العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إعادة استكشاف العثمانيين لإيلبري أورتايي

إعادة استكشاف العثمانيين لإيلبري أورتايي

Rediscovering the Ottomans by Ilber Ortayli

زياد منى

Ziad mouna

الملخّص

عرض الكاتب تاريخ الدولة العثمانية، بعيدًا عن منهجية الالتزام بالتقويمات أو لنقُل بالسرد الزمني. ففي فصول كتابه الواحد والعشرين نرى أنه تناول مختلف الموضوعات من منظورات مختلفة، لكن من دون التخلي عن مبدأ التسلسل الزمني .

Abstract

In his non-chronological review of Ottoman state history, in Rediscovering the Ottomans the author makes use of a variety of approaches without giving up the chronological principle.

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ العثماني
Keywords:
  • Ottoman state
  • Chronological Narrative
  • Discovery

الكتاب: إعادة استكشاف العثمانيين

الكاتب: إيلبير أورتايلي ترجمة: بسام شيحا مكان النشر: بيروت تاريخ النشر 2012: الناشر: الدار العربية للعلوم- ناشرون عدد الصفحات: 216

هذا من المؤلفات الممتعة، إذا كان القارئ من المهتمين بالتاريخ والأنثروبولوجيا. ممتع ومهم في آن لأسباب عديدة، منها أن الكاتب تمكّن في مقدمته من عرض تاريخ طويل ومتداخل، وبالتالي على جانب كبير من التعقيد، بأسلوب سهل وجميل. وهو، كما علينا القول هنا، ليس بأقل من مدير متحف طوب قابي في اسطنبول، أي مقر السلاطين العثمانيين حتى الثورة الكمالية. عرض الكاتب تاريخ الدولة العثمانية، بعيدًا عن منهجية الالتزام بالتقويمات أو لنقُل بالسرد الزمني. ففي فصول كتابه الواحد والعشرين نرى أنه تناول مختلف الموضوعات من منظورات مختلفة، لكن من دون التخلي عن مبدأ التسلسل الزمني. بدأ الكاتب مؤلَّفه بعرض مدينة اسطنبول وما تمر به من متغيرات تكاد تقضي على ما تبقى من تاريخها العريق، بعد أن كانت مدينة العالم لمدة ألف سنة خلت. من المواد أو الموضوعات التي تعامل معها، بأسلوبه الراقي والجذاب: سنان المعماري، والعائلة العثمانية، والسلطان محمد الفاتح، والمطبخ

