العودة إلى تفاصيل المؤلَّف رحلة البحث عن الذات والمعنى في رواية وادي الظلام

رحلة البحث عن الذات والمعنى في رواية وادي الظلام

The Quest for Subject and Meaning in the Novel Valley of Darkness

رابح طبجون

Rabah Tabajoune

الملخّص

تتناول هذه المقالة واحدة من روائع الدكتور عبد الملك مرتاض الروائية، وهي «وادي الظلام » التي يسعى من خلالها إلى تأكيد الهوية الوطنية في سعيها إلى إثبات ذاتها أيام التحولات الفارقة التي عرفتها الجزائر، حيث يتقاطع فيها الذاتي والموضوعي والواقعي بالتخييلي، بفاعلية فنية تعكس عمق التجربة وجمالية التعبير والاحتواء من خلال السرد الروائي المتقن. ومن خلال التمظهرات السردية والتناظرات القائمة بين مختلف الأحداث والوقائع، يتحقق التعالق بين الذوات المتخالفة أو المتصارعة في الزمان والمكان.

Abstract

This paper considers one of Dr Abdul Malik Mourtadh’s great novels, Valley of Darkness, in which he endeavours to affirm national identity as it tries to consolidate itself in the period of critical transformations undergone by Algeria. The subjective and the objective, and the realist and the fictional, intersect in this novel in an artistic effort that reflects a depth of experience, with a well-crafted narrative that is the product of an aesthetic style and contents. Through the narrative expositions and symmetries between the various events, a relationship is achieved between the various subjects in conflict across time and space.

الكلمات المفتاحية:
  • رواية
  • المعنى
  • التحولات
  • الذات
Keywords:
  • Self
  • Meaning
  • Novel
  • Valley of Darkness
  • Transformations
  • Narrative

والوقائع، يتحقق التعالق بين الذوات المتخالفة أو المتصارعة في الزمان والمكان.

الرواية الجزائرية والأزمة

ما زال النقد الجزائري المعاصر مترددًا في تقييم رواية الأزمة الجزائرية بحكم تداخل عناصر عدة، منها التجربة القصيرة التي عاشتها الكتابة الروائية في بلادنا حتى الآن، وصفاء الرؤية وأسئلة الاجتماع والأيديولوجيا، فهي من ناحية «كتابة المحنة» ومن ناحية أخرى «الأدب الاستعجالي» الذي يعود بالقارئ إلى مآسي المرحلة التي ذاقت فيها الجزائر ويلات العنف المسلح، ويقترب فيها من الوعي بالواقع

تتناول هذه المقالة واحدة من روائع الدكتور عبد الملك مرتاض الروائية، وهي «وادي

الظلام» التي يسعى من خلالها إلى تأكيد الهوية الوطنية في سعيها إلى إثبات ذاتها أيام

