من أجل فهم مضاف للخطاب النبوي
Toward and Additional Understanding of the Prophetic Discourse
الملخّص
هذا المقال محاولة لتطبيق بعض المناهج الحديثة على الخطاب النبوي وتدبّر أبعاده الدينية، ولا سيما عبر المنهج الأنثروبولوجي والمقاربة التداولية، وذلك لأننا نعتقد أن الأحكام والمعاني التي استنتجها الفقهاء والمفسرون من النصوص الدينية قديمًا خضعت لضغوط اللحظة التاريخية للمفسر والقارئ، أكثر ممّا نتجت من منطوق الخطاب ومقصد الرسالة.
Abstract
mmThis article is an attempt to apply some modern methodologies to structuralist discourse and consider its religious dimensions particularly by means of an anthropological and contemplative approach. This is based on the understanding that the rulings and meanings derived by the jurisprudents and exegetes from religious texts in the past were subject to the exigencies of the historical moment upon the exegete and the reader, more than being the result of the literal meaning of the discourse and the intention of the message. The author argues that the evolution of society necessarily leads to the evolution of religious law and a change in understanding, particularly as hermeneutics teaches one that meaning is the product of the transmitter and receiver as much as it is the product of the text, and that what is gained from the text is the result of a complex process between text, reader, and source and that its inferred meanings may often be responses to questions of the age that faces them. According to this vision, two models for prophetic discourse are here explored: the prophetic Hadith, and the divine Hadith. They both recur in the classical sources, where they bear fewer, or different, meanings than those we researched in this paper.
- الخطاب النبوي
- الفقهاء
- النصوص الدينية
- أبعاده الدينية
- منطوق الخطاب
- Prophetic Discourse
- Religious Dimensions
- Jurisprudents
- Religious Texts.
هذا المقال محاولة لتطبيق بعض المناهج الحديثة على الخطاب النبوي وتدبّر أبعاده
الدينية، ولا سيما عبر المنهج الأنثروبولوجي والمقاربة التداولية، وذلك لأننا نعتقد
أن الأحكام والمعاني التي استنتجها الفقهاء والمفسرون من النصوص الدينية قديمًا
خضعت لضغوط اللحظة التاريخية للمفسر والقارئ، أكثر ممّا نتجت من منطوق
الخطاب ومقصد الرسالة. ونحن نذهب إلى أن تطور المجتمع يجر بالضرورة إلى
تطور التشريع وتغيّر الفهم، خاصة أن المدرسة الهرمنيوطيقية تعلمنا أن المعنى هو
ابن النص بقدر ما هو ابن الباث والمتقبِّل، وأن ما يستفاد من النصوص هو نتاج
عملية معقدة بين النص والقارئ والمرجع، وأن معانيه المستنبطة إنما تكون في كثير
منها إجابات عن أسئلة العصر الذي تصدى له. بناء على هذه الرؤية قمنا بمحاولة
تحليل نموذجين من الخطاب النبوي هما الحديث النبوي والحديث القدسي،
وقد تواتر حضورهما في المصادر الكلاسيكية وحمل من المعاني أقل- أو غير -
ما رمنا البحث عنه في صُلب هذا العمل. مدخل لا يزعم هذا المقال أن يكون له قصب السبق في فهم الخطاب النبوي؛ فلأسلافنا في تدبّر
الحديث قدم راسخة، ولهم في تحليل اللغة وإدراك شواردها وتقعيد أصول الكلام والفهم
شأو بعيد، ولهم في ضبط نواميس المقاصد والأحكام من الشرع حدود مضبوطة معلومة. حسْبنا
أن نقدّم فهمًا مضافًا كما ألمعنا إلى ذلك في العنوان، وسندُنا في ذلك العُدة المنهجية والمعرفية
التي أتاحتها العلوم الإنسانية الحديثة، سواء في المرجعيات الفلسفية أو في مناهج اللغة وتحليل
الخطاب أو في المقاربات العلمية والتحليلية، مثل الدراسات التاريخية والدراسات الأنثروبولوجية
والمقاربات النفسية.
في عنوان المداخلة هذه عبارات يحسن أن يكون بكر القول عندي تحديد كلماتها وضبط مدلولاتها،
وأُولاها عبارة «الفهم المضاف»: أمّا الفهم، فإن المدرسة التأويلية علّمتنا أنه نوعان: هو فهم الأول
عفوي مباشر يتصل بما ينطبع في الذهن أول مرة، والثانيهو الفهم الذي يكون بعد التفكر والتدبّر،
وبعد أن يأخذ الذهن مسافة زمنية تسمح له بالمقايسة والترجيح. وقد يطابق الفهم الأول الفهم الثاني وقد يختلف عنه، لكننا نؤكد هذا التمثل الثاني الذي يغادر الإدراك التلقائي العفوي المباشر، ويلوذ
بتحليل جميع مستويات المعنى والتلقّي والحضور والإبلاغ والكلام والصمت، من أجل اكتناه أبعاد الخطاب كلها. وأمّا كلمة «مضاف»، فدفعًا لكل شبهة، ترى أننا نعمل على هدم ما استقر في الذاكرة
واطمأنت إليه قلوب أجيال من الناس. إن كلمة «مضاف» في عنوان المداخلة تريد أن تؤكد اتساع الخطاب النبوي وقدرته على استقطاب المعاني، وهي تزعم أن هناك فهمًا مسكوتًا عنه أو منسيًا أو
مقصيًا، إلى جانب فهم أول تلاقفته حافظة التاريخ ورسّخته يراع المؤسسة الرسمية. وقد تترتب عن
فهمنا المضاف هذا أحكام ما أحوجنا إليها في زمن كل حججه مسقطة أو مزروعة قسر إرادة العقل والدِّين والتاريخ. أمّا العبارة الثانية، فهي «الخطاب النبوي»، ونعني بالخطاب ما ذهب إليه ديبوا في القاموس اللسانيبأنه
«اللغة أثناء استعمالها، إنها اللسان المسند إلى الذات المتكلمة»؛ ذلك أن «دلالة كلمة من الكلمات
هي استعمالها في اللغة. إنها تتكون في أنحاء الاستعمال المتنوع للكلام الذي يسمّيه فيتجشتاين
بالألعاب اللغوية». بناء عليه، فإن عملنا هو بحث في إجراء الكلام من حيث نظام اللغة واستخدامها
ومن حيث سياق القول وأُطر إنتاجه؛ إنه بحث لساني وتداولي على أساس أن التداولية «دراسة
استعمال اللغة»، ذلك الاستعمال الذي لا يكون محايدًا لا «من حيث تأثيراته في عملية التواصل
ولا في النظام اللغوي في حد ذاته. فمن نافل القول فعلً أن نشير إلى أن بعض الكلمات... لا يمكن
تأويلها إلّ في سياق قولها، وأقل سذاجة أن نذكر بأننا عند التبادل اللغوي نبلغ من المعاني أكثر ممّا
تدل عليه الكلمات». لسنا في حاجة إلى التداولية واللسانيات والبلاغة فحسب، بل إننا إلى ذلك في حاجة إلى علوم كثيرة رافدة، كالأنثروبولوجيا وعلم النفس، بل وحتى إلى فراسة المتصدي للخطاب، من أجل أن نجلو أكبر عدد ممكن من حقائق الكلام واللغة التي هي حقائق الإنسان. ولست في مقام الفصل في ضروب التنظير اللساني والتداولي، فحسبي في هذا العمل أن أستفيد من كثير ممّا يتاح اليوم في
البحث العلمي في مجال الدراسات الإنسانية بدءًا بآليات تحليل الخطاب مهما تنوعت المقاربات،
تلفظية وتبليغية وتفاعلية (تحليل المحادثة) وتواصلية وسوسيولغوية وتداولية وسيميائية، وانتهاء
(((عمر بالخير، «الخطاب وبعض مناهج تحليله،» على الموقع الإلكتروني: < https://omarbelkheir.wordpress.com>.
