المقاربة الإبستِمولوجية في الكتابة اللسانية العربية الحديثة
Epistemological Approach in Modern Arab Linguistic Writing
الملخّص
مؤلف كتاب الأسس الإبستِمولوجية للنظرية اللسانية محمد العمري هو أستاذ التعليم العالي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة القاضي عياض في مراكش المغرب. وهو باحث في اللسانيات، وتحديدًا إبستِمولوجية الخطاب اللساني المعاصر. ينخرط من خلال كتابه في محاورة النظريات الإبستِمولوجية، بغاية تفكيك أسس الخطاب اللساني المعاصر وإبستِماته التي قامت عليها النظريات اللسانية الكبرى. توجه رحلة البحث في الخصائص المعرفية للسانيات الحديثة.
Abstract
In his book The Epistemological Foundations for Linguistic Theory Mohammed al-Amri debates epistemological theories with the aim of deconstructing the foundations of discourse and the episteme of contemporary linguistics, upon which major theories of linguistics are based. His findings aim to challenge the cognitive specifics of modern linguistics. Dr al-Amari is professor at the Faculty of Literature and Humanities at Cadi Ayyad University, Marrakesh, Morocco. He is a researcher in linguistics specializing in the epistemology of the discourse of contemporary linguistics.
- المقاربة الابستمولوجية
- اللسانيات العربية
- الخطاب
- Epistemological Approach
- Arab Linguistics
- Discourse
الكتاب الكاتب
: محمد العمري مكان النشر الأردن تاريخ النشر 2012: الناشر
: دار أسامة للنشر والتوزيع عدد الصفحات: 320
مؤلف كتاب الأسس الإبستمولوجية
للنظرية اللسانية الدكتور محمد العمري
هو أستاذ التعليم العالي في كلية الآداب والعلوم
الإنسانية التابعة لجامعة القاضي عياض في
مراكش (المغرب). وهو باحث في اللسانيات،
وتحديدًا إبستمولوجية
الخطاب اللساني
المعاصر. ينخرط من خلال كتابه في محاورة
النظريات الإبستمولوجية، بغاية تفكيك أسس
الخطاب اللساني المعاصر وإبستماته التي قامت
عليها النظريات اللسانية الكبرى. توجه رحلة
البحث في الخصائص المعرفية للسانيات الحديثة،
: الأسس الإبستمولوجية للنظرية: البنيوية والتوليديةِ
من خلال الكتاب، مجموعة من المحاور أهمها:
أسس النظريات اللسانية؛ مميزات النمذجة
اللسانية؛ البنية الحجاجية للخطاب اللساني
الحديث. تتشكل معمارية الكتاب من مدخل غني يتمفصل
إلى مباحث فرعية متنوعة، مشكّلً بذلك انزياحًا
عن الأنماط الكلاسيكية للمداخل، ومن قسمين:
يتكون القسم الأول من فصلين، أما القسم
الثانيفقوامه أربعة فصول. يحمل القسم الأول
عنوانًا مثيرًا: «اللسانيات البنيوية أو الغواية
الباكونية»؛ فناهيك عن الحفر في الأسس الفلسفية
الكبرى التي تكمن خلف استدلالات البنيويين
ومفاهيمهم وتحليلاتهم، ينشغل هذا القسم
بقضايا كبرى من قبيل خطاب الدحض والتفنيد
الذي نهجته بنيوية سوسير للنحو التاريخي
والمقارن. ثم الصور المتعددة للبنيوية السوسيرية،
وبعبارة أخرى كيف تمثلت البنيويات اللسانية
الأوروبية بمختلف مشاربها أسس الخطاب -
النواة ممثلً في النص المرجعي الكبير الذي نهلت
منه البنيويات أسسها وتصوراتها للغة. ويتعلق
الأمر بالخطابات المنسوبة إلى سوسير المضمنة في
محاضرات في علم اللغة العام. ومن مزايا فحص
مقدمات ومصادرات النظريات اللسانية التي
نهجها الكاتب، الاهتداء إلى تمييز في غاية الأهمية
بين الصورة الأوروبية للبنيوية وصورتها الأميركية
ذات الأصول الفلسفية الذرائعية والأساس
العلمي البيهافيوري. أما القسم الثاني من الكتاب، فقد خُصص في
مجمله للسانيات التوليدية التي اعتبرها الكاتب
فصلً من فصول العقلانية، والتي اتخذت
تمظهرات متعددة، فمن عقلانية فلسفية أفلاطونية
الصدى، إلى عقلانية نفسانية متجذرة في الخطاب
الكارتيزي، إلى عقلانية بيولوجية حديثة، إلى
عقلانية إبستمولوجية ذات أصول بوبرية مؤسَّسة
على خلفية الدحض والإبطال. يمثّل كتاب العمري قيمة علمية مضافة إلى
المكتبة اللسانية الإبستمولوجية العربية، لكونه
لم يكتف بتفكيك مصادرات وأسس نظرية
واحدة، وإنما انبرى لمشهد لساني كبير ممتد في
الزمان والمكان. بل يمكن القول إن العلامة
الفارقة للكتاب، وهي تشكل ملمح تميزه،
تكمن في اختراق خريطة اللسانيات الحديثة
منذ مرحلة البدايات مع الثورة السوسيرية،
وللمشهد امتداداته التي ما انفكت تصنع
خرائط معرفية دائمة التجدد.