التحولات الفارقة التي عرفتها الجزائر، حيث يتقاطع فيها الذاتي والموضوعي والواقعي

بالتخييلي، بفاعلية فنية تعكس عمق التجربة وجمالية التعبير والاحتواء من خلال السرد

الروائي المتقن. ومن خلال التمظهرات السردية والتناظرات القائمة بين مختلف الأحداث

عبر استرجاع يوميات «الحرائق المشتعلة في البيت

الجزائري والخناجر المسلطة على رقاب الأبرياء من

النسوة والأطفال، ممّا يجعل كل ممارسة كتابية غير

متجهة رأسًا إلى التنديد بما يحصل، مجرد لعبة لفظية

لا تساوي قيمة حبرها» (١. إنه أيضًا «شهادة (Témoignage) على ويلات

الراهن والتنديد بالوحشية. وعلى هذا الأساس

يجد المصطلح مبرراته الموضوعية، مستدعيًا

التعامل مع النص وفق ما يقتضيه الجرح العميق

الذي أحدثته الأزمة في نفوس أبنائها، بمساءلة

الواقع والملابسات التي زجت بالبلاد في دوامة من

الدماء والأشلاء تجعل البحث عن المقومات الفنية

أمرًا غير مبرر» (٢. إذا حاولنا أن نستجلي المميزات الفارقة لكتابة

المحنة، وجدنا «أن هذه المحاولات تتجه نحو

التركيز على المضمون. لكن هذا الميل ذاته تبرّره

طبيعة الإنتاج الأدبي موضوع النقد؛ إذ مهما اجتهد

الروائيون المعنيون في اصطناع تقنيات جمالية

مستحدثة وسعيهم لخلق بنيات فنية جديدة، إلا

أن المضمون هو الذي يكشف عن وجهه قبل

أي مظهر من مظاهر الشكل» (٣، كأن مقاربة

الظاهرة «لا يمكن أن تتأتى إلا بالقبض على المعنى

الذي يريد النص أن يقوله، ومنه الالتفات إلى

الشخوص وموقفها ورؤيتها للأحداث والأشياء

والوقائع، أو بنائها النفسي والآليات العقلية

والروحية التي تطورها لمواجهة الموت المتربص،

أو القراءة التي توليها النصوص للأزمة وجذورها

والفاعلين الرئيسيين فيها، بما جعلها تأخذ أبعاد

الأدب المقاوم» (٤. إن النسيج الروائي في مرحلة الأزمة قد اجتهد

لإيجاد معمارية فنية تتضمن التوازن بين الشكل

والمضمون «واحتواء الأزمة والتعبير عن مخاوفها

وهواجسها، وعلى العموم يشترك أغلبها في كشف

ملامح وجه الأزمة الخفي، وإماطة اللثام عن كل

دقائقها و تقاسيم وجهها» (٥).

الوقائع الروائية في وادي الظلام

تتوزّع رواية وادي الظلام (٦ عبر تسع محطات

متنوعة، وهي من أهم الروايات الجزائرية التي

تشكل صوتًا من أصوات الضمير الجزائري.

وقد تناولت موضوع الأزمة الأمنية في تسعينيات

القرن الماضي، أو العشرية السوداء، كما يحلو

للكثيرين تسميتها. تعددت فيها مظاهر الأزمة

السياسيّة المعلنة التي أدّت إلى مضاعفات عصفت

بالشخصية الوطنية، الفردية والجماعية، وبرزت

لها انعكاسات واضحة التفصيلات وبالغة الأثر

في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية

الفكرية والأدبية. وهي تؤرخ للمرحلة الثالثة

من تاريخ الجزائر المعاصر (الثورة التحريرية،

الخيار الاشتراكي بعد الاستقلال، التعددية

والاضطرابات السياسية). وبحسب فرجينيا

وولف (Woolf. V) (1941-1882): «فإن

كل شيء يصلح أن يكون موضوعًا للرواية» (٧؛

بمعنى أن الموضوع الروائي ذاتٌ متجدّدة لا

موضوعات مألوفة ومطروحة، يطرقها الكتّاب

فقط لأنها مألوفة عند القرّاء الذين يسرّهم قراءة

ما ألِفته أذواقهم. إن أحداث الرواية تتوزع في معالجة الواقع الجزائري

بكل جرأة وشفافية على جميع المستويات، وتعبّ عن

تغيير واضح في الذهنية والأفكار أو على مستوى

الأحداث المفزعة الدموية التي أرّقت الذاكرة

الفردية والجماعية، وارتسمت في مخيلتها صور

الدماء والأشلاء وجثث الأبرياء  والضحايا (٨،

صورةَ الموتِ اليومي والدمار الذي طاول الوطن. تنطلق أحداث الرواية من استرجاع ذكريات

