العودة إلى تفاصيل المؤلَّف العمارة والفنون تقرير عن ملتقى كتارا للفنون طاقة المكان مثيرةً إبداعيةً للفنان

العمارة والفنون تقرير عن ملتقى كتارا للفنون طاقة المكان مثيرةً إبداعيةً للفنان

Architecture and Arts: The Energy of the Place as a Creative Momentum for the Artist- Report on the Katara Arts Forum

علي عفيفي علي غازي

Aly Afify Aly Ghazi

الملخّص

نظمت المؤسسة العامة للحي الثقافي كتارا في دولة قطر، في الأول والثاني من نيسان/أبريل 2014 ملتقى كتارا للفنون » تحت عنوان «العمارة والفنون: طاقة المكان كمثير إبداعي للفنان »، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين من عدد من الدول العربية والأجنبية.

Abstract

The Cultural Village Foundation Katara in Doha organized a Katara Arts Forum from April 1-2, 2014 entitled "Architecture and Arts: The Energy of the Place as a Creative Momentum for the Artist" in collaboration with researchers and academics from a number of Arab states and international institutions.

الكلمات المفتاحية:
  • العمارة
  • فنون
  • طاقة المكان
  • الثقافة
Keywords:
  • Arts
  • Architecture

نظمت المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا» في دولة قطر، في الأول والثاني من نيسان/أبريل 2014 «ملتقى كتارا للفنون» تحت عنوان «العمارة والفنون: طاقة المكان كمثير إبداعي للفنان»، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين من عدد من الدول العربية والأجنبية. افتتح الدكتور خالد السليطى، المدير العام لمؤسسة «كتارا»، الملتقى موضحًا أنه سيناقش عددًا من المحاور، حيث سيقدم المشاركون أوراقًا بحثية تعرض عناوين مختلفة، مشيرًا إلى أن الرؤية الفنية الحسية ذات الأبعاد الثقافية تشارك بشكل مباشر في الانفتاح على الغير وفهم النقاط المشتركة التي تحقق الاستراتيجيا الساعية لجعل كتارا ملتقى للثقافات ووعاءً يصب فيه المثقفون منتوجاتهم الفكرية، وموردًا ينهل منه الباحثون. ويأتي ذلك ضمن مساعي المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا» في خدمة الثقافة بفروعها وتوجهاتها كافة، وحرصًا منها على التعريف بالأنشطة المختلفة التي من شأنها أن تساهم في إثراء الساحة الفنية القطرية. وأشار السليطي إلى سعي المؤسسة لتكون ملتقى ثقافيًا وإبداعيًا، وهذا ما يجعلها تولي اهتمامًا كبيرًا لهذه الملتقيات والندوات البحثية، التي تتناول موضوعات تصب في تطوير النظرة الفنية وتعميق الفهم بموضوعاتها، مؤكدًا أن الحي الثقافي هو حي الإلهام وملتقى الإبداع والفن. رحّب السليطي بالحضور، وأعرب عن سعادته بهذا الملتقى الذي يناقش مجموعة من الدراسات والأبحاث والرؤى العلمية الرصينة لثنائية المكان والتأثر، والتي تشكل إضافة علمية متميزة في فنون العمارة وخصائصها، وتجسد أصالة تراثنا الثقافي، وتبُرز مفهوم حضارتنا بجوانبها الفنية والمعمارية كافة، مؤكدًا أن تنظيم هذا الملتقى ينبع من اهتمام «كتارا» بالفنون العربية والإسلامية التي تعبّ عن تاريخنا المشرق. وأوضح أن استراتيجية «كتارا» تهدف إلى الاستثمار الثقافي والتعليمي بكل ما تحمله من جوانب جمالية أصيلة وقيم فنية مبتكرة، مبينًا أن الملتقى يسعى لفتح نوافذ مهمة في ميادين الإبداع الإنساني والحضاري، مثمِّنًا الجهود المبذولة التي من شأنها أن تثري الفكر الإنساني المبدع والخلاّق.

