الخطاب السياسي: من الممكن إلى الفعل - مقاربة سيميائية
Political Speech, from Possibility to Action: a Semiotic Approach
الملخّص
* أستاذ السميائيات في جامعة شعيب الدكالي - المغرب. ** تتعلق هذه المقاربة السيميائية بالنموذج المتمثّل في الإعلان الذي أصدره المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر سنة 1988 بعنوان: إعلانقيام دولة فلسطين.
Abstract
This study considers the Algiers Declaration (1988), which provided a basis for the establishment of the State of Palestine, highlighting its enfranchising character as political oration. In addition to the lexical and structural ingredients typically discussed by classical studies, this type of political discourse is subject to the problematic of international relations and the realm of power. It creates a space for the interaction of selves (Palestinian and, or with, others) and intentions (strategies advocating liberation).The Algiers Declaration is unique for its distinctive oratory, produced in defense of the solid and eternal connection of human beings to land, as well as the legitimacy of building a homeland for the present generation and struggling generations to come. A specific strategy is followed, in the articulation of the declaration, to establish the thesis and persuade the recipient to adopt the perspective embodied in Palestinian and international public opinion. The declaration deploys history, creative imagination, utopian vision, ideology, symbolic edifices and other mechanisms to sustain a continuity of struggle, with rhetorical gears meshing and urging action towards liberation and emancipation. The author invests the devices of rhetorical semiotics to analyze the key components of the speech’s structure and organization, as well as the techniques used to convey the vision and convince the recipient of intentions that transcend the structural bounds of the oration.
- الخطاب السياسي
- السيميائيات
- المعجم
- اللغة
- Political Discourse
- Semiotics
- Dictionary
- Language
دأبت الدراسات السوسيولوجية على تحليل الخطاب السياسي من خلال الحقول المعجمية والكلمات والوحدات المعجمية وفق إريك لاندوسكي، غير أن اهتمامها لم يأخذ بعين الاعتبار مسألة الاشتغال الشمولي للخطاب. لذلك فإن السيميائيات، في سياق اهتمامها بالخطاب السياسي، ستولي أهمية للمكونات الرئيسية)المعجم، التركيب، اللغة …)، إلى جانب عنصر ﺁخر هو تحليل إشكالية العلاقات والاستراتيجيات داخل حقل السلطة. تفترض دراسة الخطاب السياسي من هذا المنظور الوقوف عند الذوات الفاعلة داخل الخطاب، ومنها: الذوات التي لها سلطة إنتاج الخطاب؛ الأفعال التي تحدد مجموعة من الواجبات (واجب الفعل) تُلزم بها الذوات الأخرى؛ السياسي الذي يساهم في تشكيل أفق انتظار لدى الذوات المتلقية. من هذا المنظور، لا يمكن الاكتفاء بالتصور الذي ينظر إلى الخطاب السياسي بصفته مجموعة من الإرساليات فحسب، بل بصفة أنه يمثل فضاء للتفاعل بين الذوات الفردية والجماعية أيضًا.
هوية الخطاب
يُعَدّ إعلان الجزائر (15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1988) الذي يؤسس لاستقلال دولة فلسطين خطابًا سياسيًا لأنه يتوفر على المقومات الخطابية التي تجعله يندرج داخل هذا السجل: - يتميز الخطاب بوجود متلفظ ينتج الخطاب، ويتمظهر من خلال ترهينات متعددة، حيث يستثمر صيغة ضمير الغائب وضمير المتكلم وفق استراتيجيا تُولد مقاطع الخطاب، وتحدد الوظائف التي يروم تحقيقها في علاقته بالمتلقي.
- يُشيد الخطاب على مدى المقاطع المكونة له عاملً جماعيًا (الشعب الفلسطيني) يتخذ تفريعات متعددة ومتغايرة بحسب استراتيجية الخطاب. ينمو فعل هذا العامل داخل فضاء مكاني وزماني، ويعقد صلات بهذه المرجعية الزمانية والمكانية. - يتوق هذا العامل إلى إنجاز فعل (الاستقلال وإنهاء الاحتلال) يحوِّل من خلاله حالة الاستعمار إلى حالة التحرر. - يحدد الخطاب لنفسه وفق هذه المكونات موقعًا داخل حقل السلطة السياسية، ويسعى إلى إنجاز أفعال تحوّل العلاقات مع المستعمر والعلاقات داخل الأرض.
إضاءة منهجية
سنحلل هذا المتن في ضوء سيميائيات الخطاب. يتضمن إعلان الجزائر، بصفته خطابًا سياسيًا، دلالة سياسية صريحة تحددها مقصدية الباث، وهي الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال. غير أن الخطاب يتوسل، بغية بلوغ هذه المقاصد، بالمكونات الفنية الممثَّلة في اللغة والتركيب وأبعاد الزمن والمكان والبعد المعرفي والنصوص الغائبة وآليات الإقناع والمتخيل والأيديولوجيا والمنظومة القيمية. لذلك سنتطرق إلى المفاهيم الإجرائية التي تصف كيفية بلورة هذه الدلالة من خلال تواشج هذه المكونات واشتغالها. يستند تحليل الخطاب إلى إجراء منهجي اقترحته السيميائيات السردية في تحليلاتها للخطاب السردي في المتن الفولكلوري والأسطوري والقصصي، وهو إجراء التقطيع. ويقضي بتفكيك النص إلى مقاطع وفق عنصر مهيمن داخل كل مقطع. ونحن ارتأينا أن ننظر إلى الخطاب وفق هذه المنهجية، لأن المتلفظ يسلك استراتيجيا محددة في تنظيم الخطاب؛ إنه يشيده وفق مقاطع يتميز كلٌّ منها بتشاكلدلالي. نستعمل مفهوم التشاكل هنا بدلالته الاصطلاحية السيميائية، وهي التوارد المتكرر لوحدات معجمية متشابهة يمكن أن تحقق دلالة منسجمة، على أن تشاكلات مقاطع الخطاب تتعالق لصوغ تشاكل عام وموحَّد. وسنبرز على مستوى التحليل مكونات التنظيم الخطابي وكيفية اشتغال هذه المكونات لبلورة الدلالة.
معمارية الخطاب
المقطع الأول: الإنسان والأرض، علائق الاتصال والانفصال
سنشرع من منظور هذا الاختيار المنهجي في تحليل المكونات على مستوى كل مقطع من المقاطع بدءًا بالمقطع الأول الذي يبدأ من «على أرض الرسالات السماوية إلى البشر...»، وينتهي إلى «ولقد كانت ثورات شعبنا المتلاحقة تجسيدًا بطوليًا لإرادة الاستقلال الوطني».
(((التشاكل هو التوارد الحشوي لنفس الوحدات المعجمية أو الوحدات المتقاربة بهدف تحقيق دلالة موحدة. انظر:
عوامل التلفظ
يستهل المتلفظ الخطاب بترهين تلفظي مجرد؛ فالملفوظ الأول «على أرض الرسالات السماوية إلى البشر..» لا يشتمل على معينات يمكن أن تحدد منظور المتلفظ، سواء أتعلّق الأمر بالمعينات الشخصية مثل ضمير المتكلم «أنا» أم بالمعينات غير الشخصية. يظهر الملفوظ كما أنه يسُرد لوحده من دون التزام ذات معينة في السرد، لذلك يمكن الحديث عن متلفظ ضمني، وعن ملفوظ وصفي يعتمد عناصر مكانية لوصف حادث وقع في الماضي. يدمج الخطاب السياسي، عامة، على مستوى التلفظ، الحضور الفعلي للمتلفظ الذي يُعَدّ خاصية شكلية تلفظية يمكن أن تحيل دلاليًا إلى مقوم الالتزام الذي يُعتبر خاصية أساسية في الخطاب السياسي، وهو التزام المتلفظ بالقضية أو بالأطروحة. غير أن الاختيار التلفظي في هذا الخطاب هو محو تلك المعينات التي يمكن أن ترسخ تذويت ترهين التلفظ، أي إسقاط البُعد الذاتي في الخطاب. إن استراتيجية الخطاب في المقطع الأولتكمن في تغييب التذويت الفردي وتأكيد الذات الجماعية. - تغييب التذويت/ تأكيد الذات الجماعية تمثّل هذه العناصر مظاهر من استراتيجية تنظيم الخطاب، وتهدف منذ المقطع الاستهلالي إلى تشييد أثر «الموضوعية» على مستوى الخطاب. ويرمي هذا الأثر، على مستوى البعد التداولي، إلى إقناع المتلقي بالخطاب وبالتشاكل الدلالي الذي يحايثه.
