العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ريشار جاكمون تدويل الأدب العربي الحديث من جائزة نوبل لنجيب محفوظ إلى رواية عمارة يعقوبيان

ريشار جاكمون تدويل الأدب العربي الحديث من جائزة نوبل لنجيب محفوظ إلى رواية عمارة يعقوبيان

The Internationalization of Modern Arabic Literature: From Naguib Mahfouz’s Nobel Prize to The Yacoubian Building

محمد الجرطي

Mohamed el-Garti

الملخّص

بالنسبة إلى العالم العربي، من المدهش أن نلاحظ في الواقع أن الأدب المكتوب باللغة الفرنسية، وهو الذي كنا نعتقد أنه مرتبط باللحظة الاستعمارية ومنذور للاختفاء بعد الاستقلال وسياسات التعريب التي تلت تلك المرحلة، قد عرف انطلاقة جديدة بدءًا من سنوات الثمانينيات. لا أتكلم فقط على نتاجات الكتّاب العرب المهاجرين في فرنسا، كالطاهر بن جلون وإدريس الشرايبي... بل أيضًا على إنتاجات أدبية باللغة الفرنسية لكتّاب يقيم ونفي بلدانهم وينشرون أعمالهم في فرنسا، أكان لنخبة قليلة من القراء أم للأغلبية من القراء في بلدانهم الأصلية.

Abstract

With regard to the Arab world, it is surprising to see that in fact literature written in French, which was thought to be linked with the colonial moment and destined to disappear post-independence with the Arabization policies adopted at that period, has seen a new flourishing starting in the 1980s. I am not referring just to the production of Arab émigré writers in France, such as Tahar Ben Jelloun and Driss Chraïbi, but also to literary works in French by authors living in their own countries who publish in French, whether for a small elite of readers or for the majority of readers in their home countries.

الكلمات المفتاحية:
  • جائزة نوبل
  • الأدب العربي
  • القراء
  • نجيب محفوظ
Keywords:
  • Nobel Prize
  • Arabic literature
  • Readership
  • Naguib Mahfouz

ترجمة: محمد الجرطي **

لكي نُكوّن فكرة عن مكانة الأدب العربي في الفضاء العالمي للأدب، فإن الوسيلة الأفضل هي الانطلاق من كتاب بسكال كازانوفا الجمهورية العالمية للآداب) 1999(الذي ساهم بشكل كبير في تجديد تصورنا للأدب المقارن، وأقحم تمامًا هذا المفهوم للفضاء الأدبي العالمي. تبيِّ بسكال كازانوفا في كتابها أن «رأس المال الأدبي» موزع بشكل غير متساوٍ بين مختلف الأمم، وخصوصًا حين نعود إلى تاريخ تشكُّل الآداب الأوروبية انطلاقًا من عصر النهضة، كما تبيِّ أن باريس شكلت بالتدريج مركز هذا الفضاء الأدبي العالمي، وكيف أن هذا الفضاء اغتنى وتعقد في مراحل متعددة: مرحلة تشكل الآداب القومية للأمم الكبرى، ثم اَداب الأمم الأوروبية الصغرى إلى حدود القرن التاسع عشر، ثم القرن العشرين، مرحلة ظهور اَداب الأمم غير الأوروبية، وخصوصًا آداب المستعمرات القديمة. في ما يتعلق بهذه الآداب الأخيرة (آداب المستعمرات القديمة)، تهتم كازانوفا اهتمامًا

من جائزة نوبل لنجيب محفوظ إلى رواية عمارة يعقوبيان *

حصريًا بالآداب المكتوبة باللغات الأوروبية، ولا سيما آداب أميركا الجنوبية، المكتوبة باللغتين الإسبانية والبرتغالية، والآداب المكتوبة باللغة الفرنسية في أفريقيا وجزر الكاريبي والعالم العربي، والآداب المكتوبة باللغة الإنكليزية في القارات الثلاث (أميركا وأفريقيا وآسيا). من المدهش أن نلاحظ أن الآداب المكتوبة باللغات غير الأوروبية تبقى غائبة عن هذه اللوحة الشاسعة للفضاء الأدبي العالمي التي قامت كازانوفا برسم معالمها. لغياب الآداب غير الأوروبية عن الفضاء العالمي مغزى ودلالة كبرى في نظر الكاتب الأنتيلي رافاييل كونفيو، الذي يعزو هذه الظاهرة إلى «الصوت الأوروبي المنتصر»، بمعنى الهيمنة المطلقة للغات الأوروبية في الفضاء الأدبي العالمي (عالم الكتب، 17 آذار/ مارس 2006). لكن هذه اللوحة تبقى في حاجة إلى توضيح دقيق. إن الأدب الياباني، على نحو خاص، هو أول أدب مكتوب بلغة غير أوروبية استطاع أن يحوز لنفسه مكانة في هذا الفضاء العالمي، وذلك منذ سنوات