ملتقى الثقافات

تحدثت الدكتورة نادية المضاحكة، مديرة إدارة البحوث والدراسات بالمؤسسة العامة للحي الثقافي، في كلمة مماثلة عن أهمية الملتقى في احتفائه بالعمارة والفنون التي حظيت باهتمام الحضارة

الإسلامية. وأشارت إلى أن الملتقى يهدف إلى إبراز العمارة التي هي نتاج التفكير الإبداعي للعقل البشري كما ظهرت في صورة مجسَمّات فراغية تحمل من خلالها هوية الشعوب الثقافية. كما أنها أم الفنون والحيّز الثقافي في المجسَّم الذي يعيش فيه المجتمع، وهي البيئة التي ينمو فيها الإنسان بقيمه وتقاليده، ولها أسس ونسب تساعد على تأدية الوظيفة وتحقيق الغرض منها، وهي من أركان الحضارة الثقافية الكبرى، وتدفع الفنان المعماري إلى الخيال والإبداع. أضافت المضاحكة أن مؤسسة الحي الثقافي «كتارا» تنفذ الرؤية الوطنية لدولة قطر 2030 ضمن استراتيجيا خاصة بالتقارب الثقافي والتراثي، وتقدمت من كل من ساهم بالبحوث بالشكر والتقدير، لما في تلك البحوث من سعي إلى تعميق الإحساس بالجمال، وتأصيل التراث المعماري ليثير خيال الفنان ويدفعه نحو مزيد من الإبداع. وأعربت عن أملها في أن يشكل الملتقى رافدًا مهمًّ من أجل إثراء الحياة الثقافية والفنية محليًا وعربيًا.

الفن الغربي

أدار المهندس محمد الخليفي الجلسة العلمية الأولى لأعمال الملتقى التي تناولت محورًا يتحدث عن «حضور المكان في فنون الشرق والغرب». في هذا المحور، ناقش الدكتور مصطفى الرزاز، أستاذ التصميم بكلية التربية الفنية جامعة حلوان - مصر، ومستشار الفنون بمكتبة الإسكندرية، «التعبير عن المكان في الفن الغربي»، متناولً علاقة الفنان بالمكان فى حقبة مديدة من تاريخ الفن الغربي من خلال ملخص تاريخي لتلك العلاقة وتطورها منذ العصر الحجري القديم، مرورًا بحضارات كريت واليونان والرومانيسك والقوطي، حيث تطور التعبير عن المكان من الاصطلاحي إلى الرمزي إلى المنظوري. ثم عرض الرزاز فنون الحداثة، وموقف ومنهج رواد مختارين منها في التعبير عن طاقة المكان، واستلهام أماكن مغايرة لتلك التي نشأوا فيها وألفوها، والتحولات الأسلوبية التي وصلت إلى نزعة اختزالية مفرطة. ووقف بعد ذلك عند المحطة الأخيرة، مناقشًا الفن المعاصر من خلال تجليات فنون ما بعد الحداثة، مقدمًا أمثلة متميزة دالة على حميمية فن ما بعد الحداثة، وخصوصًا الفن البيئي. وأصبحت الأمكنة هي الملهم، وهي العمل الفني من دون إيهام أو تصورات ذهنية مترجمة بخامات التصوير والنحت، وأصبح موقع المشاهد من هذه الأعمال الفنية كالعودة إلى جذوره الأولى، يعيش فيها ويشارك في أدائها أحيانًا.