الخطاب اللساني الحديث ومنظورات التقييم
تتميز الممارسة اللسانية، باعتبارها ممارسة علمية،
بتعدد منظورات تقييمها؛ فإذا اتخذنا من الموضوع
زاوية للنظر، يمكن القول إن تخصيص اللسانيات
لموضوعها و«برامترات» التخصيص لم تكن
متجانسة في تاريخها الحديث. وهناك من يعتبر
أن تخصيص الموضوع مسألة أنطولوجيا، فمبدئيًا
لا شيء يمنع من أن نعتبر اللغة موضوعًا رياضيًا
أو نفسيًا أو اجتماعيًا أو حاسوبيًا، وينبغي الفصل
بين التحديد الأنطولوجي والمنهج الذي نتبناه،
سواء أكان منهجًا وصفيًا أم تفسيريًا أم تاريخيًا
أم مقارنًا. ويمكن النظر إلى الممارسة العلمية، في
آليات انبنائها العلمي، من جهة تشكّل المفاهيم
وآليات الوصف، أو من جهة صياغة الفرضيات
وبناء الموضوع وضبط الآليات الاستدلالية التي
تحصن النتائج وفرضيات العمل. على سبيل الرجائع التاريخية، يمكن تأكيد أن
الكتابة اللسانية العربية حققت، على الرغم
من تاريخها القصير، تراكمً على مستوى وصف
الظواهر اللغوية صوتًا وصرفًا وتركيبًا ودلالة
وتداولً، وتراكمً على مستوى التأريخ الخطي
للخطاب اللساني الغربي بتياراته واتجاهاته،
ويوازي هذا التراكم ضعف في الاهتمام بالأسس
التصورية والمنهجية والاستدلالية للسانيات
الحديثة، وتلك ثغرة تنضاف إلى ثُغَر أخرى
تسم مظاهر اختلال الممارسة اللسانية في الثقافة
العربية الحديثة، وتشكّل ملمحًا فارقًا بينها وبين
نظيرها في الأدبيات اللسانية الغربية، حيث
صاحب الوعي الإبستمولوجي مسار تشكل
اللسانيات، مشكلّا وعيًا علميًا مصاحبًا يدعم
آليات تخصيص الموضوع وبناء الأسس. وغدا
اقتران الإبستمولوجيا باللسانيات اقترانًا تقتضيه
الضرورة المنهجية لتطور اللسانيات نفسها، إن هي
أرادت أن تبلغ مستويات عليا من الكفاية، وهي
ضرورة تنبع من طبيعة التغذية الراجعة المميزة
للممارسة العلمية، لحظة مساءلة العلم لأسسه
ومبادئه.
الكتابة اللسانية العربية وتأصيل البحث الإبستِمولوجي
نعتقد من جهتنا أن هناك أكثر من مسوغ للتشديد
على أهمية تأصيل البحث الإبستمولوجي في
الكتابة اللسانية العربية، ونعتبر ذلك مدخلً
للحديث عن أهمية كتاب العمري، وقيمته
المضافة في البيبليوغرافيا اللسانية العربية المعاصرة: أولً، ما تشهده الأدبيات اللسانية الغربية في
القارة الأوروبية تحديدًا من نقاش ذي طبيعة
إبستمولوجية بعد اكتشاف مخطوطات ونصوص
جديدة لسوسير، حتى أضحى الحديث عند
البعض عن لسانيات سوسير الجديدة، التي
تقتضي الحفر في صياغة المفاهيم والفرضيات التي
صيغ انطلاقًا منها، موضوع اللسانيات الحديثة،
ونعني بذلك مفهوم اللسان، وهو بحث تقوده
أسئلة من طبيعة إبستمولوجية، من قبيل كيفية
تكوّن المفاهيم المائزة للنسق السوسيري، وتقنيات
الاستدلال، وسيروة تشكيل الموضوع. ولهذا
النقاش استلزامات ذات دلالة حول الطريقة
التي قرئ بها سوسير في أوروبا وخارجها، وهي
مسألة لا تخلو من طرافة مقترنة بترحال المفاهيم
والنظريات وتحولاتها وإبدالاتها. ويعزز ذلك ما
ذهب إليه العمري من أن نظرية سوسير انحرفت
عن مسارها فيما سيُصْطلَحُ عليه لاحقًا باللسانيات
البنيوية، وأن المشروع برمّته سيُختزل في افتراضات
حول نسقية اللسان واعتباطية الدليل، بدل
التأسيس الفلسفي لنظرية شاملة حول الأنساق.
