ليوتار ضد سارتر
Leotard against Sartre
الملخّص
إن التزام الكتابة، أو بأسلوب ليوتار، "كتابة الالتزام" مستحيلة، لأنها تفترض "حاضرًا، أي وضعية هي حضور، أي غاية نصل إليها، ومرسلًا إليهم و فعلًا"، لأن مفهوم الوضعية عند سارتر يعني واقعًا نحضر فيه ونبتغي الخروج منه صوب حاضر آخر، أي وضعية أخرى، لكن يتضح الآن أن ليس ثمة وجود لأفراد (نكتب لهم)، أي مرسَل إليهم، يشاركوننا فهمنا للوضعيات التي نعيش، وبالتالي، لن يلتزم قَلَمُنا إلّا بما يراه مناسبًا ويستحق التعبير عنه. لقد اعتقد سارتر أنه يبدأ بالواقع (العام والشامل) في دلالته الفينومينولوجية، أي ما ندركه و نشكّله بوعينا، ثم في دلالته الماركسية، أي ما ينعكس في وعينا، لكنه في الحقيقة لم يكن يبدأ إلّا بـ"حكاية صغرى"، خرافة، هدفها عدم الخلط بين الواقع والخيال. لكن هذه القصة (الوضعية) نفسها التي تريد أن تمثّل أو أن تقدم لنا الواقع هي نفسها خيالية، فسارتر اعتقد حتى في نصوص السياسية أنه يكشف عن الواقع بفعل الكتابة فقط.
Abstract
Taking up a commitment to writing, or, in the words of Leotard "writing one's commitment," is an impossible task. This is because, as Sartre put it, such commitment "presumes a present, that is, a situation of presence, a destination to which we arrive: an action and those to whom something is sent." Sartre's concept of situation implies a reality that we are present in, and that we wish to exit from towards another present, another situation. This makes it clear, however, that there are no individuals with whom we share our understanding of the situations within which we live, and to whom we write – no recipients for our missives. Consequently we only commit to writing what we deem to be appropriate and to be worthy of expression. Sartre believed that this problematic extends from reality (general and comprehensive) in all of its phenomenological meanings – what we perceive and shape with our consciousness – to reality in the Marxist sense – reflecting our consciousness – but which in reality only began as "a little story," a fable whose purpose is to prevent us from mixing reality with imagination. The story or situation that seeks to represent or to present us with reality is itself imaginary. Sartre believed that even in political texts, reality is revealed only through the act of writing.
- الكتابة
- المثقف
- الواقع
- ساتر
- Sartre
- Reality
- Imagination
- Leotard
- the Intellectual
- The writer
إن التزام الكتابة، أو بأسلوب ليوتار، «كتابة الالتزام» مستحيلة، لأنها تفترض «حاضرًا،
أي وضعية هي حضور، أي غاية نصل إليها، ومرسً إليهم وفعً»، لأن مفهوم الوضعية عند سارتر يعني واقعًا نحضر فيه ونبتغي الخروج منه صوب حاضر آخر،
أي وضعية أخرى؛ لكن يتضح الآن أن ليس ثمة وجود لأفراد (نكتب لهم)، أي مرسَل
إليهم، يشاركوننا فهمنا للوضعيات التي نعيش، وبالتالي، لن يلتزم قلَمُنا إلّ بما يراه
مناسبًا ويستحق التعبير عنه. لقد اعتقد سارتر أنه يبدأ بالواقع (العام والشامل) في دلالته
الفينومينولوجية، أي ما ندركه ونشكّله بوعينا، ثم في دلالته الماركسية، أي ما ينعكس
في وعينا، لكنه في الحقيقة لم يكن يبدأ إلّ ب «حكاية صغرى»، خرافة، هدفها عدم الخلط بين الواقع والخيال. لكن هذه القصة (الوضعية) نفسها التي تريد أن تمثّل أو أن تقدم لنا الواقع هي نفسها خيالية، فسارتر اعتقد حتى في نصوص السياسية أنه يكشف عن الواقع بفعل الكتابة فقط.
«La déformation d’un texte se rapproche, à un certain point de vue, d’un meurtre.»
Freud, Moise et le monothéisme
نشير بداية إلى أن سارتر وليوتار ينتميان إلى التقليد الفلسفي ذاته؛ فالأول اكتشف الظاهراتية بإيعاز من أرون R. Aron) (، بينما تعرّف الثاني إليها في الجامعة في الوقت الذي قرأ فيه كلًّ
من فرويد وماركس بنهم. كلاهما كان اشتراكيًا: الأول تصور الشيوعية ودافع عن صيغتها الستالينية،
في حين أن الثاني انتقد كل اشتراكية بيروقراطية، وضمَّن نقده في التزامه ومقالاته في دورية اشتراكية
أو بربرية إلى جانب ليفورت C. Lefort) (وكاستورياديس Castoriadis) (. يعبّر الأول عن أمل حقيقي
في الحرية والثورة بعد أزمة الحرب العالمية الثانية، ويدعو الثاني إلى مزيد من التريث والحذر من
الخطابات والحكايات الكبرى التي تسرد آمالً عريضة أثبت التاريخ إفلاسها. ليس من الضروري إذن أن نستمر في البحث عن الاختلاف والتنافر بين كلا الفيلسوفين، فما يهمنا هنا أن هو نقارن كيف
يُتصوَّر كلٌّ منهما، سارتر كصورة عن كتّاب مرحلة الأزمة الأوروبية (الأزمة الاقتصادية سنة 9291
والحرب الكونية الثانية)، وليوتار كضرب من ضروب الكتّاب الذين عاصروا ثورة تقنية – علمية وانهيارًا
للقيم الأنوارية: معنى الكتابة ودور المثقف. يعترف ليوتار في تقديمه كتاب دوني هولييه D. Hollier) (عن «سياسة النثر عند سارتر» بأنه «لم يكن روائيه أو فيلسوفه أو كاتبه أو سياسيه المفضل»، والسبب هو أنه لم يحب اللكنة البطولية التي تخرج من كتاباته؛ فقد ظل سارتر خارج السرب، خارج التحولات المحيطة به في مختلف المجالات.
