كانط والكانطيون الجدد
Kant and Neo-Kantians
الملخّص
* باحث حائز الدكتوراه في الفلسفة، وأستاذ التعليم العالي، ومساعد في المركز الجهوي لمن التربية والتكوين في مكناس – المغرب.
Abstract
This paper deals with Kantian philosophy and its evolution in the history of ideas. It reveals a set of philosophical concepts that emerged post Kant and that revolved around the interpretation of his texts and drew inspiration from his principles. Neo-Kantians advocated the need "to return to Kant" in order to understand the times and raised the dilemma of what exactly was meant by this slogan and its implications for those who promoted it. What does the return to Kant mean? Is there a single defined form of this return or did it take various and conflicting forms? In other words, how did the neo-Kantians interpret Kantian philosophy? Did they remain faithful to Kant or did they propose readings that differed from his thinking? Was their work limited to reclaiming and imitating his ideas literally or did they renew and expand the horizon? To address these challenges modern philosophers with a neo-Kantian outlook are here revisited, specifically Wilhelm Windelband and Heinrich Rickert of the Baden school, as well as Hermann Cohen, Paul Natorp, and Ernst Cassirer of the Marburg school. The paper suggests that Kantian philosophy has been differently perceived, and that neo-Kantians were inspired by Kant's philosophical method rather than his ideas as a whole. Neo-Kantianism is not a school of faithful adepts or blind followers of Kantian texts. On the contrary, it includes divergent readings and puts forward various interpretations of these texts. The neo-Kantians have worked to interpret the philosophy of critique in different modes and critiqued and revised it in light of modern developments in science and philosophy. This has allowed this philosophy to develop more and more, thus maintaining its openness and relevance.
- الكانطيون الجدد
- كانط
- التصورات الفلسفية
- Kant
- Neo-Kantians
- Philosophical Concepts
يتناول المقال موضوع الفلسفة الكانطية وتطورها في تاريخ الأفكار، فيكشف عن
مجموعة من التصورات الفلسفية التي ظهرت بعد الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط،
واهتمت بتأويل نصوصه واستلهام مبادئه، رافعة شعار ضرورة «العودة إلى كانط» من
أجل فهم ظواهر العصر الراهن، وهو ما أثار إشكالية بخصوص معنى هذا الشعار ودلالته
لدى المدافعين عنه. منطلق المقال الإشكالية التالية: ما معنى العودة إلى كانط؟ هل هناك شكل واحد
محدد لهذه العودة أم ثمة أشكال متباينة ومتضاربة اتخذتها؟ بعبارة أخرى، كيف أوَّل
الكانطيون الجدد الفلسفة الكانطية؟ هل ظلوا أوفياء مخلصين لكانط أم قدموا قراءات
تختلف عن فكره؟ هل انحصر عملهم في اجترار أفكاره وتقليدها حرفيًا أم قاموا
بتجديدها وتوسيع أفقها؟ من أجل الإجابة عن هذه الإشكالية، نتطرق إلى بعض تصورات الفلاسفة المعاصرين
ذوي النزعة الكانطية الجديدة، ونخص بالذكر: فلهلم فندلباند وهينريش ريكرت في
مدرسة بادن، وهرمان كوهن وبول ناثورب وإرنست كاسيرر في مدرسة ماربورج. وبعد عرض تلك التصورات، نصل إلى نتيجة مفادها أن أشكال تلقّي الفلسفة الكانطية
متعددة متنوعة، وأن الكانطيين الجدد استلهموا طريقة كانط ومنهجه الفلسفي وليس
أفكاره كلها، إذ كانوا مبدعين لا مجرد مقلِّدين؛ فالكانطية الجديدة لا تضم مريدين
أوفياء أو تابعين مخلصين لنصوص كانط بكيفية عمياء. بالعكس، إنها تشمل قراء
مختلفين قدموا تأويلات متنوعة لتلك النصوص، وعملوا على تأويل فلسفة النقد
بكيفيات مختلفة، ونقدها وتنقيحها في ضوء التطورات العلمية والفلسفية المعاصرة،
وهو ما سمح لتلك الفلسفة بأن تتطور أكثر فأكثر وتحافظ على انفتاحها وراهنيتها.
يُعتبر التأويل خاصية مميّزة للإنسان؛ إذ لا ينفصل وجوده عن كيفيات قراءته المتعددة التي
يسعى، عن طريقها، إلى فهم ذاته وما يحيط به. فهو ينتج نصوصًا يطمح عبرها إلى تثبيت ذلك
الفهم، بل ربما يحوِّل كل شيء إلى نص يبني بواسطته صورة خاصة للعالم، تحتاج بدورها إلى تأويل
وقراءة من أجل فهمها. وفي ارتباط بذلك، يمكن القول إن كل تأويل مشروط بقراءة معيّنة، ومحدد بأفق
للفهم، استنادًا إلى آليات لفحص النص وإبراز معانيه ودلالاته؛ ع لْمًا بأن هذا كله يتطلب وجود عدة
عناصر أهمها: المؤلف، النص، الذات المؤولة والمنتجة بدورها لنص مؤوَّل وقابل للقراءة والتأويل
من جديد. بالعودة إلى تاريخ الفكر الفلسفي، نجد أن هذا القول حاضر بقوة، ضمنًا أو صراحة، سواء لدى الفلاسفة
أو لدى شرّاحهم ومؤوِّلي نصوصهم؛ لأن الفيلسوف المنتج لنصوص ما لا بد أنه قرأ نصوصًا أخرى،
وإنتاجاته لا بد أنها تحولت إلى موضوعات قابلة للشرح والتأويل عند مختلف المتلقّين والقراء، الأمر
الذي يطرح إشكالية الحدود الفاصلة بين الإبداع والإتباع، وبين الج دة والتقليد، وبين العتبات الفاصلة
بين الأفكار والمفاهيم التي ينتجها كل فيلسوف وعلاقتها بمثيلاتها لدى الفلاسفة الآخرين. في ضوء هذه المعطيات العامة، نشير إلى أن من الظواهر الفكرية التي استرعت انتباه دارسي تاريخ
الفلسفة والمهتمين به، نجد ظاهرة «كانط وإرثه»، حيث رفع عدد كبير من الاتجاهات شعار ضرورة
«العودة إلى كانط»، واستلهمت مبادئ الفلسفة النقدية وأفكارها لقراءة ظواهر العصر الراهن، بل
أنتجت نصوصًا -تهتم بدراستها وتأويلها- صارت بدورها في حاجة إلى فهم وتأويل. نشير، في هذا الصدد، إلى أن الدرس الافتتاحي الذي ألقاه إدوارد تسلر (E.Zeller)(1814-1908)
سنة 1862 يُعتبَر إعلانًا رسميًا لميلاد شعار «العودة إلى كانط»؛ فهو سعى فيه إلى القيام بتشريح
وضعية الفلسفة التي بدا له أنها وصلت، في عصره، إلى منعطف يقود إمّا إلى «الانحلال» وإمّا إلى
«تحول جديد». ورأى أن أفضل علاج لحالة الفلسفة هو التخلي عن التأويل الهيغلي للتاريخ والدِّين،
والرجوع، في المقابل، إلى كانط. بعبارة أدق، يجب تأسيس الفلسفة على نظرية المعرفة الكانطية؛
لأن «حيثما يكون هناك تطور عضوي، تظهر، من آن إلى آخر، حاجة العودة إلى نقطة انطلاقنا، وتذَكُّر
المهمات الأصلية، والسعي إلى إنجازها انطلاقًا من الروح الأصلية، وربما بوسائل أخرى». لذلك، دعا تسلر إلى ضرورة العودة إلى نقطة بداية الفلسفة الألمانية المعاصرة، التي تمثِّلها الفلسفة
الكانطية بصفة عامة، ونظريته بشأن المعرفة بصفة خاصة؛ لأن كانط افتتح طريقًا جديدة، ويتعيّن على
كل من يريد إصلاح وضعية الفلسفة أن يعود إلى أسئلة هذا الفيلسوف وفحصها من جديد وفق مقومات
«الروح النقدية.» في ضوء دعوة تسلر تلك، نتطرق إلى إشكالية محددة هي كالتالي: ما معنى العودة إلى كانط؟
هل هناك شكل واحد محدد لهذه العودة أم أنها اتخذت أشكالً متباينة ومتضاربة؟ بعبارة أخرى،
(1) Henri Dussort, L’Ecole de Marbourg , éd. par J. Vuillemin; avec une préf. de P.-M. Schuhl, bibliothèque de philosophie contemporaine. Histoire de la philosophie et philosophie générale (Paris: Presses universitaires de France, 1963), p. 50.