زمنية الخطاب
يتميز الخطاب من خلال هذا المقطع الأول بملفوظ يمثّل مركز جذبعامًا؛ إنه نواة الخطاب التي تتفرع عنها العناصر الأخرى بحسب النظرية الكارثية: « على أرض الرسالات السماوية إلى البشر »، يحيل الملفوظ إلى فضاء كان موئلً للرسالات، لذلك فإنه يدل زمنيًا على مقولة الماضي السحيق، وهو مقوم زمني ثقافي بالمفهوم الأنثروبولوجي: الرسالات السماوية إلى البشر: ← الأديان بمبادئها العقدية والتشريعية. تحيل هذه الوحدات على الأرض/ الذخيرة: إنها موئل العقائد ودستور الفعل البشري. - الأرض/ الذخيرة: البُعد الروحي/ الزمني.
جعل الخطاب فضاء
يقدم الملفوظ مكون الأرض في بداية الخطاب بصيغة عامة أولً، غير أن الخطاب يضيف، عن طريق آلية التراكم، الوحدات المعجمية التي تحقق التخصيص:
- «على أرض الرسالات السماوية إلى البشر» - «على أرض فلسطين» يخصص اسم العلم: فلسطين، أرض الرسالات السماوية؛ ذلك أن الملفوظ يقيم تطابقًا تامًا بين الرسالات السماوية وأرض فلسطين. لذلك، فإن الفضاء الرئيسي الذي سيميز الخطاب هو أرض فلسطين. يحيل اسم العلم انطلاقًا من دلالة القِدم في بُعدها العقدي والتشريعي، إلى فضاء يرتقي إلى مقولة مكانية محددة: الفضاء المقدس.
البعد القيمي للفضاء
إن ربط الفضاء: فلسطين، داخل الخطاب بالرسالات السماوية من خلال علاقة تركيبية التحامية «أرض الرسالات السماوية»، يجعل الفضاء قابلً لأن يستثمر دلاليًا بصفته فضاء تجاور وتعايش في مقابل الانفصال واستحالة التعايش. التجاور والتعايش/ الانفصال / استحالة التعايش
البنية العاملية: تشييد العامل الجماعي
بعد أن حدد الخطاب البُعد الزمني والفضاء والقيم التي تتمفصل إليها هذه المقولة، سيشير إلى عنصر آخر من ثوابت الخطاب هو عنصر الذات. لذلك/ فبناء على مقومات العناصر السابقة: داخل الفضاء المقدس، المتجذر في الزمن السحيق، «على أرض الرسالات السماوية ولد الشعب العربي الفلسطيني»، تظهر ذات فاعلة: الشعب العربي الفلسطيني. لا تتميز هذه الذات حين تدرج داخل الخطاب بالتفريد الذي يسمها بخاصية الذات الفردية، ولكن الخطاب يدمجها بصيغة الجمع والعموم: الشعب، ويعمل على تشييدها وفق صيرورة تراكم السمات. إن الوحدات: العربي/ الفلسطيني، تحدد هوية الذات الجماعية بإدماجها داخل الانتماء العربي، وهو الوصف الذي يسبق في الرتبة التركيبية سمة: الفلسطيني. «على أرض فلسطين... ولد الشعب العربي الفلسطيني، نما وتطور»: يستثمر الخطاب هذه الأفعال (ولد، نما، تطور) وهي تقترن بمقومات سياقية محددة، تحيل إلى السيرورة البيولوجية: الولادة/ النمو/ التطور، لهذه الذات الجماعية. لذلك، فإن تراكمها يشيد التشاكل البيولوجي: الولادة / النمو/ التطور. تشير هذه العناصر إلى أن السيرورة البيولوجية تتحقق داخل الفضاء المقدس: فلسطين. فالفعل «أبدع» وجوده، الإنساني والوطني والكوني، يحيل إلى فعل تجسيد الوجود الزمني والروحي والكوني، أي وجوده بصفته شعبًا في علاقته بشعوب الكون، داخل الفضاء المقدس: فلسطين. إنه عامل جماعي يجمع بين ذوات تساهم في إنجاز فعل ضمن سيرورة سردية حافلة بالكينونات والتحولات.
(((اقترحت السيميائيات مع توسيع تحليلاتها إلى الخطاب الاجتماعي مفهوم العامل الجماعي، وهو يتكون من فاعلين يتخلون عن فرديتهم للاندماج داخل كلية جماعية، ويكون فعلهم جماعيًا. انظر:
إن امتلاك عنصر الأيديولوجيا يساهم في تأسيس الذات بصفتها فاعلً سياسيًا. لذلك، فإن تجسيد الوجود داخل الفضاء - فلسطين- هو الذي يجعل منه عاملً جماعيًا يضطلع بدور داخل سيرورة تاريخية قائمة على مجموعة من الأفعال تمنحها صفة الدينامية. إذا استجمعنا المقومات الدلالية التي تحيل إليها ملفوظات هذا المقطع الاستهلالي من المقطع الأول: الماضي السحيق للفضاء المقدس واتصال العامل الجماعي بالفضاء المقدس، نلاحظ أنها تُشيد تشاكلً زمنيًا هو تشاكل الاتصال؛ اتصال العامل الجماعي بالفضاء المقدس. يُعَدّ هذا التشاكل طرفًا في مقولة تحدد ثنائيًا من خلال علاقة اختلافية: الاتصال / الانفصال
اتصال الشعب الفلسطيني بالفضاء المقدس تشيد هذه العلاقة الاختلافية التي تنصب على الفضاء المكاني مقولة زمنية هي: زمنية الاستمرار. تهدف استراتيجية الخطاب في المقطع الأول إلى تشييد العامل الجماعي من خلال استثمار وجوده السيميوطيقي دلاليًا وقيميًا، فيبرز ذلك الوحدات المعجمية التي يستدعيها الخطاب: - مطعَّمً... بسلالات الحضارة. - مستلهمً نصوص تراثه: الروحي والزمني. ارتكز الخطاب في المقطع الاستهلالي على ملفوظات تكمن وظيفتها في تجذير الذات داخل الفضاء المقدس، غير أنه سيعمل على تشييد الذات الفاعلة بتحويلها إلى عامل جماعي، له فعل ضمن صيرورة أفعال هي التي تجسد برنامج هذا العامل. ويتحقق التشييد اعتمادًا على آليات خطابية هي التوسع والتسلسل؛ ذلك أن الخطاب وفق هذه الآليات يحدد موضوعًا خطابيًا معينًا يكون في البدء عامًّا، غير أنه يعمل على تخصيصه بتواتر صور خطابية تحدد ملامحه العامة، لذلك يظهر العامل الجماعي مثل عامل يتجاوز التفريد ويتحول إلى عامل تركيبي يتشكل من ذوات متعددة: فالعامل الجماعي هو تركيب لتعدد عرقي وسلالي وثقافي. يحيل النظام المتعدد للعامل الجماعي إلى مقوم الوحدة، فعلى الرغم من تكوّنه من ذوات متعددة، فإن علاقة الوحدة تصهر هذه العناصر داخل كلية موحدة تجعل منه عاملً جماعيًا. يجسد مقوم الوحدة الدلالي أيضًا الاستثمار القيمي لهذا العامل. على مستوى قيمي، يحيل هذا المقوم إلى وظيفة أيديولوجية يكرسها الخطاب السياسي: الفعل السياسي هو فعل شعب موحد على الرغم من الاختلافات السلالية والدينية.