ففي المجال الفني، ظل المدافع عن الحرية منزويًا في أنماط من الكتابة لا تخدم ولم تخدم لغة الفن
والإبداع. وظلت كتاباته الأدبية بالتحديد مشدودة إلى تحقيق نموذج مثالي تجلّى في دور المخلص
والمنقذ Le salvateur) (. وتكشف سيرته الذاتية، وهي بعنوان الكلمات، عن عمق الأزمة التي عاشها بعد الفترات التي أمضاها بين أنواع وألعاب لغوية وفنية وفلسفية، وأجناس أدبية مختلفة؛ فهذه السيرة تكشف تجربة الشك التي عاشها سارتر في الكتابة؛ تجربة حاول أن يتخلص منها حينما حوّل نشاطه
من «أديب» إلى «مثقف»، بحيث جعل الأخير مسؤولً مسؤولية مطلقة عن علاج العالم من مرض الاست ب؛ فقد اكتشف أن الكتابة لم تحقق مرادها، فانتقل إلى الممارسة (عبر نشاطات مختلفة: احتجاجات في الشارع، توقيع عرائض....)، بل يمكن القول إنه لم يستطع أن يقارع أدباء عصره وفنّانيه، فالتجأ إلى استراتيجيا أفضل تحقق النموذج الذي «ارتضاه لذاته وللآخرين». ففي عهد بيكيت
Beckett) (وأرتو Artaud) (، عهد مساءلة الدلالات والرموز، التمثلات والأحداث، كان مسرح سارتر مسرح القدوة Edifiant) (والاستقطاب، مثله في ذلك مثل مسرح ديدرو (Diderot) . أمّا بالنسبة إلى الرواية، فلم يكن في استطاعة سارتر أن يجاري دوس باسوس أو فولكنر أو توماس مان
أو جويس أو حتى بروست؛ ففي اللحظة التي كان سارتر يصرح فيها بأنه يريد أن يكون «أينشتاينيًا» ضد
الفضاء النيوتوني المؤثث للرواية الكلاسيكية، كان الرهان الروائي منذ عهد جويس وغيرترود شتاين
هو التفكير ضمن علاقات اللايقين L’incertitude) (، أي بمنظور هايزنبرغ Heisenberg) (لا بمنظور معادلات النسبية ورموزها. ويمكن تفسير هذه المعاناة وهذه الأزمة الواضحة في كتابات سارتر،
(1) Jean-François Lyotard, «Un succès de Sartre,» Critique , no. 430 (Mars 1983); préface au livre de: Denis Hollier, Politique de la prose: Jean-Paul Sartre et l’an quarante: Essai , le chemin (Paris: Gallimard, 1982). Reproduit dans: Jean-François Lyotard, Lectures d’enfance , Collection Débats (Paris: Galilée, 1991), p. 89. (2) Ibid.
(((المصدر نفسه، ص.90
(((يقارن سارتر في كتابه ما هو الأدب؟ بين الكتابة وباقي الأشكال الإبداعية الفنية الأخرى، كالرسم والموسيقى مثلً: Jean-Paul
Sartre, Qu’est-ce que la littérature? (Paris: Gallimard, 1984-1975), pp. 60-62.
فإذا كانت الكتابة تعتمد على التعبير بالكلمات، فان الموسيقى تعمد إلى خلق انسجام بين النوتات. أمّا الرسم، فمادة إبداعه هي
الألوان والأشكال. لكن لا النوتات ولا الأشكال علامات des signes) (أو رموز لكونها لا تشير إلى شيء غريب عنها؛ فدلالة نغم
معين (إذا ما كان في الإمكان الحديث عن دلالات ومعان في هذا المجال) لا توجد خارج هذا النغم ذاته، ولا يمكن النغم أن يخلق دلالات متضاربة. أمّا الأفكار التي تنتج من الكتابة، فيمكن فهمها واستيعابها بأنماط مختلفة، لأن بمجرد أن يخرج الكتاب
نحو الجمهور، يشرع في خلق معان ودلالات متنوعة. من هذا يستنتج سارتر أن «همّ الكاتب هو الدلالات les significations) (»
(ص. 36)؛ فكلمة الكاتب أكثر كثافة من الرموز الرياضية، ومن هنا القيمة الأكبر التي يمنحها سارتر لفعل الكتابة والإبداع. ولأهمية
المشكل وخطورته، خصص سارتر له كتابًا كاملً يجيب فيه عن سؤال الكتابة، وهو كتاب يمكن اعتباره بمثابة «خطاب في المنهج»
كان من الضروري أن يكتبه سارتر ليحدد موقفه الخاص انطلاقًا من المبادئ الفلسفية الوجودية، ومن عدد كبير من أنماط الكتابة وأجناسها ومناهجها، وخصوصًا في مجال الكتابة الروائية والشعرية والمسرحية: كالواقعية، والطبيعوية le naturalisme) (مع
زولا، والرواية الجديدة nouveau roman le) (، وإستطيقا مونتبارناس (الفن من أجل الفن)... إلخ، مساجلً في ذلك كتّابًا سابقين
ومعاصرين، مثل زولا وفاليري بلانشو E. Zola P. Valery M. Blanchot...) (.
خصوصًا حينما نتأمل سيرته الذاتية، حيث يجادل نفسه ويراجع تاريخ طفولته قبل أن يدخل غمار
السياسة التي أعمت، في نظر ليوتار، كل تحليل وكل فهم عميق للواقع؛ لأن سارتر جعل من المجال
السياسي مجالً للبحث عن المشروعية والممارسة وتحمل المسؤولية عن الأفراد الأكثر حرمانًا، وكذا الدفاع عن الكائنات البشرية حتى وإن اختلفت لغاتها أو ثقافاتها أو معاييرها. لذا كانت الكتابة مسؤولة عن كشف الحقيقي، وعن الدفاع عن أخلاق إنسانوية. من هذا يتحول السؤال، بحسب ليوتار، من مشكل المسؤولية عن الآخر إلى مشكل الشهرة التي يبحث عنها المثقف في نموذج سارتر؛ فأن ننخرط إلى جانب مثقف في قضية معينة لا يكون فقط بدافع الإيمان بالمبادئ نفسها، وإنما لأن هذه المبادئ تغدو مشهورة بسبب من يحملها. لذلك كان خطاب سارتر شعبويًا populiste) (، الشيء الذي جعله شعبيًا (populaire) ، أي إنه
تحول إلى شخصية تُسلَط عليها أضواء الإعلام وتُحوَّل إلى موضة من «موضات الثقافة» التي
عرفت تطورًا منذ العصر الكلاسيكي إلى عهد ما بعد الحداثة، والتي تجسدت في مؤسسات
خاصة بالمثقفين (الب ط، صالونات، جرائد، مج ت، وسائل الإع ماا...) ليس هدفها نشر الأفكار أو الأعمال الفنية والفلسفية أو العلمية، وإنما نقل رسائل محمَّلة بقيم رمزية تتبادلها
الجماعة وتتعارف من خلالها، لا لأن لها دلالة، بل لأن لها قيمة (اقتصادية، مالية)، أي إنها
(5) Lyotard, «Un Succès de Sartre,» et Lectures d’enfance , pp. 90-91.