كيف أوَّل الكانطيون الجدد الفلسفة الكانطية؟ هل ظلوا أوفياء مخلصين لكانط أم قدموا قراءات تختلف
عن فكره؟ هل انحصر عملهم في اجترار أفكاره وتقليدها حرفيًا أم قاموا بتجديدها وتوسيع أفقها؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، سنتناول بعض أشكال تلقّي فلسفة كانط من خلال الحديث عن بعض الفلاسفة الكانطيين الألمانالذين ينتمون إلى مدرستين اثنتين: الأولى في بادن (ينتمي إليها فندلباند وريكرت)، والثانية في ماربورج (ينتمي إليها كوهن وناثورب وكاسيرر.) فلهلم فندلباند (1915-1848) يُعتبَر فندلباند من مؤسسي مدرسة بادن، وتتجلى نزعته الكانطية الجديدة في محاولته جَعْل فلسفة
كانط منطلق كل إمكانية للتفلسف في العصر الراهن؛ فهو أكد أن مَن يتفلسف، في القرن العشرين، هو
مِن «أتباع كانط». لكنه اعتبر أن رجوعه إلى هذا الأخير مرتبط بضرورة تجاوزه، إذ «إن فهم كانط يعني تجاوز كانط». رفع فندلباند شعار «العودة إلى كانط»، لكنه لم يقتصر على مجرد ترديد ما قاله كانط، أو البقاء عند عتبة القراءة الحرفية لنصوص هذا الأخير، وإنما أكد ضرورة «الانطلاق من المنهج النقدي لكشف معنى الاتجاه الذي افتتحه كانط، وتأسيسه عبر فهمه أكثر مما فهم نفسه»، على غرار ما عُبِّر عنه في نقد
العقل الخالص. في هذا الإطار التأويلي للفلسفة النقدية، استلهم فندلباند منهجها النقدي، وحافظ على طابعها الترنسندنتالي، مؤكِّدًا أنها فلسفة تتضمن نقط ضعف ونقط قوة. تكمن الأولى في تاريخية فلسفة كانط؛ لأنها وليدة عصر محدَّد ومتجذرة تاريخيًا فيه، أما الثانية فتتجلى في المنهج الترنسندنتالي الذي يمكنه
أن «يخدمنا في التقدم، وتصحيح أخطاء الخطاب الكانطي». حاول فندلباند، في إبرازه أهمية المنهج الكانطي، تحديد طبيعة العلاقة التي تجمع بين الجانبين النقدي
والسيكولوجي في الفلسفة الكانطية، فتوصل إلى كون «منهج كانط، حتى وإن كان ملوَّثًا بالسيكولوجيا،
(((نشير، في هذا المقام، إلى أننا سنتحدث عن بعض أشكال العودة إلى كانط في ألمانيا فقط، من دون أن يعني ذلك عدم ظهور
الدعوة إلى تلك العودة في دول أخرى، مثل فرنسا مع شارل رونوفيي (Ch. Renouvier)، أو إنكلترا مع ويل (W. Whewell) ووليام
هاملتون (W. Hamilton)، أو إيطاليا مع فيليس توكو (F. Tocco) وكارلو كانتوني (C. Cantoni):. انظر Retours Massimo Ferrari,
à Kant: Introduction au néo-kantisme , trad. de l’italien par Thierry Loisel, Passages (Paris: Cerf, 2001), pp. 37-48. (3) Wilhelm Windelband, Präludien; aufsätze und reden zur philosophie und ihrer geschichte , 2 vols. 6eme ed. (Tübingen: J. C. B. Mohr, 1919), vol. 1, p. iv, cité dans: Ferrari, Retours à Kant , p. 66. (4) Eric Dufour, Notice, dans: Wilhelm Windelband, «Méthode critique ou méthode génétique?,» dans: Hermann Cohen [et al.], Néokantismes et théorie de la connaissance , trad. de l’allemand sous la dir. de Marc de Launay; avec la collab. de Carole Prompsy [et al.], bibliothèque des textes philosophiques (Paris: J. Vrin, 2000), p. 225. (5) Emmanuel Kant, Critique de la raison pure , traduction française avec notes par A. Tremesaygues et B. Pacaud; préface de Ch. Serrus, 3ème éd. (Paris: Presses universitaires de France, 1990), p. 263. (6) Eric Dufour, «Introduction,» dans: Wilhelm Windelband, Qu’est-ce que la philosophie?: et autres textes , introd. et trad. par Eric Dufour, bibliothèque des textes philosophiques (Paris: J. Vrin, 2002), p. 16.
فهو ليس منهجًا سيكولوجيًا - تكوينيًا، وإنما منهج نقدي». لذلك، انخرط فندلباند في نقد النزعة
السيكولوجية، مؤكدًا ضرورة «تنقية» الفلسفة الكانطية منها. كما عمل على إبراز انفتاح تلك الفلسفة على المجالات الثقافية كلها، لا على نظرية المعرفة فقط،
فحمَل مفهومُ «الثقافة» لديه بُعدًا مزدوجًا: فهو، من جهة، يؤسس وحدة «النسق»، حيث تظهر المعرفة
والإتيقا والفن بوصفها منتوجات ثقافية مترابطة في ما بينها، ويسمح مفهوم الثقافة من جهة أخرى
بالانفلات من مماثلة القبلي بالفطري، حيث يتم تجاوز التصورات الفلسفية التي تختزل الفلسفة في
نظرية المعرفة، بالتشديد على كون الفلسفة فلسفة الثقافة، والمعرفة نوعًا من جنس الثقافة، الأمر الذي
يجعل فهم العقل والإنسانية غير ممكن إلّ من خلال استحضار أساسهما الثقافي، وتفاعل أشكالهما
الثقافية في التاريخ. انطلاقا من هذا التصور، انخرط فندلباند في السجال الذي دار، في عصره، بين المدافعين عن النزعة
الطبيعية وأنصار النزعة التاريخية حول مشكلة العلاقة بين علم الطبيعة وعلم التاريخ وكيفية التمييز
بينهما، واعتبر أن التعارض بينهما «منهجي» في عمقه؛ فالمعرفة التي تنتجها العلوم الطبيعية، والمعرفة
التي ينتجها التاريخ، لحظتان من لحظات المعرفة بصفة عامة، وكل واحدة منهما تمتلك ما يكفي من
الضرورة والتبرير لتكون مستقلة ومتميزة، لكن من دون نفي أو استبعاد إمكانية ترابطهما ونسج علاقات
بينهما. وما يؤكد هذه الإمكانية هو أن فندلباند سعى، من خلال تمييزه بين المفاهيم الخاصة بعلوم
الطبيعة من جهة والمفاهيم الخاصة بالتاريخ من جهة أخرى، سعى إلى تبيين تلك الروابط و«تثبيتها».
