمقراطية عميقة وتحتاج إلى حلول جذرية؛ إذ ثبت أن تقنين القوانين غير كاف لتنشئة المواطن الحقيقي وتربيته. فقد تحوّل التشريع من استباق لحركة المجتمع إلى مسايرة وتشريع لما هو كائن من الحالات والوقائع (٥، وبذلك فقد القانون صيغته التشريعية الموسّعة إلى صيغة «تقنية» ضيّقة لا تتعدّى المنع والزجر. يقدّم هابرماس مثال حالة يكون فيها القانون قادرًا على منع الإنسان من عدم إلحاقه الضرر بغيره، لكنّه لا يمكن أن يلزم ذلك الإنسان نفسه على الالتزام بقضية ما وبذل النشاط لأجلها، بل لا يستطيع حتّى فرض المشاركة في الانتخابات التي تعدّ من أبجديات العملية الديمقراطية كلّها (ص -50 51). ويشير راتسنغر إلى إمكان الاستفادة من تجربة الإغريق في ميدان القانون والتشريع، لا على أساس إعادة تقليدها، وإنمّا باستيعاب مغزاها وأبعادها؛ فالإغريق حينما وصلوا إلى مرحلة ما عادت فيها قوانينهم مستجيبة لتطلّعاتهم ومستجدّاتهم عمدوا إلى سنّ القانون الطبيعي النابع من كينونة الإنسان (ص. 74). إن هذه النزعة الأخلاقية الثاوية في خطاب الخطيبين تتحكّم كذلك في موقفهما من العلم، وخصوصًا العلم البيولوجي بالنسبة إلى رجل الدين راتسنغر؛ إذ يُزم بأن مضار «الاختيار الجيني» (ص. 74) أكثر من نفعه، ويعدّ تدخّلً غير أخلاقي في طبيعة الإنسان الفطرية، وهو ما يهدّد وجود الإنسان نفسه بالدخول في دوّامة من الاهتزازات النفسية والسلوكية والاجتماعية التي من الممكن أن تُفضي إلى انقراض الإنسان. ويذكّر راتسنغر هابرماس والحاضرين معه بالكوارث التي تسبّب فيها اختراع القنبلة النووية وتداعياتها من تسابق محموم على التسلّح، ومخاوف من وصول أسلحة الدمار الشامل إلى أيدي الجماعات «الإرهابية».

يعني ذلك كله أن الأزمة الحضارية المعاصرة أخلاقية بالأساس حتّى لو اتخذت في غالب الأحيان طابعًا ماديًا. من هنا، فإن السبيل الأقوم لتجاوزها لا يكون إلا من العنوان الأخلاقي نفسه. وقد ذهب هابرماس إلى حدّ ربط العدالة التي هي «أم الفضائل» بأسس أخلاقية محتكمة إلى قيم التضامن. يقول في ذلك: «يقوم التضامن بين أفراد جماعة سياسية ما، حتّى وإن كان هذا التضامن قانونيًا تضامنًا مجرّدًا فقط، عندما يكون مبدأ العدالة مضمونًا في الثقافة القيمية/ الأخلاقية لهذه الجماعة» (ص. 53)

الدولة والحداثة والدين ومشكلة الإرهاب

إذا كان هابرماس قد أوضح الانعكاسات الخطِرة للتحديث المنحرف على مستوى اللُّحمة الاجتماعية بين المواطنين (ص. 53)، فإن راتسنغر قد ألمع إلى ما تسبّبت فيه سياسة الغرب الخاطئة على مستوى السلام القومي والدولي. وقد اتسمت إشارته إلى قضية الإرهاب بالعمق، إذ حرص على النفاذ إلى معنى الإرهاب نفسه في عيون دعاته، فأشار إلى أن رسائل بن لادن التحريضية تعدّ في نظر صاحبها وأتباعه ردًّا على سطوة غربية تنتهك «حقوق الله» أوّلً وحقوق المجموعة الدينية الإسلامية التي ينتمي إليها أولئك «الإرهابيون» ثانيًا. من هنا، فإن الغرب إذا ما أراد فعلً معالجة هذه القضية معالجة حقيقية، يتوجّب عليه إيجاد حلّ لأسبابها العميقة بدل الاكتفاء بالتهديد والوعيد واستخدام القوة. وينبّه إلى أن الإرهاب أضحى «مرضًا جديدًا للإنسانية» (ص 71) يفتك بالإنسانية، ومن الصعب رصده والتكهّن بحدود عدواه. وسوف يكون خطره «بمنزلة إبادة» إذا ما نجحت المجموعات الأصولية في امتلاك أسلحة الدمار الشامل (ص. 71-72) يقارب هذا التصوّر الراتسنغري لقضية الإرهاب مقاربة المفكّر المغربي طه عبد الرحمن الذي انفرد بتمييزه بين أنواع متعدّدة من الإرهاب، منها «إرهاب المضطر وإرهاب المختار، وإرهاب الفرد وإرهاب الدولة، والإرهاب الخفي والإرهاب الجلي، والإرهاب المادي والإرهاب المعنوي، والإرهاب الدائم والإرهاب العابر» (٦. ولا مراء في أن هذا التمييز بين هذه الأنواع ينم عن وعي صاحبه بتقاطع عوامل مختلفة في تشكيل ظاهرة الإرهاب، على خلاف ما يروّجه الإعلام الغربي وحتّى العربي من تصوّرات سطحية لا يمكن أن تفيد في معالجة القضية بقدر ما يمكن أن تفاقمها، وهو ما يحدث حاليًا في مناطق متعدّدة من العالم، ولا سيمّا العالم العربي.