(((حينما يؤكد سارتر أن استخدام الكاتب اللغة المشتركة استخدامًا خاصًا، وتحوّل هذه اللغة إلى رابطة تجمع المبدع بالقارئ،
ويمكن أن تلخص في مشكلة الأسلوب، فإن هذه العلاقة التي تعتمد على مناداة القارئ والاستجابة لمتطلباته تشترط معرفة أكبر للكاتب (مثله في ذلك مثل القارئ) بالوضعية التي يكتبها حولها، إضافة إلى ضرورة وعيه بالأسلوب الذي اختاره؛ لان الأسلوب كاختيار جمالي في ذاته محاولة للإمساك بالمعنى. اختيار اللغة، اختيار الأسلوب، اختيار الجمهور، كلها تشترط حرية متبادلة، سواء لدى الكاتب أو لدى القارئ. «فهناك انتظارات القراء التي على الكاتب أن يجيب عنها وأن يتلقفها. لكن من أجل أن يكون هذا ممكنًا، على الجمهور أن يكون حرًا في طلبه، والكاتب حرًا في جوابه»: (انظر Sartre, p. 194.). بل إن فعل الكتابة ذاته دعوة إلى
«حرية القارئ من أجل أن يشارك في إنتاج العمل الفني والأدبي» (ص 97). ويتحول الكتاب إذن الى وسيط في «طلب للحرية»،
في مقابل «استلاب خاص يعرض ضده الكتاب تحررًا ملموسًا» (ص 9 11)، لكن لا يلزم أن يتوقف الأمر عند التعبير بالكلمات
فقط، بل إن التعبير ليس سوى مدخل للممارسة والتطبيق مثلما هو الأمر بالنسبة إلى سارتر نفسه الذي جمع يومًا بين الكتابة ضد
الحرب والاستغلال والانخراط في مقاومة النازية، حين احتُلت باريس في الحرب الكونية الثانية. يقول: «تفترض حرية الكتاب
حرية المواطن. فنحن لانكتب من أجل العبيد... ولايكفي الدفاع عن الديمقراطية بالقلم فقط، لأنه يأتي يوم حيث يُكرَه القلم على
التوقف وعلى الكاتب أن يأخذ السلاح» (ص. 114)
(((نقرأ نقيض هذا الكلام في ما هو الأدب؟. ولاندري لماذا يعتمد ليوتار على السيرة الذاتية لسارتر أكثر من هذا المؤلف، فالعمل
الأدبي، كما جاء في هذا الكتاب، هو في الأخير «نداء للقارئ، وإشراك له في عملية تعرية – كشف Le dévoilement) (للواقع يقوم
بهما الكاتب، بل لايمكننا أن نكتب بلا جمهور وبلا أسطورة – لكن ليس جمهورًا محدَّدًا أو أسطورة محددة... فالكاتب وهو يعيش
وضعية معينة، يكون مثله مثل جميع الناس الذين يعيشون داخل وضعيات، فكتاباته، مثلها مثل أي مشروع إنساني، تحتوي، كما تحاول في ذات الوقت تجاوز هذه الوضعية». لذلك، ليس صحيحًا أن الكاتب يتوجه إلى جمهور محدد، ففي نظرية الأدب الملتزم،
تتمثّل مهمة الكاتب في تشكيل جمهور شامل Public total) (لا جمهور من العامة Public de masse) (، لأن جمهور العامة سيكون
مجرد تراكم كمي لقراء مستهلكين يعني «قراء فرديين»، أي منتوجات نمطية للنسق الرأسمالي، في حين أن الجمهور الشامل هو
«وحدة عضوية للقراء». لذلك، يختار الكاتب جمهوره من خلال الموضوع الذي يختاره للكتابة. وما دام كل موضوع له جمهور
معين، فإن قيمة الكاتب لصيقة بانتظارات هؤلاء القراء. أمّا الحديث عن المجد والبحث عن الشهرة، فلن يكون إلّ «شيئًا خالصًا –
مجردًا» (ص 193 92 – 1)، أي حينما يعتقد الكاتب بالأزلية خارج انتظارات جمهوره، فإنه لا يبحث إلّ عن وهم.
(8) Lyotard, Lectures d’enfance , p. 94. (9) Jean-François Lyotard, «Les Modes intellectuels,» dans: Jean-François Lyotard, Tombeau de l’intellectuel et autres papiers , Débats (Paris: Éditions Galilée, 1984), p. 69.
تملك سلطة التمييز بين الجماعات الفنية والثقافية والسياسية. ولهذه الجماعات «كلمات موضة» Des mots à la mode) (لا لأن قوّتها سياسية وأيديولوجية فحسب، بل لأنها تربح
المال أيضًا، فالمنتجون (منتجو أفلام سينمائية، محررو جرائد إن لم نقل «كتّاب» هذه الأفكار) يستدرّون المال منها. ف الوجودية هي كلمة الموضة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية،
وكانت لها جريدتها الرسمية) les temps modernes (، وكان لها كتّابها (سارتر، دوبوفوار، ميرلوبونتي...). وما دامت هذه الكلمات مفردات تتناولها الجماعة، فإنها بمثابة «شفرة» محدَّدة، أي هي الكلمات التي بها نفتح فعل التواصل، ولذلك يسميها ليوتار «كلمات المرور» التي لا يمكن من دونها أن تنخرط الجماعة مع أخرى في حوار وتواصل، فبها «تتميز الجماعة لمدة من الوقت، وبها تُشبع رغبتها في الاختلاف، لتنتهي إلى هدم كل اختلاف، ما دام عمر هذه الكلمات مؤقتًا». إنها تشترط اختلاف المثقفين عن الآخرين (رجال الاقتصاد أو السياسة أو الدين...) فكريًا، أي عن الثقافة العامة التي لا تكفي للتعبير عن حقائق ووقائع الجماعة، لأنها مسكونة بأوهام وأيديولوجيات وأفكار زائفة، فتظهر بسبب ذلك ثقافات صغرى (زوايا مذهبية
وعائلات وأُسر فكرية...). الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل يظهر تنافس بين هذه الجماعات في من يصل إلى خلق وإبداع الكلمة الجديدة التي يمكنها أن تتحول إلى موضة يتداولها الجميع، مثل «الالتزام» وسوء الطوية والمشروع والآخرين والغير...، من بين كلمات أخرى ميزت فلسفة الظاهراتية والوجودية التي تكشف عن رغبة في الاختلاف، «لكنه اختلاف لا يكون ممكنًا إلّ في ضوء ثقافة عامة تقدِّر هذا التمايز وتثمّنه، أي هناك توافق على اللاتوافق»، بمعنى أن الثقافة العامة الشاملة هي التي
تمنح المختلف والمغاير المشروعية والحق في أن يعبّر عن ذاته. لكن تطور الإستطيقا حوّل قيمة
العمل الفني أو الفكري من قيمة محايثة للعمل إلى قيمة تخضع لتقدير المتلقين، أي الجمهور. وانتهت مع ذلك هيمنة قواعد الإبداع التي كان المرسل والمنتج (الكاتب، الفنان، المفكر...) يرسمانها، وتوقف الذوق عن أن يكون هو التأثر المشترك الذي تحدده قواعد معينة، أي انتهى عصر «جماعة الذوق» communauté du gout) (، أي كونيّته كما كان يعتقد قرّاء الإستطيقا
الكانطية المتسرعون، لأن بلوغ جماعة الكونيةَ ليس شرطًا بل مجرد أمل عند كانط. الشيء نفسه يحدث في مجال الفكر؛ فحتى لو كانت قيمة المعرفة هي البحث عن الحقيقة من خلال استدعاء الحجج، فإن نظام الوجدان بدوره يُعَدّ شرطًا من أجل تقاسم أفكار معينة، بمعنى أن على المعرفة أيضًا التعبير عن الرغبة في الاخت ف والتعاطف، من ثم يعني تقاسم الاختلاف
(1((المصدر نفسه.
(((1 المصدر نفسه، ص.70
(((1 المصدر نفسه، ص.71
(13) Jean-François Lyotard, Leçons sur l’Analytique du sublime: Kant, «Critique de la faculté de juger,» paragraphes 23-29 , la philosophie en effet (Paris: Galilée, 1991).