العمارة الإسلامية

قدّم الدكتور محمد بن حمودة، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس؛ ورقة بحثية بعنوان «المدينة ومزلق اختزال الحضارة إلى التمدين»، تحدث فيها عن التوتر الثقافي والحضاري، موضحًا أن وضع الشتات الذي نعيشه ناتج من عدم تمييزنا بين العمارة والعمران، وبالتالي نشأ ما يُسمّى «حرب الحضارات»؛ لأن الفضاء لم يرق إلى مستوى العلاقات الميدانية.  وبيّ حمودة أن الفكر المعاصر فكر تركيبي، وأن مجال الخبرة الحسية آخذ في التراجع لمصلحة العمارة، وأشار إلى أنه لا بد من التركيب والتفكر من خلال إنجاز لوحة قيم تحاول أن تسترد خياراتنا المعمارية القديمة من دون استنساخها. وأوضح أن التراث قابل للاستلهام لا للاستنساخ، وأبرز أن الحادث الكبير الذي هز الإنسان منذ ظهوره هو المدينة الحداثية، أي المدينة التي قطعت روابطها مع الثقافة واستهلت السياق الحضاري، وأن على هذا الأساس تمّ تحويل العمارة إلى فن العمارة. ودعا إلى لفت النظر إلى النشاز بين الحضارة والعمران، وإلى أن الشعوب التي دخلت الإسلام حافظت من خلال العمارة الإسلامية على قدرتها على تحويل رسالة الإسلام إلى نازع داخلي وباطني، ولا سيما أن العمارة لم تكن تهدف

إلى شطب فكرة الإقليم؛ فالدولة من أجل تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها لا يمكن لها أن تمتنع عن التصرف كفاعل ثقافي، أو فاعل تمدين للمجتمعات، لكن هذا التمدين يحمل تداعيات سلبية شتى، وتبدو التعاملات البشرية في الكثير من القطاعات محكومة بحسابات المنفعة والاستغلال الفردي بدلً من المصلحة العامة والتبادل، خلافًا للمجتمع المحلي الذي يتمثل فيه التعايش المجرد بين أناس مستقلين بعضهم عن بعض، ويتميز بعدم الثقة والمعارضة والمنافسة والاستقلالية، مميزًا بين الاستعادة والاستلام من دون استنساخ. وأحال حمودة في هذا الصدد إلى فنانين فكروا في المتمحور المحلي حول الجامع، مثل محمد شبعة الذي وقف عند جدلية الفني والثقافي، لافتًا في الآن ذاته إلى الانتباه كي لا يصبح المكسب سطوة، مفرقًا بين المجتمع وما يراعيه من أسبقية قيم التضامن على القيم العملية. وقد أشار إلى أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر بدأ الانتباه إلى القطيعة الحاصلة بين العمارة والعمران، وانخرطت الثقافة الإسلامية في علاقة تراشح مع العمارة باعتبار أن المراهنة التاريخية للعمارة الإسلامية على التعبير الكلي بمفردات المحلي تتلاءم كليًا مع رفض الفن المعاصر اختزال الحضارة إلى التمدين. وأبرز حمودة أن أهم استنتاج يمكن استخلاصه هو أن العمارة الإسلامية معنية بالعمران أكثر ممّا هي معنية بالإبهار الفني.