الأخلاق والسياسة من القطيعة إلى التواصل

إذا كانت المكيافلّية قد أعلنت أن لا سبيل إلى إدارة شؤون السياسة وإحكام قبضتها من دون التحرّر من الضوابط الأخلاقية والمعنوية، باعتبار أن مثل هذه التمثلّات قد تكون من عناصر ضعف السلطة السياسية وانخرام عقدها (٧، فإن فلسفة المابعد حداثة، وخصوصًا مع مدرسة فرانكفورت ممثّلة في هذا السياق بهابرماس، قد انتبهت إلى أن هذا التصوّر مبالغ فيه، وهو من أسباب تأكّل الدولة الدستورية الحديثة وانزياحها عن الغايات المرسومة لها. يدعو هابرماس في هذا المضمار إلى ضرورة اغتناء القوانين الوضعية بالتمثلّات الأخلاقية لكي تكتسب فعالية ومردودية إيجابية، لا على مستوى التطبيق التقني للقوانين وإنمّا على مستوى محاولة إيقاظ الضمير الفردي والجماعي (ص. 49). ولا يقدّم لنا هابرماس ولا راتسنغر، الذي يشاطر محاوره فكرة «تخليق

السياسة»، ولو مثالً واحدًا عن كيفية إدراج التمثلّات الأخلاقية، أكانت دينية أم وطنية ضمن القوانين الوضعية، فكلّ ما يحاولان تأكيده هو الإلحاح على التأثير الإيجابي للأخلاق بمفهومها المتكامل في تشكيل «تضامن شعبي» (ص. 52) بيد أنه يجب أن ننتبه إلى أن الأخلاق التي يدعو إليها هابرماس أخلاق تواصلية مبنية على أساس أنثروبولوجي مقترن باللغة (٨، وهو ما يدعو إلى التذكير بأن العملية التواصلية نفسها من منظوره لا تتم بصورة آلية وإنما تشترط أوّلً وأساسًا حسن التفاهم والتفاعل بين أطراف العملية التواصلية، بمعنى أن يكونوا جميعًا راغبين في التواصل والحوار بواسطة أفعال لغوية (٩، وهي عملية افتراضية أكثر من كونها عملية واقعية.

العقل والإيمان من التصادم إلى التفاهم

لا تندرج دعوة هابرماس وراتسنغر إلى إقامة علاقة تكاملية بين العقل والدين ضمن الدائرة التقليدية التي امتدت إلى مشارف العصر الحديث، ضمن ما كان يُعرف في الثقافة الدينية بما بين الحكمة والشريعة من اتصال، وإنمّا ضمن تصوّر جديد ل«الوعي ما بعد العلماني للمجتمع» (ص. 32)، بمعنى أنه مراجعة نقدية وتطوير موسّع للعلمانية، وليس- كما قد يتبادر إلى الذهن - نقضًا للعلمانية. وهي بهذا المعنى دعوة إلى توسيع العقل لينفتح إيجابيًا على كلّ ما يغنيه ويوسّع أفقه في إطار تعدّدية ثقافية وعلاقة تواصلية، أكانت بين الذات ووعيها أم غيرها. ولئن كان هذا التصوّر يقودنا إلى التساؤل عن مدى صحة تحديد جوهر الإنسان بالعقل، باعتبار أن العقل في هذه الحالة بدا محتكمً إلى الأخلاق، وهو ما قد يعني أن ما يحدّد جوهر الإنسان هو الأخلاق لا العقل، فإن ما يهمّنا في هذا السياق هو إقرار هابرماس بإمكان وقوع الفلسفة في الخطأ، بل استعدادها للتعلّم من الدين. يقول حرفيًا: «يتأسّس هذا الاحترام الذي يمشي يدًا في يد مع امتلاك الحكم العقلي على احترام الشخص والمخلوقات، التي تستلهم عمقها وهويتها من قناعات دينية. ولا يعتبر الاحترام كلّ شيء هنا، ذلك أن للفلسفة أسبابًا تحتّم عليها أن تكون مستعدّة للتعلّم من الوحي الديني» (ص. 57) بيد أن دعوة هابرماس إلى هدنة مع الدين يتم في ضوئها التعاون المتكامل مشروطة بضوابط، من أهمّها أنه يتوجّب على «أهل الدين» أن يصقلوا وعيهم الديني، وينسجوا خطابًا متناسقًا لتنجح عملية الاستفادة بنجاعة.. من بين تلك الضوابط ضرورة أن يقطع «أهل الدين» مع مزاعم احتكار التأويل، والتصوّرات الشمولية للإيمان، والحق في السلطة، وهي ثلاثة عناصر مهمّة تردّدت بصفة ضمنية في الفلسفة الكانطية وأعاد هابرماس إليها مفعوليتها المعاصرة، وهو ما يعني أن الدين يكون مكوّنًا أساسيًا من مكوّنات البنية الاجتماعية والتواصلية. أمّا راتسنغر، فإنه يثمّن مواقف هابرماس بخصوص دعوته إلى أن يراجع العقل مقولاته ليكتشف جذوره الدينية المترسّخة في شبكة من المفاهيم المعيارية، مثل «المسؤولية والاستغلال والتاريخ والتذكّر والرجوع والتحرّر والتجديد..» (ص. 58). لذا يتخذ موقفًا إيجابيًا من الفلسفة، وهو موقف متأسّس على أرضية معرفية صلبة لا مجرّد مجاملات أدبية أو توافقية. ويبدو راتسنغر في هذا المضمار مطّلعًا اطلّاعًا شاملً على آخر التيارات الفلسفية النقدية في موقفها المسؤول من أزمة الحضارة المعاصرة (ص. 68)