الخمسينيات والستينيات. وكانت أول جائزة نوبل آسيوية تلك التي مُنحت للكاتب الياباني كواباتا (1968) - إذا ما استثنينا حالة طاغور (نوبل 1913) باعتباره كاتبًا لا نظير له من نواحٍ عديدة. انضاف اليوم إلى الأدب الياباني الأدب الصيني، منذ أن رُفعت الضغوط السياسية التي كانت تثقل كاهل الكتّاب في أعمالهم الإبداعية إلى حدود سنوات الثمانينيات، وخصوصًا منذ الازدهار الاقتصادي: إن ظهور هاتين الدولتين كقوتين اقتصاديتين ارتبط بشكل مباشر باندماجهما في الاقتصاد العالمي. كما أن الأدب الكوري بدأ يكتسب مكانة مهمة في الفضاء العالمي، وذلك بفضل الجهد المبذول من طرف الكتّاب الكوريين لأسباب تتعلق بحجم الدولة (إذ إن كوريا [الجنوبية] أكثر تقدمًا من الصين، لكنها أصغر منها من الناحية الجغرافية). لكن اليابان والصين وكوريا [الجنوبية] تتميز بخصوصية فريدة، فهي لم تعانِكثيرًا من الاستعمار، وبقيت في مجملها دولً أحادية اللغة. لقد نجحت هذه الدول وبقيت في مأمن من الهيمنة الكولونيالية للغة الأوروبية، وشرعت في تحديث إبداعها الأدبي بلغاتها المحلية الخاصة. بالنسبة إلى الآداب الوطنية الأخرى التي تستخدم اللغات غير الأوروبية، في أفريقيا وآسيا، فإن اندماجها في الفضاء الأدبي العالمي يعرف إشكالً مزدوجًا؛ فمن جهة، تندرج هذه الآداب، على الرغم من شروعها في عملية تحديث أدبية خلال القرن العشرين، في سياقات سياسية واقتصادية سابقة على مرحلة العولمة. وهناك من جهة أخرى كون هذه الآداب كانت تواجه في الفضاء الأدبي نفسه منافسة إنتاج أدبي يستخدم اللغات الأوروبية الاستعمارية (الفرنسية والإسبانية والبرتغالية). بالنسبة إلى العالم العربي، من المدهش أن نلاحظ في الواقع أن الأدب المكتوب باللغة الفرنسية، وهو الذي كنا نعتقد أنه مرتبط باللحظة الاستعمارية ومنذور للاختفاء بعد الاستقلال وسياسات التعريب التي تلت تلك المرحلة، قد عرف انطلاقة جديدة بدءًا من سنوات الثمانينيات. لا أتكلم فقط على نتاجات الكتّاب العرب المهاجرين في فرنسا، كالطاهر بن جلون وإدريس الشرايبي... بل أيضًا على إنتاجات أدبية باللغة الفرنسية لكتّاب يقيمون في بلدانهم وينشرون أعمالهم في فرنسا، أكان لنخبة قليلة من القراء أم للأغلبية من القراء في بلدانهم الأصلية. يجري في دول المغرب العربي الثلاث (المغرب والجزائر وتونس) اليوم نشر الكثير من الأعمال الأدبية باللغة الفرنسية: في الجزائر، تسجل الإصدارات بالفرنسية النسبة الأكبر، وفي المغرب، تتفوق العربية بشكل ضئيل في ما يخص نشر الأعمال الأدبية، وفي تونس، تمثّل الفرنسية ربع الإصدارات الأدبية الوطنية. هناك حالة رمزية هي حالة الجزائري رشيد بوجدرة الذي بدأ الكتابة والنشر بالفرنسية في سنوات الستينيات والسبعينيات، ثم انتقل إلى الكتابة باللغة العربية في أواخر السبعينيات، لحظة حملة التعريب القوية في الجزائر، ثم عاد إلى الكتابة باللغة الفرنسية في سنوات التسعينيات. هذا الثبات والاستمرار غير المتوقعين للفرنسية كلغة للتعبير الأدبي في دول المغرب العربي، في الوقت الذي تتقدم فيه العربية من جهة أخرى في كل المجالات الثقافية في البلدان الثلاثة (المغرب