مرايا الجسد

عرض الدكتور فريد الزاهي، الأستاذ بالمعهد الجامعي للبحث العلمي بالرباط - المغرب، بحثا بعنوان «الجسد فضاء الفضاءات: الإبداع الفني العربي في مرايا الجسد»، أوضح فيه سبب اعتبار الجسد فضاء الفضاءات، إذ قال إن الفرضية تنطلق من أن الجسد الذي يحملنا ونحمله ليس وعاءً فحسب، بل هو أيضًا أصل إدراكنا، وأصل الأصول وأشبه بالمرآة التي تنعكس فيها ممارساتنا وتواصلنا اليومي. وأكد الزاهي أن الجسد هو المجال الأكبر والأصل في تصوير المكان وتطويره. وتساءل لماذا لايزال الجسد موضوعًا هامشيًا في الوطن العربي، وأرجع السبب لا إلى قلة الدراسات بشأن هذا الموضوع وإنما إلى الفقر المعرفي، مبيّنًا أن الدراسات والبحوث أخذت طابعًا أدبيًا أو صحافيًا وصفيا. وأشار إلى أن الجسد ليس للتداول الصحافي أو الأدبي وإنما هو مصدر الإبداع، ولا يمكن أن نتعامل معه بشكل موضوعي لأنه أصل العمل الفني. وقد انطلق الزاهي من مقولة اسبينوزا القائلة: «نحن لا نعرف ما يستطيعه الجسد ولا ما يمكننا أن نستنبطه، فقط، من تأمل طبيعته». انطلاقًا من بعض التجارب العربية المعاصرة، تطرق الزاهي إلى بعض المحاور التي اعتبرها مفاصل تمكّن من تكريس الجسد من حيث هو فضاء متعدد ومنتج للفضائي وواقع بين سؤال الوجود وسؤال المعنى، وبين الجسد الاستشراقي والجسد الشرقي، والجسد الرمزي والجسد المكتمل، وآفاق الحروفية والذات ومعضلة الهوية البصرية، والجسد منتجًا للفضاء السياقي. هذه السيرورة تهدف نظريًا إلى التدليل على أن موقع الجسد في الفن العربي المعاصر موقع مركزي، لا من حيث كونه فضاء من ضمن الفضاءات الممكنة، وإنما من حيث كونه الفضاء بامتياز، أي ذلك الفضاء المتحول المشحون بتعددية الدلالات البرية التي تمكّن العمل الفني من الإمساك بتعدد أبعاد الواقع، ومنح طابع جديد يعيد تأويل الزمن والفضاء معًا.

الإبداع المعماري

خلال الجلسة الثانية التي أدارتها الدكتورة فاطمة محمد السويدي، وجرى فيها تناول محور «العمارة مصدر ملهم للإبداع»، قدمت الدكتورة دليلة

الكرداني، أستاذة العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة جامعة القاهرة - مصر، ورقة بحثية بعنوان «الواحات البحرية مصدر تعليمي للإبداع المعماري». في البداية، تعرضت الباحثة لتعريف مختصر لطبيعة الواحات البحرية، ومكوناتها الأساسية الجغرافية والتاريخية والسكانية والعمرانية الحالية، ثم قامت بتحديد مكونات الإبداع المعماري من وجهة نظر البحث، مع افتراض أن التراث، سواء أكان التراث الثقافي أم التراث الطبيعي، هو مصدر مهم للإلهام والتجريب، وبالتالي الإبداع الفني عمومًا، والمعماري خاصة. ثم تناولت تجربة شخصية لها في إجراء ورش عمل متكررة للتصميم المعماري والعمراني في منطقة الواحات البحرية، الواقعة على بعد 400 كم جنوب مدينة الجيزة، وكيف أن الخروج عن البيئة المعتادة للطلاب يعمل على شحذ الملكات الإبداعية الفردية والجماعية، كما أن تكرار التجربة بأهداف مختلفة ومستويات متفاوتة من مجموعات الطلاب يؤدي إلى تراكم المعلومات وصقلها وبلورتها، بهدف تنمية المجتمعات المحلية والنائية وربطها بمخططات التنمية الشاملة للقطر ككل، في ضوء الخبرات المكتسبة والمعوقات المتوقعة.