وعلى أساس ذلك، قسم أنماط المعرفة إلى شكلين رئيسيين: - شكل يتجه نحو الكلي ويبحث عن قوانين عامة، وينتج «مفاهيم عامة.» - شكل يتجه نحو الفردي ويصف الوقائع الفردية، وينتج «مفاهيم تفريدية». وهكذا، ميز فندلباند بين علم الطبيعة وعلم التاريخ، على أساس أن العلم الأول يعتمد على الطريقة التي
تبحث عن الانتظام والاطراد في الطبيعة، ويستهدف، عن طريقها، الوصول إلى ما هو «عام». أمّا العلم
الثاني، فيعتمد على الطريقة التي تهدف إلى تمثل ما هو «جزئي» و«فريد.» هينريش ريكرت (1936-1863) يُعتبَر ريكرت من رواد مدرسة بادن، لكن انتماءه إلى هذه المدرسة لا يجعل أفكاره مجرد صدى
لتصورات زملائه فيها؛ لأن «التقليد» السائد داخلها غير «مدرسي»، وتوجهات الباحثين فيها متمايزة
(7) Ferrari, Retours à Kant , p. 67. (8) Dufour, «Introduction,» pp. 18-19. (9) Ernst Cassirer, Logique des sciences de la culture: Cinq études. Trad. de l’allemand par Jean Carro avec la collab. de Joël Gaubert; présenté par Joël Gaubert, Passages (Paris: Cerf, 1991), pp. 115-116. (10) Ernst Cassirer, L’idée de l’histoire: Les Inédits de Yale et autres écrits d’exil , présentation, trad. et notes par Fabien Capeillères; trad. avec la collab. d’Isabelle Thomas, Passages (Paris: Cerf, 1989), p. 70.
و«مختلفة»، وهو ما يظهر في تميّز قراءة ريكرت للفلسفة الكانطية باستخدام مفهوم «القيمة»؛ إذ انطلق
من تصور كانط لنظرية المعرفة، وأكد أن المعرفة تحليل لدلالات المفاهيم التي تستخدمها، واعتبر أن
هذه المفاهيم تقدم معايير لا يمكن تحديدها إلّ في ضوء قيمتها وصلاحيتها، وهذا ما يسمح بتجاوز
كل مماثلة للمعنى بما هو نفسي، وأي تماه بين المنطق والسيكولوجيا. لذا، شدَّد ريكرت على ضرورة تصحيح الفلسفة النقدية؛ لأن كانط نفسه ظل، في نظره، سجين التحليل السيكولوجي حين تحدث عن المعرفة، وأكد لزومَ فهم «ثورة» كانط «الكوبرنيكية» بكيفية جديدة من خلال استخدام مفهوم «القيمة»
في تعاليها واستقلالها عن الذات وأفعالها السيكولوجية. نشير، في هذا الإطار، إلى أن مفهوم «القيمة» يُعتبَر عنصرًا محوريًا في نظرية ريكرت الفلسفية؛ إذ على
أساسه يفصل بين المجالات المعرفية الطبيعية والمجالات الثقافية؛ لأن في الأولى يكون ذلك المفهوم غائبًا، في حين أنه يحضر في الأخرى بقوة، بل هو الذي يميّزها ويحدِّد مجالها الخاص. فإذا كانت
الموضوعات الطبيعية تفتقد تمامًا أيَّ صلة بالقيم، فإن الموضوعات الثقافية تتأسس على هذه الصلة
بالضرورة؛ لأن «إذا ما فصَلْنا (...) الموضوع الثقافي عن كل قيمة، أمكننا القول إنه يصبح مجرد طبيعة
أو يمكن أن يُعالج، من وجهة نظر علمية، باعتباره موضوعًا طبيعيًا». ومن ثم، فإن معرفة غياب أو
هذه الصلة بالقيم أو حضورها يمكن أن تسمح بالتمييز بين موضوعات العلوم، سواء الموضوعات الطبيعية أو الموضوعات التاريخية. إضافة إلى ذلك، يميّز ريكرت بين الطبيعة والثقافة في ضوء الفرق بين «الإدراك» و«الفهم»، وعلى
أساس الدلالة والمعنى؛ ففي نظره، تُعتبَر ظواهر العالَم الحسي- الفيزيائي في مجموعه موضوعات
للإدراك لا للفهم؛ لأنها تفتقر إلى المعنى والدلالة، في حين تُعتبَر موضوعات الثقافة قابلة للفهم؛ لأنها
حاملة للدلالة والمعنى. لذا، يؤكد ريكرت ضرورة إيلاء أهمية كبرى لمفهوم «القيمة» عند التفكير في موضوعات الثقافة؛ لأن من دون هذا المفهوم لا يكون لهذه الموضوعات معنى أو دلالة، وبالتالي لا يكون فهمها ممكنًا. بعبارة أخرى، يشترط الاشتغال في مجال علم الثقافة استحضار ثلاثة عناصر: القيمة؛ المعنى والدلالة؛
الفهم، ع لْمًا بأن القيمة هي الوسيط الضروري بين المعنى والدلالة من جهة، والفهم من جهة أخرى؛
لأن من غيرها لا يكون هناك معنى أو دلالة مثلما لا يكون هناك أي فهم بتاتًا. ومن دون وجهة النظر الأكسيولوجية، لا يمكن تمييز الموضوعات الثقافية، باعتبارها «خيرات» ذات قيمة وحاملة معنى ودلالة ما، من الوقائع الطبيعية المجردة من القيم وغير الحاملة لأي معنى أو دلالة.
(11) Eric Dufour, Les Néokantiens: Valeur et vérité , bibliothèque des philosophes (Paris: J. Vrin, 2003), pp. 51-52. (12) Heinrich Rickert, Science de la culture et science de la nature , trad. de l’allemand par Anne-Hélène Nicolas suivi de Théorie de la définition; trad. de l’allemand par Carole Prompsy et Marc de Launay; préf. de Ernst W. Orth, bibliothèque de philosophie (Paris: Gallimard, 1997), pp. 42-43.
