العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المثقَّف والعسكري

المثقَّف والعسكري

The Intellectual and the Military Man

خالد زيادة

Khaled Ziyadeh

الملخّص

شهدت عاصمتان، اسطنبول والقاهرة، بدايات التحديث. وكان التحديث قد انصب على إنشاء قوات عسكرية نظامية، وكُرست الجهود كلها من أجل ذلك، بحيث إن جميع الذين استُخدموا في المؤسسات التعليمية والإدارية كانوا قد أجروا تدريبًا عسكريًا أو انخرطوا في القوات العسكرية ومارسوا مهمات قتالية، الأمر الذي جعل المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الكبرى التي كانت ترفد سائر مؤسسات الدولة.

Abstract

Two capital cities witnessed the onset of modernity: Istanbul and Cairo. Modernity applied to the creation of organized military forces, to the extent that all those employed in educational and administrative institutions had either undergone military training or enlisted in the armed forces and undertaken combat missions – transforming the military into the main institution supplementing other institutions of the state. The onset of modernity led to the creation of institutions: first military, then administrative, legal, and educational. The modernizing ideas of the men of the Tanzimat in Istanbul and the Nahda in Egypt thus revolved around the creation of an organized army, a hierarchical judicial system, and an education system along modern lines, leading up to the writing of a constitution, which is to say a political system based on representation, elections, and the separation of legislative and executive powers. However, increased contact with Europe and its political history opened the way for abstract ideas with no connection to institutions; ideas like freedom, equality and nationalism which were disseminated by figures independent from the institutions created in the framework of the Tanzimat or the Nahda, but which nonetheless found an echo within the military establishment. The Urabi Revolution of 1881 was an early expression of this. Cells of the Committee of Union and Progress, founded by civilian proponents of reform, spread within the ranks of army officers who launched the Young Turks Revolt in 1908 with the slogans of freedom and equality.

الكلمات المفتاحية:
  • المثقف
  • العسكري
  • التعليمية
  • الإدارية
  • الدولة
Keywords:
  • The Intellectual
  • the Military Man
  • Educational Institutions
  • Administrative Institutions.

شهدت عاصمتان، اسطنبول والقاهرة، بدايات التحديث. وكان التحديث قد انصب على إنشاء قوات عسكرية نظامية، وكُرست الجهود كلها من أجل ذلك، بحيث إن جميع الذين استُخدموا في المؤسسات التعليمية والإدارية كانوا قد أجروا تدريبًا عسكريًا أو انخرطوا في القوات العسكرية ومارسوا مهمات قتالية، الأمر الذي جعل المؤسسة العسكرية هي المؤسسة الكبرى التي كانت ترفد سائر مؤسسات الدولة. واقع الأمر أن بدايات التحديث كانت قد انصرفت إلى إنشاء المؤسسات: عسكرية ثم إدارية وحقوقية وتعليمية، وهو ما يفيد بأن المؤسسة كانت مدار التحديث. من هنا، فإن الأفكار التحديثية لدى رجال «التنظيمات» في اسطنبول ورجال «النهضة» في مصر كانت تدور حول إنشاء جيش نظامي ونظام قضائي تراتبي وتعليم نظامي وفق المناهج التعليمية الحديثة، وصول إلى إحلال الدستور الذي يعني نظامًا سياسيًا يقوم على التمثيل والانتخاب، وفصل التشريع عن السلطة التنفيذية. إلا أن تزايد الاتصال بأوروبا والتعرف إلى تاريخها السياسي وأفكارها أفسحا المجال لبروز أفكار تجريدية لا ارتباط لها بمؤسسة، مثل أفكار الحرية والمساواة والوطنية التي نشرها أشخاص غير مرتبطين بالمؤسسات التي أُنشئت في إطار التنظيمات والنهضة، ومع ذلك وجدت صدى داخل مؤسسة الجيش، فكانت ثورة عرابي 1881 تعبيرًا مبكرًا عن ذلك، وانتشرت خلايا حزب الاتحاد والترقي، الذي أسسه مدنيون نهضويون، داخل صفوف ضباط الجيش الذين قاموا بالانقلاب الدستوري سنة 1908، ورفعوا شعارات الحرية والمساواة.