والجزائر وتونس)، هما خير دليل على الهيمنة الأدبية التي تمارسها باريس بشكل خاص على الكتّاب المغاربيين. على العكس من ذلك، يبقى لبنان الدولة العربية الوحيدة في الشرق التي حافظت فيها اللغة الفرنسية على وضعية قوية، مع العلم أن الكتابة الأدبية باللغة الفرنسية عرفت في لبنان تراجعا مستمرًا، وتحتل اليوم وضعًا متخلفًا جدًا (أتكلم على الكتّاب الذين يعيشون في لبنان وينشرون أعمالهم فيها، وليس على نتاجات كتّاب الشتات اللبنانيين). ويعود سبب هذا الفارق بين لبنان ودول المغرب العربي إلى اندماجهم الخاص في الفضاء الأدبي العربي؛ فلبنان كان دومًا، وما زال، في قلب هذا الفضاء، إذ إن الكتّاب اللبنانيين المعاصرين يعتمدون على النشر الوطني الذي راهن أساسًا على تصدير الأعمال الأدبية نحو السوق العربية الكبيرة التي اندمجوا فيها بشكل طبيعي. وعلى العكس من ذلك، كانت دول المغرب العربي دومًا وتاريخيًا على هامش العالم العربي، وهذا الوضع الهامشي تفاقم بسبب الاستعمار الفرنسي. إن الكتّاب المغاربيين الذين يكتبون باللغة العربية مهمَّشون بشكل مضاعف: مهمَّشون في الفضاء العالمي مقارنة بنظرائهم الفرنكوفونيين، ومهمَّشون في الفضاء الأدبي العربي مقارنة بنظرائهم الشرقيين. باختصار، وحتى نعود إلى كتاب بسكال كازانوفا الذي اتخذناه في البدء «مؤشرًا» على مكانة مختلف الآداب القومية في الفضاء العالمي، نشير إلى أن الكتاب يخصص مكانة صغيرة للكتّاب العرب باللغة الفرنسية، وعلى رأسهم كاتب ياسين ورشيد بوجدرة، لكنه يتجاهل تمامًا نظراءهم من الكتّاب باللغة العربية. الكاتب الوحيد باللغة العربية والمذكور في هذا الكتاب هو المصري نجيب محفوظ بمناسبة فوزه بجائزة نوبل للآداب. لكن الكاتبة كازانوفا لم تذكر أي شيء بخصوص أعمال نجيب محفوظ أو الأدب العربي. هذا الغياب هو سمة عرضية للمكانة التي يحتلها الأدب العربي في الفضاء العالمي؛ مكانة هامشية جدًا. لماذا؟ لقد آن الأوان كي نقحم الكلمة المفتاح التي تعوزنا منذ بداية هذا العرض: الترجمة؛ فالترجمة إلى إحدى اللغات المركزية في الفضاء العالمي هي الشرط الأول للوصول إلى هذا الفضاء. إلى وقت قريب، كانت اللغة الفرنسية هي المهيمنة في هذا الفضاء. وتؤكد كازانوفا أن هذا الأمر ما زال على حاله، وهي لا تزال ترى في باريس مركزًا للفضاء الأدبي العالمي. هذه النقطة في تحليل كازانوفا في كتابها هي المسألة الأكثر إثارة للجدل. من الواضح اليوم أن هذا المركز انتقل إلى لندن ونيويورك، وأن الإنكليزية هي اللغة المهيمنة في المبادلات الاقتصادية والتجارية والعلمية على المستوى العالمي، الشيء الذي يؤثر من جهة أخرى في طبيعة هذه المبادلات، لأن محور لندن - نيويورك يرتكز على أسس أكثر تبعية من حالة باريس في فترة سيادتها للفضاء العالمي. لكن من الصحيح أيضًا أن في هذا الفضاء العالمي تدافع اللغة الفرنسية عن مكانتها مقارنة بباقي لغات العالم الأخرى، نظرًا إلى التاريخ ورأس المال الأدبي الذي راكمته باريس، ونشاط ناشريها ومترجميها ووكلائها الأدبيين. مجمل القول، ومهما يكن الأمر، هو أنه لكي يحظى أدب ما اليوم بمكانة في هذا الفضاء، إذا لم يكن مكتوبًا بالفرنسية أو الإنكليزية، فيجب