(((1 المصدر نفسه، ص.51
يتبين، إذًا، أن اشتغال ريكرت على نظرية المعرفة لم يجعله حبيس تصور يركز اهتمامه على علم الطبيعة الرياضي فقط، بل دفعه إلى تأكيد ضرورة انفتاح تلك النظرية على مختلف العلوم أيضًا. وبفضل ذلك،
ميَّز ريكرت، على غرار فندلباند، بين نوعين من العلوم: علوم الطبيعة وعلوم الثقافة، وهو تمييز مؤسَّس
على قصد كل علم وهدفه ومنهجه لا على موضوعه؛ إذ إن التحليل المنطقي الصوري لمفاهيم العلوم الأولى والعلوم الثانية يكشف عن وجود وجهتي نظر متمايزتين للواقع نفسه تستندان إلى منهجين مختلفين، لا عن وجود واقعين متناقضين. لذا، لا بد من استحضار الاختلاف، لا على مستوى الواقع وإنما على مستوى منهج الدراسة؛ فهناك المنهج التعميمي الخاص بالعلوم الطبيعة من جهة، والمنهج التفريدي الذي تستخدمه علوم الثقافة من جهة أخرى. هرمان كوهن (1918-1848) يُعتبَر كوهن من مؤسسي مدرسة ماربورج التي اهتمت بالإرث الكانطي وسعت إلى الدفاع عنه. وعلى
غرار الكانطيين الجدد، انطلق كوهن من شعار «العودة إلى كانط»، لكنه تميز منهم بمنح هذا الشعار أبعادًا جديدة وفق رؤية كلية تاريخية تُبرز وضعية كانط المثالية في تاريخ الفلسفة، ووفق رؤية منهجية
نسقية؛ إذ حاول تبرير فلسفة كانط وتجديدها عن طريق أخذ خاصيتها النسقية بعين الاعتبار. اهتم كوهن بالدراسة النسقية - التاريخية لمشكلة المعرفة، فأكد ضرورة توفّر مؤرخ الفلسفة على صفة الفيلسوف، ومنح الأولوية للجانب النسقي، لكن من دون إهمال أهمية العمل الفيلولوجي في تفسير النصوص. هذه القاعدة المنهجية هي التي اعتمد عليها كوهن في تفسيره نصوص الفلسفة النقدية وتأويلها. يتميز العمل التأويلي الذي قام به كوهن بكونه تفكيرًا في إطار «نقد المعرفة»؛ فهو حدَّد شروط إمكان
«واقعة العلم» من خلال إعادة تأسيسه للمنهج الترنسندنتالي، عن طريق «مواجهة تأويلية مع النص الكانطي»، وذلك بالاعتماد على منظورين: نظري وتاريخي. وهكذا، عاد كوهن إلى جذور النقد الكانطي وربطه بأفلاطون وديكارت وليبنتز، وأكد الترابط بين الفلسفة والعلم، ثم استخلص أن من الضروري استنباط نسق من المقولات والأحكام الخاصة بمنطق المعرفة الخالصة، وإبراز الطابع التاريخي للعقل. استنادًا إلى ذلك، بدأ كوهن قراءة فلسفة كانط بمحاولة تنقيتها من جميع شوائب «النزعة
السيكولوجية»، واعتبر أن كل تأويل سيكولوجي للذات الكانطية زائغ ومنحرف، وبالتالي ينبغي
(((1 المصدر نفسه، ص.88
(15) Alexis Philonenko, L’Ecole de Marbourg: Cohen, Natorp, Cassirer , À la recherche de la vérité (Paris: J. Vrin, 1989), pp. 12-13. (16) Massimo Ferrari, «La Genèse de das Erkenntnisproblem: Le Lien entre systématique et histoire de la philosophie,» dans: Jean Seidengart, dir., Ernst Cassirer: De Marbourg à New York, l’itinéraire philosophique: Actes du colloque de Nanterre, 12-14 octobre 1988 , Passages (Paris: Cerf, 1990), p. 101.
إبعاده من أجل الكشف عن الدلالات الحقيقية للكانطية. وفي إطار نقد النزعة السيكولوجية، ركز كوهن على مفهوم «التجربة» باعتباره المفتاح الرئيسي لفهم مفهوم «القبلي»، وتأسيس «المنهج الترنسندنتالي»، حيث أبعد كل تأويل سيكولوجي أو سيكوفيزيائي، متبنيًا «مشروع إعادة تأسيس
المذهب الكانطي عن القبلي ». إن تشديد كوهن مرارًا على ضرورة تحرير الفلسفة النقدية من السيكولوجيا، والفصل بين القيمة
الترنسندنتالية لمفهوم «القبلي» ووضعه الميتافيزيقي أو السيكولوجي، يُظهِر وظيفة «المنهج
الترنسندنتالي» باعتباره منهجًا يسعى إلى التغلغل في أسس صلاحية العلوم وشروطها. وبخصوص
هذا الأمر، انصبّ اهتمام كوهن على دراسة «واقعة العلم» باعتبارها الموضوع الأساسي الذي يمكن
أن يطبّق عليه المنهج الترنسندنتالي، والقاعدة التي يمكن بموجبها فحص مفهوم «القبلي» وأساسه
الترنسندنتالي لا السيكولوجي. نشير، هنا، إلى أن كوهن قام بتأكيد أهمية المنهج الترنسندنتالي عن طريق ربطه بمنهج رياضي محض، هو منهج «حساب التفاضل»، إذ اعتبر أن استعمال هذا الحساب لتأسيس المنهج الترنسندنتالي، بكيفية
علمية دقيقة، يفتح النقاش بشأن «نظرية المعرفة» باعتبارها بحثًا في أسس المعارف العلمية «الدقيقة.» وفي هذا الإطار، أدخل كوهن تصحيحات اصطلاحية على استخدام مفهوم «نظرية المعرفة» نفسه، فاستبدله بمصطلح «نقد المعرفة»؛ لأن كانط كان حينما استعمل المفهوم الأول لا يزال، في نظر كوهن،
«متخبطًا في تمثلات وتخمينات ذات طابع سيكولوجي». ولعل هذا ما دفع كوهن إلى تأسيس «منطق» خاص بالمعرفة يتميز بكونه فكريًا «خالصًا». لذا، يمكن القول إن عودة كوهن إلى كانط لا تعني اجترار التصور الكانطي كما هو في حرفيته، وإنما
بالأحرى تعني تجديدًا مبدعًا، وتوسيعًا دقيقًا لأفكاره الأساسية. وبهذا المعنى ينبغي تحديد مكانة
كوهن في «تاريخ الأفكار الكوني». بول ناثورب (1924-1854) إلى جانب كوهن، تبنّى ناثورب – في مدرسة ماربورج- شعار «العودة إلى كانط»، لكن من دون أن يعني ذلك ترديدًا حرفيًا لأفكار فيلسوف النقد، وإنما اعتماد «النقد» بوصفه «منهجًا» يمنح إمكانية
التفلسف بطريقة لامتناهية، حيث قال: «لا يمكن العودة إلى كانط إلّ بهدف الاستمرار في التقدم نحو
(17) Ferrari, Retours à Kant , p. 27.