صيرورة التركيب: الفعل داخل الزمن
بعد أن شكل الخطاب ملامح العامل الجماعي في تبلوره بسمك دلالي وفي تبلوره فاعلً ضمن صيرورة أفعال، يجسد الخطاب تركيبيًا فعل العامل على مستوى صيرورة زمنية مستمرة: «واصل الشعب العربي الفلسطيني، عبر التاريخ تطوير ذاته في التوحد الكلي بين الأرض والإنسان». نلاحظ أن الوحدات: واصل.. عبر التاريخ، تحيل إلى مقوم زمني: الاستمرار. يشيدُ مقوم الاستمرار في علاقته بالانقطاع، مقولة ثنائية هي المقولة الزمنية: الاستمرار/الانقطاع. تستحضر دلالة هذه المقولات الزمنية الأطروحات التي تميز سياق التفاعل الجدليالفلسطيني- الإسرائيلي داخل فضاء فلسطين، وتتحدث عن غياب الارتباط بالأرض والانقطاع عنها، أي الأطروحات التي تتحدث عن أرض خلاء. إن تكريس الخطاب هذه المقولات الدلالية يجعلها جزءًا من متخيل الخطاب؛ كل خطاب سياسي يرتهن للمتخيل الذي هو أمثلة للواقعة السياسية من لدن الذات. إن المقولات التي تؤكد الاستمرارية الزمنية هي جزء من المتخيل الذي تعتمد عليه الذات الفلسطينية. يرمي الخطاب إلى الارتقاء بالذات عبر المتخيل الذي ينهض على مقولات الاستمرارية داخل الزمنية وفي الاتصال بالأرض. في هذا المقطع يحاور هذا الخطاب الآخر الذي ينفي حق الوجود للذات الفلسطينية. ويتضح ذلك في هذا الملفوظ: «وعلى خطى الأنبياء المتواصلة على هذه الأرض المباركة أعلى: - على كل مئذنة صلاة الحمد للخالق. - دق مع جرس كل كنيسة ومعبد ترنيمة الرحمة والسلام.» تجعل هذه المقومات الدلالية العامل الجماعي، أي الشعب الفلسطيني، يرقى إلى مستوى عامل باستثمار دلالي محدد. إن الأفعال التي ينجزها العامل الجماعي «أعلى صلاة الحمد، دق... ترنيمة السلام« تجعل وظيفته تكمن في إعمار الأرض، إنه استخلاف للإنسان داخل الفضاء المقدس. يحاور الخطاب في إعلان الجزائر مرجعية نصية غائبة هي النص القرﺁني، حيث يقول تعالى: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة...﴾. يستند الخطاب السياسي هنا إلى المرجعية الدينية لتعزيز المتخيل؛ ذلك أن خطاب التفسير يشير إلى أن الله استخلف ﺁدم في الأرض ليقوم بإعمارها ومنحه إمكانات هذا الفعل. إن الاستناد إلى هذا المعنى يحيل إلى أن الذات الجماعية في الخطاب تمثل جزءًا من هذه السيرورة الوجودية، فقد ارتبطت بالأرض وقيد لها الله إمكانات إعمار هذه الأرض. وتمثل الذات الجماعية في الخطاب جزءًا من هذه السيرورة الوجودية، فهي ارتبطت بالأرض، لذلك، فإن الاستخلاف يحيل إلى دلالات إمكان التوطن والتصرف. إن المعينات المكانية (مئذنة/كنيسة/معبد) والأفعال المقترنة بها (صلاة الحمد للخالق، ترنيمة الرحمة والسلام) تحيل إلى تعدد أنواع الهويات الدينية داخل الوحدة.
(1((القرآن الكريم، «سورة البقرة،» الآية.30
التعدد / التفريد
الإسلامية والمسيحية واليهودية. تشيد هذه المقومات، على مستوى دلالي عام، مقومًا سياقيًا: / تواشج الديانات السماوية
يتم تعرُفه: العامل الجماعي / العامل المضاد (الشعب الفلسطيني) / (إسرائيل)
يربطها، بصفتها عاملً جماعيًا، بفعل تركيبي يؤسس لصيرورة سردية. عناصر التركيب الجهوي الذي يمنح دلالة لفعل الذات. فالوحدة «إرادة» الاستقلال تحيل إلى جهة الإرادة ← إرادة الفعل.
الرغبة عند العامل الجماعي: - العامل الجماعي ← الموضوع (الاستقلال).
وصف القيم التي تمنح الموضوع بعدًا دلاليًا. يعتمد التنظيم التصويريللخطاب على إدماج مجموعة من الوحدات التصويرية، وهي عبارة عن معينات مكانية: المئذنة، جرس الكنيسة، جرس المعبد، تحيل إلى مقومات سيميائية: ممارسة الشعائر
نلاحظ أن الوحدات المعجمية في ملفوظ «من جيل إلى جيل» تؤطر فعل العامل الجماعي داخل زمن الاستمرارية. إن الفعل: «لم يتوقف الشعب العربي... عن الدفاع الباسل عن وطنه...» يُدمج لأول مرة فعل المقاومة، على مستوى الخطاب. إنه يؤسس، على المستوى التركيبي الذي يخصص العلائق بين الذوات، لبنية الجدلية، وهي البنية التي تستدعي ضمنًا الوجود السيميوطيقي لعامل مضاد هو إسرائيل. يشيد الخطاب السياسي هوية العامل الجماعي؛ إذا كانت الملفوظات السابقة تصف العامل الجماعي من خلال علاقته بالأرض، ومكوناته المتعددة، فإن الخطاب يبني هوية العامل الجماعي التي تجعله قابلً لأن
لاحظنا أن الخطاب يﹸشيد استنادًا إلى آلية التدرج السلمي (التنازلي)؛ فقد أطر المقطع الاستهلالي الفضاء وأشار داخله إلى الذات الجماعية الفاعلة، ومنحها أبعادًا دلالية، وفعلً داخل سيرورة الزمن، قبل أن بعد تضمين الخطاب بنية جدلية قوامها المواجهة بين الذات والعامل المضاد، يحيل في نهاية هذا المقطع إلى
يحدد مقوم الإرادة طبيعة العلاقة بين العامل الجماعي والموضوع، وهي طبيعة التطلع إلى الاستقلال، بمعنى أن المقطع الأول الذي افتتحه المتلفظ بوصف الإطار المكاني العام، ينتهي بتشكيل ملامح موضوع
إن موضوع الاستقلال الذي يشكل قطب الرحى بالنسبة إلى العامل الجماعي يحفل بقيم ثمينة، غير أن الخطاب لا يسهب في ذكر هذه القيم، وإنما يعلن الموضوع لأهميته. سيعمل المتلفظ في المقاطع اللاحقة على
تتميز نهاية المقطع الأول بتبلور فعل تأويلي على شكل جزاء يقدم حكمً حول كينونة العامل الجماعي في علاقته بالعوامل الأخرى: الفاعلون السياسيون. نلاحظ أن الملفوظ الآتي: «في الوقت الذي كان فيه العالم المعاصر يصوغ نظام قيمه الجديدة» يحيل إلى زمنية معاصرة: / ما بعد الحرب العالمية الثانية / وهي التي تتأطر داخلها الأفعال الآتية: -«كانت موازين القوى المحلية والعالمية تستثني الفلسطيني من المصير العام...» -«فالشعب الذي حُرم من الاستقلال».. يبرز الملفوظ أن الفاعل السياسي: المحلي/العالمي، ينجز فعلً في أثناء هذه الزمنية المعاصرة، هو: استثناء الفلسطيني من المصير العام. يخصص هذا الفعل على المستوى التركيبي الجدلي، العامل المضاد/ السلمي/ في الخطاب: الفاعل السياسي/ المحلي/ العالمي.
المقطع الثاني: الانفصال القسري بين الإنسان والأرض
يميل الخطاب في مستهل هذا المقطع إلى الصياغة الشعرية: «وهكذا انفتح الجرح الفلسطيني الكبير على مفارقة جارحة...» نلاحظ أن الملفوظ يﹸستهل بمركز جذبهو: الجرح، ويحيل إلى مقومات دلالية: الإنسان، الألم، التمزق. تؤسس هذه المقومات لتشاكل بيولوجي، حيث يتم حمل السمات البيولوجية على الكينونة الفلسطينية لتصوير التمزق الذي طاول الفضاء المقدس؛ فالفعل « حُرم»، يحيل إلى فعل الحرمان القسري من الاستقلال الذي أنجزه العامل المضاد والعامل السلمي وتجسده معجميًا: موازين القوى المحلية والعالمية. العامل السياسي: ف ← (حرمان الشعب الفلسطيني من الاستقلال) ← عا ← (موازين القوى المحلية والعالمية) غير أن العامل المضاد الذي ينجز فعل الاستيطان هو العامل السياسي: إسرائيل، وهو الذي ينجز انفصال الذات الجماعية عن الأرض؛ فالخطاب يضع في الصدارة هذه المقولة السياسية: - الانفصال (عن الفضاء المقدس) / الاتصال يعمد الخطاب إلى بناء هذه المقولة من خلال آلية التراكم القسري لوحدات تشكل مسارًا تصويريًا يتكون من صور تتناغم معجميًا ودلاليًا: احتلال، إخضاع، اقتلاع، تدمير، المجازر. إن فعل «اقتلاع غالبية الفلسطينيين» يحيل إلى مقومات دلالية: اجتثاث، نزع الجذور، استئصال. تبرز المقومات أن فعل العامل
السياسي/ العسكري لا يتمثل في إبعاد الفاعل السياسي عن الأرض، ولكن في إبعاد مقترن بمقومات: الاجتثاث، نزع الجذور. تجعل هذه المقومات فعل الإبعاد مرتبطًا بسيرورة سياسية/ عسكرية هي: التطهير. نلاحظ أن المتلفظ في الخطاب السياسي ينمي الخطاب اعتمادًا على آلية التراكم القسري التي تخصص العامل المضاد بمجموعة من المقومات. إنها تساهم في إصدار حكم حول كينونة هذا العامل، حيث يظهر العامل المضاد: إسرائيل بمنزلة العامل الذي ينهج فعل التطهير لمكونات الذات الجماعية. يستحضر الخطاب المتلفظ – له ليقنعه بطبيعة الأفعال التي ينجزها العامل المضاد: إسرائيل. يكشف الخطاب عن أحد عناصر الخطاب السياسي الخاصة بهذا العامل، وهو منطق أيديولوجيا التطهير.