(((كريستوف فولف، علم الأناسة: التاريخ والثقافة والفلسفة، ترجمة أبو يعرب المرزوقي (تونس: الدار المتوسطية للنشر؛ أبو ظبي:
هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، مشروع كلمة، 2009)، ص.325
(((جاك موشلر وآن ريبول، القاموس الموسوعي للتداولية، ترجمة مجموعة من الأساتذة والباحثين من الجامعات التونسية؛
بإشراف عز الدين المجدوب؛ مراجعة خالد ميلاد (تونس: دار سيناترا، 2010)، ص.21
(((المصدر نفسه.
بما توفره العلوم الأخرى لفهم السياق والمتكلم والمتقبل وقنوات التواصل وآلياته، من اللسانيات
إلى الأنثروبولوجيا ومن علم النفس إلى السوسيولوجيا ومن الإثنوغرافيا إلى الفلسفة، وبكل ما عقد
جسرًا للتواصل مع التواصل. أمّا «الخطاب النبوي»، فنعني به كل ما أتاه النبي محمد من أقوال جرت على لسانه بصرف النظر عن
المصدر، أي إن إشكالية النطق عن الهوى أو عن الوحي الذي يوحى في دراستنا ليست مطروحة،
وإنما الذي يعنينا هو مجموع الكلمات والأقوال والملفوظات والمحاورات التي ثبت أنها منسوبة إليه،
سواء انتمت إلى ما يسمّى الحديث النبوي أو إلى ما يُدعى الحديث القدسي، علمًا بأن القدامى دأبوا
على التفريق بين الصنفين، على اعتبار أن الحديث القدسي ينسبه الرسول إلى ربه والحديث النبوي لا
ينسبه إلى ربه، فضلً عن أن الأحاديث القدسية لا تكون إلّ قولية في حين تكون الأحاديث النبوية قولية
وفعلية وتقريرية. بناء على ما تقدم، ننظر في حديثين للرسول الكريم، أحدهما نبوي والثاني قدسي، ويتصل الأول بقضية
تشريعية ويؤسس الثاني لقواعد أخلاقية وقيمية تدخل في باب الآداب والمعاملات بحسب شرح
القدامى، ومن يدري، لعلنا نجد إليه مدخلً من شعاب الكلام. مقاربة الحديث النبوي الحديث الذي يدور عليه الكلام في هذا العنصر يتصل بما ورد في الصحيحين عن السيدة عائشة من
قول الرسول ﷺ «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، فإلى أين انتهى التأويل الفقهي بهذا الحديث؟ لعلنا في غنى عن التنبيه على أن في نطاق الفقه الإسلامي، يُعَدّ الطفل الذي يكون ثمرة علاقة غير شرعية
ابن سفاح، ونسبه مقطوع من صاحب الماء الذي كان علة وجوده ما لم يستلحقه استلحاقًا يجيزه الشرع.
وفي إجماع الفقهاء أن لا توارث بين ولد الزنا والرجل الذي تسبب في حمل أمه لانقطاع النسب بينهما
الذي هو علة الإرث وسببه؛ فالفقهاء يرون أن فاحشة الزنا لا يمكن أن تكون سببًا للاستفادة من كرامة
النسب وفضل الإرث بين الزاني وابن الزنا. وقد دأب الفقه على اعتبار ابن الزنا ملحقًا بأمه وقرابتها لما
رواه البخاري وأبو داود من أن الرسول ﷺ جعل ميراث ابن الزنا لأمه ولوارثيها من بعده. ومتى مات
مجهول النسب كان لأمه ولإخوته من الأم وجدّته للأم الحق في الإرث فيه بالفرض، والباقي بالرد إن
لم يكن له ولد، سواء كان ذكرًا أو أنثى. وفي المقابل، فإنه يرث أمه وإخوته من الأم وقرابة الرحم من
الأم كما لو كان ابنًا شرعيًا. والأمر كذلك مع ولد اللعان والفرق بينه وبين ابن الزنا هو أن الثاني كان
ثمرة سفاح أمّا الأول فإنه ولد على فراش الزوجية وأنكره الزوج، فإذا حصل اللعان كان حكمه حكم
ولد الزنا في انقطاع النسب وعدم التوارث، وضرورة التفريق بين الطرفين المتزوجين، وتتأبد الحرمة
بينهما. بيد أنه إذا استلحقه الملاعن لحق به، وتترتب عن ذلك حقوق الأبوة والبنوة والواجبات وتأصل
التوارث بينهما.
(((ذكر الحديث في صحيح البخاريبشرح فتح الباري (البيوع) وصحيح مسلم بشرح النووي (رضاع) وسنن أبي داود (كتاب
الطلاق) وسنن النسائي (كتاب الطلاق) وسنن ابن ماجة (نكاح) وسنن الدارمي (نكاح) والموطأ (أقضية) ومسند الإمام أحمد.