طرحت الحداثة على المجتمعات التقليدية تحديات لم تكن مسبوقة، خصوصًا أن هذه التحديات تمثّلت في التفوق الأوروبي؛ ففي نهاية القرن الثامن عشر، تكبدت الدولة العثمانية أول الهزائم أمام تفوق العسكرية الأوروبية. صحيح أن كتّابًا ومستشارين كانوا قد قدموا مقترحات خلال القرن السابع عشر لإصلاحات حين ظهرت ملامح الضعف واستشراء الفساد، إلّ أن تلك المقترحات لم تكن تمس جوهر الأسس التي تقوم عليها الدولة التقليدية؛ إذ كانت تدور حول استعادة التقاليد القديمة التي أُهملت مع الزمن. لكن الهزيمة العسكرية الفادحة دفعت الطبقة الحاكمة إلى تجاوز النصائح التقليدية، واتجهت إلى محاولة الأخذ بالتقنيات والعلوم الأوروبية. في البدايات المبكرة للتحديث، عمل الحكام والسلاطين والولاة على إصلاح العسكرية، الأمر الذي أدى إلى قيام جيش نظامي وبناء مؤسسات في مجال التعليم والإدارة والقضاء. وقد حلّت هذه المؤسسات مكان التشكيلات والأجهزة التقليدية؛ فبدلً من قوات «الإنكشارية» وفرسان المماليك، سعى الحكام المصلحون إلى إنشاء فرق عسكرية نظامية، وبدلً من المدرسة الدينية التقليدية، أُِنشئت المعاهد المتخصصة التي كانت تدرّس الهندسة والطب والحقوق. وحلّت المحاكم المختلطة مكان المحاكم الشرعية. وعلى الرغم من أن كتّاب الديوان أدوا أدوارًا مبكرة في دفع عملية التحديث، فإن الإدارة الحديثة التي يشغلها أشخاص ذوو معارف حديثة ولغات أوروبية أزاحت الجسم التقليدي لكتّاب الديوان. بلغ هذا التطور مداه حين وضِعت صلاحيات العاهل أمام ضرورة القبول بالمسار الدستوري، الذي يجعل السلطة التنفيذية موضع المساءلة أمام سلطة المجالس المنتخبة من قبل قوى صاعدة من الملّك والتجار، وكذلك المتعلمين. كل ذلك كان يجري داخل أروقة السلطة والإدارة التي اقتنعت بأن التحديث يعني بناء مؤسسات على النمط الأوروبي. إن تعثّر المسار الدستوري، إن بسبب رفض السلطان أو بسبب التدخلات الخارجية، أوجد أسبابًا لنشوء معارضة تستند إلى أفكار ازدادت شيوعًا في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وخصوصًا فكرتي الحرية والدستور، الأمر الذي رفع من شأن فئة في طور التكوّن تضم كتابًا وشعراء وصحافيين، أو ما يمكن أن نسمّيهم المثقَّفين. كانت الدولة التقليدية ترتكز على قاعدتين: جباية الضرائب من جهة، وشن الحروب وضمان الأمن من جهة أخرى. والمهمتان مترابطتان، فجباية الضرائب تضمن المال من أجل تمويل العسكر. ولا تختلف الدولة المملوكية السلطانية في ذلك عن الدولة العثمانية السلطانية سوى في بعض الفروق التي يمكن الإشارة إليها في عناوين: انتشرت الدولة المملوكية (1516-1250) في المحيط العربي، مصر وسورية والحجاز، وكان المماليك غرباء عن المجتمع الذي يحكمونه، من هنا أعطوا علماء الدين

دورًا بارزًا في حكم المجتمعات المحلية، وتقلُّد بعض المناصب الإدارية، والاشتراك في أعمال جباية الضرائب أو التجارة. أمّا الدولة العثمانية (1918-1300)، فتوسعت في ثلاث قارات، واكتسبت بعض تقاليد الدولة البيزنطية، فكان الجهاز الديني مؤسسة يترأسها شيخ الإسلام، وتقبض على القضاء والتدريس. وبينما كان المماليك يباشرون المهمات العسكرية بأنفسهم بوصفهم مقاتلين وفرسانًا، اشتهرت الدولة العثمانية بقوات «الإنكشارية» التي حققت للدولة انتصارات في أوج توسعها وقوتها.

ورثت الدولة العثمانية المماليك بعد هزيمتهم بسبب تفوّق عسكريتها، وخصوصًا المدفعية، وسيطر العثمانيون على مجمل العالم العربي دون المغرب الأقصى. وفي أواسط القرن السادس عشر، أضحت الدولة العثمانية دولة عظمى وصلت قواتها إلى أسوار فيينا، التي حاصرتها مرة ثانية وأخيرة سنة 1687، وكان ذلك آخر تقدم عثماني في أوروبا أعقبه بعد سنوات قليلة (1699) انكسار، خسرت بنتيجته الدولة أراضي في أواسط أوروبا، بما في ذلك هنغاريا. وكان هذا الانكسار قد زعزع الثقة العثمانية بالقوة التي لا تُقهر، فاضطرت السلطنة إلى التفكير في إجراء إصلاحات، وخصوصًا في المجال العسكري. لم تكن الهزيمة أمام النمسا وروسيا السبب الوحيد الذي دفع الإدارة العثمانية إلى التفكير في الإصلاح، بل كان هناك أيضًا المثال الروسي الذي أخذ بإصلاحات على النمط الأوروبي. كانت روسيا بلدًا مهملً ومتوحشًا بحسب الاعتقاد العثماني، ولكنها اندفعت إلى التحديث في عهد بطرس الأكبر، وخصوصًا في مجالي العسكرية والبحرية، وهو ما جعلها قادرة على إلحاق الهزيمة بقوات «الإنكشارية» العثمانية، فأصبح المثال الروسي القيصري نموذجًا بالنسبة إلى منظِّر الإصلاحات المبكرة إبراهيم متفرقة الذي شرح التجربة الروسية. كانت فكرة التحديث أو الإصلاح قد استقرت في ذهن السلطان أحمد الثالث (1730-1703) ووزيره المصلح إبراهيم داماد (1730-1718). وكان أول إجراء اتخذه الوزير هو إيفاد سفير إلى باريس للوقوف على مظاهر التقدم في دولة حليفة للدولة العثمانية. قدّم السفير تقريرًا عن سفارته وصف فيه مظاهر من الحياة في العاصمة الفرنسية، وأفرد حيزًا كبيرًا لوصف القصور والعمران والمسارح وحياة القصور، وهي الأمور التي لفتت انتباهه. إلّ أن الزيارة والنزعة إلى التحديث تمخضتا عن اندفاع الطبقة الحاكمة في اسطنبول إلى تقليد مظاهر الحياة في فرنسا، وخصوصًا بناء القصور. وكان أبرز إنجازات ذلك العصر إدخال الطباعة إلى اسطنبول سنة 1827، ومحاولة إنشاء مدرسة للمدفعية.