تشظي العامل- تشظي المكان
يتعلق الأمر بتجزيء العامل الجماعي: الفلسطيني داخل الأرض/ الفلسطيني خارج الأرض، غير أن الفلسطيني داخل الأرض يخضع لفعل الاحتلال، بمعنى أن علاقة الانفصال عن الأرض تعد العلاقة الرئيسية بالنسبة إلى كل الفواعل المشكّلة للعامل الجماعي. إن فعل الاستئصال الذي ينجزه العامل السياسي/ العسكري: إسرائيل، يفضي إلى الانفصال. انفصال الإنسان (عن الأرض) / اتصال يحدد الانفصال القسري كينونة مغايرة للكينونة الأصلية، ذلك أن الانفصال القسري يحول العامل الجماعي من كينونته الأصلية إلى كينونة مغايرة: يحول الانفصال العامل من كينونة الارتباط بالأرض الأصلية/ الشرعية، إلى كينونة يتشظى فيها العامل إلى ذوات ترتبط بفضاءات جزئية متمايزة: - وفي قلب الوطن: الذوات التي بقيت داخل الفضاء- الأصل، وهو يحيل إلى الأرض المحتلة. - وفي المنافي القريبة والبعيدة. تشتغل الوحدات المعجمية داخل مسار تصويري، يؤكد تشاكل الانفصال القسري، وهو تشاكل دلالي ينفي الانفصال الاختياري: الانفصال القسري / الانفصال الاختياري (عن الفضاء المقدس) يتشظى العامل الجماعي إلى ذوات تقترن بفضاءات متغايرة ومتعددة: سياج / الوطن/ المنافي القريبة/ المنافي البعيدة/ على الرغم من أن العامل يخضع للتجزيء نتيجة الانفصال القسري ويرتبط بفضاءات جزئية، فإن الخطاب يستعمل الوحدة المعجمية: «في قلب الوطن»، ليظل الفضاء المقدس: فلسطين، حاملً مقومات الوطن: - الاستقلال - حدود الوطن - رموز الوطن - هوية الوطن. تُشخص الوحدات المعجمية الذوات الجزئية المشكلة للعامل الجماعي، وهي الذوات التي ظلت داخل الوطن أو على حدوده أو في الخارج القصي أو الخارج القريب، لذلك نصبح، داخل الخطاب، أمام عامل ذري يرتبط بفضاء ذري أيضًا:
الداخل / الخارج (داخل الوطن) (خارج الوطن) هذا النظام التركيبي للعامل تحايثه قيم سياسية وثقافية: فالعامل الذري متمفصلً إلى فضاء الداخل والخارج، يحيل إلى وجود سيميوطيقي خاص لجزء من مكونات العامل الجماعي هو: الفلسطيني اللاجئ. بعد تشخيص الذوات الجزئية المشكّلة للعامل الجماعي، يحدد الخطاب موضوع الرغبة المركزي في الخطاب. إن الوحدات المعجمية: - إيمانه: ← بحقه في العودة ← بحقه في الاستقلال. تحيل إلى مقوم: الرغبة، وهو اعتقاد العامل الجماعي في أحقيته في: العودة، إنه الفعل الذي يسمح بتجاوز الانفصال لتجديد الاتصال بالأرض، كما تبرز ذلك المقولة الدلالية: الانفصال/ تجديد الاتصال بالأرض.
التركيب: العامل المؤسساتي
يمكن أن نلاحظ أن الخطاب يُدث تحولً على مستوى العوامل الفاعلة من خلال إدراج عامل جديد: «وصاغت الإرادة الوطنية إطارها السياسي، منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلً شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني». يشيد هذا الملفوظ على مستوى الخطاب تحولً يجسده ظهور فاعل جديد: منظمة التحرير الفلسطينية، ويقترن هذا الفاعل بأدوار تيماتيكية: - ممثل للشعب الفلسطيني. ممثل وحيد-. ممثل شرعي. مع أن منظمة التحرير الفلسطينية تُعَدّ فاعلً سياسيًا قانونيًا، فإن الأدوار الدلالية التي يتحمل مسؤوليتها: تمثيل الشعب، إجماع المكونات السياسية، شرعية التمثيل، تفضي إلى تطابق بين العامل الجماعي: الشعب ومنظمة التحرير التي هي فاعل جزئي. يحيل هذا التطابق -على مستوى وضعية الخطاب- إلى هيمنة هذا الفاعل في علاقته بالعامل الجماعي.
البُعد المعرفي في الخطاب: إجرائيات الإقناع
يحل الفاعل السياسي والقانوني محل العامل الجماعي: الشعب الفلسطيني. ويتأكد هذا التطابق استنادًا إلى بُعد معرفي يتميز به الخطاب. يجب تأكيد أن البُعد المعرفيكما صاغته سيميائيات السرد لا يسم الخطاب بشكل مباشر، ولكنه يُشيد اعتمادًا على مجموعة من عناصر الإقناع التي يعمد المتلفظ إلى تضمينها الخطاب. يضمن المتلفظ كل مقطع عنصرًا معرفيًا يكون موجَّهًا إلى المتلقي، ويهدف من خلال تراكم هذه العناصر إلى إقناعه وجعله ينخرط في الأطروحة التي تمثّل جوهر مقصديته. يتحقق التحول من فاعل جزئي إلى عامل جماعي نتيجة الأفعال المعرفية الآتية:
- «باعتراف المجتمع الدولي» متمثلً ← بهيئة الأمم المتحدة: - بالمنظمات الإقليمية ← - بالمنظمات الدولية ← إن فعل «الاعتراف»، يتضمن مقومات:
والقانوني الدولي/ المتعدد (هيئة الأمم المتحدة - المنظمات الإقليمية - المنظمات الدولية.)
خاصية »الكونية».
بناء البُعد الدلالي للعامل
استنادًا إلى أقوال إقناعية: -على قاعدة الإيمان بالحقوق الثابتة
-على قاعدة الشرعية الدولية
تركيبي: قيادة معارك الشعب. العامل الجماعي: (منظمة التحرير) ← فعل ← قيادة معارك الشعب الفلسطيني
جزئية ولكنه ينصهر في نظام عامل جماعي موحد ينجز فعل المقاومة. المقاومة / ضد/ إسرائيل
الجزئية المكونة للعامل الجماعي: - إضفاء الشرعية على علاقة التطابق بين العامل الجماعي والفاعل الجزئي من لدن الفاعل السياسي
- إضفاء الشرعية على علاقة التطابق يجعل «منظمة التحرير بصفتها فاعلً سياسيًا وقانونيًا، تحل محل العامل الجماعي، الشعب، لأنها لا تمثّل فاعلً محليًا فحسب، إنها فاعل كوني. يتحقق التحول بواسطة
إن بلورة التطابق بين الفاعل الجزئي والعامل الجماعي هو الذي يرسخ هيمنة هذا الفاعل. وترمي سيرورة التدليل التي تراكم المقومات السياقية إلى منح هذا العامل بُعدًا دلاليًا، حيث يشيد الخطاب هذا البُعد
-على قاعدة الإجماع القومي العربي ← قادت منظمة التحرير معارك شعبها العظيم
تستحضر هذه الملفوظات المتلقي للخطاب، من أجل إدراج أفعال العامل الجماعي ضمن مرجعية قيمية تسندها سلطة الشرعية الكونية، وهي العنصر الأساسي في إقناع المتلقي بالفعل الذي سينجزه العامل الجماعي. إن قيم التمثيلية والإجماع والكونية هي التي تشيد قدرة هذا العامل الجماعي على إنجاز فعل
يفضي فعل «قيادة المعارك» إلى تكريس نظام العامل الجماعي الموحد، حيث لا ينجز الفعل من لدن فواعل
يجسد فعل المقاومة الفاعل السياسي: منظمة التحرير الفلسطينية، وهو الفاعل الذي يجمع بين الفواعل
عامل جماعي فاعل سياسي 1 (منظمة التحرير الفلسطينية) حدث، إذن، تحوّل سلمي على مستوى الخطاب من العامل الجماعي الأول إلى عامل جماعي ثان هو الذي أصبح فاعلً على مستوى صيرورة الخطاب عامة، فهو يمثل الفاعل الاجتماعي: /الشعب / وينجز الفعل السياسي الممثّل الشرعي، وينجز الفعل العسكري المقاومة، ويتسمان كلاهما بالكونية التي هي نتاج لفعل الاعتراف من لدن الفواعل السياسية والقانونية الدولية: هيئة الأمم المتحدة. لذلك يتخذ، على مستوى الخطاب، نظامًا جديدًا؛ إنه العامل الجماعي التركيبي الأساسي. ماهي دلالة هذا التحول؟
المقطع الثالث: الانتفاضة، الفعل المحول زمنية الفعل
يستهل المتلفظ المقطع بالملفوظ الآتي: «إن الانتفاضة الشعبية الكبرى المتصاعدة». تؤسس الانتفاضة على مستوى الخطاب، بصفتها فعلً، زمنية محددة: قبل الانتفاضة/ الانتفاضة/ بعد الانتفاضة تمثّل مرحلة ما قبل الانتفاضة مرحلة زمنية قوامها علاقة المواجهة والجدلية العاملية، وهو ما يفضي إلى المواجهة بين صوتين على مستوى الخطاب: المقاومة / احتلال القوات الإسرائيلية: الدولة/ الجيش.