هذا هو جوهر القضية في الفقه الإسلامي اعتبارًا إلى أن النسب ليس صلة قرابة بروابط الدم فحسب،
بل هو علاقة سامية أيضًا حذّر القرآن من مغبة خلطها بالزنا الذي يدنس هذه العلاقة، وأمرت نصوصه
ونصوص السنّة بمعاقبة المخالفين لأصول العلاقات الشرعية بالجلد والرجم، وجعلت التبنّي حرامًا،
كما جعل الفقهاء حفظ النسل والنسب من كليات المقاصد في الشريعة الإسلامية. وأهم ما يثبت به
النسب هو النكاح أو الزواج الصحيح، وهو ما توافرت أركانه وشروطه ليكون معتبرًا شرعًا بحيث
يترتب عليه الأثر المقصود منه في الشريعة، فضلً عن ملْك اليمين. ولقد أجمع الفقهاء على أن قيام
الزواج الصحيح يُعَدّ أهم سبب من أسباب إثبات النسب عند توافر الشروط وانتفاء الموانع، وجعلوا
الحديث الذي روته السيدة عائشة أصلً في إثبات هذا الحكم؛ فالولد للفراش معناه أنه إذا كان للرجل
زوجة فإنها تصير له فراشًا، فإذا أتت بولد لمدة الحمل منه لحقه الولد، وصار ولده يجري بينهما
التوارث وغيره من أحكام الولادة. أمّا العاهر، وهو الزاني، فله الحجر، أي الخيبة ولا حق له في الولد
بحسب الإمام النووي. ما انتهى إليه الفقه إذن هو ضرورة معاقبة الزناة متى عُلم الزاني، وحرمان ابن الزنا من الانتساب إلى أبيه
ومن إرثه ولو أقر الأب بأنه من صلبه. لكن، بالنظر إلى واقع العلاقات الاجتماعية في العالم العربي والإسلامي وتزايد نسبة الأطفال غير
الشرعيين من جهة، وبالنظر في بنود حقوق الطفل العالمية وبالوقوف عند الحس الأخلاقي للإنسان
من جهة أخرى، كان لا بد من صوغ السؤال التالي: كيف نوائم بين اختيارات الفقهاء التي سار على
هداها أكثر التشريعات الوضعية تقدمًا في العالم الإسلامي في مستوى الأحوال الشخصية -كالقانون
التونسي- وبين روح التسامح الإسلامي وقوله تعالى ﴿ ولَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الزمر: 7]، ثم نرى
الطفل الذي لا ذنب له يعاقَب نفسيًا بأن يُدعى «ابن حرام»، واجتماعيًا بأن يعيَّر بنسبه لأمه، وماديًا بأن
يُحرم من ميراث أبيه. فهل في حديث الرسول ﷺ ما يجعلنا ننتهي إلى هذه النتيجة، أم فيه ما كان متسعًا
فضيَّقوه وما كان مرسلً فقيَّدوه؟ ينطلق عملنا من بداهة في تحليل الخطاب تسمّى «التمام السياقي» باعتباره محددًا مركزيًا في التأويل؛
فالتمام السياقي وضعية استقرائية أعلى درجة من التمام النحوي تأخذ بعين الاعتبار المنزلة الاجتماعية
للمتخاطبين أو المتحاورين، والوضع الجسدي (Posture) للأطراف المشاركة في الكلام والتلقّي
من حيث طريقة الوقفة أو الجلسة وقسمات الوجه والإشارات واللهجة، فضلً عن قنوات التواصل
المختلفة ومقام التخاطب والصيغ اللغوية للخطاب، كالمسامرة والمحاورة والمناظرة والخصومة
والحكاية والشكوى والاستعلام... حاصل الأمر، وكما يرى هايمس (Hymes)، فإن «السياق يضطلع بدور مزدوج، إذ يحصر مجال
التأويلات الممكنة... ويدعم التأويل المقصود. فالكلمة، كما يقول ستيفان أولمان (S. Ulmann)،
(((انظر: محمد فتحي الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، 2 مج (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1994)، مج 2، ج.2
(((أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، 18 ج في 9 مج، ط 2 (بيروت: دار إحياء التراث العربي،
1972)، ج 10، ص 37 –.38
ليست إلّ وحدة تدخل في تشكيل المعنى، بينما يتحدد المعنى بالسياق، ووجودها لا يتحدد إلّ في
السياق، فهي ليست شيئًا في ذاتها». لهذا، نبدأ بقراءة الحديث النبوي في سياقه اللغوي والإخباري
كما هو مروي في كتب الأولين: «عن عائشة رضي الله عنها قالت: اختصم سعد ابن أبي وقاص وعبد ابن زَمعة في غلام فقال سعد:
يا رسول الله، هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة:
هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله ﷺ فرأى شبهًا بيِّنًا بعتبة
فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة. فقالت:
فلم ير سودة قط.» الحاصل من القراءة عند القدامى أن الرسول حكم بنسبة الغلام إلى زمعة بن قيس على الرغم من تبيّن
الشبه بين الغلام وعتبة بن أبي وقاص؛ فالولد يُنسب إلى صاحب الفراش، سواء كانت المرأة الموطوءة
أمَة مملوكة بملْك اليمين أو زوجة، وفي هذا تمييز له من الولد الذي يكون بالزنا أو بالاستبضاع؛ فقد
كان العرب قبل الإسلام يأمرون الجواري بالبغاء، أو يتكسبن من ذلك فيؤجرن أنفسهن، فربما يقع
عليها الرجل ويطأها سيدها أيضًا، وقد تحمل من طهر واحد كما هو الشأن في هذه القصة، فينشأ الشك
في نسبة المولود. وكان المعمول به في الجاهلية في نسبة الولد إلى أبيه هو القيافة (أي بالشبه)، لكن
الرسول في هذه الحادثة أعرض عن هذه العادة، وأقر حكمًا شرعيًا جديدًا هو أن الولد للفراش حتى
وإن لم يكن الولد حقيقة ابن صاحب الفراش. من أجل إعادة فهم مضاف للحديث، نبدأ بتحديد أطراف الرواية: - السيدة عائشة هي الراوية وهي زوج النبي محمد. - النبي محمد بوصفه حكمًا وقاضيًا في خصومة لها حيثياتها المحددة اجتماعيًا وتاريخيًا. - المتخاصمان سعد بن أبي وقاص، أحد كبار الصحابة، وهو خال النبي ﷺ بما أنه ينتسب إلى
بني زهرة من بني النجار، وعبد بن زمعة أحد كبار الصحابة، وهو شقيق من الأب لسودة زوج النبي
المذكورة في النص. - الغلام موضوع الخصومة واسمه عبد الرحمان. - طرفان آخران يحضران بالغياب وهما عتبة، شقيق سعد بن أبي وقاص (وهو الذي كسر فك الرسول
في معركة أُحد)، وزمعة بن قيس بن عبد شمس القرشي المكي، مع التنبيه على أن الخصومة في
استلحاق الغلام يمكن أن يدّعيها العم أو الأخ، وهذا الأمر معروف في المجتمع الجاهلي. ما هي المحددات الكبرى للقراءة التي تحتاج إلى إعادة تأويل:
(((إدريس مقبول، «السنة النبوية الشريفة ومستويات التمام السياقي: مقاربة لسانية تداولية،» ورقة قدمت إلى: «السنة النبوية بين
ضوابط الفهم السديد ومتطلبات التجديد،» (الندوة الدولية الرابعة للحديث الشريف المنعقدة فيكلية الدراسات الإسلاميةوالعربية،
الإمارات العربية المتحدة، دبي، 2009/4/22-20) على الموقع الإلكتروني: <www.alssunnah.com>.