الحرب المهولة التي شنتها قبيلة بني فرناس على

قبيلة الجلولية لأن الله حباها بالخيرات، وقد

سمِّيت بهذا الاسم نسبة إلى الولي الصالح سيدي

جلول، أو لجليل قدرها بين القبائل آنذاك في مكان

جغرافي يسمّى وادي الظلام، حيث «كان أهلها

يعيشون على تربية المواشي والنهوض بزراعة

الخضر والفواكه وبعض الحبوب وخصوصًا

القمح والشعير وكانت عيون وادي الظلام، توفر

لهم الظروف الملائمة لسقي مزروعاتهم التي كانت

تثمر لهم غلالً كريمة تجعلهم يعيشون في رغد من

العيش» (٩. وقد رمز الكاتب بالجلولية إلى الجزائر

التي تملك الثروات الطبيعية، وببني فرناس لفرنسا

القادمة من وراء البحار «التي احتلتها بقوة السيف

أكثر من قرن من الدهر العابس» (٠١، فمارست

عليها كل أشكال التنكيل حتى كادت تسحقها

سحقًا. تسير أحداث الرواية في ظلال الصمود

وأشكاله المتعددة في النضال ضد الاستعمار

من خلال انسجام المقاومة الشعبية مع العمل

الفدائي، وفك الحصار الذي فرضه هذا المعتدي

وتخليص البلاد من آثامه وشروره بقوة الحديد

والنار؛ كل هذه الأحداث تهمس في الذاكرة

لكي تراجع الماضي وتستدعيه مقارنة بالحاضر

الأليم، لينفتح النص الروائي على التحولات

التي طاولت البنية الاجتماعية، وتشكلت في

مصادرة الحريات وانتشار أحداث الاغتيالات

المثيرة للجدل والتفجيرات العشوائية العمياء

التي تجتث الموجودين وتدمرهم تدميرًا مع المباني

والناس، وعمليات الخطف للنساء والمثقفين من

طرف الجماعات المسلحة التي تمركزت في قمة

جبل السباع و اتخذته حصنًا منيعًا لتنظيمها (١١.

و«الإرهاب ليس حدثا بسيطا في حياة المجتمع،

وقد لا يقاس بالمدة التي يستغرقها ولا بعدد

الجرائم التي يقترفها، بل بفظاعتها ودرجة

وحشيتها» (٢١. وصفت الرواية وقائع هذه

الأحداث قائلة: «اختلط الحابل بالنابل، لم يعد

أحد يفهم شيئًا. يغتال الأئمة كما يغتال السكارى،

ويغتال الرعاء كما يغتال الوجهاء، لا فرق بين

أولئك وأولئك» (٣١. تخلص الرواية إلى أن ما آلت إليه الجزائر في زمن

الأزمة ما هو إلا مواصلة للحرب الخفية التي

يقودها مستدمر الأمس بغطاء دولي وبأيد محلية

وبأفكار مستوردة مخالفة لتعاليم الدين الحنيف،

بعيدًا عن الأخلاق والأعراف الإنسانية.

البحث عن الذات والمعنى في الرواية

إن متأمل بنية النص الروائي الشكلية وحمولة

المتن الروائي يسترعي انتباهه أول وهلة تميّز هذا

النص من غيره من الأعمال الروائية المعاصرة له؛ إذ

انطلق الإحساس من الواقع اليومي المعيش، ليتجه

صوب الداخل النفسي في حركة تداخل وتجاذب

أنتجت ذاتًا محصنة لا تحس بالهزيمة والضياع،

على الرغم من محاولة الذات الساردة استعادة

الماضي للتخفيف من وطأة الحاضر المفجع.