أن يُتَجم إلى إحدى هاتين اللغتين، لا لأن الترجمة إليهما هي مفتاح الاعتراف في الأسواق الأنغلوساكسونية والفرنكوفونية فحسب، بل لأن الترجمة إلى اللغات الأخرى تتم انطلاقًا من هذه الترجمة أيضًا. وهكذا يتم الاعتراف باللغات والآداب الأخرى: يعتمد الأكاديميون السويديون في جائزة نوبل في أثناء اختيارهم من يستحقون الجائزة على الترجمتين الإنكليزية والفرنسية لأعمال الكتّاب في العالم أجمع. لقد نال نجيب محفوظ جائزة نوبل لأن أعماله تُرجمت إلى الفرنسية والإنكليزية. لنعُد إلى أدبنا العربي ونحاول تحديد موقعه في التيار الأدبي العالمي. بدأ الأدب العربي يدخل مرحلة التحديث بالتزامن مع الآداب الصينية واليابانية في مطلع القرن العشرين، وذلك بفضل اتصاله بالآداب الأوروبية وتفاعله معها عن طريق حركة مهمة في الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. إن الرواية والمسرح العربيين الحديثين رسخا وجودهما بالتدريج في العقود الأولى من القرن العشرين، بفضل استيعابهما أشكالً وأجناسًا ذوات أصول أوروبية، وإضفاء صبغة اجتماعية محلية عليها على مستوى المضمون. وفي غضون العقود التالية، اغتنى الأدب العربي بشكل كبير، وتجذر من جهة في باقي مناطق العالم العربي (العراق والمغرب العربي والسودان وشبه الجزيرة العربية)، ومن جهة أخرى، وبتجاوزه النماذج الأوروبية، تجاوز المفارقة القائمة بين الشكل المستورد والمحتوى المحلي، ليبدع ما يسمّى «حداثة خاصة» (بمعنى الخصوصية العربية)، ولا سيما عندما اكتشف أنساقًا تقليدية في التعبير وأدمجها في الأشكال الحديثة على شاكلة «الواقعية السحرية» لآداب أميركا اللاتينية إلى حد ما. أما الشعر، فعرف تطورًا مختلفًا؛ هذا الجنس الأدبي المهيمن بامتياز في الثقافة العربية، كما هو الشأن في معظم الثقافات الكلاسيكية، بدأ مرحلة التحديث باكتشافه ومحاكاته لتراثه الشعري الخاص - المرحلة المسمّة الكلاسيكية الجديدة أو مرحلة الإحياء. وفي مرحلة لاحقة، انفتح الشعر العربي عبر الترجمة على تعابير شعرية أوروبية حديثة، ودخل غمار التحديث عن طريق القطيعة مع قواعد العروض التقليدي - القطيعة التي بدأت في سنوات الأربعينيات وما زالت مستمرة إلى اليوم، لكن من دون أن تختفي الأشكال الشعرية التقليدية: ما زالت حية وراسخة برعاية المؤسسة المدرسية. إلى حدود سنوات الستينيات بل السبعينيات، ظلت هذه التطورات مجهولة تمامًا وغير معروفة خارج المجال العربي، نظرًا إلى أن لا شيء تقريبًا من هذا النتاج الأدبي العربي الحديث تُرجم إلى لغات أجنبية. أما الكتّاب العرب من الجيل المسمّى جيل الرواد الذين ولدوا بين سنتيِ 1880 و 1890 وهيمنوا على المشهد الثقافي العربي بين الحربين العالميتين، فكان الكاتب الوحيد منهم صاحب المكانة والحضور الدولي في الفضاء الأدبي العالمي هو اللبناني جبران خليل جبران، لكنه يبقى مدينًا بهذه المكانة لعمله المكتوب باللغة الإنكليزية بعنوان دال ومعبّ (النبي)، وهو عمل شرقي نظير لرواية الخيميائيللكاتب باولو كويلو. هناك نوع من الانتقاص في تصنيف هذا الكاتب على هذه الشاكلة، لكن هذا التصنيف يعود إلى كون هذا الكاتب ومؤلّفه لم يحظيا، على الرغم من نجاحهما على المستوى العالمي، بقبول في فضاء الأدب العالمي.