انتهى عهد السلطان أحمد الثالث بثورة أغوات «الإنكشارية» التي تذرعت بحياة البذخ والسعي إلى تقليد الأوروبيين سببين من أسباب قيامها، الأمر الذي أدى إلى تضحية السلطان بوزيره المصلح وإعدامه، إلّ أن ذلك لم ينقذه، بل أ جبر على التنازل عن العرش، في ثورة أحرقت القصور التي بنيت على نمط فرساي ومارلي، وكانت فتوى شيخ الإسلام جاهزة لخلع السلطان. على امتداد القرن الثامن عشر، كان سعي السلاطين إلى الإصلاح يصطدم بمؤسستين راسختين، المؤسسة العسكرية، ممثَّلة في «الإنكشارية»، والمؤسسة الدينية وعلى رأسها شيخ الإسلام. وإذا كانت المؤسسة العسكرية قد دافعت عن ذاتها لإدراكها العميق بأن الإصلاح العسكري سيؤدي إلى زوالها، فإن المؤسسة الدينية عجزت عن استيعاب ضرورة الإصلاح العسكري -هذا إذا استثنينا بعض أفرادها- بل على العكس من ذلك، كانت الهزائم العسكرية المتلاحقة أمام الدول الغربية تؤدي إلى تشدُّد العلماء في مواقفهم المحافظة باسم الحفاظ على التقاليد إزاء أي تحديث على النمط الغربي.

كان ثمة مركزان عرفا التحديث في العالم العربي والإسلامي: - اسطنبولالتي شهدت المحاولات التحديثية المبكرة والمتعثّرة على امتداد القرن الثامن عشر الذي صعد في نهايته سليم الثالث (1807-1789) إلى عرش السلطنة، وعمل على إنشاء قوات عسكرية نظامية، وبنى بعض إنجازاته على إنجازات سلفه عبد الحميد الأول (1789-1774) الذي استعان بوزراء متميزين، من بينهم الصدر الأعظم عبد الحق حميد، كما استعان بخبراء فرنسيين، وعمل على تحديث المدفعية والبحرية وبناء سفن وإنشاء مدرسة للهندسة وإدخال الطباعة مجددًا، إلّ أن معارضة العلماء والعسكر أدت إلى ترحيل الخبراء الأوروبيين. وكان سليم الثالث أكثر تصميمًا، فأعطى إصلاحاته طابعًا مؤسسيًا، وكوّن سلاح المشاة (تحت اسم «النظام الجديد») الذي أصبح عديده في نهاية عهده 22685 جنديًا و 1590 ضابطًا، وأنشأ وقفًا سُمّي «ايراد جديد» لتمويل فرقه العسكرية. كما اهتم بإيفاد السفراء إلى عواصم أوروبا، إلا أن تجربته انتهت بشكل مأساوي؛ إذ خُلع عن العرش، ثم قُتل في أثناء محاولة إعادته في سنة 1808، وترافق ذلك كله مع إحراق الثائرين المنشآت التي أقامها، وملاحقة رجال عهده وضباطه وقتلهم. لقد واجه سليم الثالث ظروفًا صعبة داخلية وخارجية، وإذ صعد إلى العرش في سنة الثورة الفرنسية، فإن حملة بونابرت على مصر اضطرته إلى قطع العلاقات مع الدولة التي كان ينتظر أن تدعم إصلاحاته، وكان أوفد إلى مصر قوة عسكرية بقيادة الألباني محمد علي الذي سيكون له شأن في التحديث في النصف الأول من القرن التاسع عشر. - القاهرة التي شهدت تجربة التحديث بعد اسطنبول؛ إذ تعرضت مصر لحملة عسكرية فرنسية سنة 1798، وعاشت بعد خروج الفرنسيين اختلالً وفوضى سياسية وتضاربًا بين مصالح العثمانيين