- أننا في سياق خصومة، فلو لم يكن هناك نزاع بشأن الغلام، لكان الغلام ابنًا لمن ادّعاه، أكان صاحب
فراش أم لا. - قول الرسول ﷺ: هو لك يا عبد ابن زمعة، يجعلنا نتساءل: هل اللام في عبارة «لك» هي لام الملك،
وبالتالي يترجح معنى العبودية، أم هي لام الاستحقاق وبالتالي يترجح معنى الأخوة؟ فإن كان الحرف
للتمليك، فهذا يعني أنه صار له مملوكًا، وانتفت بذلك جميع الأحكام التي اصطنعها الفقهاء في شأن
ولد الزنا، خاصة حين يقول الرسول مخاطبًا زوجته سودة «واحتجبي منه يا سودة»، فهذا إقرار بأنه
غريب عنها ووجب الاحتجاب منه، فلو كان أخًا لعبد الله ابن زمعة لكان لها أخًا، فلا تحتاج إلى
احتجاب. وقد حاول الفقهاء التخلص من هذا المأزق بالزعم أن هذا الأمر كان على سبيل التحوط
صونًا لأمهات المسلمين، لما لاحظه الرسول من الشبه بين عتبة والغلام. - ولننظر في هذه الجملة الاسمية التقريرية المتكونة من مبتدأ وخبر: «الولد للفراش». لفظ المبتدأ
«الولد» جاء بالتعريف الذي يستغرق الأنثى والذكر. وعبارة الخبر «للفراش» جاءت تركيبًا بالجر عبر
لام الاختصاص. وقد فسر القدامى الفراش بأنه على الأرجح هو المنكوحة التي يفترشها الرجل للوطء
شرعًا بملْك اليمين أو بالزواج، ولهذا استعمل كلمة فراش لأنها تستغرق أكثر من نوع واحد للعلاقة
الشرعية. ثم حافظ الرسول على الصياغة الأولى ولكنه قدّم الخبر على المبتدأ في الجملة الثانية،
والتقديم والتأخير هنا ليسا للضرورة اللغوية، وإنما التقديم هو تقديم لما هو به أعنى -بحسب عبارة
سيبويه- أي للتأكيد والإبراز. وأمّا عبارة «للعاهر»، فهي أيضًا تركيب بالجر، مع الإشارة إلى أنها صارت
تتصدر الجملة، وأن العاهر تُطلَق على المذكر والمؤنث، وتعني الزاني. جاء فيلسان العربلابن منظور «وحكي عن رؤبة قال: العاهر الذي يتبع الشر زانيًا كان أو فاسقًا. وفي
الحديث: الولد للفراش وللعاهر الحجر، العاهر الزاني». إذن هناك تأكيد لقيمة الجزاء، الأول يخص
الولد والثاني يخص الزاني. للأول الفراش بما يحمله اللفظ من معاني الدفء والكنف والاستقرار،
وللثاني الحجر بما يحمله اللفظ من معاني العقاب مهما كان نوعه. لكن ليس في الحديث ما يدل
على حرمان الولد من أي حق اللهم بعض الاعتبارات القبلية الخاصة بذلك العصر، حيث فقه العبيد
وأحكامه يحدد كثيرًا من التشريعات والإجراءات. واختلف المفسرون في الكلمة الأخيرة، وهي كلمة الحجر، ووضعوا لها احتمالات وترجيحات: - الحجَر: بمعنى الرجم بالحجر، وهو عقاب الزاني، وهذا ضعيف بحسب القدامى لأنه ليس كل زان
يُرجم وإنما يُرجم المحصن خاصة. - الحجَر: بمعنى الخيبة. قال أبو عبيد: «معنى قوله وللعاهر الحجر، أي لا حق له في النسب ولا حظ
له في الولد وإنما هو لصاحب الفراش أي لصاحب أم الولد وهو زوجها أو مولاها، وهو كقوله الآخر:
له التراب أي لا شيء له».
(((أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، 15 ج (بيروت: دار صادر، 2003)، ج 10، مادة «عهر.»
(((1 المصدر نفسه.
- الحَجْر: من قولنا «حجر القاضي عليه: منعه من التصرف في ماله»، فالحجر هو المنع.
- «الحُجْر والحِجْر: الحرام وفي القرآن: «حجرًا محجورًا، أي حرامًا محرمًا ». إذن هناك معان تتصل بالعقاب ماديًا (الحجَر) وأخرى معنويًا (الحَجْر)، وهناك معان للخيبة
والإبلاس وأخرى للحظر والتحريم، ومحصل ذلك كله معاقبة الزاني، وهو أمر مفهوم عقل وشرعًا. لكن الأمر الذي يحتاج إلى إعادة التأويل حقيقة هو المصير الذي انتهى إليه ابن الزنا من الحرمان والعقاب. لنلاحظ بدءًا أن الحادثة من قبيل الخصومة (وهي وإن لم تشكّل في المألوف الأدبي جنسًا
مخصوصًا، فإنه يمكن التنبيه على ذلك) اقتضت من الرسول ﷺ حلً تشريعيًا فوريًا، ولهذا جاءت
الجمل على لسانه تقريرية حاسمة تشكل جزءًا من استراتيجيات الكلام للإقناع بما أن صورة النبي
في الخطاب هي صورة دينية «يا رسول الله» وأدبية كاريزمائية بفضل الايتوس النبوي الذي يجعل الناس تحتكم إليه، وهو الصدوق الأمين. وللتعبير عن خطورة القضية، حافظ الرسول في خطابه على ما يسمّى في تحليل الخطاب ب « المؤشرات الاجتماعية» الخاصة بالشخصيات من خلال
التوجّه إليها بأسمائها كاملة، فيقول «يا سعد بن أبي وقاص» و «يا عبد بن زمعة» مع ما يحمله نداء
البعيد من استدعاء للانتباه. من جهة أخرى، ربما يكون الخطاب المنقول من الإضافات الخطابية العفوية للسيدة عائشة؛ فالرسول يمكن أن يكون قد خاطب الطرفين بكنيتيهما أو بخطاب الضمائر، ولكن الراوية أرادت أن توضح الحكاية أكثر فاستعملت الأسماء بمتمماتها الاعتبارية، مع ما يطرأ بهذا التغيير من توجيه للمعنى، إذ لو حُذفت هذه المؤشرات الاجتماعية لكان المعنى أقل صرامة وأدنى إلى عدم الحسم. وهناك مسألة أخرى على قدر كبير من الأهمية داخل النص، وهي مسألة الشبه: لنستعد ما قالت السيدة عائشة: «... فنظر رسول الله ﷺ فرأى شبهًا بيّنًا بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد
للفراش وللعاهر الحجر». إن هذا الكلام يقودنا إلى أمرين لا بد من لفت الانتباه إليهما: الأمر الأول هو أن الرسول سبق له أن حكم في استلحاق المولود بالقيافة فأقرها، وسبق له أيضًا أن حكم بغير
ذلك فرفضها. والظاهر أن الإقرار والرفض يتصلان بفرادة الحالة وخصوصيتها، وليس قوله ﷺ
«الولد للفراش وللعاهر الحجر» قانونًا يُطلَق على عموم الحالات؛ فقد ورد في صحيح البخاري عن
أبي هريرة «أن رجلً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: ولد لي غلام أسود فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال فأنى ذلك؟ قال: لعله نزعه عرق. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق». هذا يدل على أنه أبطل اعتبار الشبه لأن صفات الأجداد يمكن أن تظهر في الأبناء، فلا يشبه الولد والديه وقد يشبههما وليس هو منهما.