واجبات الفيلسوف المعاصر والمثقف الديني

تقوم مداخلتا هابرماس وراتسنغر شاهدًا على ما يُمكن أن يؤدّيه المفكّر تجاه مجتمعه والإنسانية قاطبة، أكان فيلسوفًا أم «عالم دين»؛ إذ اشترك المحاضران في «تحديث الوعي العام» (ص. 68)، ولفت النظر إلى أن من أخلاقيات العلماني الحقيقي ألا ينظر بدونية إلى غيره من المناظرين والمخالفين له من أصحاب التمثلّات الأخلاقية والدينية، بل ينبغي له أن يساهم في توضيح تلك التمثلّات وصوغها ليسهل تقييمها والاستفادة منها في إطار عقل تواصلي يستوي فيه الكلّ، ومنفتح دائمً على إمكان الاستزادة والاتساع. يقول هابرماس: «لا يحقّ للمواطن العلماني طالما أنه يقدّم نفسه في دوره كمواطن، لا أن ينكر الصحّة المركّبة للتصوّرات حول العالم، ولا حرمان المواطن المؤمن من حقّه في التعبير بلغة دينية وطرح مواضيع للمناقشة عموميًا. ويمكن للثقافة العلمانية الليبرالية أن تنتظر من المواطن العلماني أن يجتهد من أجل ترجمة الدراسات الدينية المبهمة إلى لغة عمومية واضحة بالنسبة إلى الجميع» (ص -62 63). واختتم هابرماس محاضرته بهذه الفقرة، وهو ما يعني أنها خلاصة وتوصية يراد لها أن تصان وتطبّق. و دعا راتسنغر من جهته إلى إعادة النظر في المفهوم الحقّاني الذي استندت إليه فلسفة حقوق الإنسان، وهي دعوة لا تستهدف التشكيك في جدارة الإنسان بالمنظومة الحقوقية التي يتمتّع بها، وإنمّا لأجل دعم تلك الحقوق وتثبيتها حتّى لا تنقلب الحقوقية المفرطة إلى ضدّها، فتصبح عاملً من عوامل حصر الإنسان في بُعد واحد. ولن يكون هذا ممكنًا، بحسب راتسنغر، إلا إذا ذُكّر الإنسان بواجباته (ص. 77). وقد ربط راتسنغر ربطًا وثيقًا بين واجبات الإنسان الفرد وواجبات الدولة والحضارة الغربية تجاه بقية الحضارات الأخرى، ناقدًا نزعة التسلّط والتفوّق التي تحكم منطق السياسة الغربية. وقد خلص في النهاية إلى عدم كونية الحضارة الغربية في مستوى ثقافتيها الأساسيتين: ثقافة المسيحية وثقافة العقلانية والحداثة، مُرجعًا أسباب ذلك الفشل إلى نزعة الهيمنة والقوة. والحل، بحسب رأيه، رهين تعدّدية ثقافية كونية تشمل جميع الثقافات والحضارات، إذ إن راتسنغر مقتنع اقتناعًا راسخًا بأن كلّ ثقافة يمكن أن تُضيف معنى ما ولو يسير إذا ما فُعّل ميثاق حقيقي للتعايش المشترك.

الهوامش

نلاعإ نيمأت ءاجرلا اثيدح ردص