وكما يقول ميلان كونديرا (Kundera. M)‎

1929(-): «إن العالم الحديث الذي

هجرته الفلسفة، تظل الرواية مرصدًا أخيرًا

لنا يمكنها من احتضان الحياة الإنسانية

بًاعتبارها كل » (٤١. فالرواية تؤدي وظيفة

البديل المعرفي الذي يعمّق الوعي بامتدادات

العالم المختلفة، وهو ما يجعل وظيفة الرواية

راهنًا قادرًا على التقاط قضايا الإنسان بكل

امتداداته المتنوعة والمختلفة. إذا كان قارئ الدكتور مرتاض لا يتوانى عن

استخبار دلالات الحكاية عبر ترصد الأحداث

وتعقّب الشخصيات، قصد الإلمام بمعالمها

الكبرى، فإن السارد بوصفه فاعلً مشاركًا في

صنع الأحداث يتولى ربط مجريات الواقع وضبطها

بما تفرضه من انصهار جزئي أو كلي في المكان أو

الزمان من ناحية، وبما تفرزه من علاقات ومواقف

إنسانية، سالبة أو موجبة، لا تخلو من إحالات دالة

ورمزية، من ناحية ثانية. فكيف يُلمّ الدكتور مرتاض بانفعالات أبطاله

وأهوائها، وكيف يرصد تحولاتهم الوجدانية

والوجودية انطلاقًا من علاقاتهم بالأنا من جهة،

وباتصالهم أو تواصلهم مع الغير من من ناحية

أخرى؟ وبالتالي ما الموضوعات التي تهيمن على

مشاعر هؤلاء الأبطال في آن واحد بدءًا من السارد

ذاته؟ فعبر تقنية الاسترجاع يغوص في أعماق

الشخصيات حيث تقل المقاطع الحوارية نسبة إلى

المقاطع السردية الخالصة. تقودنا رواية وادي الظلامكمادة سردية إلى فضاءات

إنسانية صرف، عبر إعادة رسم الملامح البارزة في

مسارات شخوصها. إن أول ما يلفت انتباهنا في هذه الرواية هو صورة

المرأة في صخبها وهدوئها، في وداعتها وفي جنونها،

عبر امتداداتها وتمظهراتها المختلفة، وفي علاقتها

بباقي الشخصيات (الأنثوية منها والذكورية) التي

احتلت حيزًا كبيرًا في تشكيل بنية الحكاية المقترحة،

وتوجيه مساراتها. - المرأة الذاكرة (الأم زينب)، وهي الشخصية

المحورية الأولى التي يتمحور عليها معمار الرواية،

«موسوعة متنقلة من الثقافة الشعبية، وكان أهل

الجلولية كلهم يكنّون لها من الاحترام والتقدير

ما كان يجعلها تنافس، لو أرادت، شيخ القبيلة في

زعامتها» (٥١، وتحمل جروح الماضي ورواسبه في

ذاكرة جماعية باعتبار ما مورس عليها من عسف

وحيف وتهميش، حيث تؤدي الذاكرة «دورًا كبيرًا

في ضمان الاستمرارية الثقافية التي تمكّن جماعة ما

من الحفاظ على إرثها الثقافي والمعرفي المشترك،

وصيانته من النسيان والتلاشي والدمار » (٦١.

وتمثل الأم زينب الشموخ والاعتداد بالروح الفردية

والجماعية معا، ولا سيما أن ذلك الاعتداد ينطلق

من مجموعة من القيم التي هي بمنزلة الناموس

العام الذي يحكم أبناء القبيلة في ما بينهم. ويتم

ذلك باسترجاع الماضي البعيد والماضي القريب من

خلال تقنيات الارتداد والتذكر والتداعي في مشاهد

بانورامية، «فالحكاية تقدّم من منظور راوٍ كلّ المعرفة

وكلّ الحضور، ويتوخى الروائي هذه الطريقة

في القص لتغطية فترات زمنية طويلة وأحداث

كثيرة» (٧١. - المرأة الغربية المستبدة (جاكلين)، «سيدة

المحروسة الأولى، الزوج الصغرى للشيخ

المعظم» (٨١، تزوجها الشيخ وهو في التسعين

وترتيبها الرابعة، وهي في الثامنة عشرة من عمرها

«والتي بدأ أمرها يستفحل، حتى أن سكان

المحروسة أصبحوا يشيعون أن الشيخ المعظم لم

يعد يفعل شيئًا إلا بأمرها، فهي الآمرة الناهية،

وكل من في المحروسة أصبح يعرف تلك الصبية

الحسناء الشقراء التي تظهر في الأزقة والساحات

سافرة» (٩١. - المرأة اليهودية (أنيتا)، ابنة رجل الأعمال

اليهودي (بكور) الذي كان جاسوس الفرناسيين

قبل الغزو. تَعدُ والدها أن يكون قائد جيش بني

فرناس، أو «العلوج المحتلين»، لعبة في يدها،

فيحصل والدها من خلال ذلك على الامتيازات

المادية الخيالية قائلة: «ستريك من ذلك ابنتك

العجب العجاب، سآسُِ ه لك تقوده في المحروسة

كالبهيمة» (٠٢. - المرأة المتعلمة المقاومة (عائشة)، رمز الثقافة

والمقاومة، تعكس طموح السارد في إزاء حركة

الواقع وتطلعه إلى نموذج جديد للمرأة الجزائرية

يمزج فيه الصفات الأصلية والوافدة بما يتلاءم

ومثاليات المجتمع، حيث يصفها قائلً: «كأنها

عالَ كبير يمثُل في رأس صغير ابتسامتها الواثقة.