ومقاربة العمري تُبيّ أن قراءة النص السوسيري
تستلزم استحضار السياق الفلسفي والمعرفي الذي
انبثق منه، فيصير النص في عمقه رجع صدى
لإبستمة العصر برمّته.ِ ثانيًا، ما عُرف عن الإطار التوليدي الذي
احتضن الأسئلة الإبستمولوجية الأساسية في
تاريخ اللسانيات المعاصرة، حيث صيغت أسئلة
وقضايا جديدة من نمط القيود الصورية على
بناء النماذج، والترييض، والنمذجة الحاسوبية،
ومستويات التفسير، وتقييد الأنحاء، وروائز
الكفايات وطرق تبريرها نفسيًا ونورولوجيًا
وإبستمولوجيًا. لقد ظل التأليف اللساني الغربي
يشهد مراوحة منتجة بين الكتابة اللسانية
التطبيقية التي تطور الأوصاف اللسانية للبنى
اللغوية في إطار لسانيات الظواهر وبين كتابات
إبستمولوجية موازية. نشير في هذا الصدد إلى
كتابات كريستيفا وما تضمنه العدد 24 من مجلة
لغاتالفرنسية، و كذلك ما اشتملت عليه كتابات
بوتا من نقاش دار حول الحجة في الاستدلال
التوليدي والأسلوب الغاليلي والأمثلة والتجريد
والعلاقة بين النظرية والواقع، وبالماريني ومجمل
أفكاره بشأن النواة الصلبة للبرنامج التوليدي
ومدى تطويره محورية البرنامج العقلاني، وقدرته
على خلق أرضية استدلالية مشتركة بينه وبين
النقاش الدائر في علم الأحياء، وتومالن في تحليله
الأصول الرياضية والمنطقية للنمذجة الصورية
للنحو التوليدي، ويستلزم الأمر استحضار
الأسماء الفرنسية التي بيّأت المشروع التوليدي
في فرنسا لوقت قصير، مع تمكينه من مقومات
السياق الإبستمولوجي والميتودولوجي الذي
يؤطر إنتاج الأفكار التوليدية وتبليغها، بمعنى
أن الآلة النحوية التوليدية لم تقدَّم في سياق
التلقي الفرنسي مفصولة عن ارتباطاتها المعرفية
والفلسفية، ولم تكن مقطوعة السند عن أصولها
مثلما جرى عندنا في العالم العربي. ويتعلق الأمر
بنيكولاس روفي) Ruwet (الذي نعتبره شيخ
التوليديين في فرنسا من خلال أعماله في نهاية
الستينيات من القرن الماضي، وكريستيان نيك
) Nique (وإيف بولوك) Polloque (وميتسو
رونا) Ronat (وبيكابيا) Picabia (وغيرون
) Gueron (وميلنر (Milne...(. هذه الأعمال
الأنغلوساكسونية أو الفرنكوفونية التي ذكرناها،
بُنيت كلها على مسلّمة ضمنية واضحة في تعاطيها
مع اللسانيات التوليدية تتأسس على فهم بدهي،
مؤداه أن ما لم يُستصرح في نصوص تشومسكي
من مقدمات فلسفية أو إبستمولوجية تؤطر
مشروعه يؤخذ من معرفة بالأصول الميتودولوجية
والفلسفية والعلمية التي تمثل الخلفية التي ينهل
منها تشومسكي فرضياته وآلياته الاستدلالية
ونمذجته الصورية. هذا التصور الازدواجي
لاستصراح الأسس هو ما حدا بالعمري إلى
نهل أصول النحو التوليدي وأسسه من منبعين؛
فمعظم المفاهيم المحورية في اللسانيات التوليدية،
مثل مفهوم الكفاية والنمذجة والفطرية
والتجريد، يستنبط العمري مضمونها التصوري
من نصوص تشومسكي نفسها، مع الحرص على
استحضار الأصول الفلسفية والإبستمولوجية
للمفاهيم المذكورة من أنساق معرفية متنوعة