(((1 محمد بن ابي بكر الرازي، مختار الصحاح (بيروت: دار الفكر؛ بيروت: دار القرآن الكريم، 1972)، ص.123
(((1 المصدر نفسه.
من جهة أخرى، جاء في صحيح البخاري «أن العجلاني لما قذف من شريك بن السحماء بزوجته وهي حامل قال رسول الله ﷺ: انظروا، فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خدلج الساقين فلا
أحسب عويمرًا إلّ صدق عليها. فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله ﷺ من تصديق عويمر،
فكان بعد ينسب إلى أمه. فقال رسول الله ﷺ: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن»، ذلك أن الله أمر في مسألة نفي النسب باللعان ولم يأمر بالقيافة. فالحكم بأن الولد للفراش إنما هو قول للتنبيه على العادة، أي إن المعتاد والمألوف أن يكون الولد للفراش ولا يكون للزاني شيء، فكأن الرسول قسم بين من يؤسس لأسرة ومن لا يؤسس لها على المألوف والمتعارف من الأمر، ولم يقصد إطلاق حكم شرعي نهائي، فيصير الابن منسوبًا إلى من
يعيش في كنفه، وهذا سبب حكم الرسول بإلحاق الغلام بعبد ابن زمعة؛ فقد كان يعيش مع شقيقه ولم يشأ الرسول أن يفرق بينهما، ولعل اختلاف الأحكام كناية على أن الرسول فتح للتشريع أبوابًا مختلفة
تأخذ بعين الاعتبار أحوال البلاد والعباد والأعراف والمواضعات. أمّا الأمر الثاني الذي ننبه عليه في قول السيدة عائشة السابق الذكر، فهو أننا نرى رسول الله ينظر ويلتفت
بتوجيه من قول الراوية، فهي التي ذكرت أنه ينظر إلى الغلام، واستنتجت أنه رأى شبهًا بعتبة، بل أكدت
أنه «رأى شبهًا بيّنًا». ما قال الرسول ذلك وإنما هو تخمين الساردة أو اعتقادها، وهو التخمين أو الاعتقاد
الذي جعل المفسرين يقررون أنه بناء على تلك الملاحظة أقر الرسول بأن الولد للفراش وللعاهر الحجر. إن بصرها قادها إلى ذلك الكلام وكلامها قاد المفسرين إلى ذلك المعنى: «إن البصر يتجه نحو الموضوعات والناس الآخرين ويلتقي بما ينتخبه من مجال الرؤية المحيط به. إنه حركة الالتفات (إلى ما اختاره البصر) والتبئير (عليه) خلال استثناء (ما عداه) ووضعه خارج حدود (ما يعنيه»)، فهل كان نظر الرسول إلى الغلام تفحصًا للشبه أم محاولة لمعرفة رأي الغلام في الموضوع؟ استنتجت السيدة
عائشة أنه منصرف إلى تبيّن الشبه، وقد يكون منصرفًا إلى معرفة ردة فعل الغلام، ذلك أن «مسألة ماذا
نرى لم يعد بالإمكان طرحها من دون مسألة ما الذي ينظر إلينا ولمَ هو ينظر إلينا بهذه الكيفية أو تلك،
وما علاقة ذلك بنظرنا إليه؟ فالفعل في تحقق الإدراك هو كذلك فعل في الإحالة إلى المدرك. ما صلة
المدرك بنا حين ينظر إلينا ويخاطبنا ويؤثر فينا أو يضجرنا ولمَ هو يفعل ذلكِ». إن الإنسان لا ينظر
إلى جسد غيره إلّ إذا استدعاه الجسد للنظر؛ «فأجساد الناس الآخرين تنظر إلينا قبل أن ندركها إدراكًا واعيًا، ومن ثم فهي تحدد إدراكنا لها». أليست نظرات السيدة عائشة هي التي حددت الموضوع
وتخيرت الخطاب وكيفت الحكاية؟ أليست كلماتها هي التي وجهت التأويل؟ لكن الكلمات لا تعبّر
بالضرورة عن الحادث ولا تصف بالضرورة الواقع، ولعلنا «في نوع الكلمات الموجهة إلينا وفي كيفية توجيهها نسمع أكثر من دلالاتها».