خطواتها الثابتة. جمالها الفتان... ترتجل الكلام

والأفكار والمواقف بشكل عجيب» (١٢، والجميع

يعتقد أن هذه البنت سيكون لها شأن كبير،

تتعرض للاختطاف من طرف الجماعة الإرهابية

ولكنها بمعجزة إلهية تمكنت من الفرار، و«عندما

تمتلئ بالواقع الخارجي الذات تحسّ بوطأة الألم،

وهذا الإحساس هو بداية الأزمة، وتتفاعل

هذه الذات مع هذا الواقع بما فيه من ألم وحسرة

وغبن وكل ما في الكلمة من معنى، فتتفجّر الذات

من داخلها، حيث يخرج الخرافي من الواقعي

والروحي من الزمني والمطلق من النسبي والدائم

من الزائل والحق من الباطل، ومن رحم هذه

الذات تولد ذات جديدة تقف مشدودة بين الحياة

واللاحياة» (٢٢. - المرأة الضحية (رحمة) المستسلمة لقدرها،

طباخة القاعدة الإرهابية في النهار والجارية في

الليل، وقد سنحت لها فرصة للهروب من الجحيم

التي تعيشه ولكنها عدلت عن ذلك خوفًا من

الفضيحة لأنها حامل منهم جميعًا، وهي صورة

صادمة لأن هذه المرأة وجدت نفسها مرغمة على

حياة الذل والهوان. إضافة إلى بعض الشخصيات الذكورية التي

تفاعلت مع الأحداث فحركتها وكان لها تأثيرها

في بناء النسيج السردي وإحكامه. - صورة المثقف الفيلسوف (أحمد) أو التنويري

المرتد الذي صدمته تحولات الحياة وجرفه تيار

المادة، وتحولت القيم عنده إلى متاع لا فائدة منه.

وعلى الرغم من آلاف الكتب التي التهمها عبر

حياة التعليم الطويلة، لم يستطع من خلالها إلا أن

يكون مستسلمً للمادية الجارفة التي اعترته، وأخذ

يعمل ضد مبادئه وأخلاقه. يقول في أحد مقاطع

الرواية: «الآن فقط أفقت من غيبوبتي، أريد أن

أتخلص من أوهامي وغفلتي، أن أحترق أنا لأضيء

غيري... أي غبن هذا، إنما العاجز وحده هو من

يفعل ذلك... ولكن لكل شيء حدودًا، وقد بلغ

السيل الزبى، وقد بلغ الحزام الطُبْيَيِْ... سأصبح

وحشًا ضاريًا، وسأتجرد، إن شاء الله تعالى، من كل

قيم، إلا قيم التجار» (٣٢. وهو مثال لبعض المثقفين

الذين يتميزون بقناعات مهتزَّة لا يسندها اليقين.

- صورة الشاب (سعدون) ابن شيخ قبيلة

الحمودية، الرافض قيم الإرهاب ونذالته. يتألم من

انتشار الكراهية وفقدان الثقة، ويؤمن بالمستقبل،

ويتحسر على إحلال البغضاء والحقد محل التسامح

والمحبة، ويرفض «دولة الليل» ويريد أن تكون

«دولة النهار» أكثر عدالة وتسامحًا. - صورة الانتهازي (سلطان) الذي يعكس

صورة أثرياء الأوضاع المتردية والحروب، «يشتت

الأموال إن شاء دون أن ينقص منها شيء لكثرتها

وتزايدها كل يوم... أمواله تتزايد بالتعامل

الغامض» (٤٢، وبالصفقات المشبوهة في زمن الردة

والنكوص. - صورة الإرهابي النتن (أبو الهيثم) وأتباعه من

الجهلة الذين أوقعوا الدين في مستنقع التدنيس،

وقد ورد في فيوضاته العرفانية وهو يشرح لأتباعه

كيف أن الإرهابي المقتول «هو يُرزق الآن في

الجنة، لقد تعشى مع النبيين والصدّيقين والشهداء

والصالحين، وتزوج مائة من الحور العين» (٥٢.