والإنكليز والفرنسيين وخططهم، لكن الأهم من ذلك هو تخلخل نفوذ الطرفين اللذين كانا يتحكمان في مصر قبل الحملة الفرنسية، أي أمراء المماليك والعلماء. على غرار دولة المماليك في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، استعان أمراء المماليك، الذين تحكموا في مصر منذ بداية القرن الثامن عشر، بعلماء الأزهر لبسط سيطرتهم، فتحالف هؤلاء العلماء مع أمراء المماليك وأصبحوا شركاءهم في التزام الأراضي وجمع الثروة، فضلً عن قيادة المجتمع الأهلي. وإذا كانت الحملة الفرنسية قد وجهت ضربة قاصمة إلى نفوذ المماليك فحطت بنفوذهم بعد هزائمهم وفرارهم أمام الجيش الفرنسي، فإن تجربة العلماء في الديوان الذي أحدثه الفرنسيون أظهرت عجزهم عن قيادة مصر وحكمها، كما أظهرتهم متعاونين مع الفرنسيين ففقدوا هيبتهم، وعجزوا بعد خروج الفرنسيين عن استعادة مكانتهم. وإذا كان نقيب الأشراف عمر مكرم ظهر كقائد شعبي معارض للفرنسيين وكزعيم شعبي بعد خروجهم، فإن تسليم العلماء لمحمد علي بحكم مصر قدم للأخير فرصة التخلص من زعامة عمر مكرم. عاد العلماء إلى الأزهر للتدريس والوعظ كما يصف الجبرتي، وقد جُردوا من الامتيازات التي كانت لهم أيام المماليك. ولم يكن صعبًا على محمد علي أن يتخلص من بقايا أمراء المماليك بالمكيدة، فقضى عليهم في مجزرة القلعة سنة 1811، الأمر الذي أتاح له التفرغ لخططه في بناء جيشه والإمساك باقتصاد مصر وزراعتها وتجارتها. إن صورة محمد علي لا تختلف عن صورة أي طاغية في العالم الذي ينتمي إليه، إلّ أنه كان يدرك خصائص العصر في مطلع القرن التاسع عشر، وهو الذي عرف محاولات الإصلاح التي كان يقوم بها السلطان سليم الثالث الذي أوفده إلى مصر، كما شهد ترتيبات الفرنسيين العسكرية، واطّلع على ما يملكونه من علوم. ولا ريب في أنه كان قد خطط للقضاء على ركيزتي النظام القديم، أي العلماء والمماليك، من أجل أن ينشئ ركيزة أساسية هي الجيش النظامي الحديث الذي يتأسس على العلم العسكري الذي طورته أوروبا. إلّ أن بناء الجيش يحتاج إلى خبراء وطلاب علم ومدارس هندسة ومصانع سلاح وترسانة بحرية، وأخيرًا إلى عناصر بشرية لا تقتصر على العناصر الألبانية والشركسية وغيرها. ولذلك لجأ إلى التجنيد الإجباري الذي غيّر المجتمع المصري، بما كان ذلك كله يستدعيه من توفير موارد مالية تؤمّنها مصر الزراعية التي سيزداد إنتاجها بفضل الترع وزيادة المحاصيل، وافتتاح المانيفكتورات والمصانع، وزيادة حجم التجارة مع أوروبا. أدى ذلك كله إلى إنشاء مؤسسات حديثة تعليمية وصناعية، فضلً عن إدارة مكوّنة من عناصر أوروبية وشركسية، بالإضافة إلى شوام ومصريين، لتشرف على مؤسسات تنتمي إلى الشكل الحديث للدولة التي لا تقتصر مهماتها على جباية الضرائب وحماية الأمن، وإنما تتعداها إلى الإشراف على التجارة والصناعة والتعليم، وتنشئ نوعًا بدائيًا من أشكال الحكومة المتخصصة بالعلاقات الخارجية والاقتصاد والأمن لخدمة جيش توسعي سيتمكن من السيطرة على السودان والحجاز وبلاد الشام. حقق محمد علي نجاحًا لافتًا وواضحًا لكنه بقي على ولائه للسلطان محمود الثاني، الذي كان يتلمس طريقه من أجل تأسيس جيش نظامي يخلف قوات «الإنكشارية». وإزاء معارضة «الإنكشارية» والعلماء

له، روّج أنه يريد إنشاء جيش على غرار ما فعله محمد علي في مصر، موحيًا بأنه يقلد حاكمًا مسلمًا، وأطلق على قواته اسم «الجيش المحمدي المنصوري» ليضفي عليه صفة إسلامية، وأغرى صغار العلماء بمناصب في الجيش، وقدم رشاوى إلى كبار العلماء، وتمكن في سنة 1826 من القضاء على «الإنكشارية» بتدمير ثكنها، وشرع في استكمال تحديثه الإدارة، معتمدًا على عناصر كفية ستبرز في عهده وعهدي ولديه من بعده. وعلاوة على بناء الجيش (الذي سيُهزم أمام عساكر إبراهيم باشا في الشام)، مهد السطان محمود الطريق لإجراء إصلاحات بارزة ستظهر، خصوصًا، في فترة التنظيمات التي قادها الإداريون من أمثال محمد رشيد باشا ومحمد أمين رؤوف باشا. لعل أبرز شخصيات تلك المرحلة هو مصطفى رشيد باشا الذي عمل سفيرًا في باريس ولندن، وأصبح وزيرًا للخارجية ليتسلم بعد ذلك الصدارة العظمى. وكان لأفكار مصطفى رشيد أن تصوغ «خط كلخانة» الذي لم يُذَع إلّ بعد أربعة أشهر من وفاة محمود الثاني سنة 1839، في بداية عهد ولده عبد المجيد. وقد نص «خط كلخانة» على عدد كبير من المسائل التي كانت تدور حول المساواة بين الرعايا بغض النظر عن الدِّين والجنس، وجعل القضاء مرجعًا لجميع الأفراد. ولا شك في أن أفكار الثورة الفرنسية كانت مبثوثة في ثنايا بنود هذا الإعلان، وكانت معروفة في اسطنبول قبل نهاية القرن الثامن عشر، حين كان موظفو السفارة الفرنسية والخبراء يحتفلون بذكرى الثورة، ويشرحون للعثمانيين معاني الحرية والمساواة. إلّ أن ازدياد الاتصال بأوروبا وإيفاد السفراء واستقبال الخبراء ستزيد من عدد العثمانيين الذين يعرفون اللغة الفرنسية والأفكار الشائعة في أوروبا، وخصوصًا أولئك الذين أ سندت إليهم مناصب في الإدارة، وقادوا عصر التنظيمات (1876-1839) الذي تغيرت خلاله الدولة العثمانية كما تغيرت العناصر التي تحكم الدولة. ومع أن هذه العناصر التي قادت تحديث الإدارة كانت تتحدر من أبناء جسم الكتّاب (الإدارة الديوانية القديمة)، فإن تدريبها على العلوم الحديثة أدى إلى تلاشي جهاز الإدارة الديواني، وما عادت في خدمة السلطان بقدر ما أصبحت شركاء في قيادة أمور الدولة. كان للتنظيمات تأثيرها في الولايات العربية؛ فقد أ دخل نظام المجالس (على مستوى الولاية والقضاء والبلدية)، كما ازدادت أعداد المدارس ذات المناهج الحديثة. وشهد النظام القضائي تحولات تدريجية نحو المحاكم المختلطة والمحاكم المتخصصة. وعلى الرغم من التحفظ على الاندفاعة التحديثية، وخصوصًا من جانب المؤسسة الدينية والعلماء في الولايات (دمشق على سبيل المثال)، فإن أثر التنظيمات ظهر في تونس، كما في جبل لبنان الذي حظي بنظام خاص وشهد حركة علمية بارزة، فضلً عن بيروت التي أُسست فيها الجامعة الأميركية، وأصبحت المدينة مرفأً مهمًّا، وصلة وصل بين الداخل السوري والبحر المتوسط. في مصر حدثت اندفاعة كبيرة في التحديث مع صعود إسماعيل إلى الحكم، ويعزى ذلك إلى السنوات التي تلقّى فيها تدريبًا في فرنسا، وإقامته في اسطنبول التي شهد فيها التحولات، وخصوصًا في الإدارة. واستعان عند تسلمه الحكم بكثير من الشخصيات الإدارية، وأوجد ما يشبه حكومة النظار (الوزراء.) وفي سنة 1866، أقام مجلس شورى النواب والمجالس المحلية، وحدَّ من سلطة المحاكم الشرعية،