أعمال أدبية أخرى تُرجمت إلى لغات أجنبية، لكنها لم تحظَ بقبول فعلي. من بين هذه الأعمال، السيرة الذاتية لطه حسين كتاب الأيام. نتوقف للحظة عند هذه الحالة لأن طه حسين يُعتبر أكبر كاتب عربي في النصف الأول من القرن العشرين. وسُمّي عميد الأدب العربي، وفي السنوات الأخيرة من حياته بُذلت محاولات عديدة لمنحه جائزة نوبل في الآداب، لكن بلا طائل. ومن أسباب هذا الفشل كون أعماله الأدبية لم تتُرجم إلى لغات أجنبية. خمس عشرة سنة بعد وفاة طه حسين، وبالتحديد في سنة 1988، نال مواطنه نجيب محفوظ (1911 - 2006)، كأول كاتب عربي، جائزة نوبل في الآداب. وقد كان في تلك المرحلة أول كاتب عربي أيضًا تُرجمت العشرات من أعماله إلى الإنكليزية والفرنسية، وأول كاتب عربي كرس مسيرته الأدبية الطويلة للكتابة الروائية بصورة حصرية. أسلافه من الأدباء، بمن في ذلك طه حسين، كانوا متعددي الموضوعات وأصحاب مصنفات في مجالات أدبية مختلفة. هذا الاهتمام الحصري لنجيب محفوظ بالرواية (والقصة) هو أحد مفاتيح نجاحه العالمي. في الواقع، إن الرواية، من بين الأجناس الأربعة العامة للحداثة الأدبية (الرواية والقصة والمسرح والشعر)، هي الجنس الأدبي الوحيد الذي يقدم منفذًا شاسعًا لولوج السوق العالمية عن طريق الترجمة. في الفضاءات الأدبية المركزية، الرواية هي الجنس المهيمن في سوق النشر الوطنية، والأجناس الأدبية الأخرى تصمد وتحافظ على بقائها لأنها ترتكز على نقاط أخرى غير النشر (الصحافة بالنسبة إلى القصة، والخشبة بالنسبة إلى المسرح، أما بالنسبة إلى الشعر، فالأمر أكثر تعقيدًا...). لكن حين يتعلق الأمر بالأدب المترجَم، لا يكون لهذه الدعامات البديلة وجود، ومشكوك في فعاليتها، ويبقى النشر طريق الوصول العادي للترجمة. نلاحظ، فضلً عن ذلك، أنه كلما قلّت ترجمة النتاج الأدبي الأجنبي، جنحت هذه الترجمات إلى الاقتصار على الجنس الروائي. في المقابل، ينبغي القول إن أعضاء لجنة نوبل لا يحترمون ميول السوق العالمية للأدب؛ فهُم حتى اليوم يتوّجون الشعراء وكتّاب المسرح والكتّاب المتعددي الموضوعات. لكنهم في سنة 1988 اختاروا نجيب محفوظ، وهو روائي، بل روائي على الطريقة الكلاسيكية. إن أعمال محفوظ الروائية التي يمتد زمنها أكثر من نصف قرن، من سنة 1940 إلى بداية التسعينيات، هي أعمال متنوعة إلى درجة أنه يمكن القول إنها وحدها أعادت إنتاج كل تاريخ الرواية العربية الحديثة: الرواية التاريخية في البدايات، ثم الرواية الواقعية، تارة «الطبيعية» وتارة أخرى «السيكولوجية»، ثم مرحلة التشظي انطلاقًا من سنوات الستينيات في اتجاهات متعددة (الرواية الفلسفية أو «الفكرية» في سنوات الستينيات، والحكاية العجائبية القصيرة بعد سنة 1967، ومحاكاة التراث السردي السابق في سنوات السبعينيات...). غير أن ما سيضمن نجاح نجيب محفوظ العالمي هو الميول الأكثر إغراقًا في التقليدية في أعماله الأدبية، بمعنى الأكثر تطابقًا مع أصول الرواية الواقعية الأوروبية في القرن التاسع عشر، أي روايته الواقعية الكبيرة في سنوات الأربعينيات والخمسينيات من زقاق المدقإلى الثلاثية. وبالتالي، فإن مفتاح هذا النجاح يكمن في هذه المفارقة، ميزة الرواية العربية في مرحلة بداياتها الناضجة بين الشكل المستورد والمحتوى المحلي. إن أعمال نجيب محفوظ قابلة «للتصدير» والترجمة إلى اللغات الأجنبية لأنه يسرد علينا قصصًا بشكل