المستوى التركيبي: توسيع العامل
إن الوحدة المركزية في الخطاب: «الانتفاضة الشعبية»، تحيل إلى فعل جماعي لا تندمج فيه الفواعل التي تقوم بفعل سياسي وعسكري فقط، بل تساهم فيه أيضًا فواعل جزئية متعددة تحمل أدوارًا تيماتيكية مختلفة عن السياسي والقانوني. تمثّل الانتفاضة فعلً ينجزه فاعل يتكون من السياسي والقانوني، ولكن يتضمن أيضًا فواعل أخرى، يجمعها الفاعل الشعبي: - الطفل. - المرأة. - الشيخ. «إن الانتفاضة الشعبية الكبرى المتصاعدة في الأرض المحتلة مع الصمود الأسطوري في المخيمات داخل وخارج الوطن..». فاعل عسكري 1
من خلال الملفوظ الخطابي، يحدثُ فعل الانتفاضة داخل فضاء الأرض المحتلة: الانتفاضة / داخل/ الأرض المحتلة
الانتفاضة: الفعل المحول
عن الأرض: العامل الجماعي /الانفصال/ عن الأرض (الفضاء المقدس) إلى الاتصال: العامل الجماعي /الاتصال / الأرض الفضاء المقدس غير أن المتلفظ في الخطاب يخصص طبيعة الاتصال:
إلى الخرافة والإرهاب في نفيها الوجود الفلسطيني».
- إن الانتفاضة / ← قد رفعا الإدراك الإنساني- بالحقيقة الفلسطينية. - الصمود الأسطوري/ ←
مستوى أعلى من الاستيعاب والنضج».
(1((هو الفعل السيميائي الذي يؤدي إلى التحول من حالة إلى حالة، فهو يتضمن إذن فعلً وفاعلً. انظر:
تحقق الانتفاضة تمفصل زمنيتين: ما قبل الانتفاضة، وهي زمنية قوامها العلاقة الجدلية بين العاملين، والانتفاضة بصفتها زمنية تتميز بالتحول. فعل الانتفاضة هو الذي يحقق التحول داخل هذه الزمنية، التحول من حالة إلى حالة يُفترض أنها مغايرة، ذلك أن تحول الذات الفلسطينية يفترض تحولً على مستوى الكينونة، أي إن علاقتها بالأرض تصبح علاقة امتلاك وسيادة، إنها تحقق الانتقال من الانفصال
«إن الانتفاضة الشعبية الكبرى.. مع الصمود الأسطوري... قد رفعا الإدراك الإنساني بالحقيقة الفلسطينية... إلى مستوى أعلى من الاستيعاب والنضج، وأسدلت ستار الختام على مرحلة كاملة من التزييف... وحاصرت العقلية الإسرائيلية... التي أدمنت الاحتكام
نلاحظ أن المتلفظ في استهلال هذا المقطع منح موقع الصدارة للوحدة المعجمية: الانتفاضة، وعمل على تنمية المقطع بإسناد «أفعال» لهذا الفعل المحول، سنعمل على تحليل المقومات التي تحيل إليها هذه الأفعال:
- وبالحقوق الوطنية. تحقق الانتفاضة فعلً معرفيًا تشيده الوحدات المعجمية التي يوظفها الخطاب: «رفعا الإدراك..، إلى
يرمي الفعل المعرفي إلى تنمية «المعرفة والإدراك» بعنصرين: الكينونة الإنسانية، الحقوق الوطنية الفلسطينية، عند الآخر. نحن بصدد تحليل خطاب سياسي يستحضر، ولا شك، في سياق قطبية التواصل، المرسل- إليه، ويحاول أن يقنعه بما يقدمه من براهين وحجج تسند العناصر الرئيسية في خطابه وتقوم على المتخيل والأيديولوجيا، لذلك يستدعي الخطاب، اقتضاءً، العامل الثاني في التواصل بصيغة مباشرة أو غير مباشرة. يتجسد هذا العامل في مقصدية التواصل، استنادًا إلى الوحدات التي يستحضرها الخطاب وفق آلية الاستدعاء: إن الوحدات المعجمية في الخطاب: «باعتراف المجتمع الدولي، الإيمان بالحقوق الثابتة، قاعدة الإجماع العربي»، تشير إلى أن العامل المرسل إليه يتسم بالتعدد، ويمكن أن يبنى بهذه الصيغة: العامل المرسل إليه: - الإيمان بالحقوق الثابتة ← الرأي العام الفلسطيني - اعتراف المجتمع الدولي ← الرأي العام الدولي - قاعدة الإجماع العربي ← الرأي العام القومي يشيد الخطاب القيم المعرفية حول كينونة العامل الجماعي وحول الحقوق الفلسطينية، لإبرازها أولً، ثم الإقناع بها ثانيًا، لأن الصيرورة المعرفية تقوم على المعرفة التي تسبق الاعتقاد، والاعتقاد يتحصل نتيجة الإقناع. لذلك، فإن الجهد المعرفي في الخطاب يتخذ هذه الآلية في البناء: فعل معرفي ← إخبار ← إخبار ← إقناع ← إقناع ← اعتقاد ← العامل: المرسل إليه يُعَدّ الاعتقاد شرطًا للانخراط في القضية التي يوجهها الخطاب ويرمي إلى تحقيقها والاقتناع بها، وهي قضية تقوم على تنمية المعرفة حول: - الكينونة الإنسانية للعامل الجماعي: الشعب الفلسطيني - الحقوق الفلسطينية: الحق في الأرض، لإقناع المرسل إليه بهذه القيم، ولجعله ينخرط في الاعتقاد بأهمية هذه العناصر بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني. إن الاعتقاد في القضية ينطوي ضمنًا على الاقتناع والاعتقاد بعدم صواب الأطروحة المضادة التي يقوم بتشييدها العامل المضاد: الدولة/ الجيش الإسرائيلي: - أطروحة مضادة ← العامل المضاد ← الدولة / الجيش الإسرائيلي: نفي الوجود الفلسطيني: «فلسطين أرض بلا شعب» يستعمل الخطاب ملفوظًا جزائيًا: «وأسدلت ستار الختم على مرحلة كاملة من التزييف...» يحكمُ، اعتمادًا عليه، على العامل المضاد الذي يحدده من خلال فاعل آخر: «العقلية الإسرائيلية الرسمية». إنه يحكم سلبًا على أطروحة العامل المضاد بصفتها أطروحة تزيف مسار التاريخ بالاتجاه إلى سبيلين:
- الخرافة: القول إن أرض فلسطين كانت خلاء. - الإرهاب: الفعل المادي لنفي الوجود الفلسطيني.
بناء «أثر الحقيقة» في الخطاب
الزمنية:
العربية...» و«قرارات الأمم المتحدة سنة.»1947
في بعده الأطروحي.