بالغة الغنى والتنوع، وهو ما يجعل قارئ كتاب
الأسس الإبستمولوجية للنظرية اللسانيةِ يدرك
منذ الوهلة الأولى أن الإمساك بمعمارية النظرية
التوليدية غير ممكن من دون العبور من خلال ما
يُصطلح عليه بالطبقات الرسوبية التي تنأى بنا
عن التصور الخطي للمعرفة الذي يجعل معرفتنا
بالأنساق النظرية قائمة على العرض الخطي
والمتسلسل للأفكار. نصوص تشومسكي تخفي
استدلالات مطوية بلغة طه عبد الرحمن، وسياق
ميتودولوجي بأكمله مطوي، فالطبقات الرسوبية
تمثلها الإبستمولوجيا البوبرية التي يتبنّاها
تشومسكي والقائمة على فلسفة الدحض والتفنيد
وتمجيد الأبنية النظرية الافتراضية - الاستنباطية،
مثلما يمثّلها البرنامج العقلاني من أفلاطون إلى
ديكارت وهامبولت وليبنتز وليننبرغ، والعلوم
المعرفية والأحيائية المعاصرة. ولكم كان العمري
بليغًا في تحليله عندما جعل من هذه الطبقات
الرسوبية المشار إليها فضاءات استدلالية يروم
من خلالها تشومسكي تقوية النواة الصلبة
ومضاعفة الأحزمة الواقية لنظريته. والأبلغ من
ذلك أن يكون الإطار التفنيدي إطارًا موحدًا
للبنية الحجاجية للنظرية البنيوية والتوليدية على
حد سواء؛ فالبنيوية أسست برنامجها على دحض
أطروحات النحو التاريخي والمقارن. أما التوليدية،
فقد عمقت المنحى التفنيدي من خلال دحض
أطروحات علم النفس السلوكي والمنحى الباكوني
الوصفي والتصنيفي للسانيات البنيوية الأميركية.
إن مكمن جاذبية الأنساق النظرية الكبرى يتجلى
في قدرتها على هدم نظيراتها، إذا غضضنا الطرف
عن الأبعاد التجريبية للنماذج التوليدية من
النظرية ما قبل المعيار إلى البرنامج الأدنوي، وهي
أبعاد يسهل عرضها في صورة تبسيطية مثلما دأبت
على ذلك الكتب التيسيرية والتمهيدية للنظريات
اللسانية، أقول إذا غضضنا الطرف عن كل ذلك،
ألفينا المداخل التنظيرية القوية للنماذج السالفة
قائمة على دحض الأساس الباكوني للسانيات
الوصفية، والإبانة عن تهافت التصور الوضعاني
للغة، وهدم الأساس البيهافيوري لتعلم اللغة،
إلى حد أن نسقًا لسانيًا شامخًا من قبيل النحو
التوليدي يكشف حقيقة في غاية الطرافة، وهي
أن كل الأساس الفلسفي والميتودولوجي للنظرية
التوليدية ينبني على بلاغة المحاججة من دحض
وتفنيد، إلى حد أن سؤالً مرعبًا ينتاب المرء: ماذا
يتبقى من نصوص تشومسكي بعد تشذيبها من
كل الخطابات التفنيدية والدحضية؟ هل نكتفي
بآلة نحوية مقطوعة السند عن أصولها الفلسفية
والمنهجية؟ هل نحول اللسانيات التوليدية إلى
معرفة تطبيقية وتمارين إجرائية، مغيبين المظنونات
الإبستمولوجية والميتودولوجية الكبرى للنحو
التوليدي؟ أعتقد أن الإجابة عن هذه الأسئلة
ستقودنا حتمً إلى المسألة الثالثة. ثالثًا، ما ندعو إليه لن يكون سوى دعوى تعبّ
عن جل أطروحات كتاب العمري، ومفادها أن
التأسيس الإبستمولوجي للدرس اللساني شكل
من أشكال توطين الأدوات التقييمية السليمة
للخطابات اللسانية.