بدوره ضرورة وجود نخبة، أي أقلية تنفي ما اعتقد به سارتر من إمكان بناء مبادئ إنسانية كونية حرة ومشروعة. يرافق انحطاطَ «جماعة الذوق» انحطاطٌ آخر هو انحطاط النقد (la critique) ، والنقد هو وسيلة
سارتر، فالمثقف لا يُعَد مثقّفًا ما لم يؤد «واجبه الذي هو تعرية الأيديولوجيات التي تستغل الثقافة
والمعرفة والوعي»، والنقد بهذا المعنى موروث عن الماركسية، كما ورثته هي أيضًا عن هيغل، ويعني النفي la négation) (أي تفضيل السلبي le négatif) (، كما يقول ليوتار. فالنقد عند الماركسية «قوة
فاعلة قادرة على إيقاظنا، وتحريك الجماهير ودفعها نحو الفعل، فضيلته ثورية أساسًا، ومن ثم كانت
وظيفته وظيفة تربوية بيداغوجية. ويُعَدّ النفي في النقد المعاصر «المحرك لكل إقناع يهدم الحاضر
ويربي من أجل المستقبل». هذا هو النقد كما تَمثله أولئك الذين كان همهم الحفاظ على روح نقدية تُخضع الفكر والممارسة للبحث عن الحقيقة، غاية الغايات، لهذا كان سارتر يقول إن الحقيقي هو غاية الإنسانية. وهنا يكتشف ليوتار البُعد الأفلاطوني الذي عرّاه نيتشه، وهو الحكم المسبق
الذي يعتقد به الكل، وهو أن كل واقع يمكن معرفته وكشف حقيقته ما دام واقعًا réel) (. ومن الأمثال
الصارخة لهذا الاعتقاد في وجود الحقيقي مثال المثقفين الذين يؤمنون بنظريات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، يحاولون أن يعرفوا بها الواقع ويعتبرون أن الأخيرة كفيلة بتحقيق تحوّل اجتماعي عادل
juste) (، أي فعّال أخلاقيًا. لكن مجتمعات اليوم لا تبحث عن الحقيقة أو الواجب الأخ قااي، بل
تبحث عن السعادة، لذلك تظل هذه السعادة معلّقة حتى يُعرَف هذا الواقع، أي حتى تخليصه من
الزائف والأيديولوجي. لكن في ظل التحولات والثورات المعرفية المعاصرة، تحول «البحث العلمي» من بحث عن الحقيقة إلى بحث عن الفعالية. كما انتقل الفن الحديث من البحث عن قيمة الأعمال في توافقها مع «فكرة» أو واقع معين (فكرة الروح، الإحساس، الإنسان، البنى الاجتماعية، الصراعات السياسية...) إلى البحث عن حمولة أخرى هي قوة الأثر l’effet) (وكسر القواعد. لهذا يدخل الانحطاط ثلاثة مجالات ينقلها ليوتار عن نيتشه: مقولة الحقيقي، أي انحطاط منطق معين ونمط معين من العقلانية، ثم مقولة
الوحدة، أي انحطاط الفضاء الموحد، أو نهاية الفضاء السوسيو – ثقافي المتمتع بخطاب مركزي (أي
يتبادل القيم والمبادئ نفسها)، ثم مقولة الغائية la finalité) (، أي انحطاط فكرة الزمن الغيبي الذي يوجه سلوكاتنا وأفكارنا نحو غاية محددة. المقولة الأولى هي ما شرحناه في الأبعاد الفكرية والفلسفية المؤسِّسة مبدأ النقد كمهمة المثقف
الأساسية. أمّا المقولة الثانية، فتتجسد في التحولات التي طرأت على المجتمعات، خصوصًا بعد
نهاية الدولة – الأمة l’Etat-Nation) (بحيث ظهرت التعددية في الجماعات الأولية التي لا تظهر
في السجل الرسمي للدولة، كالنساء والمثليين والمومسات والمطلَّقات والمهاجرين والمرحلين
(14) Ibid. pp. 72-73. (15) Jean-François Lyotard, Rudiments païens: Genre dissertatif , collection 10-18 (Paris: Union générale d’éditions, 1977), chap. 5.
(((1 المصدر نفسه، ص.120 (1((المصدر نفسه.
والمنفيين... وهي جماعات تحاول حل مشك تااها من دون العودة إلى مؤسسات المركز (الدولة)، فهي «أقليات» تكشف انحطاط المركز، الفضاء العام، مثلما انحطت فكرة المطلق لكونها تنتمي إلى فضاء إقصائي خاص، فهي مَقصية ومُقصية في آن معًا، فكيف يمكن خطابًا
أن يعبّر عنها إذا لم يكن خطابا متناقضًا في أساسه، ينفي ويُثبت؟ فهل يستطيع سارتر مثلً أن
يعبّر عن المضطهَد الذي يضطهِد في الوقت عينه، أي أن يبحث عن حريته في الوقت الذي
يعترض فيه على إرادة الآخر؟ المقولة الثالثة، مقولة الغاية، اتخذت مظاهر مختلفة، وفي خطابات متنوعة، حتى وإن كانت هذه الأخيرة متضاربة ومتناقضة، فهي تحضر في الخطاب الليبرالي والفاشي والنازي والاشتراكي والبلشفي والشيوعي، حتى وإن وصلت الاختلافات بين هذه الخطابات حدود الصراع الدموي، فكلها تلتقي في قيم منسجمة مع فضائل ومفاهيم القول والتفكير والفعل: «السعادة، الحرية، المجد، النظام، الأمن، الرفاهية، العدالة والمساواة؛ فهي خطابات معرفية – علمية – فلسفية – اقتصادية – سياسية يجمعها
مبدأ واحد هو التغيير والتحول والتقدم صوب «المطلق». لكن ما هو المحرك والضامن «الحقيقي» لبلوغ «المطلق» والحاث على التبدل؟ إنها فكرة «الثورة». الثورة ليست تمردًا أو عصيانًا، بل هي دعوة إلى الخروج عن المألوف والمعتاد، أو عمّا اتخذ صفة
العادي والطبيعي، لأن هناك أيديولوجيات صبغته بصبغة الكوني والعقلي – الواقعي. فالثورة هي
قيام ضد الظلم والاستبداد والطبقية، لها غاية هي المساواة المطلقة ودكتاتورية البروليتاريا، وهي من خلال هذا قريبة من فكرة يوم الحساب jugement dernier) (، فإذا كانت مهمة رجال الإمبراطورية الكنسية هي المحافظة على الإنسانية من الوقوع في الشر المطلق، فقد عوَّضَ هذه الغاية نشاط
الحزب في المحافظة على الإنسانية الغربية من الوقوع في العدمية. والحزب بهذا لن يختلف عن
الكنيسة إلّ بالاسم، بل يمكن القول إن العصور الحديثة كان لا بد لها أن تخلق رهبانًا جددًا، فكان
الحزب وكان المثقف من أجل تلبية هذه الرغبة في التحكم في «اللانهائي»، أي المستقبل. هذا آخر محطات الانحطاط التي يجاورها اليوم ضياع المعنى الواحد والموحد والوحيد، أي إفلاس المبادئ الميتافيزيقية التي تضع لكل فعل غاية، وتخلق للوجود في شموليته غايات أو غاية محددة. ما هي،
مثلً، غاية الكتابة عند سارتر؟ أو بصيغة أخرى، ما هو مبدأ فعل الكتابة في الأصل؟ إنه الالتزام، وما غاية الالتزام؟ إنه التحرر، تحرير الكاتب والقارئ من ماذا؟ من الوهم، من «سوء الطوية»، أي من وضعية situation) (تغيب فيها الحرية وتنعدم فيها المساواة.