المعجم السياسي
يستند الخطاب إلى عناصر المعجم السياسي الكوني التي تتميز بجذورها الفلسفية والقانونية:
الشعب الفلسطيني. - الحق التاريخي ← تاريخية ارتباط العامل الجماعي بالأرض الفلسطيني في فلسطين - تضحيات أجياله المتعاقبة ← يحيل هذا القول إلى العناصر الآتية: المستوى التركيبي: فعل الدفاع عن الوطن المستوى العاملي: الأجيال ← عامل جماعي (يتكون من فواعل متعددة) المستوى الجهوي: مقوم زمني: الاستمرارية تحيل هذه المقومات إلى زمنية الاستمرار التي تخصص العامل الجماعي في علاقته بالأرض. يستثمر الخطاب مجموعة من المعينات التي تشيد «أثر الحقيقة» على مستوى الخطاب، وتتمثّل في المعينات
- المعينات الزمنية التي تجسدها التواريخ الفعلية لحوادث سياسية وقانونية: «انطلاقًا من قرارات القمم
يستند الخطاب على الانتشار التصويري لمجموعة من المعينات التي تحمل دلالة زمنية وتقترن بأفعال براغماتية ترمي إلى إضفاء بُعد الحقيقة على الخطاب. يسعف هذا البُعد في إقناع المتلقي بالخطاب في بُعده الأطروحي. إن المعينات: «قرارات القمم العربية، قرارات الأمم المتحدة»، تحيل إلى فعل هو بمنزلة قرار لمؤسسة قانونية عربية وفعل لمؤسسة قانونية دولية، مقترن بزمنية محددة (1947). يهدف الخطاب بارتكازه على هذه المعينات الزمانية والمكانية، إلى إضفاء بُعد الحقيقة على الخطاب وإقناع المتلقي بالخطاب
«واستنادًا إلى الحق الطبيعي..» تحيل وحدات «الحق الطبيعي» إلى الجذور الفلسفية والقانونية للحق الطبيعي في امتلاك وطن يكون المستقر بالنسبة إلى العامل الجماعي:
- الحق القانوني ← الواجب الذي يفرضه القانون الدولي لمصلحة الشعب العربي
إن استناد الخطاب إلى مجموعة من المعينات الزمنية التي تؤشر على مرتكزات قانونية وعلى مجموعة من عناصر المعجم السياسي، يحقق وظائف على مستوى الخطاب السياسي. إنه يعمل على تشييد «أثر الحقيقة» على مستوى الخطاب بالنسبة إلى المتلقي، حيث يسعى المتلفظ إلى أن يظهر خطابه حقيقيًا، مستندًا إلى معينات تحيل إلى «أفعال» محققة في سياق زماني ومكاني، لذلك تكون هذه العناصر مؤشرات موجهة إلى المتلقي لكي يقتنع بخاصية الحقيقة داخل الخطاب. نشير أيضًا إلى أن هذه المعينات تشكّل مظهرًا من مظاهر البُعد المعرفي الذي ينمّي المعرفة حول الحجج التي تدعم الخطاب السياسي، بهدف الإقناع وضمان حصول الاعتقاد المفضي إلى انخراط المتلقي في أطروحة الخطاب السياسي.
المقطع الرابع: زمنية المستقبل
نلاحظ أن الأفعال التي تميز المقطع الرابع هي نتيجة تحولات المقطع الثالث، وأهم عنصر فيها هو الفعل المحول الذي تمثله الانتفاضة. الانتفاضة ← فعل محول. إن الانتفاضة بصفتها فعلً محولً، تفضي إلى تشييد عامل خطابي جديد على المستوى الخطابي. إن الفعل: « يعلنقيام دولة فلسطين»، يتأطر ضمن زمنية الحاضر، غير أنه يشير إلى فعل منجز ومحقق هو قيام دولة فلسطين، لذلك فإن الصياغة العاملية تتدرج من العامل الجماعي: الشعب الفلسطيني، منظمة التحرير، وتطابق هذين العاملين إلى دولة فلسطين. دولة فلسطين ← عامل سياسي - مؤسساتي ينتقل الخطاب في التراتبية العاملية من العامل الجماعي المتعدد، الحامل سمات الفعل الشعبي المتعدد: الفعل النضالي، إلى عامل مؤسساتي: دولة فلسطين. يبُرز العامل الجديد: دولة فلسطين، داخل الخطاب، التحول الذي ينجز على مستوى الفعل البراغماتي السياسي، وهو تشييد عامل جماعي يمكن أن يستوعب قيم: - الاستقلال - الوحدة و أيضًا مقومات الدولة الفضائية: المجال/ الحدود لا يشير الخطاب بصيغة مباشرة إلى موضوع القيمة: الاستقلال، ولكن صيغة الحديث عن دولة فلسطين تضعها في موقع موضوع - القيمة: إن مقومات الاستقلال والوحدة والحدود هي التي تمثل المبتغى والمقصد في الخطاب.
- الفعل المنجز: قيام دولة فلسطين - الاتصال المكاني: فضاء عام: «أرضنا الفلسطينية» - فضاء جزئي: عاصمتها القدس الشريف يكتسي التصوير المكاني في الخطاب أهمية قصوى، إذ يستثمر المتلفظ مجموعة وحدات تحمل كثافة دلالية. إن الملفوظ: «أرضنا الفلسطينية» يذوّت الترهين التلفظي باستعمال «ضمير المتكلم». / نحن / في / أرض / نا/ وهي صورة تطلَق بصيغة العموم، لنفي التجزيء. إن اجتناب تشخيص الفضاءات يكشف قصدية الخطاب الذي يهدف إلى المطالبة بكل الأرض الفلسطينية. يصبح المكان حاملً لتشاكل دلالي يستحضره المرسل إليه. «إن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا». تحيل الصورة المكانية: أينما /كانوا/ إلى كل الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه. يولي الخطاب السياسي أهمية لتصوير الفضاء، حيث يقيم برمجة علائقية بين الفضاء والعامل. يتصل العامل السياسي: دولة فلسطين، بفضاء عام: أرض فلسطين، ويعد هذا الفضاء دامجًا لكل الفواعل الجزئية الفلسطينية، بما فيها الفواعل التي توجد خارج أرض فلسطين. تفضي هذه البرمجة العلائقية إلى مقولة مكانية: الأرض الفلسطينية هي فضاء دامج لكل الفواعل التي تشكل الذات المركزية في الخطاب. يشيد الاهتمام بالأمكنة في الخطاب السياسي لغة خاصة بالفضاء، حيث يصبح خطاب الفضاء عاكسًا رؤية سياسية؛ إنه يقوم بدمج كل مكونات العامل الجماعي: الشعب الفلسطيني داخل الوطن أو خارجه. إن موضوع: «دولة فلسطين» الذي يعد موضوع الرغبة في الخطاب، يتحدد دلاليًا من خلال مجموعة قيم هي التي تمنحه بعدًا دلاليًا وثقافيًا. تبدو هذه الذات، استنادًا إلى الوحدات التي تحقق التثمين، كيانًا ينخرط في الحداثة السياسية، حيث يوحد بين الفواعل الجزئية التي تكون العامل الجماعي وينهج التعدد والتعايش. زمنية القيم: الاستمرار في مواجهة الانقطاع كما أن القيم التي يختزنها الموضوع تشيد جهة زمنية، فالوحدات: «التعايش السمح بين الأديان عبر القرون»، تحيل زمنيًا إلى مقوم: الاستمرارية الذي ينطوي ضمنيًا على نفي الانقطاع. الاستمرارية / الانقطاع إن الوحدات: «تناشد أبناء أمتها مساعدتها على اكتمال ولادتها العملية، بحشد الطاقات»، تخصص دلالة الاستقلال، فمع أن الخطاب يشير إلى قيام دولة فلسطين، فإن الوحدات: اكتمال ولادتها، تحيل إلى مقولة ثنائية تخصص طبيعة هذا الإنجاز، إنه إنجاز داخل الزمن، لذلك فإنه يحيل إلى ولادة افتراضية.
ولادة افتراضية ولادة فعلية
لا- افتراضية (مساعدة أبناء أمتها) إن الموضوع: دولة فلسطين، لا يعد موضوعًا مكتملً، إنه موضوع يقترن بقيم سياسية وثقافية، لكن ليتحقق في اكتماله، يجب أن يحقق شرطًا هو: إنهاء الاحتلال.