المقاربة الإبستِمولوجية تسعى إلى تشييد ثقافة وعي علمي جديد
تروم المقاربة الإبستمولوجية تشييد ثقافة وعي
علمي جديد في سياق التفاعل مع أنساق المعارف
العلمية الحديثة، وذلك من خلال الانشغال
العلمي بالأسس والمبادئ التصورية والمنهجية
والاستدلالية للمعرفة اللسانية. وكان عز الدين
المجذوب سباقًا إلى التصريح بأهمية الانشغال
بأسس التنظير اللساني المعاصر في الكتابة اللسانية
المعاصرة، إذ أكد أن ما يميز الخطاب اللساني
العربي المعاصر يتمثل في «قلة التنظير للممارسة
العلمية، وعدم وعي الباحث بالمسلمات التي
ينطلق منها، وعدم تفكيره فيما يقتضيه التسليم بها
من مستلزمات ونتائج فرعية». شاء العمري ألّ تكون قراءته للخطاب اللساني
المعاصر قراءة خطية، ولذلك سنسلك معه ما
سلكه مع أغياره من أسلافنا ومعاصرينا في تاريخ
الأنظار اللسانية، وسنقدم المطارحات التالية التي
نحسبها عصارة ما قدمه وعصارة ما نقرأه في
مشهد الخطاب اللساني الغربي المعاصر: - إن أي مسلك تقييمي للنظريات اللسانية
المعاصرة يقتضي استحضار التراكم النظري الذي
عرفته فلسفة العلوم في السنوات الأخيرة، وهذا
يسمح باجتراح أدوات تحليلية متعددة تعتمد
لغة العلم، وأساليب بناء النماذج واستراتيجيات
الوصف والتفسير، وفحص تماسك الجهاز
الافتراضي وآليات العبور من الفرضيات والنماذج
المبنية إلى وصف المعطيات والوقائع، واستصراح
الاستراتيجيات والافتراضات المطوية في ثنايا
الاستدلال، ورصد التقاطعات المعرفية التي
تسمح بوصف عبور المفاهيم وآليات التحليل
والاستدلال من علم إلى آخر. ويعزز هذا الطرح النقاش الذي تشهده
إبستِمولوجيا اللسانياتبشأن مجموعة من
القضايا، مثل تشابك البَدايمات وأساليب النمذجة
وتقنيات الوصف والتفسير وآليات فحص القوة
التفسيرية للنظريات، من قبيل التقييس الحاسوبي
والتنبؤ وتوسيع ميادين الاكتشاف ونقل القوانين
والفرضيات من مجال تفسيري إلى آخر... مبدئيًا، يمكن أن نعتبر مجموعة من القضايا التي
تطرح في التنظير اللساني مثل: التجريب والصورنة
والترييض وروائز التجريب ومستويات التفسير
ومصداقية الحجة والدليل ووحدة العلوم
وتقاطع الاختصاصات العلمية أو تداخلها، ذات
امتدادات إبستمولوجية في الفيزياء وعلم الأحياء
والرياضيات... لقد عمل العمري على تسييج مقدمات عمله
ونتائجه بمجموعة من النظريات الإبستمولوجية،
باعتبارها أدوات ومفاتيح استنباط وتحليل أسس
التنظير اللساني، ومن بينها نذكر: نظرية باشلار
وتوماس كون ولاكاتوس وبوبر وفوكو.
ولقد كان للعمري سياحات في تلك النظريات
لم تكن لتخلو من مخاطر، لأنك إذا لم يكن
لمشروعك سؤال تهتدي به في ترحالك فيها فلن
تجعلها ناطقة بما تريد، والحال أن عمل العمري
ناطق بأسئلة تغري السائح في الصور المتعددة
للنظريات اللسانية، وأن موضوع الأسئلة شكَّل
بحثًا في أسئلة أخرى، فالمشروع التوليدي برمّته
بني على أسئلة مستصرحة في كل مداخل كتب
تشومسكي. - تنبه العمري إلى دور اللسانيات التوليدية في
تطوير البَدايم المعرفي (cognitive paradigm)،
لأنه ساهم في صوغ ملامح افتراضية لمجموعة من
القضايا التي توحد الانشغال بها، في إطار المنحى
التقاطعي للعلوم المعرفية، مثل قضية اكتساب
اللغة والتطور الأحيائي للملكة اللغوية، وعلاقة
الملكة اللغوية ببقية الملكات الذهنية... وقد
ولَّد الانشغال بهذه القضايا أسئلة إبستمولوجية
مثل: وحدة العلم، ووحدة البَدايمات،
وتقاطع مستويات الاستدلال وحدود استعمال
الاختصاصات المتقاطعة للغة علمية متجانسة. - نعتبر أن عماد الممارسة اللسانية في شقها
الإجرائي ينبني على النمذجة التي عدها العمري
من أساسيات بلاغة الخطاب اللساني المعاصر،
وتدخل بلورة النماذج ضمن التقانة العلمية
المعاصرة؛ حيث تعتبر «بلورة النماذج» جزءًا لا
يتجزأ من هندسة النظريات العلمية، وتمتلك
هذه النماذج قدرات استكشافية عندما تقود العالم
إلى اكتشاف حقائق ومعطيات جديدة، موسعة
بذلك مجال المعارف. ثمة نزوع في العلوم المعرفية
نحو بلورة نماذج بدل النظريات بالمعنى التقليدي،
ولذلك فعدد النظريات باعتبارها برَدايمات كبرى
موجهة للتنظير والتفسير أقل بقليل في العلوم
المعاصرة مقارنة بالنماذج. وبتبنّي اللسانيات
أسلوب البحث في العلوم المعاصرة، وباستبطانها
خصائص العقلية العلمية المعاصرة، تعمل على
خلق برَدايم ميتودولوجي موحد ومندمج تلتقي
فيه التخصصات العلمية والمعرفية وتتقاطع فيه