الفضاء المعماري

تناول الدكتور علي عبد الظاهر ثويني، مهندس معماري من استكهولم - السويد، «مسرح المكان في الفضاء العمراني والمعماري»، موضحًا أن المكان هو الأرض التي حفر عليها الإنسان وجوده، وهو الجغرافيا والبيئة وكل ما يحيطنا ويتعايش معنا، وهو الحيّز المحتوي على صيغ من الأشكال تلُي أعرافًا وتوجهات فكرية ومشاعر حسية، وهو المؤثر في النفوس، وهو الذي يستطيع توصيل كل تلك الأحاسيس ويُملي على اللاوعي الإنساني نظامه وسيرورته، والانتماء إلى المكان يأتي لفعل الذات المتوارثة، والوطن بذلك مكون ثلاثي التركيب، أضلاعه الإنسان والمكان والزمان. وقد صاغ الإنسان زمانه في المكان، وشكل مكانه في الزمان، وبالتالي فإن الزمان والمكان يتدخلان في تربيته ومزاجه، وحتى سحنته، ويرسمان خصوصيته الثقافية. والمكان المثالي هو ما يحقق للإنسان ما يحتاج إليه من حماية وسهولة حركة وسمات جمالية، وهذا ما سعى إليه العمران والعمارة معًا، من أجل فهم طبيعة تفاعل الإنسان مع المكان وسلوكه فيه، وكيفية إدراكه للأشياء المحيطة به، بما يضفي بُعدًا على وظيفة المكان الخاص بالإنسان. وأمست علاقة المكان بالإنسان جدلية وتكتنفها هواجس تتسم بالحميمية، حتى أمسى الإنسان بلا مكان والمكان بلا إنسان أمرًا عبثيًا يخلو من اللبابة. والعمارة والعمران يرسمان ملامح حقب الإنسان، فاقتران المكان بالزمان يشكِّل البُعد الرابع المكمل لأبعاد المكان الثلاثة، وهما المؤسسان لمفاهيم فكرية مجردة، والعمارة جزء من العمران المنتمي إلى المكان، وهو المسرح الطبيعي للبيئة، فعلاقة المعمار بالبيئة التي ولد ونشأ فيها تؤثر في اتجاهه المعماري، وفي تفضيله اتجاهًا ومنحى وطرازًا ولونًا دون آخر؛ فالمعمار الذي لا ينطلق من شروط المكان والبيئة والحضارية التي ينتمي إليها يسيء إلى المكان أو يعبث به، أو يزعزع أساساته الثقافية والمعرفية، وينزع عنه هويته.

الحقيقة والخيال

تحدث الأستاذ محمد همام فكري، خبير أول بالتراث في مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، عن «مدينة الزبارة: الحقيقة والخيال»، مستعرضًا ملامح مدينة الزبارة المندثرة التي أدت دورًا مهمً في تاريخ قطر والخليج العربي، الأمر الذي أهّلها لأن تدرجها اليونسكو في حزيران/ يونيو 2013 موقعًا تراثيًا عالميًا ضمن التراث

الإنساني العالمي. وألقى فكري الضوء على موقعها ونشأتها ونموها، وأهم الأحداث التي مرت بها، مقدمًا سردًا تاريخيًا لتاريخها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، من خلال المصادر المحلية والأحنبية التي أوردت خبرها، ووقف مليًا عند تجربة الفنان أحمد يوسف ووقفاته الفنية مع هذه المدينة التاريخية الأثرية، متناولً تجربته في استحضار المشهد التاريخي للمدينة والتعبير عنه، متلمسًا مفردات تراث بيئته ومستعرضًا تلك اللوحة التي تحولت إلى لوحة بانورامية ضخمة تتصدر إحدى صالات العرض في متحف السلاح بالدوحة، فنجح بذلك في أن يقدم لنا مدينة عربية ساحلية شبه نموذجية، مستفيدًا من مشاهداته اليومية والحياتية، وتنوع مشاهداته في البلدان التي زارها، في لوحة بانورامية ضخمة، جسرت الهوة بين الحقيقة والخيال. وبهذا يكون قد نجح في الربط بين البُعد التاريخي والبُعد الأثري والبُعد الفني من خلال منهج تحليلي.