صيرورة التفاعل
على مستوى الترهين الخطابي، يحدثﹸ تحول بإلغاء المؤشرات التركيبية التي تحدد المجلس الوطني كترهين، وتحديد دولة فلسطين متلفظًا في الخطاب. «وإذ تعلن دولة فلسطين... التزامها، ملتزمة...»، تتضمن هذه الوحدات مقوم الواجب؛ يستند المتلفظ إلى مقوم: الالتزام الذي يرقى إلى مستوى الواجب. لذلك، فإن هذا المقطع الجزئي داخل المقطع الرابع، يتوجه المتلفظ عبره إلى المتلقي الذي حدده ضمنيًا من خلال المعينات التركيبية: المتلفظ في الترهين الخطابي المرسل إليه
دولة فلسطين لاحظنا أن الرأي العام في الخطاب السياسي يمثل شاهدًا، ويقوم بفعل تأويلي؛ إنه يؤول أقوال وأفعال الذوات المنتجة للخطاب، لذلك فإن المتلفظ، مستحضرًا الرأي العام الدولي في قطبية التواصل، يحدد ملفوظاته ضمن جهة الواجب: «ملتزمة...»: ← مقوم الواجب ← جهة الواجب يستعمل المتلفظ في هذا المقطع الجزئي على مستوى المعينات الخطابية الأقوال التأكيدية: «تعلن التزامها»، «وإنها ملتزمة»، لتأكيد فعل نفي كل القيم المخالفة لمنظومة المتلقي المتعدد، الذي هو المجتمع الدولي. يعلن المتلفظ أن خطابه وأقواله وأفعاله تجد لها موقعًا ضمن جهة الواجب في علاقته بالمتلقي. إن تحديد المتلفظ لأقواله ضمن جهة الواجب يدل على أنه يجعل التزامه تأكيديًا، فهو يرقى إلى مرتبة الأفعال/ الواجبات لا إلى الأفعال الاختيارية. تفضي هذه الاستراتيجيا الخطابية للإقناع إلى ربط فعل العامل بقبول مرجعية قيمية محددة على مستوى الخطاب، يمكن الاصطلاح عليها سيميائيًا بسيناريو التسوية، وهو أفق يحيل إلى إمكانية التخلي عن العلاقة الجدلية التي تتسم بالتعارض النوعي وتبني علاقة التسوية، بصفتها علاقة تتسم بالتوازن الذي يجمع بين كيانين عبر تجاوز أفعال: العنف والإقصاء والإرهاب. الرأي العام الدولي
يلتزم العامل بفعل اعتناق القيم التي سنّتها المؤسسات الدولية والعالمية، لذلك يضع الخطاب مجال الالتزام بالقيم على سلم مقولة: / الكونية/ ينتقي المتلفظ على مستوى الخطاب مجموعة من الوحدات التي يوجهها إلى المتلقي: - دولة محبة للسلام ← التجذر في مرجعية الأمم المتحدة الداعية إلى تحقيق السلم. - التعايش السلمي ← تشخيص هذا الخطاب من خلال المقولة الاختلافية: التعايش / الإقصاء التي تحيل إلى رفض إقصاء الآخر والقدرة على الجمع بين الأنا / الآخر. إنها تحيل ضمنًا إلى فاعل وعامل آخر (إسرائيل)، يمكن أن تتحقق كينونته إلى جانب العامل الجماعي. تشير المقولة إلى هذا العامل من خلال علاقة محددة لا تتميز بالجدلية القائمة على التضاد والتنافر التي ميزت الخطاب في بداية تشكله: المقاومة الفلسطينية/ الاحتلال الإسرائيلي. يضيف هذا المقطع مقومًا دلاليًا آخر: إمكانية الجمع بين الأنا والآخر. إن الالتزام بهذه القيم يدل على أن الذات في الخطاب تعد قادرة على الالتزام بقيم السلم والتسامح ونبذ العنف في سياق وجود يجمع بين الأنا والآخر.
سيناريوات الخطاب: سيناريو التسوية
تشيد هذه المقومات الدلالية (قيم التعايش) السيناريو الأول على مستوى الخطاب، وهو سيناريو التسوية الذي يُشيد خطابًا يستحضر الآخر ويندرج ضمن منظومة قيمية، يتبنى فيها القيم المقبولة من لدن العوامل التي سنّت منظومة القيم الكونية: الأمم المتحدة، الرأي العام الدولي، لذلك فإن المتلفظ: العامل المؤسساتي (دولة فلسطين)، يضع فعله ضمن سلمية من القيم: السلم/ التعايش/ التسامح تجد فيها ترهينات التلقي هويتها القيمية والفلسفية والفكرية. يقوم سيناريو التسوية على قبول المتلفظ/ العامل، سلمية القيم التي بلورتها الفواعل السياسية والمؤسساتية الدولية، والانخراط فيها، بحثًا عن توازن يصبح فيه العامل الجماعي مقترنًا فضائيًا وسلميًا بالموضوع: الأرض الفلسطينية. تؤسس هذه الاستراتيجيا الخطابية (الإقناع، تأطير فعل العامل ضمن مرجعية قيمية محددة)، على مستوى الخطاب سيناريو التسوية، وهو يحيل إلى إمكانية تجاوز العلاقة الجدلية التي تتسم بالتعارض النوعي إلى علاقة التسوية المتسمة بالتوازن الذي يجمع بين كيانين عبر تجاوز أفعال الإقصاء والعنف.
انفتاح سيناريو الخطاب: زمنية المستقبل
يمكن أن نلاحظ أن المقطع الأخير من الخطاب حين يبلور هذا السيناريو، لا يجعله نهائيًا، بل يجعل فعل العامل الجماعي منفتحًا على إمكانية استمرار سيناريو آخر. يفتتح المقطع الجزئي الأخير بمؤشر زمني (15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1988). ويشيد هذا المؤشر زمنية جديدة. أما الزمنية هذه، فتقترن بموضوع قيمي افتراضي: دولة فلسطين التي يتطلب تحققها تبلور مجموعة من القيم السوسيوثقافية. غير أن الخطاب ينجز، بمجرد إشارته إلى هذه الزمنية الجديدة، قولً تثمينيًا يعود فيه إلى زمنية سالفة/ الانتفاضة/، وهو قول ينصب على تثمين فعل الذوات التي كانت طرفًا في علاقة المواجهة الجدلية: المقاومة / الاحتلال الإسرائيلي: «ننحني إجلالً وخشوعًا أمام أرواح...: - شهدائنا-. وشهداء الأمة العربية. ومن ملحمة الصامدين في: - المخيمات-. وفي الشتات-. وفي المهاجر. ومن حملة لواء الحرية-: أطفالنا-. وشيوخنا-. وشبابنا-. وأسرانا ومعتقلينا وجرحانا المرابطين على التراب المقدس - والمرأة الفلسطينية. يختتم المتلفظ الخطاب بتأويل فعل هذه الذوات التي ساهمت في بلورة علاقة المواجهة، وهو تأويل يقوم على التثمين الإيجابي لهذا الفعل الملحمي: إن الوحدة المعجمية: «ننحني إجلالً وخشوعًا»، تتضمن ساهمت في زمنية المواجهة الجدلية. إن المقطع الجزئي الأخير لا يقتصر على التبجيل، بل يستشرف زمنية أخرى أيضًا: -... نرفع قلوبنا على أيدينا لنملأها بالنور القادم، - من وهج الانتفاضة. تحيل هذه الوحدات إلى مقوم دلالي: نور الانتفاضة، وهي استعارة تحيل إلى زمنية تتحقق بفواعل متعددة، لا يقرنها الخطاب بالعامل المؤسساتي: دولة فلسطين أو العامل الجماعي: الشعب الفلسطيني، وإنما يعمل على تشذير العامل إلى الفواعل المكونة له بالتخصيص:على المستوى التركيبي، يزيح المتلفظ العوامل التي أسند إليها دورًا في كل مقطع، مثل: / الشعب الفلسطيني/ منظمة التحرير/ المجلس الوطني/ ويبأر الفواعل الجزئية، من خلال مقولة: / الصلاة للشهداء/ / التوثب: (نحو المستقبل) إن التوثب نحو زمنية المستقبل يتم اعتمادًا على فواعل الانتفاضة / هنا – الداخل /، غير أن الخطاب يدمج أيضًا، في سياق تحقيق هذه الزمنية، الفواعل الجزئية المقترنة بفضاء: - الهناك: ← /المخيمات، /الشتات/، /المهاجر/
لحمة العامل الجماعي.
إعادة بناء العامل التركيبي: العامل الاندماجي
نلاحظ أن التشذير، على مستوى الخطاب، يمتد إلى فواعل أخرى: - أطفالنا- شيوخنا - شبابنا- أسرانا- معتقلينا- جرحانا- المرابطين على التراب المقدس - وفي كل مخيم- والمرأة الفلسطينية.