وأنشأ المحاكم المختلطة. وتوافدت إلى مصر البعثات الإرسالية التي افتتحت مدارسها، عدا عن المدارس الأهلية التي أنشاها. وتراكمت الديون في عهده، الأمر الذي سمح بتدخل فرنسا وإنكلترا، وانتهى الأمر بخلعه عن العرش سنة.1879 برزت في مصر، كما في عاصمة الدولة العثمانية وكذلك في تونس، خلال عصر التنظيمات الشخصيات الممسكة بالإدارة، في وقت كانت الحدود بين إدارة الجيش وإدارة الدولة شبه معدومة. وكان نشوء جيوش حديثة قاطرة لتحديث التعليم والإدارة، وبروز الشخصيات التنويرية المبكرة، مثل الطهطاوي الأزهري الذي ذهب في بعثة دراسية إلى باريس وعمل في مجال التعليم وترجمة الأعمال الخاصة لفائدة العلوم العسكرية، وعلي مبارك الذي انضم إلى البعثة التي ضمت إسماعيل (حاكم مصر لاحقًا)، ثم تقلَّب في المناصب العسكرية والإدارية والتعليمية على حد سواء. والمثال البارز على تداخل الوظائف العسكرية والمدنية هو خير الدين التونسي، الذي بدأ حياته العملية مملوكًا عسكريًا ليتسلم مناصب وزارية وينتهي في اسطنبول صدرًا أعظم. كان هؤلاء الإداريون قد عملوا على مشاركة العاهل مسؤولياته، وساهموا في الحد من صلاحيات الحاكم المطلقة، وكانوا في الوقت نفسه تنويريين ودعاة تحديث.

حدث تطور بارز خلال نصف قرن من الزمن، بين بداية القرن التاسع عشر وأواسطه؛ ففي كلٍّ من اسطنبول والقاهرة وتونس، لم يعد الحاكم أو السلطان أو الخديوي أو الباي حاكمًا مطلقًا، فرجال الإدارة أصبحوا شركاء في السلطة، بل أكثر من ذلك، كان رجال من داخل الإدارة دعاة تغيير عبر مطالبتهم بذلك وعملهم على إحلال النظام الدستوري وإيجاد هيئات تمثيلية. ولا شك في أن ذلك كان يعبّر عن بروز قوى مجتمعية من الملّك والتجار، فضلً عن يقظة إثنيات وأديان سعت إلى تمثيلها في الهيئات المنتخبة. دفع هؤلاء الإداريون في اتجاه تبنّي النظام الدستوري. وقد برز مدحت باشا (1884-1822) باعتباره مؤسس النظام الدستوري في الدولة العثمانية، فهو الذي تربى في كنف والده القاضي، وعمل في الإدارة بتشجيع من رشيد باشا، وتعلم الفرنسية، وتقلّب في مناصب رفيعة، بينها والي بغداد التي أدخل فيها أول التحديثات الإدارية والمدنية قبل أن يصبح صدرًا أعظم سنة 1872. وقد اقتنع السلطان عبد الحميد الثاني في بداية عهده سنة 1876 بإعلان الدستور، وبالفعل أرسلت الولايات نوابها إلى مجلس المبعوثان، إلّ أن السلطان علّق العمل بالدستور طوال عهده الممتد ثلاثًا وثلاثين سنة. أمّا شريف باشا، الذي يعزى إليه إحلال النظام الدستوري في مصر (1887-1826)، فكان من أصل تركي وابن أحد القضاة. دخل في إدارة محمد علي باشا، وكان في عداد البعثة التي ضمت إسماعيل. درس في الكلية الحربية الشهيرة سان سير (Saint Syr)، ووصل إلى رتبة لواء. وعمل في مناصب كثيرة، منها منصب وزير الداخلية الذي أنشأ توليه له مجلس شورى النواب. وفي نهاية عهد إسماعيل، أصبح رئيسًا للوزراء وقام بطرد الوزيرين الأوروبيين، وجعل الحكومة مسؤولة أمام