المعارف وتتمفصل ضمن أسلوب بحث موحد. يُعتمد أسلوب النمذجة في مجموعة من العلوم،
مثل علم الأحياء الجزيئي والفيزياء والكيمياء
وعلم النفس وعلم الاجتماع، للتمثيل لخصائص
الظواهر المدروسة، ولصوغ التعميمات ووصف
اشتغال مكونات النظرية. فالتفسير والاستدلال
والتمثيل ومختلف مسارات الصياغة العقلانية
للعلم، تقوم فيها النمذجة بأدوار جوهرية،
وبهذا يمكننا الجزم بأن بناء العلم لا ينفك عن
بنائه النمذجي، وأن معمارية النظرية التوليدية
يتجاذبها مكوّنان أساسيان، فمن جهة هناك
المكوّن الافتراضي، ومن جهة أخرى هناك
المكوّن النمذجي. ويبيّ كتاب الأسس
الإبستمولوجية للنظرية اللسانية أن توجيه
الأبحاث نحو الآلات الواصفة والنماذج قد تم
بموجب تطورات حدثت في الحقول المجاورة
للسانيات، من قبيل النظريات الإعلامية
الحاسوبية والمنطقية والرياضية، كما أن جوهر
التحول في النماذج التوليدية منذ النموذج ما قبل
المعيار إلى البرنامج الأدنوي مؤسَّس على أسس
إبستمولوجية صلبة، لأن التقانة الصورية ليست
مقصودة لذاتها في النحو التوليدي، بل في قدرتها
على إمداد اللساني بالوسائل الصورية الكفيلة
باختزال تعقيد أدوات وصف اللغات الطبيعية
وتنوعها، إلى مبادئ أولية ذات كفاية تفسيرية.
ويتغيا تطوير التقانة الصورية في النماذج التوليدية
تغطية معطيات لسانية جديدة بآليات وصفية
وتفسيرية أكثر كفاية من الناحية الإجرائية، علاوة
على اختزال آليات الوصف إلى مبادئ أولية من
أجل بلوغ الكفاية التفسيرية التي تفضي إلى تفسير
ميكانيزمات الاكتساب اللغوي بموجب مبادئ
وقيود بسيطة. ولعل هذا التصور القائم على
تأصيل مفهوم النمذجة تأصيلً إبستمولوجيًا يُعَدّ
الأوفر كفاية من الناحية التصورية، مقارنة ببعض
الكتابات اللسانية العربية التي تقدم النماذج
التوليدية في تحولاتها من دون تبرير إبستمولوجي
لإبدالات النموذج، وهو ما يمنح مشروعية
للتناول الإبستمولوجي للأسس وفق الصيغة
التي يتبناها مؤلَّف العمري.
- يحضر سؤال القطيعة والاستمرارية في النظريات
اللسانية بقوة في كتاب الأسس الإبستمولوجية
للنظرية اللسانية، ولهذا السؤال صيغ متعددة
في تاريخ الفكر اللغوي العربي المعاصر، فتارة
يُطرح بصيغة العلاقة بين التراث والحداثة، بين
النحو العربي واللسانيات الحديثة، وتارة أخرى
يُطرح حول علاقة اللغويات القديمة في الشرق
والغرب بالمسمّى لسانيات حديثة... وقد اختار
العمري أن يطرحه بصيغة يُفهم منها مساءلة
القيمة المعرفية للثورة اللسانية الحديثة للتيار
البنيوي والتوليدي، بصيغة: هل هناك تقدم في
طرح الإشكالات وفي تقديم الإجابات؟ أم أن
المسألة لا تعدو أن تكون تراكمً لمعارف في مسار
خطي لا تتقدم فيه المعرفة ولا تحقق قفزات أو
ثورات؟ قدمنا إجابة في بعض أعمالنا عن السؤالين تلتقي في
العمق مع ما يقدمه مؤلف الأسس الإبستمولوجية،
ومؤداها أن من الملامح البارزة في المعرفة الإنسانية
تجدُّد المحاور الذي يشكل دعامة تطور الفكر
الإنساني؛ فالثورة المعرفية التي تشهدها اللسانيات
في سياق المد التقاطعي بينها وبين علوم شتى،
مثل علم الأحياء والعلوم العصبية الحاسوبية
والمعرفية، يبيّ بالملموس أن البحث في اللغة مثله
مثل البحث في خصائص المادة يمكن أن يشهد
عصورًا معرفية تختلف في سماتها وعلائقها عن
علوم عصور سابقة، أي إننا إزاء منظومة معرفية
تتبدل فيها العناصر والمكونات والعلائق. وهناك
مسارات متعددة يُقرَأ انطلاقًا منها نضج اللسانيات
المعاصرة؛ نضج مقرون بالصورنات الدقيقة
لسمات اللغات الطبيعية وهندستها، ومقرون أيضًا
بتطور محاور الاستدلال والمجالات الاستكشافية
الجديدة التي بدأت اللسانيات تدخل غمارها،
مثل تطور الملكة اللغوية وخصائصها وهندستها
وتفاعلها مع بقية الملكات المعرفية في الدماغ،
ونضج اللسانيات في مستوى آخر من مستويات
التحليل مقرون بعدد البَدايمات العلمية التي تمثّل
أطرًا استدلالية تضم إلى شعابها مجموعات علمية
عبر العالم، ففي اللسانيات المعرفية نجد البردايم
الحاسوبي والبردايم الاقتراني يتنافسان على صوغ
الافتراضات والتفسيرات. في الختام، لن أجد أبلغ من كلمة لمولاي أحمد
العلوي قالها ذات يوم عن مؤلف سائح يجوب
آفاق النظريات: «تحس وأنت تقرأه بالفوز لأن
العقد القرائي بينك وبين كاتبه لم يتعرض لخيانة
ولا خداع. بين القارئ والكاتب عقد، القارئ
يقرأ بشرط الاستفادة والكاتب يَعِد بالإفادة».