يبدو واضحًا ممّا سبق ذكره أن التزام الكتابة، أو بأسلوب ليوتار، «كتابة الالتزام» مستحيلة، لأنها تفترض
«حاضرًا، أي وضعية هي حضور، أي غاية نصل إليها، ومرسلً إليهم وفعلً»، لأن مفهوم الوضعية
(1((المصدر نفسه، ص.147 (1((المصدر نفسه.
(2((المصدر نفسه، ص 148.149 –
(21) Jean-François Lyotard, «Mots (un succès de Sartre),» dans: Lyotard, Lectures d’enfance , pp. 96-97.
عند سارتر يعني واقعًا نحضر فيه ونبتغي الخروج منه صوب حاضر آخر، أي وضعية أخرى، لكن
يتضح الآن أن ليس ثمة وجود لأفراد (نكتب لهم)، أي مرسَل إليهم، يشاركوننا فهمنا للوضعيات التي
نعيش، وبالتالي، لن يلتزم قلَمُنا إلّ بما يراه مناسبًا ويستحق التعبير عنه. لقد اعتقد سارتر أنه يبدأ بالواقع
(العام والشامل) في دلالته الفينومينولوجية، أي ما ندركه ونشكّله بوعينا، ثم في دلالته الماركسية، أي
ما ينعكس في وعينا، لكنه في الحقيقة لم يكن يبدأ إلّ ب «حكاية صغرى»، خرافة، هدفها عدم الخلط بين الواقع والخيال. لكن هذه القصة (الوضعية) نفسها التي تريد أن تمثّل أو أن تقدم لنا الواقع هي نفسها خيالية، فسارتر اعتقد حتى في نصوص السياسية أنه يكشف عن الواقع بفعل الكتابة فقط. لكن الكتابة ليست سوى لحظة «الموجود من أجل ذاته»، أي ليس لها جسد ولا ديمومة ولا مكان ولا موقع موقع، ولا تتمتع بأي استمرارية حقيقية. يأخذ ليوتار ملاحظة هولييه، وهي إن كتب سارتر تنتهي كلها دومًا ب «يتبع» (à suivre) كدليل على
تيه الكتابة. لذلك، تنتقل الأخيرة إلى حديث عن تجارب تخفق في الأخير مجبرة. وللهروب من هذا الفشل، تقدم كتابات سارتر نفسها بأنها «عدم اكتمال» أي مشروع. بهذا الشكل تكشف فشلها في عرض الحاضر، لأنه ينفلت من يديها، ولذلك يتسلسل عند سارتر نص وراء نص، وبقدر ما تتكاثر النصوص يرتفع عدد القراء الذين مثّلهم، وتضيع هذه النصوص في ممرات واتجاهات متعددة، لأن المشاريع متنوعة ومختلفة، ولا يمكن الكاتب أن يلتزم بها جميعًا. لهذا سنجد أنفسنا أمام التزامات
عدة لا أمام التزام واحد. فماذا عن الفعل إذن، غاية الالتزام ومبتغاه؟ كيف يمكن للكتابة، باعتبارها نفيًا، أن تغير الماضي الجامد والسلبي؟ يستنتج ليوتار من هذه المفارقات والتناقضات والأزمات التي عانتها الكتابة عند سارتر، من عدم اكتمال ومن تسلسل لانهائي، وبقائها معلقة بلا نهاية، انتصارًا للغة على ذلك الذي حاول أن يقوم
بتطويعها؛ فقد تخلى سارتر عن إتمام نقد العقل الجدليوكتابه عن فلوبير. كما أنه كان قد وعد في آخر الوجود والعدمبتقديم تحليل نفسي وجودي، لكنه لم يف بوعده. نحن إذن أمام ذاتين، سارتر المنكفئ على نفسه، المجهول، والذي يحاصره الفشل، وسارتر الذي يظهر ببطولة في ما يخطه من كتب، وبسبب هذا الفشل هجر القلمَ ومد يده إلى الرفاق وتقدم في صحراء
الأحياء الهامشية بمكبّر للصوت في يده ليتأكد أخيرًا من عدم وجود مرسَل إليه متجانس وشامل، أي
لا وجود لجمهور شامل يمكنه أن يقرأ نثره... وهذا دليل على ذات ادعت الحرية وهزمتها كلماتها، فلماذا كل هذا الصراع والخصومات عند سارتر مع أصدقاء ومناضلين ومثقفين شاركوه لزمن معين
(((2 نقرأ في الوجود والعدم: «تسمّى الوضعية: إمكانية contingence الحرية في شمولية plenum الوجود في العالم كمكان
Datum، فالوضعية ليست موجودة هنا [أمامنا] إلّ من أجل ألّ تُجبر وتُكره حريتنا، فالوضعية لا تنكشف لهذه الحرية كشيء تضيئه الغاية التي ترسمها وتختارها [هذه الحرية ذاتها]... فالوضعية والدافع ليسا سوى شيء واحد». انظر: L’Etre et Jean-Paul Sartre,
le néant: Essai d’ontologie phénoménologique , bibliothèque des idées (Paris: Gallimard, 1943), pp. 532-533.
(2((المصدر نفسه.
(2((المصدر نفسه، ص.99
(((2 المصدر نفسه، ص 99.100 –
(((2 المصدر نفسه، ص 1.06
قناعاته والتزاماته (كامو، أرون، ميرلوبونتي...)؟ إن هذه الجدالات ناجمة في المقام الأول، وبحسب ليوتار، عن مشكلة الذات وميتافيزيقيا الإرادة، وسارتر هو هذه الذات التي تريد أن تكون هي ولا شيء آخر غير ذاتها، كما تكشف سيرته الذاتية؛ فالآخرون يتحولون إلى جحيم بمجرد تهديدهم هذه الإرادة. ولم تكن صراعاته مع المثقفين والمناضلين الآخرين، بدعوى وجود رؤى متباينة حول قضايا البروليتاريا والشيوعية ومعنى التاريخ أو وجهته، سوى نتيجة لهذا اليأس. قد لا نتفق مع هذا التحليل النفسيلكتابات أحد أعقد مفكري القرن العشرين وفلاسفته، لكن هذا النقد يفيدنا في فهم الأزمة التي لا بد أن ترافق عمل كل مثقف عندما يحاول إخضاع التزاماته السياسية ل «قواعد وألعاب لغة» مخالفة، حينما لا يعي المثقف أنه لن يستطيع تعظيم الكوني وتجاهل النسبي، أي يعتقد أنه يستطيع أن يعرف ويفكر ويمارس من خ لاا جهاز مفاهيم واحد. لهذا السبب، كتب ليوتار التعريف التالي للمثقفين: «المثقفون هم، في ما اعتقد، أرواح تأخذ مكان الإنسان والإنسانية والأمة والشعب والبروليتاريا...