((1(فولف، ص.168
((1(المصدر نفسه، ص.268
((1(المصدر نفسه، ص.296
((1(المصدر نفسه، ص.171
وبعد، كيف نؤوّل الصمت الذي يكتنف الأحاديث عمومًا، وهذا الحديث خصوصًا؟ فالغلام صامت
لا يتكلم ولا يرد فعلً ولا يختار بين الأبوين، وسعد بن أبي وقاص يسمع قرار الرسول فلا يرد الفعل ولا يحتج، وسودة بنت زمعة تتلقى الأمر ولا تجيب. هناك صمت يكتنف الأحاديث النبوية إمّا نتيجة
منزلة النبي الاعتبارية وإمّا لأن الرواية لا تحفل كثيرًا بالتمام السياقي أو لأن الحكي انتقائي بالضرورة:
«إن الكلام لا يكون ممكنًا إلّ إذا كان ما يدور عليه الكلام ليس في المتناول، فنحن نتكلم بأمل أن نتملك الأشياء التي نتكلم عليها، لكن آمالنا تخيب فنقول ضد خيبة الأمل الكلام الذي يصحب التجربة المخيبة للأمل». ما خلاصة هذا البحث إذن؟ هي في رأينا أن الحديث فيه كثير من الآراء والقراءات، وقابل للتأويل على أكثر من وجه. هذا الحديث -في رأينا- مرتبط جذريًا بالإطار التاريخي والاجتماعي الذي نجم خلاله.
فهل الولد للفراش معناه قلة الاحتفاء بالأب البيولوجي؟ هل ألحق الرسول الغلام عبد الرحمان بعبد بن
زمعة لأن له فراشًا شرعيًا أم لأن سعد بن أبي وقاص كان مطعونًا في نسبه؟ وهل يكون الولد للفراش
بقطع النظر عن طبيعة الأم؟ فالحالة التي يسردها الحديث تتصل بأمَة، وهي وضعية يختلف الحكم
معها في ما لو كان الأمر متعلقًا بالزوجة الشرعية الحرة. إن الحر إذا تسرى بأمَته فولدها حر وهي أم ولد
تتحرر بعد موته، أمّا إذا وطئ الحر أمَة غيره بغير زواج ولا ملْك يمين، فإن أبناءها عبيد وهي تظل على
حال الرق. أفلا يكون اختيار الرسول وتفضيله عبد بن زمعة اختيارًا لمن هو أولى للغلام وأحسن لغده،
أي أن ينشأ حرًا، وأولى للأم وأحسن لغدها، أي أن تصير أم ولد؟ وبعد، فليس في حديث الرسول بأي وجه من الوجوه ما يمنع من نسبة ابن الزنا إلى أبيه إن عُرف
أو إن أقر الأب بذلك أو إن دلت قرائن القيافة أو أكدت الأدلة العلمية والجينية ذلك. وليس في حديث الرسول ما يستوجب معاقبة ابن الزنا لحرمانه من اللقب العائلي إن عُرف نسبه، ولا في
الحديث ما يستدعي حرمانه من الإرث أو من أي حق من حقوق الطفل الشرعي. وقد سارت التشريعات في عموم البلاد الإسلامية على خطى حرمان الطفل الطبيعي من كل الحقوق الشرعية. ولئن حاول المشرع التونسي أن يتدارك الأمر في قانون 1998 بأن مكّن الأطفال الطبيعيين من إسناد اللقب العائلي، فانه لم يتجرأ على تمكينهم من البنوة الكاملة، وظلت قضية الميراث،
مثلً، مرفوضة تمامًا. إن التشريع يتطور بتطور المجتمعات، والخطابات تُفهم أكثر بالانفتاح
على الفلسفات وعلوم اللسان ومناهج تحليل الخطاب، فما الذي يمنع من إعادة الاعتبار إلى الأطفال المجهولي النسب، خاصة أن تصور النسب في المجتمع القبلي، أي في مجتمع الرؤية الفلسفية للعالم فيه قائمة على الطاقة الترميزية لروابط الدم، هو غير تصور النسب في مجتمعات حديثة رؤيتها الفلسفية للعالم تؤسسها علاقات أخرى مهنية واقتصادية أكثر ممّا هي عائلية، ونمط
((1(المصدر نفسه، ص.188
((1(راجع في: محب الدين أبو العباس أحمد الطبري، الرياض النضرة في مناقب العشرة، ج 4، ص 319، قول سعد ابن أبي وقاص
للنبي وقد اغتاظ مما يشاع عن نسبه «من أنا يا رسول الله؟ قال: أنت سعد ابن مالك ابن وهيب ابن عبد مناف بن زهرة. من قال غير
ذلك فعليه لعنة الله» (أخرجه الضحاك.)
العلاقات فيه خاضع للقانون أكثر ممّا هو خاضع للعرف، ومستويات التعايش الاجتماعي تحددها
المدينة ونمط الإنتاج الصناعي وفلسفة تقسيم العمل ولا تحددها القبيلة ونمط الإنتاج الزراعي والتنظيم الإداري الإمبراطوري. هناك خصيصة تهمّ المجتمعات القبلية والمجتمعات ذات الثقافة الشفوية، وهي أنها مجتمعات
صغيرة الحجم، يواجه أهلها بعضهم البعض ويعيشون وجهًا لوجه؛ إنها «مجتمعات قابلة للرؤية
(العيانية المباشرة) لأن عدد نفوسها يتراوح بين العشرات وبعض الآلاف». وعلى خلاف المجتمعات الحديثة، «فإن علاقات القرابة الجمعية تؤدي في هذه المجتمعات دورًا كبيرًا، وهذه
المجتمعات منغلقة على نفسها ولها شعور بالعصبية قوي، شعور بالانتساب المشترك». والتشريعات التي تخصها لا يمكن أن تكون صالحة لمجتمعات من قبيل المجتمعات الحديثة. وقد
دلّت السنّة النبوية في كثير من الروايات والمواقف على ما اعتبره القدامى نسخًا وهو إنما كان -في نظري- حراكًا تشريعيًا ناتجًا من الوعي باختلاف الظروف ومسايرة الواقع المتغير. كان الرسول ﷺ
يعيد النظر في كثير من الوقائع والقرارات ولا يضيره الأمر، وقد بات يضير الناس اليوم أن يتدبروا كلامه من جديد. ثم إن مفهوم الإرث يتأسس على فكرة مفادها التداول على الأموال وتقاسمها، فهل في ميراث الطفل
الطبيعي ما يقوم حائلً دون تحقيق هذا الهدف، أم أن حصوله على حقه الطبيعي والمشروع في الإرث يُعَدّ اعتداء على الشرع؟ مقاربة الحديث القدسي جاء في صحيح مسلم (فضل عيادة المريض) «عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ: إن الله عز و جل يقول في الحديث القدسي يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته
لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني. قال يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني. قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي؟.» قبل البحث في المعنى المضاف لهذا الحديث القدسي، أ ذكّر بحقيقة ساقها من قبلنا عالم الاجتماعِ الفرنسي بيير بورديو عندما قال: «إن النصوص الكبرى تغتني باغتناء الجماعة». والأحاديث القدسية -في نظري- كما النصوص الدينية عمومًا، هي من تلك النصوص الكبرى التي تتسع مدلولاتها
بنمو المعارف البشرية واتساع آفاق البحث الانساني. لقد كان هذا الحديث مخصوصًا بفضل
((1(فولف، ص.144
((2(المصدر نفسه.