تبلور العامل مثل العامل الجماعي القانوني أو المؤسساتي. /منظمة التحرير/، /المجلس الوطني/
كينونته: العامل الجماعي ← العامل الاندماجي أي كل العناصر التي تكون الكيان الفلسطيني، وتقترن: - بفضاء الداخل ← الانتفاضة، (المرابطون على التراب المقدس) - بفضاء الخارج ← المخيمات - التي تساهم في فعل المقاومة ← الأسرى، المعتقلون، الجرحى - المرأة الفلسطينية
في مواجهة الموت الذي يزرعه العامل: /المحتل/
والثقافي. إن زمنية المستقبل تتم بفعل الفواعل التي ترتبط / بالهناك/، بفضاء الخارج. لاحظنا أن العامل الجماعي كان يتسم بالسمك وبالجماعية ولكنه أصبح في المقطع الجزئي الأخير يتسم بالتشذير والتجزيء لأن المتلفظ يقصد جعل زمنية المستقبل تتحقق بإدماج فواعل خارج الوطن، فهو يشذّر ولكن لتحقيق تماسك
يشمل التشذير للعامل الجماعي فواعل لا تتسم بسمات تجعلها تنجز الفعل الأساسي في علاقة الجدلية التي تجمع العاملين الفاعلين: المقاومة/ الاحتلال الإسرائيلي، مثل الأطفال أو الشيوخ، غير أن الخطاب يستحضر كل الفواعل الجزئية ليعيد بناء العامل الجماعي من جديد في نهاية الخطاب.إنه لا يكرر صيغ
ولكنه يبني العامل في تفرعه وتشعبه ليشكل نمطًا هو العامل الاندماجي؛ إنه العامل الذي يدمج في
إن الوظائف الثقافية التي يسندها الخطاب إلى المرأة، ضامنة البقاء والحياة، تنطوي على وظيفة منح الحياة،
إنها المرأة / البيولوجية/ الثقافية/ التي تضمن استمرارية الكينونة الفلسطينية في بُعدها البيولوجي
يعود الخطاب، إذن، إلى إعادة بناء العامل الجماعي لتشييد عامل قوامه الوحدة، هو عامل قابل لأن يدمج كل عناصر التعدد. إن إعادة تشييد العامل الجماعي في الخطاب تقترن بصوغ السيناريو الآخر. - «ونعاهد أرواح شهدائنا - جماهير شعبنا العربي الفلسطيني» «على مواصلة النضال من أجل جلاء الاحتلال.» يستعمل المتلفظ في هذا المقطع آلية التذويت على مستوى الخطاب باستعمال الترهين الخطابي لضمير المتكلم؛ يختار المتلفظ هذا الترهين لتضمين دلالة الالتزام باختيار السيناريو الثاني: سيناريو المقاومة. إن الفعل: مواصلة النضال، يجعل الفعل يندرج ضمن زمنية المستقبل، وهو يدل على: إرادة الفعل ← فعل المقاومة الحاضر/ المستقبل كما أن الملفوظات التي ينجزها المتلفظ مستعملًالترهين الخطابي الشخصي، تعيد بناء موضوع - القيمة من خلال الوحدات التصويرية: جلاء الاحتلال، ترسيخ السيادة والاستقلال، وهي الوحدات التي ترسخ البُعد الدلالي لهذه الزمنية. نلاحظ أن الخطاب يكرس سيناريو التسوية الذي يعتنق أفكار التعايش والقبول بالآخر، غير أنه في المقطع الأخير، ومن خلال مقومات التوثب نحو المستقبل، وإرادة الفعل (فعل المقاومة)، يؤسس لسيناريو ممكن ومحتمل هو استمرار المقاومة.
البُعد التداولي للخطاب السياسي
انطلاقًا من التصور الذي اعتبرنا فيه أن الخطاب السياسي يسعى، على المستوى الدينامي، إلى الفعل والتسخير من أجل الفعل وتغيير العلائق بين الذوات الفاعلة، والقدرة على الحث على إنجاز أفعال محولة للعلاقات الاجتماعية، وقفنا عند الآليات التي شكلت استراتيجية الخطاب السياسي في تحويل العلائق الاجتماعية والسياسية، الآليات التي لها انعكاسات على مستوى الفعل السياسي. على المستوى العاملي، تتخذ صيغة بناء العامل الجماعي مظهرًا محددًا له انعكاسات عملية، ذلك أن المتلفظ في الخطاب لا يدرج فاعلً فرديًا، سمته التفريد بل يشيد العامل بصيغة تلتحم فيها الذات بالمكان والزمان؛ فالغطاء التصويري يجعل الوجود السيميائي للعامل الجماعي غير متشكل خارج فلسطين، وإنما تبلور داخل الفضاء المقدس، داخل زمنية ضاربة في القِدم. وهو لا يعد فاعلً فرديًا ولكنه يتأسس من ذوات مختلفة، تنصهر داخل وحدة. ترمي هذه الصيغة التركيبية للعامل على مستوى الخطاب إلى ترسيخ تصور يوازي الخطاب على مستوى المرجعية السياسية والاجتماعية، وهو أن الشعب الفلسطيني يمثّل وحدة ملتحمة، تخترقها أصوات
التعدد؛ التعدد السلالي، الثقافي والديني، غير أنها تمثّل وحدة داخل الفضاء المقدس وهي تواجه مصيرها بهذه الصيغة الموحدة لا بصيغة التعدد الخلافي. تندرج الزمنية في الخطاب في السياق نفسه؛ إن إدراج العامل الجماعي داخل زمنية الاستمرار والانقطاع يحايثه مﹸعادل على المستوى السياسي والاجتماعي. إن اقتران العامل في الخطاب بزمنية الاستمرارية، يحيل، ﹺ على المستوى التداولي، إلى ولادة الشعب الفلسطيني في الفضاء المقدس والاستمرار في الدفاع عنه. ترمي زمنية الخطاب التي تشيد بهذه الصيغة إلى التشديد على التحام الإنسان بالأرض داخل صيرورة الزمن، وهو رد على أطروحة الأرض الخلاء، وتأكيد لالتصاق الإنسان بالأرض زمنيًا، من خلال الاستمرار في الدفاع عن الفضاء المقدس، وهدم لبنية الحجاج في الخطاب الإسرائيلي السياسي والثقافي والديني. لاحظنا أن الخطاب السياسي أولى أهمية بالغة لتشخيص الفضاء، إنه يقيم برمجة علائقية بين الفضاء والعامل، إذ يجعل الذات الرئيسية في الخطاب مرتبطة بأرض فلسطين في صيرورتها التاريخية المقترنة بالماضي السحيق والحاضر وزمنية المستقبل. كما أنه يستدعي كل الصور: المنافي البعيدة، المنافي القريبة، ليبرز أن هذا الفضاء يُعتبر دامجًا لكل الذوات الجزئية داخل الحدود أو في المهجر القسري. بهذه الصيغة في البناء يشيد الخطاب السياسي لغة خاصة بالفضاء، حيث يصبح الفضاء عاكسًا لرؤية سياسية؛ إنه يقوم بدمج كل مكونات الذات الفلسطينية داخل فلسطين.
خاتمة
حاولنا في هذا العمل تحليل خطاب: إعلان قيام دولة فلسطينبصفته خطابًا سياسيًا يتضمن متلفظًا ينجز خطابًا يقوم على عناصر خطابية تشكل استراتيجيته في التكون. واستندنا في التحليل إلى الاقتراحات النظرية لسيميائيات الخطاب؛ إذ مكنتنا هذه الإجرائيات من القيام بتحليل مقطعي يروم الوقوف عند المقاطع المختلفة التي يتكون منها الخطاب. وقد ساهمت هذه المقاربة في تحليل صيغ حضور المتلفظ والذات وارتباطها بإجرائيات التزمين والتفضية. بينت هذه العناصر التحليلية أن كل مقطع يرسخ تشاكلً دلاليًا مثل الاستمرار/ الانقطاع؛ الذات الجماعية في علاقتها بالزمن والمكان؛ التعدد/ التفريد؛ الهوية المتعددة؛ الانفصال/ الاتصال، وهي تشاكلات ترسم سيرورة التدليل في الخطاب. كما أبرز التحليل استراتيجية المتلفظ في بناء الخطاب من خلال استثمار مكون التاريخ والمتخيل والنصوص الغائبة الدينية والفلسفية. وقد سعى الخطاب، أيضًا، من خلال استثماره عناصر زمنية ومكانية وتاريخية، إلى تشييد بُعد معرفييرمي إلى إقناع المتلقي بموضوعية و«حقيقة» التشاكلات الدلالية التي يؤسس لها.
مراجع إضافية
العربية
كتب
مفتاح، محمد. دينامية النص: تنظير وإنجاز. بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1987 نوسي، عبد المجيد. التحليل السيميائي للخطاب الروائي: البنيات الخطابية، التركيب، الدلالة. الدار البيضاء: شركة النشر والتوزيع المدارس، 2002.
دوريات
بنكراد، سعيد. «الترميز السياسي والهوية البصرية: قراءة في رموز الأحزاب السياسية المغربية.» علامات: العدد 19،.2003 نوسي، عبد المجيد. «بناء الثقة في خطاب الوردة.» علامات: العدد 19،.2003