إنهم يتماهون مع ذات كونية حينما يصِفون ويحلِّلون... وضعية أو ظرفًا، أو ينصحون بما يلزم القيام به من أجل أن تتحقق هذه الذات (الإنسانية) الكونية، أو على الأقل أن يتم التقدم صوب تحقيقها». بهذا، يتوجه المثقفون إلى كل واحد منا باعتباره حاملً هذه الهوية الكونية وهذا الكيان الإنساني. وتمنح فكرة الكوني هذه وفكرة «مسؤولية المثقفين» السلطة والمشروعية التي نعترف بها لفولتير وسارتر، لأنهما يختزلان الكوني، أي ليسا ذاتين منفصلتين عن باقي الكائنات البشرية؛ إنهما، بلغة سارتر ذاته، «فرديات كونية»، تختار لذاتها ما تختاره للإنسان. لكن ما الذي يضمره مثل هذا الرأي من وهم؟ إنه يهمل التشرذمات والتفرعات التي تُعَدّ مبدأ أساسيًا في مهمات الفكر، فظهور التخصص العلمي
2(((سيعتبر ليوتار أن سارتر لم يأخذ من التحليل النفسي سوى الاسم، لكن السيرة الذاتية (الكلمات) تُعَدّ نصًّا فرويديًا عن جدارة،
Jean-François Lyotard, Dérive à partir de Marx et Freud , Débats (Paris: Galilée, 1994), p. 137. انظر: (28) Ibid. p. 95 (29) Lyotard, Tombeau de l’intellectuel , p. 12.
(3((لا يمكن الكاتب أن يرى العالم إل حينما يتشكل كذات ترى هذا العالم، بحيث توجد رابطة عميقة بين وجودنا (أي المحددات التي تحدد وجودنا)، والعالم الموجود أمامنا، أي ذلك الذي ينفتح أمام رؤيتنا. استدخال Intériorisation) (هذه المحددات الخارجية
وإخراج هذا الداخلي فينا l’intériorité Extérioriser) (هما ما يسمَّيان الوجود في العالم l’être-dans-le-monde) (أو الكوني –
Jean-Paul Sartre, Plaidoyer pour les intellectuels , Idées; 274 (Paris: Gallimard,:. انظر (L’Universel-singulier) الفردي 1972), pp. 98-99.
معنى هذا أنني ككاتب أعيش جدلية عميقة، على شكل تشرذم بين عالمين، عالمي الخاص الذي في هو أصله مركّب من العالم المشترك، ثم هذا العالم المشترك نفسه الذي يحتاج أيضًا إلى عالمي الخاص؛ لذلك، فوجودي في هذا العالم يتمظهر من خلال
صيغتين، الأولىهي أنني أستطيع أن انطق بلفظ المفرد المتكلم «أنا»، والثانية هي أنني أتلفظ أيضًا بصيغة المتكلم الجمع «نحن»، بين النحن والأنا توجد علاقة جدلية، إحداهما تستحضر الأخرى وتنفيها، وعملية الاستحضار والنفي المتبادل هذه تجد لها تركيبًا
Synthèse) (في العمل الأدبي الذي يعبّر عن انغماس الكاتب في العالم وانفصاله عنه؛ فمهما كانت طبيعة الكتّاب، «فإنهم يملكون
وجهتين متكاملتين: الفردية التاريخية للوجود وكونية الرؤى، أو العكس، كونية وجودهم وفردية رؤاهم» (ص. 99). المقصود بالوجه الأول هو أن الكاتب ينتمي إلى عصر بعينه، وإلى طبقة معينة وإلى ثقافة محددة، من هنا تاريخيته. والوجه الثاني هو الموقف، أي الرؤية التي تكون للكاتب عن عصره وتاريخه وثقافته والتي يرتضيها للحاضر والمستقبل؛ فكل رؤية هي موقف، وكل موقف هو أمل في وجود آخر تبتغيه الذات لنفسها وللآخرين، بل وللإنسانية جمعاء؛ وكل موقف في الأخير هو زاوية نظر محكومة أيضًا بطبيعة
الوجود الذي ينظر من خلاله الكاتب إلى ذاته وإلى العالم والآخرين وهو ما يسمّيه سارتر الوجود – في العالم.
ألغى المهمة الميتافيزيقية للكاتب والمثقف: تخليص المجتمع من مشكلاته السياسية والاقتصادية أو الثقافية، كأنه المسيح الذي تحمّل مسؤولية الخطيئة. لقد غيرت التقنيات الجديدة عمل الإدارات المدنية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، فأخذت الأخيرة تستدعي ذواتًا مكونة ومتخصصة في العلوم الحقة والتكنولوجيات والعلوم الإنسانية. ولا يمكن نعت هذه الأطر الجديدة بالمثقفين، لأن دور المثقفين المهني الناجم عن تكوينهم العلمي والمعرفي هو تحقيق فعالية أفضل وتقديمها، وليس تجسيد «فكرة الذات الكونية». وحتى لو أردنا أن نصفهم بنقاد، فإن نقدهم موجَّه أساسًا لخدمة الفعالية وإبداع ميكانيزمات جديدة تحقق أفضل
إنجاز وإتقان، كلٌّ في ميدانه، لكنهم لا يساءلون حدود هذه الفعالية والمردودية ولا طبيعتها، أو غاياتها ونماذجها المثالية. إنهم يقبلون بفكرة التخصص في معرفة الواقع، وفي تقويم الأعمال والنتائج المحصلة؛ فعلى كل كاتب أو فنان أو فيلسوف أن يؤكد التزامه ومسؤوليته وقدرته على إنجاز الأفضل في مجال تخصصه. لهذا، تتجاوز المسؤولية «الإبداع المجرد» أو «الجمال»، فلا يلزمه أن يفترض في الجمهور الذي يتوجه إليه «فقدان المعرفة والإحساس، ووسائل التعبير والذوق، ويلزم من ثم تربيته على الذوق الرفيع ومده بالأفكار العقلانية الملائمة».