(((1 المصدر نفسه، ص.54-53
(19) Hermann Cohen, Le Principe de la méthode infinitésimale et son histoire , introd., trad. et annoté par Marc de Launay, bibliothèque des textes philosophiques (Paris: J. Vrin, 1999), p. 43. (20) Hermann Cohen, «Logique de la connaissance pure,» dans: Cohen [et al.], p. 58. (21) Ernst Cassirer, «Hermann Cohen et la rénovation de la philosophie kantienne, » dans: Ernst Cassirer, Hermann Cohen et Paul Natorp, L’Ecole de Marbourg , trad. de l’allemand et de l’anglais par Christian Berner [et al.], Passages (Paris: Cerf, 1998), p. 38.
المعرفة الأساسية (...). فكانط، الذي فهم بدقة الفلسفة بوصفها نقدًا ومنهجًا، أراد أن يُعلِّم التفلسف
وليس فلسفة ‹ما›. ولكن من يفهمه بشكل مغاير سيكون تابعًا تافهًا لكانط». إن الطابع المنهجي النقدي للفلسفة الكانطية هو ما يجعلها، في نظر ناثورب، حية في العصر الراهن، بل تفرض على كل من يريد البحث والتقدم في مجال الفكر الفلسفي ضرورة «مواجهة» تلك الفلسفة.
وهذا ما دفعه إلى الإقرار بانتمائه إلى مدرسة ماربورج، مع نفي كل طريقة نمطية متفَق عليها، سلفًا، بين أعضاء تلك المدرسة لقراءة تاريخ الفلسفة بصفة عامة، وفلسفة كانط بصفة خاصة؛ فلا وجود، في رأيه، لأي «كانطية أرثوذكسية خاصة بمدرسة ماربورج». على الرغم من إشارة ناثورب إلى مجموعة من نقط التقاء أعضاء مدرسة ماربورج والقواسم المشتركة بينهم، مثل: اتفاقهم النسبي على ضرورة إدخال بعض التصحيحات على فلسفة كانط، ولزوم تبنّي
المنهج الترنسندنتالي باعتباره منطلقًا للتفكير، فإنه يرفض تمامًا أن انتهاج أي تبعية مذهبية تجاه زملائه،
إذ يقول في هذا السياق: «لم أكن مريدًا لكوهن قط». بالعودة إلى بداية تاريخ اشتغال ناثورب داخل مدرسة ماربورج، نجد أنه اهتم بإشكالية البحث عن إمكانية إقامة فلسفة تحمل صفة العلم الذي يعالج المعرفة بصفة عامة، وتكون قوانينه كلية. واعتبر
أن هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلّ بربط الفلسفة بتاريخ العلوم «الحقة» وتفاعلها معه. لذلك، عاد إلى ما قبل نشأة فلسفة النقد الكانطية، وخصوصًا إلى أهم العلماء والفلاسفة المحدثين الذين ساهموا في
ميلاد تلك الفلسفة. غير أن تلك العودة لم تجعل ناثورب يتبنّى جميع أفكار كانط، أو يعتبرها مقدسة غير قابلة للنقد وإعادة القراءة والتصحيح، بل نقطة نهاية بالنسبة إلى تاريخ الفلسفة والعلم. بالعكس، وجّه، على أساس تطورات علوم العصر الراهن، نقدًا لاذعًا لمفهوم «القبلية» كما تصوره كانط، واعتبر
أن هذا الأخير «أخطأ» عندما تمسّك بهندسة أقليدس ومبادئ نيوتن الفيزيائية. بل أكثر من ذلك، اهتم ناثورب بإشكالية تأسيس السيكولوجيا لتصير علمًا، معلنًا منهجًا خاصًا
لتخليصها من كل ما يحول دون ذلك، ولجعلها تصبح معرفة ذات طابع نقدي عام. وبيَّن، في السياق
نفسه، أن «السيكولوجيا العامة» التي يريد تأسيسها هي ذات أساس نقدي في مقابل كل سيكولوجيا
طبيعية، متخذًا من «النقد» و«إعادة بناء» ظواهر الوعي منهجًا في البحث السيكولوجي، حيث تتوافق
لديه «السيكولوجيا العامة» مع السيكولوجيا المتحققة «حسب المنهج النقدي».
(22) Paul Natorp, «Kant et l’École de Marbourg,» dans: Cassirer, Cohen et Natorp, p. 40.
((2(المصدر نفسه، ص.39
((2(المصدر نفسه، ص.41
(25) Paul Natorp, «Fondation objective et fondation subjective de la connaissance,» dans: Cohen [et al.], p. 122. (26) Ernst Cassirer, «Paul Natorp,» dans: Cassirer, Cohen et Natorp, p. 243. (27) Paul Natorp, Psychologie générale selon la méthode critique. Premier livre, Objet et méthode de la psychologie , Traduit de l’allemand par Éric Dufour et Julien Servois, bibliothèque des textes philosophiques (Paris: J. Vrin, 2008), p. 19.
فكّر ناثورب، إضافة إلى انشغاله بإشكاليات السيكولوجيا وطموحه إلى تأسيس «سيكولوجيا عامة»، في إشكالية «وحدة أجزاء الروح»، وذلك من خلال مشروعه الخاص بتأسيس «المنطق العام» الذي يحمل صفتي المثالية والنقد. واعتبر «الوحدة» نقطة انطلاقه، باعتبارها وحدة تحمل في طياتها «الوجود» و«الفكر» معًا. وقد وجد أن في الإمكان إيجاد أبرز تعبير عن هذه الوحدة بين الفكر والوجود في مفهوم
«اللوغوس»، كما فهمه هيراقليطس وأفلاطون، على اعتبار أن المنطق العام يقصد في البداية أساس كل وجود ومنح المعنى، بل «ومنح معنى المعنى نفسه». في هذا الإطار، انفتح ناثورب على إشكالية «المنهج» الذي ينبغي أن تعتمده الفلسفة، فبيَّن أنه ينبغي
أن يكون منهجها لا متناهي التطور، على غرار الوجود اللامتناهي الحركة، وأكد أن هذه الخصائص
متوافرة في المنهج الكانطي النقدي بوصفه «متقدمًا ومتطورًا وقابلً للتطور بكيفية لامتناهية». من أجل ابراز أسس ذلك المنهج وجذوره التاريخية، عمل ناثورب على دراسة المراحل السابقة على
ظهور النزعة النقدية، من أجل إعادة تأسيس الفلسفة الترنسندنتالية، فدرس كلًّ من كوبرنيك وغاليلي
وليبنتز، وركّز جهوده على «واقعة العلم» بوصفها «الموضوع الحقيقي لنقد المعرفة»، واعتبر أن
«البحث التاريخي» ليس مجرد إعادة إنتاج لما أ نجز في التاريخ، وإنما يهدف أيضًا، وفي الأساس، إلى
تحديد تاريخ نظرية المعرفة من خلال الربط بين تاريخ الفلسفة وتاريخ العلم وفق منظور نقدي قادر على استيعاب الطابع الدينامي للمعرفة وصيرورة إنتاجها وتطورها اللامتناهية. إرنست كاسيرر (1945-1874) يجري عادةً ربط سبب التحاق كاسيرر بمدرسة ماربورج بقول جورج زيمل (G.Simmel) (في سنة
1895) التالي: «تُعتبَر كتب هرمان كوهن، بلا شك، أفضل ما كُت ب عن كانط، غير أني أقر بأنني لاِ
أفهمها». لكن مهما جاز الشك في هذا السبب، فإن كاسيرر انخرط، بعد ذهابه إلى تلك المدرسة (سنة 1896)، في قراءة أعمال كوهن التي كانت قد صدرت آنذاك. والدليل على ذلك أن كتابات كاسيرر الأولى تبيّن إلى أي حد «توصل إلى تملك ما هو أساسي في طريقة كوهن، وانخرط في
قراءته لكانط». ينطلق كاسيرر في تفكيره الفلسفي من «ثورة» كانط «الكوبرنيكية»، على مستوى منهج البحث في الإشكالات الفلسفية ومعالجتها؛ فهو «وارث» تلك «الثورة» باعتبارها قلبًا للروابط بين المعرفة
وموضوعها، حيث لم يغير شيئًا من مفاهيمها الأساسية، وخصوصًا مفهوم «الترنسندنتالي» الذي
(28) Paul Natorp, «Présentation personnelle,» dans: Cassirer, Cohen et Natorp, p. 220. (29) Natorp, «Kant et l’École de Marbourg,» p. 44. (30) Massimo Ferrari, « Préface, » dans: Ernst Cassirer, Le problème de la connaissance dans la philosophie et la science des temps modernes, 1, De Nicolas de Cues à Bayle , trad. de l’allemand par René Fréreux; Préface par Massimo Ferrari, Passages (Paris: Cerf, 2004), p. viii. (31) Alexis Philonenko, «Cassirer lecteur et interprete de Kant,» dans: Jean Seidengart, dir., p. 43.