وإمعانًا في تصوير جفاف قريحة هذا الأمير

الإرهابي الذي أراد أن يتغزل بالبنت المخطوفة

عائشة، فقد جاء على لسانه: «اسمحي لي إذن أن

أقدم لك كلمات أعبّ فيها عن إعجابي العظيم

بجمالك...أنت والله، أجمل من البدر ليلة التمام،

صدرك قاعدة فيها صاروخان منصوبان يدمران

الجبل الطويل» (٦٢. - صورة الحكام الأميين المتسلطين على مقدّرات

الأمّة وخيراتها والمتمثلين في «المشيخة العليا

للمحروسة»، «وممّا قرروه في وثيقتهم المحفوظة

بخزائن المشيخة العليا أن من شروط الشيخ

المعيّ في المشيخة أن لا يكون إلا أميًا خالص

الأمية، والذي يطمح إلى المشيخة عليه أن يثبت

للناس جميعًا أنه أكثر أمية منهم» (٧٢. يقومون

بتكريس التشتت والاختلاف بدل التآلف

والائتلاف، في إشارة تكاد تكون قرينة الواقع

التاريخي للمرحلة التي حكمها بعض الأميين

وأشباه المتعلمين. إن ما يقدمه السارد عن هذه الشخصيات هو

اكتساح لخصوصيتها وفضح لمكنوناتها ممّا

يرفع درجة الإيغال في ذواتها، وهذا أقرب

ما يكون إلى أعمال الروائي الإنكليزي كولن

ولسن (Wilson. C) (-1931 2013) الذي

برع في مثل هذا النمط من الروايات، من خلال

التغلغل الفاضح الممتع لما يحدث في العوالم الذاتية

عند الشخصيات وكأنه إلحاح على تعرية ذاتها

واستباحة أخص خصوصياتها. وهو حين يقدم شخصيات الرواية عبر تقنيات

الحكي وتداعياته وجماليات الوصف وتلويناته

وطرائق الحوار وتنويعاته يطرح إمكانية التعرف

إلى وجهات نظر مختلفة، ويمنح بعض المواقف

تفسيرًا تأمليًا عميقًا يبحث المفهوم ويقلبه على

وجوهه المختلفة. هي إحالات وإشارات تُظهر

تعددية الرأي بقدر ما تثيره من صور وأخيلة

تغوص في عمق الذات وما يحررها من هواجس

وانفعالات في اتجاه البوح حينًا وفي صوب الكتمان

حينًا آخر. هكذا نلفي الدكتور عبد الملك مرتاض بين هذه

الدلالة أو تلك يواصل عملية تشريحية لكينونة

أبطاله وفق ما توافر له من تقنيات سردية عالية

تلمّح أكثر ممّا تصرّح، بحثًا عن توازن ما يضمن

إيقاعًا منسجمً للأبطال كذوات إنسانية واعية وعيًا

ملتئمً مع واقعها. إن العودة إلى وقائع الرواية وأحداثها في أبعادها

الفكرية والوجدانية لتقدم صورة عن بعض

مشكلات الإنسان مع الذات والعالم؛ مشكلات

ذات أفق رحب يسمح بالنظر والانتقاد، وهو

ما سعى الدكتور عبد الملك مرتاض من خلال

أبطاله إلى تمريره عبر رموز موحية، وقد تموضعت

كإشكال نصي ومعنى روائي تمظهرت دلالته بين

اللغز والإحالة.

عتبة العنوان وظلال من الذات

لم ينتق مرتاض عنوان الرواية بطريقة عبثية أو

اعتباطية؛ «إذ إن العنوان هو المحور الذي يحدد

هوية النص، وتدور حوله الدلالات وتتعالق به،

ويظل يشير إلى مقاصد أراد المبدع أن يوجه أنظار

المتلقين إليها» (٨٢، انطلاقًا من كونه نسقًا دالًّ

يتحقق في شكل عناصر إشارية دالة. كما أن اللون

الخارجي لغلاف الرواية يؤدي دورًا مهمّ في فهم

ما هو محتوى داخلها من أفكار وآراء ومضامين.