مجلس الشورى. وكرس الأمر هذا في سنة 1881 بتشكيله مجلس النواب، ومن هنا يُعتبر أبًا للدستور في مصر كما يُعتبر مدحت باشا أبًا للدستور في اسطنبول. ويشار إلى أنه كان واحدًا من أفراد إدارة الخديوي إسماعيل، أمثال نوبار ورياض ومحمود سامي البارودي وعلي مبارك الذين أنشأوا الدولة الحديثة في مصر. كانت الإجراءات التحديثية حتى نهاية سبعينيات القرن التاسع عشر تجري عبر تطوير المؤسسات بقيادة أفراد من داخل الأجهزة الإدارية، كانوا ينتمون إلى المؤسسة الصلبة التي كانت قاطرة التحديث، وهي المؤسسة العسكرية. إلّ أن هذا المسار التصاعدي سرعان ما توقف؛ ففي اسطنبول أبطل السلطان العمل بالدستور وأقام نظامًا أوتوقراطيًا، وإن لم يجر وقف تحديث التعليم والإدارة والأنظمة البلدية، وكذلك القضاء، كما أنه دعا إلى الجامعة الإسلامية، فكان أول من استخدم الدِّين لأغراض سياسية. وكانت دعوات جمال الدين الأفغاني في القاهرة تنادي بالوقوف في وجه «الصليبية الأوروبية» (وهو أول من استعمل هذا التعبير) وفي وجه السياسة الإنكليزية التي تريد فناء هذا الدِّين (الإسلام)، بحسب تعبيره. في مصر، أضحت التدخلات الفرنسية - الإنكليزية صريحة بحجة استيفاء الديون المتراكمة على مصر، الأمر الذي انتهى بخلع إسماعيل عن العرش. وإزاء رضوخ خلفه توفيق لمطالب الدولتين الأوروبيتين، اتسعت المعارضة ضد إجراءاته بقيادة كبار الملّك والتجار في المدن. وأصبح مجلس شورى النواب منبرًا للمعارضين، إلّ أن العامل الذي بدل من موازين القوى كان انتقال الاعتراض إلى داخل الجيش نفسه الذي تأثر بإجراءات التقشف. وبرز ضابط مصري مطالبًا بمساواة المصريين في الترقية أسوة بالضباط الشراكسة. وسرعان ما كسبت الحركة التي أطلقها تأييدًا من النخب المعارضة لحكم توفيق. ومع أن الحركة بدأت بمطالب مهنية تخص الضباط المصريين، فإنها سرعان ما تطورت إلى ثورة، بعد إقتحام عرابي وجنوده وزارة الحربية ردًا على قرار طرده واعتقاله. وتشكَّل في إثر ذلك «ائتلاف بين ضباط الجيش المصريين وكبار ملّك الأراضي ونواب المجلس والصحفيين وعلماء الدِّين، وأطلق المتحالفون على أنفسهم اسم «الحزب الوطني». شغلت ثورة عرابي مصر خلال الفترة 1882-1879. وكان من مظاهرها قيام الضباط بالتظاهر أمام قصر عابدين في أيلول/سبتمبر 1881. ورضخ الخديوي، وشكل حكومة برئاسة شريف باشا، لكن الثورة انهزمت أمام الجيش الإنكليزي، فقُدّم عرابي إلى المحاكمة مع ضباطه، واستُبدل حكم الاعدام بالنفي، وبدأ عقب ذلك الاحتلال الإنكليزي لمصر. ثمة آراء متعارضة في ما يخص تقييم ثورة عرابي، إلّ أن ممّا لا شك فيه هو أن تمرُّد ضباط في الجيش حادث رمزي بدأ بمطالب فئوية، إلّ أن الالتفاف حوله جعله حركة وطنية جامعة. كما أظهرت الثورة