عيادة المريض مقصودًا إلى شمول الله بعنايته كل امرئ يكون لصاحبه جُنَّة من الجوع والعطش
والخوف. لكن، أكانت أعين المفسرين قديمًا مركزة على المابعد، على الجزاء الأخروي، على
الرضا الإلهي يوم الحساب، وهو موقف فقهي يتصل أساسًا بالأحكام، ولكنه اندرج أيضًا ضمن
المباحث الكلامية حين اعتبر بعضهم هذا الحديث دالً على التجسيد، فانبرى العلماء المسلمون يفنّدون هذه الدعوى ويؤكدون أصالة المجاز في نسبة الأحوال الطارئة إلى الذات الإلهية. لكن هل السمع والبصر والقدرة، هل هذه الملكات هي حقيقة في الإنسان ومجاز في الله، أم هي مجاز في الإنسان وحقيقة في الله؟ إننا نعتقد أنها حقيقة في الله، بمعنى أنها الكمال والتمام فيه وأنها مجاز في الإنسان بمعنى أنها سعي نحو الكمال وسعي نحو التمام، وعمل على إدراك التطابق في الصفات لتحقيق التطابق في الذات. ولعل ذلك ما فهمه الصوفية قبل عهود من الزمن، بل لعل جلال الدين الرومي (ت 627 ه 1273/م)
الملقَّب بسلطان العارفين يردد هذا الحديث القدسي بطريقته في أحد كتبه حين يقول في مقطع من قصيدة موسى والراعي من كتابالمثنوي: «رأى موسى راعيًا على الطريق، وكان هذا يردد: إلهي يا من تصفي من تشاء. أين أنت حتى أصبح خادمًا لك، فأصلح نعليك، وأمشط رأسك، وأغسل ثيابك، وأقتل ما بها من قمل،
وأحمل الحليب إليك، أيها العظيم! وأقبّل يدك اللطيفة، وأمسح قدمك الرقيق، وأنظف مخدعك حين يجيء وقت المنام. يا من فداؤه كل أغنامي ويا من لذكرك حنيني وهيامي! وأخذ الراعي يردد هذا النمط من هراء القول، ورآه موسى فناداه قائلً: مع من تتحدث أيها الرجل؟ فقال الراعي: مع ذلك الشخص الذي خلقنا، مع من ظهرت بقدرته هذه الأرض وتلك السماوات. فقال موسى: حذار، إنك قد أوغلت في إدبارك، وما غدوت بقولك هذا مسلمًا بل صرت من الكافرين. إن النعل والجورب يليقان بك، ولكن متى كان مثل هذين يليقان بالشمس؟ فلو أنك لم تغلق حلقك عن مثل هذا الكلام فإن نارًا سوف تندلع تلتهم الخلق! إن صداقة الأحمق هي عين العداوة، وما أغنى الحق تعالى عن مثل هذه العبادة! فمع من تتحدث؟ أمع العم أو الخال؟ وهل الجسم والحاجة من صفات ذي الجلال؟ فقال الراعي: يا موسى لقد ختمت على فمي، وها أنت ذا قد أحرقت بالندم روحي! ومزق ثيابه وتأوه ثم انطلق مسرعًا إلى الصحراء ومضى. فجاء موسى الوحيُ من الله قائلً: لقد أبعدت عني واحدًا من عبادي!
فهل أتيت لعقد أواصر الوصل أم أنك جئت لإيقاع الفراق؟ فما استطعت لا تخط خطوة نحو إيقاع الفراق، فأبغض الحلال عندي هو الطلاق»! أهو التواضع الإلهي لمن عشق الله بلغة العشق البشري؟ لقد اجتهد المسلمون في الدفاع عن وحدانية الله وعن تعاليه وعن علوه علوًا كبيرًا، وكأن الله في حاجة إلى دفاع. كل ما قيل في الحديث القدسي
الذي استهللنا به كلامنا حاول أن يركز على كمال الله ونقصان الإنسان، وعلى قوة الله وعجز الإنسان، وعلى استغناء الخالق واحتياج المخلوق. إننا في حاجة إلى ناسوت جديد أو إلى لاهوت مقلوب، كما يقول فيورباخ. الإنسان هو الذي في حاجة إلى دفاع فالله كامل قوي متعال، فما حال الإنسان؟ يطلب إلينا الله أن نعمل على رضا الإنسان ليس لأن الإنسان مخلوق ضعيف فقير إلى العون ونحن بعونه ننال رضا الخالق، لا بل لأن الإنسان هو إله الأرض، وإرضاؤه إرضاء لإله السماء. خلق الله الإنسان على صورته -كما في التراث الديني- وجعله خليفته على الأرض، وطلب من المخلوقات الأخرى السجود له. هل من سجود لغير إله؟ الإنسان نفحة من روح الله، ووجوده على الأرض لا بد أن يقترن بالسعي إلى إثبات جدارته بالتكليف، جدارته بالخلافة، جدارته بالبناء والخلق، جدارته بعمارة الأرض، جدارته بأن يكون إلهًا على الأرض. أبى
إبليس أن يسجد لآدم لأنه يرى نفسه أجدر بخلافة الله على الأرض. عندما يقول الله تعالى «عبدي مرضت»، فهذا الله الذي يعاتب الإنسان على إخلافه بوعده وقد تركه
مستخلَفًا في الأرض. هذا الله الذي يخشى أن تكون ثقته في من استودعه الأمانة في غير محلها. لا يجوع الله ولا يمرض ولا يعرى ولا يظمأ ولا يريد لصورته على الأرض أن تهتز بهذه العوارض. الدِّين عشق الإنسان لصورته السامية، فلماذا يكون الخوف هو مصدر الدِّين كما يزعم فيورباخ؟ لماذا لا يكون همُّ الإنسان في عالمه هو الخلق والعمل البناء من أجل أن يكون اللقاء بالخالق عند الموت إثباتًا
لجدارته بالاستخلاف؟ وقتها لا بد من إعادة النظر في مفهوم الإسلام وفي معايير الحساب. عندما
يقول الرسول الكريم إن امرأة دخلت النار في هرة، أو إن رجلً دخل الايمان قلبه لأنه أماط الأذى عن
الطريق، أو إن رجلً كان من أهل الجنة لأنه سقى كلبًا أحر كبده العطش، أو لأنه غرس فسيلة أو أنبت