إن الكاتب أو الفيلسوف أو الفنان لا يكون كاتبًا وفيلسوفًا وفنانًا إلّ حينما يجيب عن التساؤل التالي:
ما هو الفن التشكيلي، ما هي الكتابة، ما هو الفكر؟ وواجب عليه ألّ يهتم بالاعتراضات التي يمكن أن يخلقها عمله، لأنه لن يكون بالضرورة مدرَكًا ومفهومًا ومستقبلا بالشكل عينه عند الكل (الجمهور)،
وعليه أن يعي أنه بلا جمهور، بل إن «جماعة» الكتاب والفنانين ليست جمهوره، فهو لا يعرف إلى من يتوجه بعمله، إنه يرمي ب «رسالة» في صحراء. على عمله أن يسائل المعايير المقبولة في مجال الفن التشكيلي والأدب والسياسة والأخلاق... إلخ. لنقُل إنه يجرب ولا يبحث عن التثقيف أو التربية أو التكوين، إنه يرفض جميع الرهانات الخارجة عن عمله. الإبداع ليس شرطًا لأفضل وجود – مشترك l’être ensemble) (هو همّ السياسي، وليس شرطًا للجماعة
المدنية la communauté civique) (، أو لامتلاك الفنانين والأدباء المبدعين «أنوارًا » des lumières) (
خاصة قادرة على تخليص الجماعات من مشكلاتها، كأن يتم حل تساؤلات ومشكلات بلد معين في لحظة معينة من خلال مبادئ كونية – مطلقة؛ فما يغيب اليوم «في فكر القرن العشرين هو هذه الوحدة
الشاملة الكليانية أي كونية الفكر وكونية المسؤولية»؛ فأنا «لست مسؤولً إلّ في المجال الذي
(3((نشر ليوتار مقالة «قبر المثقف» في جريدة لوموند ردًّا على المتحدث باسم الحكومة الفرنسية ماكس غالو (9831، الذي
دعا المثقفين إلى تحمّل مسؤولياتهم تجاه التحولات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها فرنسا، مشدِّدًا على أنه يريد انخراط ا حقيقيًا
للمثقفين وليس مجرد خطب على منصات. ((3(المصدر نفسه، ص.13
((3(المصدر نفسه، ص.14
((3(المصدر نفسه، ص.15 ((3(المصدر نفسه.
(36) Lyotard, Tombeau de l’intellectuel , pp. 18-19.
أمارس أو أفكر أو أطبّق فيه، ولا يمكنني أن اختزل في ذاتي الإنسانية جمعاء». هذا دليل آخر على
فشل واستحالة ما سمّاه سارتر «الفردي – الكوني». ولا أحد ينتظر اليوم من التعليم أن ينشئ مواطنين
صالحين (ومتنورين، لكن فقط تكوين هيئات مهنية أكثر كفاءة وأكثر فعالية، والجهل لا يُعَدّ في حق
البعض ما دام هدف اكتساب المعارف هو تأهيل مهني يعِد بأجر أفضل. لا يلزم إذن أن يكون لنا
مثقفون، وإذا وجِدوا، فإنهم، بحسب ليوتار، لم يروا معطى جديدًا في التاريخ الغربي ما عاد موجودًا
منذ القرن الثامن عشر وهو أن ليس ثمة وجود ل «ذات – ضحية كونية »، تتمظهر في الواقع ويحاول
الفكر باسمها أن يحاكم العالم والمجتمعات والدول، مثل أولئك الأكثر معاناة والأقل حصولً على الامتيازات، والذين حاول سارتر أن يتبنّى وجهة نظرهم ضد أخطبوط اللامساواة ومتاهتها. فهذا الكيان
الذي عانى العنصرية والاستغلال، ليس سوى «هوية سلبية ومجهولة وإمبريقية»، نتبنّى الدفاع عن
وضعيتها، لأن لا أحد اتخذ وجهة نظرها، ولا أحد يقدر على كشف ظروف استغلالها. نتدخل إذن بهدف الدفاع من دون محاولة فهم الواقع في تعقده؛ فحينما نحاول أن نخرج بقانون بشأن تجربتنا في «الدفاع»، ونرغب في تطبيقها على جميع المجتمعات والثقافات، فإننا نتيه، «مثلما تاه سارتر»، وراء كيان كوني غير موجود. لكن ليوتار لا يدعو أبدًا إلى عدم الانخراط في مشكلات الطبقات والأكثر حرمانًا، «بل يلزم أن يتم ذلك عبر مسؤولية أخلاقية، ولا يعني ذلك أن يتوقف كل واحد في مجاله الخاص: الفيلسوف يتفلسف، الرسام يرسم، العلماء يبحثون، والأطر يسيرون، والسياسيون يسوسون». لكن علينا أن نتحرر من هوس الكونية، أي علينا أن نحرر الفكر والحياة من هواجس الكونية؛ فالعصر الحاضر هو عصر تعددية المسؤوليات واستقلالها، الشيء الذي أدى إلى انعدام الانسجام بينها، وهو ما يفرض على هذه التعددية أن تتمتع بالليونة والتسامح، أي علينا أن نتجاوز في فهمنا للكاتب وللمثقف مبادئ الصرامة والشهامة والصلابة، «فعلينا أن نخلص التفكير من جنون العظمة الذي صنع الحداثة»، أي الإيمان السائد بكونية قيم الحداثة والعقلانية وعظمتها. فلا يمكن اليوم فرض الخطاطات الذهنية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية على المجتمعات كافة. «فالحكايات الكبرى» لم تكن تعتقد بشيء سوى أن الكل سابق على الجزء وأعظم منه، ومن هذا نتجت مركزية الأنا (جنون العظمة)، وعنه نجمت أنظمة كليانية أرادت أن تخضع الكل لنظامها. يعود موت المثقفين إذن، بحسب ليوتار، إلى التحول الما بعد الحداثي الذي يضع موضع الأزمة فكرة «الكوني» في «ظل غياب لغة ترسندنتالية مشتركة بين جميع العقلانيات المختلفة». لذلك، يخلط المثقف بين أنماط اللغة، مثلما لعب سارتر على أوتار وأجناس لغوية وأدبية مختلفة: الرواية،
المسرح، القصة، النقد الأدبي، الفلسفة، مستخدمًا الجهاز المفاهيمي نفسه، أي متناولً «الحكاية
((3(المصدر نفسه، ص 20.21 –
((3(المصدر نفسه، ص.21 ((3(المصدر نفسه. ((4(المصدر نفسه.
(41) Bernard Gaelle, «A l’écart des intellectuels» dans: Corinne Enaudeau [et al.], dirs., Les Transformateurs Lyotard , Collège international de philosophie (Paris: Sens et Tonka, 2008), p. 154.
الكبرى» نفسها: نجاة الحقيقة والعالم والإنسان، وذلك من خلال «السيطرة على الحكي ولعب لعبة السرد». هنا تظهر أفلاطونية الكاتب حين يدّعي أنه يستطيع تحديد العدل وتقويمه في صراع الأفكار والسلطات، ما دامت مسؤوليته لا تتوقف في مجال دون آخر، من غير أن ينتبه إلى أنه يقتحم مجالات مركّبة وأنه يخلط «ألعاب اللغة». وحينما يستميت المثقف في سبيل نموذجه، يتحول لديه إلى حقيقة وإلى هوس ينتج منه «رعب نظري» Terreur théorique) (، فيمارس به الإقصاء ضد التصورات النظرية الأخرى، بمعنى أن يدّعي
المثقف، وإن بشكل مَوْعِيّ، أنه هو الأقدر على التشريع وإبداع القوانين والقيم «الواجبة – الوجود».