عمارة المآذن

شهد اليوم الثاني للندوة جلستين أيضًا، تناولت إحداهما، وهي الجلسة الثالثة التي أدارها وكيل وزارة الثقافة القطرية محمد سعيد البلوشي، محور «التصور المكاني بين ثقافة الصورة وثقافة العلامة». في هذه الجلسة، رصد الدكتور إبراهيم إسماعيل، الخبير الثقافي في وزارة الثقافة والفنون والتراث، مراحل التطور التاريخي للمآذن، ووقف على أسس التصميم التي اعتمدها المعماري المسلم في تشييد المآذن، ثم القيم الجمالية للمآذن وارتباطها بالمكان، مستخدمًا منهج المقارنة بين تصميمات المآذن والقيم الجمالية فيها، ليصل في النهاية إلى نتائج ذات أهمية تتمثّل في خلو مساجد الإسلام الأولى من المآذن على الرغم من الحاجة إليها، حيث كان المؤذّنون يرتقون البيوت المرتفعة المجاورة للمساجد من أجل رفع الأذان. وقد استوحى المعماري المسلم في شأن تصميم المآذن أفكارًا من الديانات والحضارات السابقة على الإسلام، لكنه أضاف إليها من إبداعاته ما ينسجم مع جوهر دينه. كما روعي في تصميم المآذن أن تشكل مع بقية أجزاء المسجد، كالأسقف والقباب، مشاهد معبّة عن روح المسلم المتعلقة دائمً بالسماء والسمو الروحي، مشيرًا إلى تحقق غزارة في القيم الجمالية للمآذن ناتجة من تنوع وتعدد العناصر الزخرفية والمواد الخام التي تتشكل منها ومن أفكار وإبداعات المعماري المسلم. كما أن القيم الجمالية في تشييد المآذن لم تنفصل عن الهدف الروحي بل عززت من ارتباط الإنسان بالمسجد وحبه له، كما خلص إلى وجود بعض الاختلافات في القيم الجمالية بين إقليم وآخر تبعًا لمذهب الإقليم.

العمارة التقليدية

قدم الأستاذ حسن علي الأنصاري، الباحث في التراث بدولة قطر، ورقة بحثية مميزة عن «العمارة التقليدية في قطر بين الماضي والحاضر»، موضحًا أن العمارة التقليدية القطرية هي جزء من العمارة الإسلامية، ومنها استمدت جمالياتها وتصاميمها، ومزجت بين أكثر من طابع معماري، متأثرة بالحضارات والثقافات القريبة والبعيدة التي لها اتصال وتواصل مع أهل قطر. ونجد أثر ذلك في نمط العمارة التقليدية في دولة قطر؛ إذ أخذت بالطابع التقليدي المحلي الذي يلبي حاجات الإنسان القطري، وأدت البيئة وعناصرها الأولية دورًا ملحوظًا في تحديد شكل العمارة التقليدية ووظائفها بما يتلاءم والحاجة. وقسّم الأنصاري العمارة التقليدية إلى عدد من الأشكال المعمارية مثل: المساكن وتشمل البيوت والقصور، والقلاع والأبراج، والأسواق والمساجد. موضحًا أن لكل مبنى من هذه المباني طبيعته واستخداماته التي من أجلها تم بناؤها، إذ إن العمارة التقليدية فاعلة،

ولكن أغلبها اندثر بحكم هجر أصحاب هذه البيوت لها أو انتهاء الدور الذي كانت تقوم به سابقًا، وعدم تمكن مواد البناء من الصمود، ولكن بعضها بقي مستمرًا وتم ترميمه وأعيد استخدامه، مثل متحف قطر الوطني وقلعة الكوت وبرج برزان، وهي بقايا العمارة التقليدية القطرية قبل الطفرة الاقتصادية.

إعادة المكان

انفرد الأستاذ محمد علي عبد الله، خبير الترميم في المكتب الهندسي الخاص بدولة قطر، بموضوع مميز عن «سوق واقف وإعادة خلق المكان والذاكرة»، مستعرضًا بناء منطقة سوق واقف في قلب الدوحة منذ قرنين من الزمان، حيث توسعت السوق في وسط المدينة، وترك القاطنون بيوتهم لتتحول إلى محلات ودكاكين بسبب تزايد السكان وازدياد الطلب على التجارة الخارجية. وحافظت السوق على شكلها ومخططها منذ تأسيسها، ولم تتغير طرقاتها وأماكن الساحات فيها، وتوارث التجار تلك المساحات والتجارات القائمة فيها، وحافظوا على تجارتها واختصاصاتهم المهنية، وتتبعوا التطور الذي طرأ على المكان من دون المساس بالبنية الأصلية للسوق. واخيرًا سرد عبد الله كيفية إعادة الأصالة إلى المكان من خلال الترميم وإعادة التأهيل.