وبمناسبة الحديث عن عقد القراءة، للقارئ بعد
أن يطوي دفتي الكتاب أن يتساءل عن جدوى
«قراءة أسس النظريات اللسانية المعاصرة»، يُسُِّ
العمل لي بما تطويه سطوره: إن الجدوى كائنة في
ما يطبع المعرفة العلمية المعاصرة من مظهر كوني
يلزمنا بضرورة استيعاب خريطة المعارف المعاصرة
وتمثّلها في تخصص معيّ، وأن تكون لنا مساهمة في
النقاش الدائر في المحافل اللسانية الدولية؛ مساهمة
تبدأ بتمثل الأسس، وأساس كل الأسس يتجلى في
طبيعة البناء الأنطولوجي للبحث اللساني المعاصر
وجوهره نظام متعدد الاختصاصات، كما أن
ممارسة هذا النظام تتم بصورة مماثلة للاستدلالات
المعمول بها في النظريات العلمية الحديثة، وقوامها
عندنا افتراض واستدلال على الافتراض ثم تعميم
وتنبؤ.
الهوامش
(١) يمكن أن نستثني بعض الأعمال التي يمكن إدراجها في
خانة البحث الإبستمولوجي، ومعظمها منتم إلى الجغرافياِ
المغاربية تحديدًا، ولذلك أكثر من دلالة، نشير، على سبيل
التذكير لا الحصر، إلى: محمد العمري، الأسس الإبستمولوجية
للنظرية اللسانية: البنيوية والتوليدية (عمان، الأردن: دار أسامة
للنشر والتوزيع، 2012)؛ أحمد العلوي، الطبيعة والتمثال:
مسائل عن الإسلام والمعرفة (الرباط: الشركة المغربية للناشرين
المتحدين،1988)؛ محمد الأوراغي، الكليات والوسائط، 2
ج (الرباط: دار الأمان، 2001)؛ عز الدين مجدوب، المنوال
النحوي العربي: قراءة لسانية جديدة (صفاقس، تونس: دار
محمد علي الحامي، 1998)؛ أمحمد الملاخ وحافظ إسماعيلي
علوي، قضايا إبستمولوجية في اللسانيات (بيروت: الدار العربية
للعلوم، 2009)، ومصطفى غلفان: اللسانيات العربية الحديثة:
دراسة نقدية في المصادر والأسس النظرية والمنهجية، رسائل
وأطروحات؛ 4 ([الدار البيضاء: جامعة الحسن الثاني، كلية
الآداب والعلوم الإنسانية، 1998])، واللسانيات العربية:
أسئلة المنهج (عمان، الأردن: دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، أتينا إلى ذكر الكتب، وإن كانت البيبليوغرافيا الإبستمولوجية
يجب أن تشمل ما نشر بالمجلات والأطاريح غير المنشورة،
ولقد حاولنا في كتاب قضايا إبستمولوجية في اللسانياتأن
ننجز جردًا أوليًا غير مكتمل لبعض هذه الأعمال، كما أن
كتاب الأستاذ العمري فيه إحالات بيبليوغرافية عربية أحسبها
استدراكًا لما سقط سهوا في عملنا.
(٢) العمري، الأسس الإبستمولوجية للنظرية اللسانية.