العثماني، والقصور العثمانية، وأحياء العلماء في المدينة، والباشاوات العثمانيون، والآثار العتيقة، وغير ذلك. عبر كل فصل نفهم ميزات المرحلة ذات العلاقة؛ فعلى سبيل المثال، من خلال الفصل المتعلق بسنان المعماري نعرف تطور أسلوب البناء في الدولة العثمانية وميزاته، خصوصًا أن هذا المعماري الكبير كان في حالة ترحال دائمة في مختلف أرجاء السلطنة. في الوقت نفسه، نعلم مدى اتساع ذلك العالَ العثماني الممتد من جورجيا شرقًا إلى المجر غربًا ومن سهول أوكرانيا شمالً إلى الحبشة جنوبًا. هنا يدرك المرء مدى ثراء تلك الدولة بشريًا وإثنيًا وثقافيًا. لم يُضع المؤلف كتاباته وتحليلاته للهوى؛ فنحن نرى استعانته بكتابات مستشرقين زاروا الدولة العثمانية في مختلف مراحل تطورها، وكتبوا مشاهداتهم فيها. فعلى سبيل المثال، وفي مجال تصويب النظرة المغلوط فيها إلى وضع المرأة التركية العثمانية (أسيرة الحريم وفق الأحكام الشعبوية)، نقرأ كتابات رحالة ألمان عن وجودها في الأسواق وحرية تنقّلها في المدن. كما نعلم من خلال استعراض وضع العائلة التركية العثمانية حال الأحياء السكنية التي اكتسبت منزلة قانونية، وهو ما دفع العائلات الكبيرة العدد إلى السكن في حي يحوي منازل عديدة. لكننا نقرأ أيضًا تغيّ وضع العائلة في مختلف مراحل الإصلاحات الحكومية، أي ما عُرف بالتنظيمات. من الفصول الممتعة الأخرى، ومن دون الانتقاص من قيمة سائر فصول الكتاب، الفصل الذي يسرد فتح القسطنطينية (اسطنبول) على يد القوات العثمانية بقيادة محمد الفاتح، وعددها وعديدها والإنجازات التي تمت فيها بُعيد سقوطها، حيث كانت مدينة مدمرة فعلً بعدما حوصرت مدة تقارب الشهرين. أما المطبخ التركي العثماني، فقد خصه الكاتب بفصل عدَّد فيه ما رآه من مزايا على المطابخ المجاورة والناتج من ثراء الدولة العثمانية بالشعوب والقوميات المختلفة ذوات العادات الخاصة بها. في فصل آخر يركّز الكاتب على أحياء العلماء في مدينة اسطنبول، ومنها حي السليمانية وحي وفا وحي فزنجلر وحي زينب وحي فاتح، وغيرها. هذه الأحياء، كما نعلم من الكتاب، كان يقطنها علماء الدولة العثمانية لأن السلطان محمد الفاتح أسس في جوار مسجد الفاتح ما يُعرف بالمؤسسة التعليمية العليا المسمّة «صحني ثمان»، أي القاعات الثماني. يختم الكاتب مؤلَّفه بفصل «الإمبراطورية الرومانية الأخيرة»، ويعني بها السلطنة العثمانية. وهو يركز على هذه التسمية من منظور أن العثمانيين سيطروا على ما كان أراضي الإمبراطورية الرومانية، وختموا ذلك بالسيطرة على عاصمتها اسطنبول. ينهي الكتاب مؤلفه بالتشديد على رأيه بأن التاريخ العثماني هو تاريخ الأتراك، أي تاريخ الدولة التركية، بقدر ما هو التاريخ المشترك لما يزيد على عشر أمم مجاورة. لذلك، لا يمكن تلك الشعوب فهم تاريخها من دون فهم اللغة العثمانية واللغة التركية، لكن في المقابل يستطيع الأتراك فهمه لأنهم يتقنون اللغة ويمكنهم بالتالي قراءته. بهذه الملاحظة الختامية يدعو الكاتب دعوة واضحة كي تستعيد اللغة التركية/العثمانية مكانتها التي تبوّأتها في الماضي غير البعيد.

خالد وليد محمود*

الكتاب: التداخل الثقافي العربي- الفارسي:

الكاتب: رشيد يلوح مكان النشر: بيروت تاريخ النشر 2014: الناشر عدد الصفحات: 270

يأتي صدور كتاب التداخل الثقافي العربي - الفارسيفي ظرفية تاريخية تتسم بالتوتر العنيف بين العرب وإيران، ولا سيما بعد حوادث سورية، حيث أخرج الطرفان أسوأ ما في ثقافتيهما من طائفية وأحقاد تاريخية. بينما حاول مؤلف الكتاب، الباحث في الدراسات الإيرانية الدكتور رشيد يلوح، دراسة الحدث التداخلي الذي ربط بين الثقافتين العربية والفارسية منذ القرن الأول إلى القرن العاشر الهجري، فإنه يعتقد أن ذلك التداخل يشكّل حدثًا ثقافيًا تبادليًا غير مسبوق تقريبًا في تاريخ الثقافة الإنسانية، وذلك بالنظر إلى خصائصه ومواصفاته ونتائجه.