مألوف لدينا، ولأنه يعرض لنا في الوقت نفسه قضايا المجتمع العربي المعاصر في نسخته القاهرية (نسبة إلى مدينة القاهرة). ولد نجيب محفوظ سنة 1911، وتلقى تعليمه في مرحلة ما بين الحربين، هذه المرحلة الذهبية لمصر الليبرالية والكولونيالية. وجسّد في مساره الشخصي والسياسي قيم التمدن والتسامح والتحضر لمصر الخالدة... هذه المزايا ساهمت كلها في نجاحه العالمي. في سنة 1988، تُرجمت خمس أو ست من أعماله إلى الفرنسية والإنكليزية. وعند وفاته سنة 2006 كانت، ترجماته تُعد بالمئات وبلغات قاربت الثلاثين. يتوفر محفوظ على أكثر من ثلاثين عملً أدبيًا منشورًا بالفرنسية والإنكليزية والألمانية والإسبانية. وقد تتبّعنا في هذه اللغات المختلفة رواياته التاريخية في سنوات الأربعينيات، وأعمال أدب الأطفال ذي القيمة الأدبية المحدودة... لكن هل لكل هذه الأسباب، يمكن اعتبار نجيب محفوظ كاتبًا نوعيًا، كاتبًا توافرت في أعماله معايير العالمية، وموضوعًا للتدريس والبحث خارج المجال المحدود جدًا للمستعربين المتخصصين في الأدب العربي الحديث؟ تبقى هذه الدراسات محدودة وقليلة على المستوى العالمي. إن نجاح محفوظ نجاح عام؛ فهو لم ينل حقاًالاعتراف الأدبي - ماعدا جائزة نوبل التي تبقى بطبيعة الحال جائزة عالمية مرموقة. إن غياب نجيب محفوظ في كتاب بسكال كازانوفا غياب بليغ ومعبّ. فمحفوظ يُعتبر كاتبًا مقلدًا وبارعًا وموهوبًا؛ إنه ديكنز أو زولا العربي، كما يذكر ناشرو أعمال محفوظ على أغلفة كتبه، لكن محفوظ ليس بكاتب مجدد ومبتكر على شاكلة جيمس جويس وفولكنر وغارسيا ماركيز الذين أحدثوا ثورة في الجنس الروائي، إذ انطلقوا من وضع هامشي في البدء، واستطاعوا، عن طريق التجديد والابتكار الإستطيقي، احتلال مكانة مركزية في الفضاء الأدبي العالمي. قضية نجيب محفوظ قضية موضوع كولونيالي بامتياز: إنه يقلد أساتذته بإتقان لكنه لا يتجاوزهم أبدًا (إنني هنا أحلل بطبيعة الحال التصور السائد عن نجيب محفوظ في الخارج، ولا أعبّ عن وجهة نظر شخصية). والحالة هذه، ليس نجيب محفوظ الوحيد بين كتّاب الأدب العربي الحديث الذي تُرجمت أعماله الأدبية، بل هناك العشرات من الكتّاب الآخرين الذين تُرجمت أعمالهم إلى لغات أوروبية متعددة. في الأسواق الرئيسية لقارة أوروبا - في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا - يوجد منذ عشرين سنة أو ثلاثين انفتاح على الآداب المترجمة من مناطق هامشية، استفاد منها الأدباء العرب المعاصرون. تخص هذه المسألة بعض الأعمال، غير أن مبيعاتها تبقى ضعيفة، لكن مقارنة بانعدامها في المرحلة السابقة، فمن الأكيد أن ثمة تقدمًا وحضورًا نسبيًا لهذه الآداب في الفضاء العالمي. في الأسواق الأنغلوساكسونية، وخصوصًا في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، الوضع غير إيجابي لأن المكانة التي تخصصها للأدب المترجم تبقى مكانة هامشية على العموم (3 إلى 5 في المئة من العناوين في مقابل 15 إلى 20 في المئة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا)، لكن على الرغم من ذلك، ثمة حركة ضعيفة في الترجمة من العربية إلى الإنكليزية تعتمد أيضً - وهذه خصوصية السوق ا الأنغلوساكسونية - على سوق الشرق الأوسط (المغتربين والسياح...). لكن اليوم، وبعد عشرين أو ثلاثين سنة من بداية حركة الترجمة من العربية إلى اللغات الأوروبية، ما هي مكانة الأدب العربي الحديث في السوق العالمية؟ إنها مكانة هامشية تمامًا، سواء بلغة الاقتصاد من «قبل الأسواق» أو بلغة الاعتراف