(٣) أحيل في هذا السياق إلى بعض الأعمال الدالة:
Simon Bouquet: «La Linguistique générale de Ferdinand de Saussure: Textes et retour aux textes,» Texto (Décembre 1999), et «Après un siècle, les manuscrits de Saussure reviennent bouleverser la linguistique,» Texto (Juin 2005), et Rossitza Kyheng, «Les Points de vue et la construction de l’objet en linguistique selon Saussure,»
(٤) نقتصر على ذكر بعض الدراسات التي سلكت منحى التقييم
الإبستمولوجي لمفاهيم الدرس التوليدي وأسسهِ:
Julia Kristeva et Emile Benveniste, Epistémologie de la linguistique , Langages; 24 (Paris, Didier, 1971); Massimo Piattelli-Palmarini, “À propos des programmes scientifiques et leur noyau central,» dans: Centre Royaumont pour une science de l’homme, Théories du langage, théories de l’apprentissage: Le Débat entre Jean Piaget et Noam Chomsky , organisé et recueilli par Massimo Piattelli-Palmarini; traduction des textes anglais par Yvonne Noizet (Paris: Editions du Seuil, 1979); Cedric Boeckx and Massimo Piattelli-Palmarini, “Language as a Natural Object-Linguistics as a Natural Science,” Linguistic Review , no. 22 (2005); Marcus Tomalin, Linguistics and the Formal Sciences: The Origins of Generative Grammar , Cambridge Studies in Linguistics; 110 (Cambridge; New York: Cambridge University Press, 2006); Jean-Claude Milner, Ordres et raisons de langue (Paris: Editions du Seuil, 1982), and Rudolf P. Botha: «Le Statut méthodologique de la preuve linguistique externe en grammaire generative,» Langages , vol. 6, no. 24 (Décembre 1971); «On the Galilean Style of Linguistic Inquiry,» Lingua , no. 58 (1982), and Challenging
Chomsky: The Generative Garden Game (Oxford, UK; New York: B. Blackwell, 1989).
(٥) يزعم العمري، وهو محق في زعمه، أن البرنامج العقلاني
في اللسانيات التوليدية متعدد الصيغ؛ فهناك عقلانية فلسفية
وأخرى إبستمولوجية وعقلانية نفسانية وبيولوجية. يقول:
«من الواضح جدًا أن تشومسكي تأثر كثيرًا بالفكر العقلاني
في مختلف أشكاله واقتفى أثره في كل مساراته، فمن الفلسفة
العقلانية كما مثّلها أفلاطون وديكارت وغيرهما، إلى
الإبستمولوجيا العقلانية [...] إلى اللغويات العقلانية... إلى
البيولوجيا العقلانية». انظر: العمري، ص.174
(٦) مجدوب، ص.12
(٧) بخصوص برنامج تحليل إبستمولوجي للسانيات، انظر:ِ
Alex Barber, ed., Epistemology of Language (Oxford; New York: Oxford University Press, 2003), pp. 1-25.
ومن أجل تحليل مسهب لمحاور هذا البرنامج، انظر: الملاخ
وعلوي، ص -27 30.
(٨) العمري، ص.9
(٩) قوام العمل النظري سؤال أو أسئلة مستصرحة أو مغيبة تقود
المشروع النظري برمّته. انظر: المصدر نفسه، ص 7. بخصوص
أسئلة مؤلف العمري.
لم يكفّ النحو التوليدي عن طرح الأسئلة الدالة وتعديلها
لتخلفها أسئلة أكثر عمقًا مع ظهور البرنامج الأدنوي في
تسعينيات القرن المنصرم، فما عاد السؤال الذي انشغل به
البرنامج التوليدي في بدايته يتعلق بخصائص الملكة اللغوية
باعتبارهامحركًا مركزيًا للبحث، بل أصبح السؤال يُطرح بصيغة
جديدة: لماذا تمتلك الملكة اللغوية تلك الخصائص دون
غيرها؟ وهذا يعني أنه ينبغي أن يتجه البحث إلى مستوى أبعد
من الكفاية التفسيرية، وبذلك تحذو اللسانيات حذو الفيزياء
الحديثة، فما يشغل العلماء ليس فقط القوانين الفيزيائية للكون،
وإمكانية استخلاصها من مبادئ بسيطة وموحدة، بل أيضًا لماذا
يشتغل الكون بتلك المبادئ بالضبط، وما الذي يجعل الكون
يظهر بالصورة التي هو عليها؟
(٠١) العمري، ص 196.
(١١) يسمح النسق الافتراضي للعالم بصوغ فرضيات تخصص
جهاز ملكة اكتساب اللغة، أما النمذجة فتمثل الآليات الصورية
والمنطقية لبناء الأنحاء الصالحة لتمثيل تلك الخصائص.
وبذلك يلتقي البناء النظري في اللسانيات التوليدية مع مثيله في
العلوم الفيزيائية. ويشكل اعتماد نهج النمذجة سبيلً للانتقال
من الاعتماد على تراكم المعارف في الأبحاث اللغوية إلى صوغ
أنحاء منضبطة بقيود وعمليات خوارزمية لتوليد خصائص البنى
اللغوية وسماتها واشتقاق هذه الخصائص وتمثيلها.
(٢١) المصدر نفسه، ص.7
(٣١) الملاخ وعلوي، ص.15