منهج الكتاب وأسئلته

انطلاقًا من هذه الملاحظة جاء اختيار الباحث يلوح لمفهوم التداخل الثقافي، الذي يعني التفاعل

من القرن الأول إلى القرن العاشر الهجري

: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

والانتقال بالتشارك، وهو مفهوم موضوعي لا يحمل - بحسب الباحث - أي دلالات أيديولوجية أو سلبية تفيد الهيمنة أو الإقصاء في وصف ما حدث بين الثقافتين العربية والفارسية. لاحظ المؤلف أن معظم الدراسات المتوافرة حتى الآن في مجال الدراسات العربية - الفارسية اكتفت بالعمل ضمن دائرة الأدب المقارن، ولذلك فهي بحاجة إلى نظرية ثقافية شاملة تقدم تصورًا متكاملً للعلاقة بين الثقافتين العربية والفارسية. في هذا السياق، يروم الكتاب المساهمة في تأسيس مقدِّمة نظرية جامعة بين الثقافتين العربية والفارسية تُكّن الباحثين والمثقفين العرب والفرس من تجديد النظر في المشتركات القائمة بينهما. فرض هذا الهدف على الباحث النظر في كمٍّ كبير من نصوص التراث العربي - الفارسي المتقاطع على صعُد الزمن والجغرافيا والمضمون، ثمّ البحث

بين ثناياه عن العناصر التداخلية الكامنة، ثم استخلاص نتائج تحاول تفسير حقيقة التداخل الثقافي العربي - الفارسي. وقد تطلّب هذا المسلك الاستعانة بمناهج تاريخ الفكر والنقد الثقافي والأنثروبولوجيا الثقافية، ومناهج الاستقراء والتحليل والمقارنة، من دون الاعتماد كليًّا على واحد منها، وخاصة أن طبيعة موضوع الدراسة تحتاج إلى بذل جهد مضاعف في رصد النماذج الثقافية، من دون التّورط في تتبُّع تشعّباتها. من الملحوظ أن المجال الزمني الذي اختار الكتاب الاشتغال داخله شاسع للغاية، والسبب في ذلك - بحسب الباحث - هو الرغبة في رصد المآلات الحضارية الكبرى لمسار التداخل الثقافي بين العرب والفرس؛ ذلك أن تتبّع مسافة عشرة قرون كفيل بإعطاء أجوبة مقْنعة عن هذا التداخل الذي كان وراء ولادة حضارة إنسانية، هي الحضارة العربية الإسلامية التي كان لها دور أساسي في التحوُلّات التي عرفتها البشرية في الغرب. وقد تناول الكتاب مجموعة من الإشكاليات الجزئية والرئيسية وردت ضمن ثلاثة فصول رئيسية: في الفصل الأولتم بسط مدخل نظري تاريخي عبر مبحثين رئيسيين، عرض الباحث في المبحث الأول لعلاقة الثقافة بالتاريخ، والحاجة الإنسانية إليها، ثم تناول مفهوم التداخل الثقافي في بُعده الحضاري، وكيف قاربته جهود الأنثروبولوجيا الثقافية. وفي المبحث الثاني وقفت الدراسة على الإطار التاريخي العام الذي حكم العلاقات العربية - الفارسية قبل الإسلام وفي فجر الدعوة النبوية، وحاولت رصد لحظة التحوّل في العلاقة الجديدة التي بدأت تنسج خيوطها بين الضفتين العربية والفارسية. واشتمل الفصل الثانيبدوره على مبحثين محوريين، المبحث الأول كان بسطًا مفصّلً لمقدمة نظرية في فهم آليات التداخل العربي- الفارسي، وهي التي اصطلحنا عليها ب«النواظم الثلاثة». ثمّ المبحث الثاني الذي خُصص لعرض أهمّ قضايا وأسئلة النقاش الثقافي العربي - الفارسي، من خلال ثلاثة أسماء هي محمد عابد الجابري وعبد الحسين زرين كوب ومرتضى مطهري. أما الفصلالثالثوالأخير من الكتاب، فقد اهتم بالجانب التطبيقي، وذلك عبر مبحثين، الأول كان في عرض وتحليل بعض النماذج الثقافية التداخلية التي تنتمي إلى المرحلة الممتدة بين القرنين الأول والخامس الهجريين، بينما تناول المبحث الثاني المرحلة الثانية الممتدة بين القرنين السادس والعاشر الهجريين، وهو يشتمل على محور اهتم برصد التحول الحضاري الذي عرفه التداخل الثقافي العربي الإسلامي وتأثره في الثقافة الأوروبية الناهضة حينئذ.