الفن الإسلامي

في الجلسة الرابعة والأخيرة التي أدارها الدكتور عبد الله محمد السليطي، جرى تناول محور «التعبير عن المكان وتنمية الوعي بجمالياته»، حيث قدمت الدكتورة سرية صدقي، أستاذة المناهج وطرق تدريس التربية الفنية بكلية التربية الفنية بجامعة حلوان - مصر، «المنظور المنظومي لمفهوم المكان في الثقافة والفن الإسلامي»، فأوضحت أن النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين شهد جيلً جديدًا من دراسات الحضارة والثقافة والفن الإسلامي واكب النشاط الدؤوب لعقد مؤتمر العالم الإسلامي في مدينة لندن لتلك العناصر المهمة في حضارة الإسلام: ماضيًا وحاضرًا ومستقبلً. وشاركت مجموعة من الباحثين في مراجعة الدراسات السابقة التي اتسمت بالتقليدية الممزوجة بقدر من التعصب أحيانًا، والاعتماد على المعايير الغربية للثقافة والفن، فجاءت بعض نتائجهم معزولة بدرجة كبيرة عن المحتوى الثقافي والبيئي من ناحية، وعن المدخلات الحيوية للحضارة الإسلامية والمتعلقة بالجوانب الروحية التي تستند إلى المصحف الشريف والحديث والشريعة والاجتهاد من ناحية أخرى، وكذلك إلى المساهمات الثقافية والعلمية والفنية للمسلمين من مختلف الجنسيات والثقافات. وتناولت الدراسة دور المكان في الفن الإسلامي، ومعايير غربية ركزت على البُعد المادي والشكلي من خلال تحليل المساحات والأشكال والعناصر والعلاقات التكوينية بمعزل عن العوامل المحركة لهذه الثقافة وتلك الفنون، الاجتماعي والروحي منها، ومن ثم نُسب إلى تلك الفنون عجزها عن فهم قوانين المنظور الأكاديمي والنسب والتشريحية وقواعد الظل والنور، ومن ثم ذهب البعض إلى أن الفن الإسلامي فن بدائي زخرفي وتجميلي ويفتقر إلى الطاقة التعبيرية والعمق الفلسفي.

المقرنصات الإسلامية

تناولت الدكتورة نادية عبد الرحمن المضاحكة موضوع «الاتجاهات الفكرية والجمالية للمقرنصات في العمارة الإسلامية»، لتعطي بذلك مجالً جديدًا للبحث وتنمية الرغبة المستمرة في التجديد والتجربة والممارسة والابتكار، حيث إن هذه المنطلقات تعطي أبعادًا جديدة للبحث في مجال العمارة الإسلامية عامة والمقرنصات خاصة، انطلاقًا من أن العمارة هي إحدى نتائج التفكير الإبداعي للعقل البشري، وقد ظهرت في صورة مجسمات فراغية تحمل من خلالها هوية الشعوب

الثقافية لما تحويه من أنواع الفنون المختلفة، التي تعبّ عن عادات المجتمع وتقاليده، وتعتبر العمارة أم الفنون والحيّز الثقافي المجسم الذي يعيش فيه المجتمع، وهي البيئة التي ينمو فيها الإنسان بقيمه وتقاليده، ولها أسس ونسب تساعد على تأدية الوظيفة والغرض منها. وتقوم العمارة بدور بين الوظيفة والجمال، حيث تحدد الوظيفة نوعية الشكل، وذلك من خلال التناظر الوظيفي بين الشكل والوظيفة على المستوى الوجداني، ولا يمكن إثارة الوجدان من دون اللمسة الجمالية، فالعمل المعماري هو بمنزلة وحدة واحدة لابد أن تتكامل فيها العوامل الثلاثة التالية: الوظيفة والتعبير والجمال. وبالتالي، تعرض البحث لمنطلقات القيم الجمالية والعمارة الإسلامية والمقرنصات، لأن هذه المنطلقات تعطي أبعادًا جديدة للبحث في مجال العمارة الإسلامية عامة، والمقرنصات خاصة.