لا يمكن لأي قارئ مهما يكن أن يتجاهل الشكل

الخارجي؛ فهو أول ما تتلقاه العين بعد العنوان

أو قبله في كثير من الأحيان، فللصور والرموز،

وحتى الألوان المنسجمة وغير المنسجمة، دور

مهم في العملية التواصلية والإبداعية التي يرومها

أي كتاب مهما يكن نوعه وجنس متنه. تنتمي الرسوم الموجودة على غلاف الرواية إلى

المدرسة الواقعية، مع ظلال الانطباعية التي تركز

على المظاهر الطبيعية بألوان مشبعة بالسواد تلف

القرية ذات الأكواخ المتناثرة هنا وهناك، والتي

تقبع في تلة مائلة تفصل بينها وبين «وادي الظلام»

سلسلة جبلية يغلب عليها السواد، غير أن هناك

خيطًا من البياض يبزغ في الأفق البعيد. إن دلالة الألوان وتأويلها يخضعان لظروف

المتلقّي وآلياته الاستراتيجية في التأويل وصناعة

المعنى، وعلى هذا الأساس يعطي ارتباط الأسود

بالأخضر الداكن انطباعًا نفسيًا بالانقباض، في

أجواء تكثر فيها المخاطر والمصائب وتقل فيها

الثقة والأمان، وقد انعكس مدلول ذلك على

الوقائع الروائية. أما تشكيل العنوان من ثنائية الوادي والظلام،

فهو الجمع بين متناقضين، لأن من المتعارف

عليه أن الوادي هو رمز الخير بينما الظلام هو

رمز الشر. والوادي في الأصل اللغوي هو «كلُّ

منفرَج بين الجبال والتِلّال والآكام سُمِّي بذلك

لسيلانه، يكون مسلكًا للسّيل ومنفذًا» (٩٢، وهو

مجلبة للخيرات والنماء، وفي القرآن الكريم أمر الله

تعالى موسى أن ينزع نعليه لأنه بالوادي المقدس ﴿ إنِّ أنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَإِنَّكَ بِالْوَادِ الُْقدَّسِ طُوى ﴾ (٠٣. وفي الشعر العربي نجد الوادي رمزًا للحب

والتلاقي. قال أحمد شوقي (١٣: يا جارةَ الوادي، طَرِبْتُ وعادني

ما يشبهُ الأَحلامَ من ذكراك

مثَّلْتُ في الذكرى هواكِ وفي الكرى

والذكرياتُ صدَى السنينَ الحاكي أما الظلام، فهو رمز للشر و«الظُّلْمَةُ، سَوادُ

اللَّيْلِ» (٢٣، ومنها عصور الظَلّام، وهي في

أوروبا الفترة المبكِّرة من العصور الوسطى، من

القرن الخامس الميلادي إلى القرن الحادي عشر

الميلادي، حيث فشا الجهل والمرض والخرافات

والأوهام. من خلال هذه الثنائية: الوادي= الجزائر

والظلام= الإرهاب، كانت الرواية تهمس

بمجموعة أخرى من الثنائيات، كالإرادة

والقدر، والنجاح والإخفاق، والأمن والخوف.

يلتقط منها مرتاض خيط المأساة الوطنية التي

تتأرجح بين الخيريين والأشرار، وتأتي النهاية

لتكون انتصارًا جديدًا مساويًا للانتصار على بني

فرناس.

خاتمة

الدكتور عبد الملك مرتاض صاحب الأعمال

الخالدة التي تغري بالقراءة والبحث والتي يقف

من خلالها على منصة الحضور الأدبي الحقيقي،

وهو من جيل الرواد المؤسسين لفن الرواية

الجزائرية المكتوبة باللغة العربية، ومن يقرأ منجزه

الروائي يجده مهووسًا بالتاريخ والتأريخ للجزائر

الحديثة. - أبرزت الرواية صورة المثقف الواعي المتصالح

مع ماضيه، المستوعب لحاضره، المؤمن بمستقبله،

المثقف الذي يضيء النفق حتى يتبيّ الناس الطريق

فيخرجوا سالمين معافين من ذاك الدهليز المظلم

الذي دخلوه بجهل، أو دفعتهم إليه التغيرات

العالمية المعاصرة. - في الرواية إلحاح على كشف الذات الإنسانية

وتعريتها؛ إنها مساءلة واختراق المسكوت عنه،

وهنا تكمن قيمة هذه التجربة الروائية الجديدة

التي خاضها الدكتور عبد الملك مرتاض بعيدًا عن

السمت الذي اختطه قبلً في نار ونور (1975)،

ودماء وجموع (1979)، والخنازير (1985)،

وصوت الكهف (1986)، وحتى في هشيم الزمن - تناول مرتاض في روايته التاريخ في صيغتيه

الحاضرة والماضية بذكاء وفهم كبيرين، وبلغته

الجزلة المكثّفة التي تعطيه فرصة للحلم أو للخيال. - يحرص مرتاض على صون الذاكرة الجماعية من