نتائج الكتاب

خلص الباحث في نهاية كتابه إلى مجموعة من النتائج نذكر منها: - العلاقات العربية - الفارسية قبل الإسلام لم تكن دائمً علاقة بين طرفين متكافئين؛ فقد كان العرب لقرون قبل ظهور الدّين الجديد في وضعية التابع للإمبراطورية الفارسية، وهو ما رسّخ في أذهان الفرس تلك النظرة الدّونية إلى العرب، ورغم ذلك كان بعض ملوك فارس يُقدّرون ملكة الشّعر عند العرب، ويعتبرونها عامل تميُّز في حياتهم الصحراوية، وبناءً عليه استنتج الباحث أن العلاقات الثقافية العربية - الفارسية قبل الإسلام لم تحقّق كفايتها التّبادلية؛ إذ لم تنضج تلك العلاقات ولم تكن مؤهّلة لبلورة تداخل ثقافي عميق، لكنّه أقرّ بوجود مؤثّرات تفاعلية شكّلت الأرضية الخصبة لاكتمال الشروط التاريخية في ما بعد لانطلاق صيرورة التداخل الثقافي العربي - الفارسي. - يمثّل الإسلام المُحفّز الأكثر تأثيرًا في التداخل العربي - الفارسي، وهو الذي ميّز بوضوح بين ما