الأسبلة المصرية

اختُتمت الندوة بورقة بحثية للدكتور أيمن نبيه سعد الله، أستاذ المناهج وطرق تدريس التربية الفنية بكلية التربية الفنية جامعة حلوان - مصر، موضوعها «العمارة الإسلامية التراثية والأسبلة المصرية». أشار سعد الله إلى أن العمارة أُمّ الفنون، وهي من أهم أركان الحضارة الثقافية الكبرى، وفن غير تعبيري أو غير تصويري، بمعنى أننا لا نستطيع أن نميز في العمارة بين الموضوع والتعبير عنه؛ فالجمال المعماري صفة وجدانية ناتجة من التأثير بالشكل في الشعور بالرضا النابع من توافق الشكل والقوى العاملة على تكوينه. وعندما يقوم المعماري بتشكيل أي مبنى، فإنه يضع نفسه ضمن هذه القوى، فإذا احترم القوانين الأزلية كان للشكل نفس القيمة الجمالية في الأشكال الطبيعية، وقد وصل إلى قمة الحكمة، ويكون لعمله أعلى صفات الجمال، لا من الناحية الوجدانية فحسب، بل من الناحيتين الأخلاقية والروحانية أيضًا. وأبرز دليل على ارتباط وظيفة العمارة بالمضمون هو العمارة الإسلامية التي تتميز بالوحدة، وكل التفصيلات الخاصة بالأشكال تشكيليًا وتقنيًا، فالعمارة الإسلامية لها طابعها المميز وشخصيتها الفريدة التي لا يمكن للعين أن تخطئها، سواء أكان ذلك في التصميم العام للمبنى وعناصره المعمارية أم في زخارفه المميزة. من هنا وجد الباحث الأسبلة منشآت معمارية كان لها دور مهم في المجتمع المصري، سواء من الناحية الدينية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية. ونشأت عمارة السبيل منذ أن فكر الخيّون من الناس في توفير المياه اللازمة الصالحة للشرب بصفة دائمة لعابري السبيل من المواطنين في الأحياء والطرقات. ومن خلال منطلقات العمارة الإسلامية في الأسبلة المصرية، وجد الباحث مداخل ونماذج جديدة لأعمال معمارية بالغة الروعة والإتقان لتنمية الرغبة المستمرة في البحث والتجريب والممارسة والوظيفة والمضمون، للوصول إلى أعمال لها دلالات وظيفية وشكلية ورمزية. نختم بالقول إن «كتارا» أصدرت كتابًا عن موضوع الملتقى ضمّنته البحوث التي ناقشها ليسلط الضوء على فضاءات الإبداع والخيال، وما يتجلى فيهما من تشكيلات فنية ومكونات بصرية، لا تزال تتوالد وتتكاثر وتتسع لتشمل جوانب مختلفة من مجالات الفنون والمعرفة والعلوم الإنسانية؛ ففن العمارة يُعَدّ من أبرز الفنون التي تزدهر في أي حضارة إنسانية، ذلك أن ما من حضارة ظهرت على وجه الأرض إلا وتميزت بطابعها ونمطها المعماري الذي تختص به عن الحضارات الأخرى، والعمارة الإسلامية تفردت بطرازها الفني والهندسي والجمالي، وتجلّت إبداعات المعماري المسلم وقدراته الفنية المذهلة في عمارة وتشييد المساجد والمستشفيات والمكتبات والقلاع، محققا بذلك نهضة وحضارة لا تزال تزهو بخصائصها الفريدة والمميزة حتى الآن.