((3(المصدر نفسه، ص.43
يشير، لدى كانط، إلى «كل معرفة تهتم عمومًا بمفاهيمنا القبلية عن الموضوعات، أكثر من اهتمامها
بالموضوعات»في حد ذاتها. بعبارة أخرى، يولي كانط، من خلال ذلك المفهوم، أهمية لطريقة
المعرفة أكثر من الاهتمام بموضوعاتها؛ إذ إنه يسعىإلى «تحديد ماهية العقل الخاصة، وعرض كل ما
هو ممكن داخل ما هو قابل للمعرفة، وفي أي شروط يمكن أن نعرف». نشير، في هذا الإطار، إلى أن كاسيرر يتبنّى صراحة طريقة وضْ ع كانط للأسئلة الخاصة بالمعرفة
التي تبحث عن الجانب الدينامي-الوظيفي، لا الاستاتيكي-الجوهري، في العلاقة بين المعرفة
وموضوعها؛ فبتبنيه الطريقة الكانطية و«ثورتها» في «نمط التفكير»، يؤكد أن « وظيفة المعرفة هي التي
تبني الموضوع وتشكّله، ليس بوصفه مطلقًا، وإنما باعتباره مشروطًا، بدقة، بهذه الوظيفة. وما نسمّيه
وجودًا «موضوعيًا»، أي موضوع التجربة، هو نفسه غير ممكن إلّ من خلال افتراض الفهم ووظائفه
الخاصة بالوحدة القبلية». يظهر تبنّي كاسيرر المنهج الكانطي في مشروعه الخاص بفلسفة الأشكال الرمزية، فهو يعلن أنها تتجاوز
«التصور المرآوي» للمعرفة، وتدور في فلك السؤال الترنسندنتالي. يقول في هذا المقام: «إننا نقيم
في الدائرة التي يُحدِّدها السؤال ‹الترنسندنتالي› عمومًا، أي دائرة الميثودولوجيا التي تتناول كيفية عمل
الأشكال الفردية الخاصة بالوعي فقط بوصفها منطلقًا للتساؤل حول دلالتها، ومدى مشروعيتها ». وفي إطار البحث في كيفية عمل أشكال الوعي وسعيه إلى إيجاد المبدأ التركيبي الذي يوحدها، يستلهم
كاسيرر أيضًا فلسفة النقد، إذ لا يُحدِّد ذلك المبدأ إلّ بالاعتماد على الفكرة الكانطية القائلة بتلقائية
الوعي وقدرته على «التركيب»؛ ففي نظره، «لا يوجد الموضوع قبل الوحدة التركيبية وخارجها، وإنما
بالعكس، فهذه الوحدة هي وحدها التي تُشَكِّلُه (...)، والموضوع هو نتاج لتشكيل يتحقق عبر الوساطة
الأساسية للوعي وبموجب شروط الحدس والفكر الخالص. لذا، تقبل ‹فلسفة الأشكال الرمزية› هذه
الفكرة الأساسية في المشروع النقدي، وذلك المبدأ الذي تقوم عليه ثورة كانط الكوبرنيكية، من أجل
توسيعها في ما بعد». إضافة إلى ذلك، لا يتوانى كاسيرر، على غرار كانطيي مدرسة ماربورج، عن استخدام «المنهج
الترنسندنتالي»، من دون أن يعني ذلك بقاءه عند حدود تكرار ما قاله كانط أو كوهن أو ناثورب بكيفية
حرفية؛ فصاحب فلسفة الأشكال الرمزية يقوم بتوسيع مجال تطبيق ذلك المنهج ليشمل مجالات
(33) Kant, p. 46. (34) Nathalie Janz, Globus symbolicus, Ernst Cassirer un épistémologue de la troisième voie? , Philosophie, épistémologie (Paris: Ed. Kimé, 2001), p. 92. (35) Ernst Cassirer, La Philosophie des formes symboliques, 3: La Phénoménologie de la connaissance , traduction et index de Claude Fronty, le sens commun (Paris: Minuit, 1972), p. 17. (36) Ernst Cassirer, «Le Langage et la construction du monde des objets,» dans: Ernst Cassirer [et al.], Essais sur le langage , présentés par Jean-Claude Pariente, le sens commun (Paris: Minuit, 1969), pp. 39-40. (37) Cassirer, La Philosophie des formes symboliques, 3 , p. 63. (38) Ernst Cassirer, La Philosophie des formes symboliques, 2: La Pensée mythique , traduction de l’allemand et index par Jean Lacoste, le Sens commun (Paris: Minuit, 1972), p. 49.