قبله وما بعده في مسار العلاقات الثقافيّة العربية - الفارسية، بحيث يستطيع الجميع أن يلاحظ حضور عامل مركزيّ جديد في حركة التداخل الثقافي العربي - الفارسي، نقَل المجتمعيَن العربي والفارسي نقلة نوعية إلى مسرح التفاعل العالمي. - إن نزول أول آية قرآنية تأمر النبي (ﷺ) بالقراءة أعطى الهوية الثقافية الإسلامية المتشكّلة سمة الوعي المبدع والمتطلّع إلى الآفاق، وهو ما أسّس العلاقة بين الدّين الجديد والثقافة منذ الوهلة الأولى على محور الإنسان، كما لم يترك الإسلام العلاقة بين الدّين والثقافة ساكنة أو محكومة بتلقّي الثانية من الأول، بل ميّزها بعنصر الإبداع. وقد مثّلت فترة الرسالة النبوية مرحلة نضج المنهاج النبوي في معالجة الحياة الإنسانية. هذا الفهم الجديد للجهد الثقافي الإنساني أعطى العرب قابلية للانفتاح على الشعوب الأخرى وتقبّل عناصرها الثقافية تفاعلً وتبادلً. - استشعر الباحث، بعد قراءاته المتفحصة في نصوص من التراثين العربي والفارسي، وجود روح واحدة تسري فيهما، كما لاحظ أن عموم مسار التداخل الثقافي العربي - الفارسي بعد الإسلام كان محكومًا بثلاثة نواظم رئيسية عمّقت تأثيره في كلا الفضاءين، وهي، على التّوالي: الناظم الدّيني والناظم الجغرافي والناظم الزمني. كان للناظم الديني دور بالغ الأهمية في تهيئة المناخ العام لقيام تداخل ثقافي بين العرب والفرس، إذ اقتنع الفرس بكون رسالة الإسلام هي تحريرهم من أغلال الأكاسرة. وكان هذا الناظم منطلقًا لعملية التداخل عندما رتّب نظرة الطرفين العربي والفارسي إلى الوجود، وإلى بعضهما، وشكّل صمام الأمان للصيرورة العربية - الفارسية التداخلية، وخاصة في القرون اللاحقة عندما تعرّضت العلاقات بين الضفتين لهزّات عنيفة. يقصد الكاتب بالناظم الجغرافي تلك المدن والأماكن التي احتضنت التفاعلات التداخلية طوال عشرة قرون كاملة. وقد برزت أهمية هذا الناظم منذ المرحلة السابقة لظهور الإسلام، بينما نضجت أدوار المحاور الجغرافية التداخلية بعد الإسلام، حين تعدّدت ملتقيات العرب والفرس، فساهمت الجغرافيا بقوة في التّحولات الثقافية التي بلورها كلا الفاعلين: العرب والفرس. وأشار الباحث إلى التحوّل الذي أحدثه الإسلام في فلسفة المكان؛ إذ أصبح لهذا الأخير سلطة روحية عندما مزجه بالغيب، وتُشكِّل مشاعر الحجِّ في هذا السياق مثالً بارزًا؛ لذلك لم تكن الجغرافيا بأيّ حال من الأحوال عاملً محايدًا في تاريخ التداخل الثقافي العربي - الفارسي. أمّا الناظم الزمني، فيمتح أهميته من كونه الوعاء التاريخي للصيرورة التداخلية، إذ لاحظ الباحث أن الإسلام أعطى حياة العرب معاني زمنية جديدة، نقلتهم من حالة العبث إلى القصديّة عندما ربط بين العمل والوقت، وارتبط كلا الطرفين (العمل- الوقت) بالمسؤولية. إن هذا الفهم الجديد للزمن ساعد العرب على إنتاج ثقافتهم من داخل الزمن. وأثبت الباحث في الشق التطبيقي من دراسته أن أنشطة عملية التداخل الثقافي العربي - الفارسي كانت محكومة بقوّة النواظم الثلاثة: الدّيني والجغرافي والزّمني، فهي تنمو في الغالب تحت تأثير النواظم الثلاثة معًا، أو تحت تأثير ناظميَن على الأقل. وكمثال على ذلك، ذكر الكاتب الدور الحاسم والمبدع لأبناء بلاد فارس في خدمة الثقافة العربية الإسلامية وعلومها، وهي الخدمة التي أعطت التداخل بين الطرفين بُعد الوعي بالذات والعالم. وقد كان الحافز الناظم لهذا الموقف الفارسي هو الناظم الدّيني، ذلك أنهم رأوا في تأسيس علوم اللغة العربية عملً دينيًّا يخدمون به لغة القرآن، في حين تأخّر اهتمام النخب الفارسية بلغتهم أربعة قرون، كانت وعاءً زمنيًّا كافيًا احتضن تفاعلات ثقافية معقّدة أنتجت في النهاية لغة فارسية جديدة، سمّها الباحث «اللغة الفارسية التداخلية». ونلاحظ هنا بجلاء أهمية