أن العسكر كقوة منظمة ومسلحة قادرون على القيام بأدوار سياسية. واللافت للانتباه هو أن مؤسسة الجيش، التي هي الوليد البكر لدولة محمد علي باشا، انقضّت على الحاكم وفرضت عليه شروطها. وكانت ثورة عرابي علامة مبكرة على الدول الذي يمكن أن يقوم به العسكر في شؤون الدولة مستقبل، فضلً عن أن ثورة عرابي عبّرت عن نزعة مساواتية مستمَدة من أفكار التنوير. وممّا لا ريب فيه أنها أطلقت الوطنية المصرية التي لم تتأخر في إعلان نفسها بشكل صريح قبل نهاية القرن التاسع عشر. وكما عبّرت الثورة عن انقلاب العسكر على السلطة، فإنها مثّلت نهاية ازدواج الوظيفة العسكرية والإدارية والأدبية الذي تمثّل في عدد من الشخصيات، من بينها محمود سامي البارودي الذي نشأ عسكريًا وأضحى إداريًا ووزيرًا وانتهى شاعرًا منفيًا. كان هؤلاء الإداريون الذين أمضوا فترات من التدريب في المؤسسة العسكرية أو فترات تعلُّم في أوروبا، قد اكتسبوا أفكارًا جديدة عن العلوم والمعرفة، وأفكارًا صارت شائعة في هذا الوسط التحديثي المرتبط بالدولة، وكان الطهطاوي في كتاب رحلته سبّاقًا في شرح أفكار الحرية والمساواة والدستور. وفي تلك الآونة كانت أفكار السان سيمونيين الذين وفدوا إلى مصر قد وصلت إلى المصريين الذين عملوا معهم. وكانت فكرتا الحرية والمساواة معروفتين في اسطنبول قبل بداية القرن التاسع عشر، وكان عدد من المنخرطين في مشروع سليم الثالث التحديثي يعرفون اللغة الفرنسية، إلا أن عصر التنظيمات سيتيح المجال أمام أولئك الذين أبدوا حماسة للأفكار التنويرية الشائعة في أوروبا للتعبير عن آرائهم، وهذا ما حدث في عهد الخديوي إسماعيل. ويُذكر أن أعمال الطهطاوي المنهجية تنتمي إلى ستينيات القرن التاسع عشر وسبعينياته، وكذلك أعمال علي مبارك وخير الدين التونسي. ونجد فيها، علاوة على شرح معاني الحرية والدستور، إلحاحًا على اكتساب المعرفة عبر التربية والتعلم، الأمر الذي شجع على افتتاح المدارس، وهو التوجه الذي عرفته الدولة في عصر التنظيمات واستمر في عهد السلطان عبد الحميد؛ ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، انتشر التعليم الرسمي (المعارف)، كما انتشرت الإرساليات الفرنسية والروسية والأميركية على حد سواء. انقسم التعليم بين المدارس الدينية والمعاهد التطبيقي، وفي زمن ازدهار التعليم في أوروبا وتوسعه ازدهرت المدرسة التي تدرّس العلوم التطبيقية واللغات الأجنبية. وكانت الفكرة هي أن التربية مدخل إلى الرقي والتقدم ورفع شأن الأمة. وأصبحت التربية رسالة رفعت من شأن المتعلم والمعلم، ومن هنا تمجيد القصائد للمعلم والعلم. كما أن التعليم الحديث يتيح الفرص أمام رواده للحصول على وظائف في سلك الإدارة والدخول في الكلية الحربية أو تعلم الطب والحقوق.

لم يقتصر التعرف إلى الأفكار والعلوم الحديثة على أولئك الذين يخدمون في إدارة الدولة، بل إن هذه البيئة المنفتحة على علوم الغرب وثقافته أفسحت المجال لظهور شخصيات أدبية استخدمت الصحف التي أخذت تظهر في ستينيات القرن التاسع عشر في نشر المعارف المعاصرة، وأبرزت شخصيات موسوعية، أمثال منيف باشا وإبراهيم شينازي وضياء باشا، اهتمت بجميع فروع المعرفة من دون أن

تكون تلك الشخصيات أفرادًا في إدارة الدولة؛ إذ عبّرت في الأعمال التي نشرتها عن استقلال في الرأي وانفتاح على معارف العصر وأفكاره وآدابه. وقد حدث في لبنان أن أبرز انتشار المدارس الإرسالية والوطنية عددًا من وجوه الآداب واللغة، أمثال ناصيف اليازجي وبطرس البستاني. وكان هذا الأخير قد افتتح عددًا من المدارس، ونشر الكثير من الصحف، وشرع في إعداد موسوعة، وروّج للفكرة الوطنية ودعا إلى تحصيل المعرفة عبر التربية. وكان لتأسيس الجامعة الأميركية في بيروت دور بارز في ترجمة العلوم الحديثة إلى العربية، إذ وفد عدد من تلامذة البستاني أو طلاب الجامعة الأميركية إلى مصر وساهموا في تأسيس الصحف والمطابع، وكان من هؤلاء جرجي زيدان وبشارة تقلا ويعقوب صنوع، كما ساهموا في إثراء الحياة الثقافية وحركة الأفكار التي سيكون لها شأن في مسار المجتمع المصري خلال النصف الأول من القرن العشرين. سلكت أفكار التنوير، ولا سيّما فكرتا الحرية والدستور إضافة إلى فكرة الوطن، مسارًا مختلفًا بعد إبطال العمل بالدستور في اسطنبول وبعد الاحتلال الإنكليزي لمصر. وكان لهذين الحدثين أن يعلنا نهاية استقطاب الإدارة لفكرة التحديث، ولم يعد إنشاء المؤسسات علامة على التحديث. وقد شهد العقدان الأخيران من القرن التاسع عشر اطرادًا في عدد الكتّاب من صحافيين وأدباء، واستقلال الأفكار عن الدولة، وبروز الاتجاهات الليبرالية والإصلاحية على السواء. كان للأفكار أن تطورت إلى معارضة لحكم عبد الحميد الثاني تحت مطلب إعادة العمل بالدستور. وانتظمت في حركة عُرفت باسم تركيا الفتاة. في تلك الآونة، ولدت السياسة باعتبارها شأنًا يخص العامة والرأي العام وليس حكرًا على السلطة الحاكمة. كانت هذه المعارضة التي ضمت أتراكًا وعربًا من متعلمين ورجال سياسة، قد نشطت في المنفى الأوروبي، وخصوصًا في فرنسا، بعد أن اشتدت رقابة أجهزة الأمن في عهد عبد الحميد الثاني. ومن داخل تركيا الفتاة ولد حزب «الاتحاد والترقي» الأكثر راديكالية للتعبير عن توجهات قومية طورانية. وكان أحد أبرز قادة ذلك الحزب مدير المعارف في بروسيا أحمد رضا الذي كان قد غادر إلى فرنسا بحجة المشاركة في أحد المعارض، وكان من أنصار أوغست كونت، ومؤلف كتاب بعنوان وظيفة ومسؤولية طُبع في مصر باللغة التركية، وفيه يدعو الجيش إلى تأدية دوره والاضطلاع بمسؤوليته. انتشرت خلايا الاتحاد والترقي في صفوف صغار الضباط في الفِرق المنتشرة في الولايات العربية. وفي سنة 1908، تمرد ضباط الجيش العثماني في سالونيك في حركة (وص فت بالانقلاب) فرضت إعادة العمل بالدستور، وفي السنة التالية خُلع عبد الحميد عن العرش. كان للانقلاب الدستوري أصداء واسعة في الولايات العربية؛ فسليمان البستاني، مترجم الألياذة، اعتبره ثورة فرنسية عثمانية، ستعيد مجد الدولة العثمانية خلال ربع قرن من الزمن. وقد أطلق الانقلاب الحريات العامة، كإنشاء الصحف وتأسيس الجمعيات، إلّ أنه شدد قبضة العسكر على السلطة في