الرمزي. معظم الكُتّاب الذين تتُرجم أعمالهم اليوم ينتمون إلى مرحلة «ما بعد محفوظ»؛ كُتّاب ينتمون إلى هذه الأجيال التي أسست، انطلاقًا من سنوات الستينيات، حداثة أدبية عربية تجاوزت المفارقة القائمة بين الشكل المستورد والمحتوى المحلي. لكن هذا التجديد لم يُعترف به في الفضاءات الأدبية لدول المركز، خصوصًا أن التلقي السائد يجنح إلى إهمال البُعد الجمالي لهذه الأعمال، ويركز على أبعادها الثوثيقية والسياسية. صحيح القول إن هذه الأبعاد نادرًا ما تغيب في الأعمال الأدبية، لأن الحقل الأدبي العربي المعاصر غير مستقل ومن الصعب جدًا، بل من المستحيل، على كاتب عربي معاصر أن يتغاضى عن العنصر السياسي. لكن هذه الأبعاد تقع تحت طائلة الإفراط في التقدير في الخارج: الحالة النموذجية في هذا الصدد هي حالة الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي بقي منمطًا ومصنفًا على أنه «لسان حال الفلسطينيين» في حين أنه لم يتوقف عن المطالبة بقراءة أعماله كشاعر قبل أي شيء آخر. هذا الإفراط في التسييس له نتائج سلبية، ولا يساهم إلّ في الرفع من مبيعات الأعمال. يقول برترند بي، في منشورات أكت سيد، الناشر الرئيسي للأدب العربي المترجم اليوم في فرنسا، إن الرواية العربية التي ينشرها تحقق مبيعات متوسطة (1500 إلى 2000 نسخة). أخيرًا، في الوقت الذي يحاول أدباء مرحلة ما بعد محفوظ للجيل «الحداثي» دخول غمار الترجمة، ظهرت رواية كشفت عن العودة إلى النموذج الواقعي المحفوظي (نسبة إلى نجيب محفوظ)، وأصبحت حقًا أكثر الروايات مبيعًا في الفضاء العالمي بالنسبة إلى الأدب العربي، وهي رواية الكاتب المصري علاء الأسواني عمارة يعقوبيان التي نشُرت في القاهرة سنة 2002 وتُرجمت اليوم إلى مختلف اللغات الأوروبية الرئيسية. إنها رواية شبيهة برواية زقاق المدق: تقدِّم عالمًا مصغرًا، مكانًا محدودًا ومغلقًا (عمارة) في العاصمة القاهرة، كاستعارة للمجتمع المصري برمّته، وتبرز علاقات جنسية كاستعارة أيضا للعلاقات الاجتماعية (يتم الحديث اليوم عن الجنسية المثلية التي صورها الكاتب المصري علاء الأسواني كما لو أنه أول روائي عربي يقوم بذلك، في حين أن نجيب محفوظ سبقه إلى ذلك في عمله زقاق المدقمنذ ما يزيد على خمسين سنة). كلا الكاتبين قام بالحديث عن الجنسية المثلية عبر كتابة روائية أكثر إغراقا في التقليدية. الفارق بين زقاق المدقوعمارة يعقوبيان هو أن كلا الكاتبين يكشف عن نقد للسياق السياسي والحماسة الوطنية (الحنين إلى الوطن) لماضي العظمة. لكن في زقاق المدق، الحاضر هو السياق الكولونيالي والماضي سياق زمن ما قبل الاستعمار، في حين أن الحاضر الذي يُنتقد في رواية عمارة يعقوبيانويُندَّد به هو سياق نظام حسني مبارك، والماضي المجيد هو سياق مرحلة «الليبرالية الكولونيالية» لما قبل سنة 1952. والحاصل، في الوقت الذي لا يحقق نجيب محفوظ سوى مبيعات متواضعة (10 آلاف إلى 30 ألف نسخة)، تحقق عمارة يعقوبيانمبيع 150 ألف نسخة في منشورات أكت سيد في ثمانية عشر شهرًا. في الختام، ينبغي تأكيد أن تأثيرات هذا التدويل (الأولي) للأدب العربي الحديث أقوى بشكل كبير داخل الحقل الأدبي العربي نفسه مقارنة بالفضاء العالمي. وهذا تجلٍّ واضح جدًا لوضعه الأدنى والمهيمن عليه. إن تصدير الأدب العربي يعيد صوغ التراتب الأدبي، ويساهم في تهميش الأجناس غير القابلة للتصدير أو التي لا تحظى بإقبال كبير (القصة والشعر والمسرح) ويقلب