آنذئذٍ يتحول المثقف من وصف الواقع، أي الوجود، إلى البحث عمّا ينبغي أن يكون، أي الوجود –
الواجب، أي من المعنى المباشر الذي يصف موضوعات الواقع أو الخطاب التعييني le dénotatif) (إلى الواجب أو الخطاب الأمري le prescriptif) (. وإذا كان عصر ما بعد الحداثة بثوراته الفنية والعلمية التكنولوجية قد أنهى مبدأ جماعة – الذوق، أي
الجماعة التي يتوجه إليها فن معين وإبداع معين لأنها متجانسة، فإن الثورات الفلسفية والأيديولوجية أنهت بدورها ما يمكن تسميته «الجماعة السياسية» و«الجماعة الأخلاقية»؛ فلا وجود اليوم لجماعات لها المنطلقات والقيم نفسها وتتوارثها بالشكل والنمط نفسيهما. فلا وجود لعلاقة حقيقية يمكن أن تربط بين «الأمر الأخلاقي» و«النمط المعرفي» و«القانون السياسي»، لأن لكل منهما لغته الخاصة son idiome) (. وذلك لأن الأول لا يجبر على الفعل بل يقنع، والثاني يقدم حججًا وأدلة منطقية أو
واقعية. أمّا الأخير، فهو لا يقنع أو لا يحاجّ، بل يُلزم ويُكره ويجبر. من هنا تظهر صعوبة الجمع بين
الخطابات في خطاب واحد، ولا يستطيع الكاتب أن يتبنّى، مثلما تمنى سارتر، جميع الخطابات ويعبّر
عنها بشكل شامل من دون أن يختزل بعضها ويقصيه. وتبقى هذه الأطروحةَ الأساسية في نقد ليوتار للمثقفين والفلاسفة والسياسيين، وقد ضمّنها كتابه الخلاف Le Différend) (الذي عُرف بقوله: «الخلاف هو الحالة المتحولة واللحظة اللغوية التي يوجد شيء ما يلزم أن نضعه في جمل (تعابير) لكن ذلك يستعصي علينا. تتضمن هذه الحالة صمتًا هو (في الحقيقة) تعبير سالب، لكنها حالة
تستدعي أيضًا جملً أخرى ممكنة من حيث المبدأ، وهو ما نعبّر عنه بقولنا إننا لا نجد الكلمات للتعبير
عن هذا... علينا إذن أن نبحث عن قواعد جديدة قادرة على التعبير عن هذا الخلاف الذي يخونه الإحساس، إذا ما أردنا ألّ يختنق هذا الخلاف في خصومة... إن هذا هو رهان فلسفة وأدب وسياسة أيضًا، وذلك عبر البحث عن لغات خاصة des idiomes) (قادرة على التعبير عن هذه الخلافات ». فما دام لكل خطاب قواعده الخاصة ورهاناته، فلا وجود لجسور يمكنها أن تنقل بسهولة من لعبة لغة إلى أخرى. لذلك، ينبغي عدم البحث عن لغة مشتركة «ما دام من سوء الانتباه أن تضع نفسك محل الآخر، أي أن تقولأنا مكانه ». باختصار، لا يمكن «الخطاب العلمي أن يتحول إلى خطاب
((4(المصدر نفسه، ص 154.155 –
(43) Jean-François Lyotard, Le Différend , collection Critique (Paris: Éditions de Minuit, 1983), pp. 29-30, note 22.
(4((المصدر نفسه، ص 162، الملاحظة.169
أنطولوجيا، ولا الخطاب الأنطولوجي قادر على أن يكون خطابًا علميًا ». وتعددية هذه الخطابات أو
أنظمة التعبير لا يضمن لها السياسي، مثلً، التعايش، بل إنها تعيش علاقة صراع دائم ينتهي إلى سيطرة السياسي عليها جميعًا، ويخضعها لمبادئ وقوانين غريبة عنها. وهيمنة السياسي هذه هي نفسها ما يعنيها
المثقف في شخص سارتر، مثلً، حينما غلب الخطاب السياسي على خطاباته الأدبية والفلسفية والفنية،
فكان الأول هو خالق المعايير الإبداعية الفنية والفكرية (وعلى رأسها مبدأ الالتزام مثلً). لكن هذا لا يعني أن إقصاء الخطابات الأخرى ينهي الصراع بينها، أو يمنح المُشكل تسوية. بل إن كل
نوع من هذه الخطابات لا بد أن يترك «أثرًا» و«شيئًا باقيًا » (un reste) من الخلافات التي لم يتمكن
من تسويتها. من هنا تدور «حرب أهلية لغوية لا تنتهي»، وبهذا يجد المثقف نفسه في مواقف محرجة، فإمّا أن يقبل بخطابه ويشرعنه، ويحاول أن يمفصله في خطابات مغايرة (اقتصادية، سياسية، أخلاقية،
فلسفية، فنية...)، وإمّا أن يتراجع بحثًا عن المشترك الممكن بين خطابه والخطابات الأخرى، أي مفتشًا
عن إديوم idiome) (جديد. لكن الواقع هو، بحسب ليوتار، أن الكاتب والمثقف يساعداننا على نسيان مسؤوليتنا في الخلافات، حينما يشجعاننا على أن نتبنّى خطابًا معينًا يعتبرانه المشروع الأحق، وهو
الكوني، خصوصًا حينما يجعل للخطاب السياسي الهيمنة المطلقة على جميع خطاباتنا الفنية والفلسفية
والعلمية التي تصارع ضد الاختزال والترجمة والتماهي والهوية الموحدة والثبات، لأنها لاتقبل المقايسة
l’incommensurabilité) (؛ فلا وجود لخطاب معياري كوني يصلح لأن يكون المبدأ المطلَق والمعبّر
عن لغات العالم وتجاربه إلّ ويتحول إلى خطاب إرهابي، حتى وإن كان مغلفًا بقيم الخير والعدالة والتواصل والانفتاح، فلا وجود لجماعة مثالية، جماعة أخلاقية، سياسية أو فنية منسجمة. المثقف ليس هو ذاك الذي يصنع الأوهام، بل هو الناقد اليقظ le veilleur critique) (الذي لا يمل من جر انتباهنا إلى المهمَّش في خطاباتنا وإبداعاتنا وأخلاقنا، وآنذاك لن «يحشر أنفه في ما لا يعنيه».
(45) Alberto Gualandi, Lyotard , figures du savoir; 17 (Paris: Les Belles lettres, 1999), p. 104.
(4((نقرأ في أياد دنسة) Les Mains sales (قول هوديرر لهيغو: «... كم أنت متمسك بطهارتك ta pureté، طفلي الصغير! كم أنت خائف من تلويث يديك. إذن لتبق طاهرًا! فبماذا يخدمك هذا ولماذا أنت بيننا؟ الطهارة! إنها فكرة متصوف Fakir أو ناسك. أنتم
المثقفون، الفوضويون البرجوازيون، تستغلون ذلك لكي لا تقوموا بأي شيء. لا شيء. إبقوا جامدين، ضعوا أيديكم على المرافق، إلبسوا القفازات. أمّا أنا، فيداي مدنستان حتى المرفقين. لقد أغرقتهما في البراز والدم...». انظر: Les Mains Jean-Paul Sartre,
sales (Paris: Gallimard, 1948),cinquième tableau, scène III, p. 198. (47) Lyotard, Le Différend, p. 25, note 201. (N201).
((4(المصدر نفسه، ص 062، الملاحظة.201