اسطنبول، وبعد سلسلة من الانقلابات العسكرية وقعت الدولة في قبضة الجنرالات والاتحاد والترقي الذي أصبح حزب القومية التركية. وبذلك انقض الجيش، الذي أسسه السلاطين المصلحون والإداريون المتنورون، على السلطة، وجر الدولة العثمانية إلى حرب 1914 التي أخذتها إلى نهايتها وفصلت مصير الأتراك عن مصير العرب. لم تتأخر ردة الفعل العربي؛ فقد تكونت جمعية العربية الفتاة وضمت صحافيين وكتّابًا من أبناء العائلات المدينية في سورية ولبنان وفلسطين. وأعدم جمال باشا عشرات منهم في سنة 1916 بتهمة الخيانة. كما تشكلت في صفوف الجيش العثماني جمعية العهد بقيادة اللواء عزيز باشا المصري، وضمت عددًا من الضباط العراقيين بوجه خاص. كانت الثورة العربية التي انطلقت من مكة سنة 1916 مزيجًا من شرفاء الحجاز ومتعلمي المدن السورية من أعضاء العربية الفتاة والضباط العراقيين. وبعد سنة 1920، قاد أعضاء العربية الفتاة القدامى الحركة الوطنية في سورية، وساهم الضباط العراقيون في بناء المملكة العراقية بقيادة الملك فيصل. اتخذت الأحداث في مصر مسارًا مختلفًا بعد هزيمة عرابي ومحاكمته. وبقيام الخديوي توفيق بتسريح الجيش وخضوع البلاد لسلطة الإنكليز، أصبحت مصر مركزًا للاتجاهات الفكرية والسياسية والثقافية، حيث شهد ولادة الإصلاحية الإسلامية بفضل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. بغياب دور الجيش المسرَّح، قامت مدرسة الحقوق بدور بارز في تخريج النخبة المؤثرة التي سيكون لها أدوار قيادية وفكرية مؤثرة في مستقبل مصر: أحمد لطفي السيد (1967-1872)، خريج مدرسة الحقوق سنة 1894، الذي التقى الأفغاني في اسطنبول ولازم محمد عبده، ومع ذلك يُعتبر رائد الليبرالية وداعية الديمقراطية في مصر؛ سعد زغلول، ابن العمدة الذي درس الحقوق ولازم عبده وأضحى زعيم مصر؛ قاسم أمين (1908-1863) الذي تابع دراسة الحقوق في باريس، وفيها التقى كلًّ من الأفغاني ومحمد عبده، وكان رائد الدعوة إلى تحرير المرأة. شارك كلٌّ من لطفي السيد وسعد زغلول وقاسم أمين في تأسيس الجامعة المصرية سنة 1908، إلّ أن شابًا من خريجي الحقوق الذين تابعوا الدراسة في باريس وتأثروا بأفكارها، وهو مصطفى كامل (1908-1874)، كان له تأثير كبير في بلورة الفكرة الوطنية حتى أنه أسس الحزب الوطني الذي زرع الفكرة الوطنية المصرية ضد الاحتلال الإنكليزي. كان هؤلاء الحقوقيون الذين تأثروا بأفكار محمد عبده الإصلاحية قد عملوا على إنشاء الليبرالية السياسية في مصر. وقد قُدّر لأحدهم، وهو سعد زغلول، أن يقود ثورة 1919 التي كانت ثورة ليبرالية ووطنية مادتها الطلاب والموظفون والمرأة والطبقة الوسطى، وقادتها الحقوقيون الليبراليون. عززت ثورة 1919 دور مصر السياسي والثقافي، وحققت الدستور والحياة البرلمانية والحزبية والحريات الصحافية، وكرست سلطة المثقَّف خلال ثلاثة عقود من الزمن قبل أن يقود العسكر انقلابًا سيغير وجه مصر والعالم العربي.

وجيه كوثراني

الفقيه والسلطان

جدلية الدين والسياسة في تجربتين تاريخيتين العثمانية والصفوية-القاجارية