الثقافة البشرية كلها، لا مجال المعرفة العلمية فحسب. بعبارة أخرى، يسعى كاسيرر إلى الذهاب بعيدًا عن الحدود «التقليدية» للفلسفة الكانطية عن طريق «تطبيق الطريقة النقدية، التي ظل وفيًا لها، على
الفهم والعقل كما يتجليان في المعرفة، وكذا على مجموع أعمال العقل البشري، وكل أنساق القواعد
التي تنتج بنى موضوعية في الثقافة البشريةِ». لذا، يمكن القول إن عودة كاسيرر إلى مبادئ الفلسفة النقدية، وإعادة تناوله «المنهج الترنسندنتالي» تحديدًا، ليستا مجرد «حنين» إلى اتجاه معرفي يُعتبَر كانط منبعه الرئيسي من الناحية التاريخية، وإنما
هما عودة نقدية وإعادة تناول أصيلة فتحت آفاقًا جديدة أمام الفلسفة الكانطية برمّتها. بعبارة أدق، إذا كان كاسيرر ينطلق من الثورة المنهجية التي أنجزها كانط والتأويلات التي قام بها كل من كوهن وناثورب لها، فإنه يذهب أبعد منهم جميعًا في توسيعه حقل بحث الفلسفة، ليفتحه على أبعاد
الحياة الثقافية وتجلياتها وأشكالها. غير أن توسيع كاسيرر مجال البحث الفلسفي ليس اكتشافًا مرتبطًا بالصدفة من دون تمهيد أو تأثير أي فيلسوف في تفكيره، كما لا يعني البتة وجود قطيعة جذرية مع تأويلات الكانطية الجديدة في مدرسة ماربورج؛ فحتى ناثورب وكوهن أكدا، بدورهما، غنى التفكير الترنسندنتالي وإمكانية انفتاحه على مجالات أخرى غير مجال المعرفة العلمية، وكاسيرر نفسه يؤكد أن «من غير الصحيح، بتاتًا، القول إن نقد كوهن للمعرفة ينصبّ على النظرية الرياضية للطبيعة فقط»، بمعنى أن هذا النقد منفتح على
مجالات الإبداع البشري كلها. وانفتاح نقد كوهن هذا هو ما أكده ناثورب بدوره، حين بيَّن أن الانتماء إلى مدرسة ماربورج لا يعني اتخاذ
موقف «أرثوذكسي» تجاه كانط، وأن من الضروري القيام بتأويل الفلسفة الترنسندنتالية وتصحيحها، بل وتطويرها، لكن من دون حصر المنهج الكانطي في إطار تبرير شروط إمكان العلم. لذا، شدَّد ناثورب على ضرورة فتح المنهج الترنسندنتالي على مجال الثقافة، والبحث عن وحدة العقل في كل عمل ثقافي
خلّق عن طريق القيام ب«تأسيس ترنسندنتالي» لكل «وضع فلسفي»، اعتمادًا على كانط. يجدر التنبيه، في هذا الصدد، إلى أن كاسيرر يتبنّى أفكار كوهن وناثورب بخصوص وحدة نسق الفلسفة
الترنسندنتالية، باعتبارها وحدةَ دروب الوعي الثقافي وطرقه، لكنه يقوم، في الوقت عينه، بفتح آفاق جديدة أمامها، موسِّعًا «نسق» الفلسفة لديهما. وهذا التوسيع هو الذي يجعل فلسفة الأشكال الرمزية
تهتم بمعالجة مختلف مجالات الثقافة، اعتمادًا على أسلوب التفكير الترنسندنتالي، أي «التفكير في
‹شروط إمكان› الوقائع الثقافية في تطابق مع المنهج الترنسندنتالي».
(39) Jean Lacoste, «Préface,» dans: Ernst Cassirer, Rousseau, Kant, Goethe: Deux essais , traduit de l’allemand et présenté par Jean Lacoste, littérature et politique (Paris: Belin, 1991), p. 8. (40) Cassirer, «Hermann Cohen,» p. 22. (41) Natorp, «Kant et l’École de Marbourg,» pp. 42-43. (42) Massimo Ferrari, «Préface,» dans: Cassirer, Cohen et Natorp, p. viii.
بناءً عليه، يمكن القول إن فلسفة الأشكال الرمزية كسرت «نسق الثقافة» الخاص بأعضاء مدرسة ماربورج
من أجل الانفتاح على اتجاهات جديدة «للموضعة» (Objectivation) و«الموضوعية»؛ إذ في مقابل
التحديدات الضيقة لهذين المفهومين، بحث كاسيرر عن أشكال جديدة لهما عن طريق الانفتاح على
مجالات جديدة يمكن إيجاد تجلياتهما فيها، وإضفاء مشروعية عليهما على غرار مشروعية المعرفة
العلمية وقوانينها. لذلك، لا تقدم الفلسفة الكاسيررية نفسها فقط «بوصفها محاولة لمنح ‹علوم الروح›
الأساس العضوي لفلسفة للثقافة والروح التكوينية، بل أيضًا باعتبارها رهانًا نظريًا (...) جريئًا يسعى
إلى ربط النزعة الترنسندنتالية لماربورج ب‹الغنى المتعدد الأشكال› الخاص بأنماط ‹فهم العالم»›. وهكذا، يظهر أن على الرغم من إشادة كاسيرر بأعمال كوهن وإقراره بأهم مبادئ فلسفة ناثورب، فإن
ذلك لا يعني أنه ظل مجرد تلميذ وفيٍّ تمامًا لأستاذيه، كرَّر ما كانا يؤكدانه، الأمر الذي يمكن أن ينزع
عن فلسفته كل أصالة وجِدَّة وتميز. بالعكس، فكاسيرر استلهم أفكارهما، وهو لم ينكر ذلك بتاتًا، غير
أنه عمل، في الآن نفسه، على تطويرها حتى صارت العلاقة بينه وبين أعضاء مدرسة ماربورج تنحل
تدريجيًا، لكن من دون إحداث قطيعة جذرية معهم؛ فكلما بدا أن أفكارهم تتباعد، تبيَّن، في العمق،
أنها تتقارب في ما بينها من حيث الاستناد إلى المنهج الترنسندنتالي في معالجة «المشكلات» الفكرية
وإنجاز «المهمات» الفلسفية. وبذلك يكون كاسيرر «وارثًا شرعيا» ل«الثورة الكوبرنيكية» التي قام بها كانط في مجال المعرفة. إلّ أن
عودته إليه لم تكن «أرثوذكسية»، بل كانت عودة تجديدية قدّم من خلالها «قراءة نقدية» ل«فلسفة النقد»،
فوسَّع، عن طريقها، آفاق البحث الفلسفي، وفتح أمامه مجالات اشتغال لم يسبق لكانط أن طرقها، ع لمًا
بأن قراءته هذا الفيلسوف لم تكن «مباشرة» بكيفية صرف، وإنما كانت «متوسطة» بقراءات الكانطيين
الجدد، وخصوصًا قراءات أعضاء مدرسة ماربورج، بمعنى أنه استفاد من التراث الفلسفي الذي خلّفته
مختلف القراءات اللاحقة على كانط وأنماط العودة إليه. فكاسيرر قام، من خلال قراءته تلك، بالدفاع
عن منجزات الكانطية الجديدة في ماربورج، لكن دفاعه ذاك انصبّ على «روحها» المتمثلة أساسًا في
«المنهج الترنسسندنتالي» واستعمالاته الممكنة. انطلاقًا ممّا سبق، نستنتج وجود تعدُّد في قراءات كانط، داخل المدرسة نفسها، ناهيك عن المدارس
المتباينة. وبخصوص هذا التعدد، يمكن القول إن هناك كانطية فندلباند وكانطية ريكرت وكانطية كوهن
وكانطية ناثورب وكانطية كاسيرر...إلخ، وكل واحدة منها تختلف عن غيرها وتمتلك مميزات خاصة
بها. لذا، لا يمكن اختزال نزعة الكانطيين الجدد في حرفية نصوص كانط، أو تقليد أفكار بعضهم
أفكار بعضهم الآخر؛ فكانطية كل واحد منهم متميزة، ولا يمكن خلطها أو صهرها، بكيفية متسرعة،
مع «الكانطيات» الأخرى بلا تمييز. بعبارة أخرى، لا يمكن وضع صفة الكانطية بمعنى واحد على
الكانطيين الجدد، وكأنهم كتلة واحدة وأفكارهم متماثلة؛ فالانتماء إلى «مدرسة كانط» يتضمن رفض
التقليد الحَرْفيِتمامًا.