النسيان، هذه الذاكرة التي تستوعب القيم الثقافية

للأمة، ويحرص على تحصينها وبلورة موقفها من

الحياة والوجود، ذلك أن خصوصية الشعوب

تكمن في قدرتها على تشييد هويتها وتجسيد قوتها

عن طريق الإبداع. - الدكتور مرتاض هو ابن الجزائر المثقل بالهم

الجزائري، وقد لامس بصدق الوجع الجزائري

الذي ما زالت آثاره في الذاتية الفردية والجماعية،

ولذا تبدو رواياته تاريخًا داخل التاريخ، فيه ثراء

التفصيلات التي تبدو غائبة عن الذين لم يعيشوا

في معترك تلك الأيام.

- رواية وادي الظلامقراءة لمرحلة تاريخية من

حياة الجزائر، ومحاولة صنع وعي لهذه المرحلة

وحيثياتها.

ا لهوامش

(١) عبد الله شطاح، «الرواية الجزائرية التسعينية: كتابة المحنة

أم محنة الكتابة،» تبيُن (الدوحة)، السنة 1، العدد 2 (خريف

2012)، ص.69

(٢) المصدر نفسه، ص.69

(٣) مخلوف عامر، الرواية والتحولات في الجزائر: دراسات

نقدية في مضمون الرواية المكتوبة (دمشق: إتحاد الكتاب

العرب، 2000)، ص.7

(٤) شطاح، ص.69

(٥) عبد اللطيف حني، «الرواية الجزائرية بين الأزمة وفاعلية

الكتابة،» (مدونة محمد الأمين شيخة (المدونة الأكاديمية

للأدب والنقد))، على الموقع الإلكتروني:

>.http://dr-cheikha.blogspot.com<

(٦) عبد الملك مرتاض، وادي الظلام: رواية (الجزائر: دار

الغرب للنشر والتوزيع،.)2005

(٧) محمد شاهين، آفاق الرواية، البنية والمؤثرات: دراسة

(دمشق: إتحاد الكتاب العرب، 2001)، ص.114

(٨) حني، «الرواية الجزائرية».

(٩) مرتاض، ص 21.

(٠١) المصدر نفسه، ص.9

(١١) الخامسة علاوي، «قراءة في رواية وادي الظلام

لعبد الملك مرتاض،» مجلة الناص والنص (جامعة جيجل)،

العدد 7 (آذار/مارس 2007)، ص.256

(٢١) عامر، ص.91

(٣١) مرتاض، ص.113

(٤١) ميلان كونديرا، الستارة: دراسة من سبعة أجزاء، ترجمة

معن عاقل (دمشق: دار ورد، 2006)، ص.72

(٥١) مرتاض، ص.7

(٦١) محمد القاضي، معجم السرديات (تونس: دار محمد علي

للنشر، 2010)، ص.50

(٧١) محمد الداهي، صورة الأنا والآخر في السرد (القاهرة:

رؤية للنشر والتوزيع، 2013)، ص.203

(٨١) مرتاض، ص.17

(٩١) المصدر نفسه، ص.153

(٠٢) المصدر نفسه، ص.69

(١٢ المصدر نفسه، ص).61

(٢٢) شاهين، ص.114

(٣٢) مرتاض، ص.134

(٤٢) المصدر نفسه، ص.122

(٥٢) المصدر نفسه، ص.212

(٦٢) مرتاض، ص.223

(٧٢) المصدر نفسه، ص.15

(٨٢) سامح الرواشدة، منازل الحكاية: دراسات في الرواية

العربية (عمان، الأردن: دار الشروق للنشر، 2006)، ص.134

(٩٢) جمهورية مصر العربية، مجمع اللغة العربية، المعجم

الوسيط، ط 4 (القاهرة: مجمع اللغة العربية، 2004)، مادة

وادي.

(٠٣) القرآن الكريم، «سورة طه،» الآية.12

(١٣) هي قصيدة نظمها أمير الشعراء أحمد شوقي، ولحنها

وغناها محمد عبد الوهاب سنة 1928، ثم غنتها المطربة فيروز

لاحقًا.

(٢٣) المعجم الوسيط، مادة الليل.