الناظم الزّمني في تفعيل جانب مهم من التداخل الثقافي بين العرب والفرس. - استعرض الباحث جانبًا من النقاش المعاصر الذي تناول صيرورة التداخل الثقافي العربي - الفارسي، وذلك من خلال ثلاثة أسماء عربية وفارسية فاعلة: المفكّر العربي محمد عابد الجابري، والمفكّران الإيرانيان عبد الحسين زرين كوب ومرتضى مطهّري. وخلص في الختام إلى أن كلً من الجابري وزرين كوب دافع عن موقف سلبي من التداخل الثقافي العربي - الفارسي، في حين حاول مطهّري أن يكون وسطيًّا في موقفه. واستنتج الكاتب أن موقف المثقَّف المعاصر، سواءً في الضفة العربية أو في الضفة الفارسية من التداخل العربي - الفارسي، لم يتحرّر بعدُ من سلطة الأسطورة التاريخية ومن إكراه الأيديولوجيا، كما لم يستطع الطّرفان إلى اليوم بلورة موقف علمي موضوعي يقيم علاقتهما ببعضهما، وخاصة بعد الشّخ الذي تعرّضت له هذه العلاقة بعد عصر الخلفاء الراشدين في القرن الأول الهجري، وبعد دخول الاستعمار الغربي على الخط في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. - أثبت الباحث أن التداخل الثقافي العربي - الفارسي كان عملية واعية ومدركة؛ إذ ميّز معظم الفاعلين الفرس والعرب في هذا المسار بين انتمائهم إلى مشروع ثقافي تداخلي عالمي وانتمائهم إلى الخصوصية المحلية. وأظهر الكثير من النصوص نجاح هؤلاء في تفادي الاصطدام بين الخاصيتين الذاتية المحلية والعالمية التداخلية، بل أبدعوا أيمّا إبداع في استثمار قوة الأولى لأجل إغناء الثانية. وقد لاحظ الباحث أيضًا أنه كلمّا تحرّر المنتج التداخلي العربي - الفارسي من قيد التعصّب للخصوصية الذاتية عبّ بصدق عن المشترك التداخلي. - توصل الباحث أيضًا إلى أن التاريخ العربي الإسلامي لا يبُرز الشخصية الفارسية إلا في أدوارها السلبية الهدّامة، بينما لا يذكر كثيرًا هذه الشخصيّة عندما تكون مساهماتها إيجابية في البناء المعرفي والعلمي- وهو كثير ولافت للنظر- وهو ما رسّخ في العقل العربي صورة الفرس السلبية وأثرهم في الثقافة الإسلامية. وتُشكّل هذه النظرة السلبية أحد الدلائل التي يسوقها الخطاب القومي الإيراني المتطرِّف اليوم، ليؤكِّد تحيُّز العرب وعقوقهم للمرجعية الإسلامية، ونكرانهم خدمات الفرس وفضلهم على الحضارة العربية الإسلامية. - تعرّض مسار التداخل الثقافي العربي - الفارسي طوال القرون الأربعة الماضية لضربات قاسية، وكان التعصب الطائفي والأيديولوجي من أهمّ الوسائل التي استُخدمت في تقويض هذا المسار. ويُعتبر وصول الصفويين إلى سدّة الحكم في بلاد فارس لحظة حاسمة في هذا السياق؛ إذ يتحالف الاستبداد والتعصب العرقي والطائفي أول مرة في تاريخ فارس الإسلامي، لتبدأ عملية عزل البلاد عن فضائها الحضاري شيئًا فشيئًا، فتدفع رغبة الصفويين - ذوي الأصول التركية السنّية- في الحصول على مشروعية تاريخية ودينية لحُكمهم، إلى توظيف عنصرَي المذهب الشيعي الاثني عشري والقومية الفارسيّة في حرب عسكرية وثقافية ضد الخلافة العثمانية، التي لم يبرئها الباحث بدورها من انحرافاتها وأخطائها في هذا الإطار. في ختام الدراسة، أكد الباحث دور العرب والفرس المشترك طوال قرون طويلة في صناعة تداخلهم الثقافي، وكان تنوعهم الديني والعرقي عاملً محفِّزًا لهذا المسار. ومن هذا المنطلق دعا عموم النخبة في كلتا الضفتين، العربية والفارسية، إلى التحرّر ما أمكن من أغلال التاريخ المانعة للانجماع الحضاري العربي الفارسي؛ فباعتقاده أن من شبه المستحيل تصوُّر شخصية عالمية للعرب والفرس، اليوم وغدًا، من دون استئناف كلا الطّرفين مسارهما الحضاري التداخلي.