بورصة قيمة الكتّاب. حالة نجيب محفوظ حالة مضيئة: صحيح أن جائزة نوبل رفعت من شأنه، في حين كان يُنظر إليه قبل تشرين الأول/ أكتوبر 1988 ككاتب وازن ومهم، لكن على شاكلة يوسف إدريس وتوفيق الحكيم ويحيى حقي. وعلى سبيل المقارنة، لنتأمل جائزة نوبل الفرنسية الأخيرة في الآداب التي نالها كلود سيمون: إن جائزة نوبل لم تغير شيئا في وضعه في المجال الأدبي الفرنسي... وبشكل خاص، فإن الترجمة تفاقم الصراعات الرمزية - كما هو الشأن في معظم المجالات الأدبية الأدنى المهيمَن عليها أو الناشئة - الإستطيقية والسياسية على حد سواء. إن إعادة التوظيف الداخلي للأحكام التقييمية للقارئ الأجنبي بصدد الأدب العربي تتأرجح باستمرار بين قطبين: من جهة، ننتقد الاختيارات «الذاتية» للمترجمين والناشرين الذين يُتهمون بتفضيلهم الآداب الهامشية والمعارضة التي تندد بعيوب المجتمعات العربية ورذائلها وتنتقدها، ومن جهة أخرى نستثمر هذه الآداب لنعيد صوغ التراتب الأدبي المحلي عن طريقها، والفاعلين أنفسهم يستطيعون استخدام كلا الخطابين بشكل متعاقب، لأنهما شرعيان، الواحد كما الآخر. إن السوق الأورو- أميركية للآداب ما زالت مستمرة في إيثار أعمال وأدباء الأدب العربي الذين يتعرف في داخل أعمالهم إلى قيمه الأخلاقية والسياسية والجمالية الخاصة، بل إلى تمثيله الخاص للشرق أيضًا، كما يتعرف إلى المكاسب المادية والرمزية التي يتيحها الولوج إلى الترجمة. وهنا نتصور حالة الكتّاب الذين يجنحون إلى «الكتابة القابلة للتصدير»، بمعنى إرضاء ذوق الأجنبي وتقديم الصورة التي ينتظرها منهم حتى تُستقبل أعمالهم ويروَّج لها بشكل أحسن. في الوقت نفسه، ترغم درجة الاستقلال الضعيفة في المجال الأدبي فاعليه الذين يقيمون في القطب المستقل على البحث في المجال العالمي - الذي لا يخضع لضغوط حقل السلطة المصرية والعربية - عن الاعتراف والتألق المحرومين منهما على المستوى المحلي. وهكذا، فإن الوصول إلى العالمية هو دومًا سلاح ذو نتيجتين متعاكستين بسبب الطبيعة الغامضة والملتبسة لكلمة العالمية.