لينة، أليس ذلك كله دليلً على أن العبرة بالإنشاء والتعمير والخير الإنساني؟ أليس معنى ذلك أن الفعل البنّاء مقدَّم على العبادة وعلى تنوع الأديان؟ حين اهتم الفقه بتأويل الحديث، غض الطرف عن الثنائيات المكونة له (المرض/العيادة، الجوع/ الطعام، العطش/الشرب)، وصرف بصره إلى الجزء الثاني من كل ثنائية، كقوله «وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟»، وهذا الانصراف إلى أحد طرفي المعادلة يروم الغاية التعليمية، وهي توجيه سلوك المؤمن نحو عيادة المريض. لكن المغيّب في النص هو الطرف الأول من الثنائية، وهو الفعل «مرضت»
أو «استطعمتك» أو «استسقيتك»، لأن التفسير لم يتخذ له وجهة بيان المجاز في العبارة إلّ لكي يشير إلى أن المعنى على غير الحقيقة، لأن الله كامل بكمال مستغن بغنى. وما هو أبعد غورًا من ذلك هو
أن الله يمرض إذا مرض عبده، بمعنى أن الذات الإلهية تشعر بالخذلان لأن المؤمن لم يفقه حقيقة الإيمان بما هو حب وتسامح واعتناق للغيرية. في الحديث تشريع لقيمة الإنسان وتنبيه على أهم ما في هذا الكائن وهو إنسانيته، ومن آيات ذلك الحفاظ على حرمة الجسد من الأذى إن جوعًا وإن عطشًا وإن مرضًا، والحرص على حياة الانسان وسلامته ونشر الخير في طريقه، ذلك هو الإيمان الحق، بل
الأكثر من ذلك هو إقصاء كل تردد في الأخذ بيد المستجير أو المنكوب. وقوله مثلً «استطعمتك فلم تطعمني» إشارة إلى أن الفاء التي تربط السبب بالنتيجة تعني ضرورة الإسراع بما يجبر الضرر، لأن الإنسان في عمق التصور الديني هو أعظم ما يشير الى الحقيقة الإلهية. لكن الإنسان ليس ذات عاقلة مفكرة فحسب، إنه أيضًا ذات تخييلية، وهذا التخييل هو الذي يسمح لها بأن تؤمن وأن تخلق لها عوالم
الانسجام الروحي والمجتمعي التي تتيح لها أن تتواصل وأن تتمثّل ثقافتها بهدوء. هناك في كل نص أبعاد لغوية لسانية وتاريخية أنثروبولوجية وقيمية وأنطولوجية، والنصوص العظيمة هي تلك النصوص التي في مكنتها أن تتواصل في إلهام الناس، لأنها تعبّر عن أصالة
نسغ الإنسان. خاتمة في الدراسات الحديثة نزوع إلى توظيف مناهج العلوم الإنسانية المبتكرة في تحليل اللغة عمومًا
وفي مقاربة النص الديني خصوصًا، وهذا أمر مهم لأن المعرفة الدينية تُعنى حقيقة بمكتسبات العلم
ومستجدات المناهج. ولكن ينبغي أن يكون التوظيف خادمًا للمعرفة الدينية لا هادمًا لها. نحن في
أمس الحاجة إلى الدراسة التاريخية، فهي تلقي أضواء ساطعة على كثير من تفصيلات الأحكام
وتاريخية التشريع، وتفصل بين النص المقدس والاجتهادات البشرية التي حفّت بالنص المقدس، ولا سيما اجتهادات الفقهاء. ونحن في حاجة إلى علم النفس الاجتماعي لبيان الآيات والأحاديث والأدعية التي يفزع إليها الناس في أزمنة معيّنة وأحوال مخصوصة، كالخوف والرجاء، وكيف يلوذ
بها المتعبد وحتى غير المتعبد أحيانًا، وسر هذا اللواذ. ونحن في حاجة إلى التحليل اللساني الذي يعضد البلاغة وصنوف العلوم العربية الأخرى من أجل أن نقترب ما أمكن اتساع المقصد الإلهي، ونزيد من إدراكنا حدود الجهد البشري. وما أحوجنا إلى التحليل الفيلولوجي والبحث الإيتيمولوجي والمقاربات الأنثروبولوجية لدراسة حياة العربي في التاريخ، وارتباط حياته بمعاني النصوص وبتوجهات الأحكام، واكتناه سر العلاقة بين الكلمات والأشياء. ونحن في حاجة أيضًا إلى تأويلية
تخدم المعنى وتوطد علاقتنا مع التجربة الروحية للدِّين. إننا في حاجة إلى ذلك كله تعميقًا للنظر لا ضربًا في المجهول.
((2(اللغة في الدراسات الحديثة «نظام من الإشارات التي تعبّر عن الأفكار»، كما يرى دي سوسير أو «خاصية إنسانية وطريقة لا
غريزية لاتصال الأفكار والعواطف والرغبات بوساطة نظام من الرموز المنتجة على نحو اختياري»، كما يقول سابير، أو هي «بيت
الوجود»، كما يقول هايدغير... انظر: عبد الله إبراهيم، سعيد الغانمي وعواد علي، معرفة الآخر: مدخل الى المناهج النقدية الحديثة
(بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)1990
لكن، هل يستطيع المنهج العلمي أن يعبّر عن دفء الطمأنينة الروحية للنص الديني؟ هل التوسع في
مدلول النص الديني يعني ضرورة رفع التقديس عنه؟ ألا يؤدي رفع التقديس هذا إلى التخلي عن الفيء الذي نستظل به عندما نقف على حقيقة الفناء؟ ألا نخشى أن نعوض قداسة المتون الدينية بقداسة المناهج العلمية، ونستبدل عمق التجربة الروحية ببرود اللاهوت العلماني؟ وإذا تجاوزنا المقدس الديني فبأي بوصلة نعيش؟ كانت أوروبا قد عرفت نتائج العقلانية الفجة، فكيف نعيش في عالم مستلب بأشكال الاستهلاك
الغارق في ثقافة الحس؟ طبعًا لا نستطيع خلق سلّم للقيم جديد، وإنما حسبنا الآن الوفاء لسلّم القيم
الذي ما زال يضخ فينا دفء المعنى بعد أن تلاشت، أو كادت، ما سمّاها راسل جاكوبي «الروح
اليوتوبية»، في إشارة إلى ما بشّرت به السرديات الكبرى (التنوير، الديمقراطية، العدالة)... وعجزت عن تحقيقه واقعيًا.
((2(نادر كاظم، «نهاية السرديات الصغرى: في تجاوز أطروحة ما بعد الحداثة،»، السنة تبين 2، العدد 8 (ربيع 2014)، ص.90