(((4 المصدر نفسه، ص xxviii.
(44) Dominique Bourel, «Ernst Cassirer et l’école de Marbourg,» dans: Seidengart, dir., p. 79.
كما يظهر غنى النصوص الكانطية وثرائها المعرفي، ويتجلى ذلك من خلال خضوعها المتواصل، منذ ظهورها إلى العصر الراهن، لكثير من التأويلات المتضاربة، وهو ما يؤكد الطابع المنفتح للفلسفة النقدية وقابليتها للتأويل من زوايا مختلفة. لكن ما تجدر الإشارة إليه ههنا هو أن على الرغم من اختلاف التأويلات التي خضعت لها فلسفة كانط، وتأكيد أصحابها كلهم أنهم كانطيون، فهناك ما يوحّد عودتهم
إلى كانط، خصوصًا في ما يتعلق بالمبدأ والمنهج وكيفية البحث ووضع الإشكاليات؛ فالكانطيون
الجدد استلهموا روح الفلسفة الكانطية فقط، دون جميع أفكارها، وعودتهم إلى كانط واستلهامهم
للروح النقدية المميِّزة للمنهج الترنسندنتالي لم يجعلاهم سجناء كانط، بل مكَّنَاهم من تطوير آفاق
فلسفة هذا الأخير وتوسيعها عن طريق استثمار مبادئها النقدية و«ثورتها» المنهجية في فهم إشكالات العصر الراهن ومعالجتها. إن رفع الكانطيين الجدد شعار «العودة إلى كانط» يدل، في عمقه، على محاولتهم للدفاع عن أسس الفلسفة الكانطية وراهنيتها من ناحية أولى، وعن قابليتها للتطور وقدرتها على الإجابة عن الأسئلة الفلسفية المعاصرة رغم المسافة الزمانية الفاصلة بين كانط والفلاسفة اللاحقين عليه من ناحية ثانية؛ فالنسق الفلسفي الكانطي يتميز بكونه غير منغلق على نفسه، ومن طبيعته الأساسية أنه «نسق مفتوح، ويتوافق مع توجه النزعة النقدية»، ولا يمكن أن يتوقف عند نهاية محدَّدة، بل هو منفتح، ويسمح
بالانفتاح إلى ما لا نهاية. وقد انفتحت أمام انفتاح فلسفة النقد ورفضها الانغلاق آفاق جديدة للتطور بفضل تأويلات وقراءات مختلفة؛ إذ إن كانط وضع أسس فلسفة تحمل بذور انفتاحها وتطورها في ذاتها، من دون أن يعني ذلك
وجود إطار قبلي محدِّد لمسار التاريخ مسبقًا، بقدر ما يعني أن تلك الفلسفة تحمل إمكانات للتطور في
اتجاهات مختلفة؛ لأن صاحبها لم يكن يفكر في الاكتمال التام للتاريخ، وإنما في صيرورته اللامتناهية. فطبيعة فلسفة النقد تتميز بكونها لم تكتمل بعدُ، إذ إن العقل فيها يقوم بنقد ذاته وتحديد آليات اشتغاله،
ولا يصبو إلى الانغلاق، وإنما إلى وضع أساس لطريقة جديدة في التفلسف، ولا يمكن أن تكتمل
دائرتها بكيفية نهائية؛ لأن العقل، هنا، يتجدد دومًا، ومن يتفلسف مع كانط لا يمكنه إلّ أن يظل تفكيره
خاضعًا لتجدد ذاتي مستمر، في أثناء التفكير في موضوعات معيّنة؛ فتفكير العقل في ذاته جزء أساسي،
بل وتأسيسي في عملية التفلسف بأسرها. وبهذا يطوِّر ذاته بذاته، ويفتح لذاته آفاقًا جديدة ومتجددة
دائمًا بكيفية غير متناهية. هذه الخصائص تجعل الفلسفة الكانطية منفتحة على التأويل، الذي يسمح لها بأن تظل منفتحة؛ فالفلسفة النقدية ترفض الانغلاق، وتقبل تأويلها، بكيفية مختلفة، لكنها تلفظ خارج ذاتها كل تأويل
يمكن أن يحصرها في نظرة مذهبية ومتحجرة، وهو ما يجعل الانتماء إلى الاتجاه الكانطي مشروطًا بالقدرة على التشبع بروح تلك الفلسفة و«ثورتها الكوبرنيكية» على مستوى منهجية التفكير، من دون الوقوع في نظرة مختزلة لمشروع النقد تجعل أصحابها مجرد تابعين لكانط.
(45) Alain Renaut, Kant aujourd’hui , Philosophie (Paris: Aubier, 1997), p. 379.
لذا، من غير الصائب القول إن الكانطية الجديدة تضم مريدين أوفياء أو تابعين مخلصين لنصوص كانط
بكيفية عمياء. بالعكس، إنها تشمل قراءً مختلفين قدموا تأويلات متنوعة لتلك النصوص، وعملوا
على تأويل فلسفة النقد بكيفيات مختلفة، ونقدها وتنقيحها في ضوء التطورات العلمية والفلسفية
المعاصرة، بل إن الاختلاف في تأويل فلسفة كانط هو ما سمح لروحها النقدية بأن تستمر. وكلما
تعددت وجهات النظر في أثناء قراءة نصوصها، تمكنت من التجذر في التاريخ بكيفية غير متناهية،
وفتحت المجال أمام إمكانية ظهور كانطيين جدد يتميزون بروح نقدية مبنية على فكر الاختلاف مع
كانط نفسه. وأن يكون المرء كانطيًا لا يعني أن يكون متماهيًا مع كانط، أو أن يؤلِّف معه هوية واحدة، وإنما
يعني تجديد فلسفته من دون تكرارها حرفيًا. والتجديد يعني تأويلها بتوسيع أفقها عن طريق فهمها
فهمًا يسمح لها بأن تظل حية وقادرة على بعث التفكير النقدي وتوجيهه صوب موضوعات لم
يفكر فيها كانط، وعلى إثارة أسئلة نقدية بخصوصها وإضفاء الطابع الإشكالي عليها، بكيفية تسمح
بجعل فلسفة النقد راهنية ومنفتحة في لاتناهي أفقها؛ لأن طبيعتها الأصلية تتمثّل في كونها مهمة مستقبلية وغير متناهية. الكانطية «مهمة» منفتحة على المستقبل أكثر ممّا هي مرتبطة بالماضي، ولا تتعارض مع إمكان
توسيعها، عن طريق تأويلها، ع لْمًا بأن هذا التأويل هو بدوره «مهمة» يقتضي إنجازُها ضرورة الانفتاح
على المستقبل؛ لأن التأويل عمل مستقبلي يستحيل وقفه.