مارتن هايدغر الهوية والاختلاف مبدأ الهوية
Martin Heidegger’s Identity and Difference, “The Principle of Identity”
الملخّص
نفكر في الكينونة بمعناها الأصيل كحضور؛ الكينونة حاضرة أمام الإنسان بطريقة ليست لا ظرفية ولا استثنائية. لا توجد الكينونة ولا تظل إلّا متحدثة إلى الإنسان، وبذلك متجهة نحوه، لأن الإنسان بانفتاحه على الكينونة يترك هذه الأخيرة تتجه نحوه كحضور. مثل هذا الاقتراب والحضور يحتاجان إلى مجال حر، مجال واضح. بذلك، ومن خلال هذه الحاجة نفسها، تظل الكينونة مستملكة من قِبل كينونة الإنسان، الأمر الذي لا يعني أبدًا أن الكينونة يضعها الإنسان، والإنسان فقط. على العكس، إننا نرى بوضوح أن الإنسان والكينونة أحدهما يتملّك الآخر، أحدهما ينتمي إلى الآخر. لكن لم تجر قط معالجة هذا الانتماء المتبادل عن قرب، مع أن الإنسان والكينونة يتخذان من خلاله أساسًا المحددات الأساسية التي من خلالها تأوّلهما الفلسفة بطريقة ميتافزيقية.
Abstract
Let us think of 'Being' according to its original meaning, as presence. Being is present to man neither incidentally nor only on rare occasions. Being is present and abides only as it concerns man through the claim it makes on him. For it is man, open towards Being, who alone lets Being arrive as presence. Such becoming present needs the openness of a clearing, and by this need remains appropriated to human being. This does not at all mean that Being is posited first and only by man. On the contrary, the following becomes clear: Man and Being are appropriated to each other. They belong to each other. From this belonging to each other, which has not been thought out more closely, man and Being have first received those determinations of essence by which man and Being are grasped metaphysically in philosophy.
- الحضور
- الهوية
- الاختلاف
- هايدغر
- Difference
- The Principle
- Being
- Martin Heidegger
مبدأ الهوية *
ترجمة: محمد مزيان **
يتخذ مبدأ الهوية الصيغة التالية عادة: أ = أ. إنه يُعتبر قانونًا أسمى للفكر. وسنحاول الآن تركيز اهتمامنا على هذا المبدأ لأننا نريد أن نتعلم منه معنى الهوية. عندما يلح شيء ما على الفكر، فإنه يلتفت إلى هذا الشيء ويتابعه، وربما يتعرض للتحوّل وهو يتابع طريقه. لذلك، سيكون من المناسب أيضًا في ما سنعرض له إعطاء الطريق أهمية أكثر من المضمون؛ ذلك أن تقدم هذه المحاضرة سيناقض نفسه إذا ما ركزنا على المضمون. ماذا تقول إذن الصيغة «أ = أ» التي من خلالها تعوّدنا تمثُّل مبدأ الهوية؟ إن هذه الصيغة تساوي «أ ب أ». والحال أن كل مساواة تقتضي وجود طرفين على الأقل، «أ» مساو لآخر. هل ذلك ما يعنيه هذا المبدأ؟ الظاهر، لا؛ فالمتطابق l҆̓̕̕ ᾽identique في اللاتينية idem يترجم الكلمة اليونانية toauto وفي الألمانية das selbe وفي الفرنسية le même. فإذا ردّد أحدنا الشيء نفسه: النبتة هي النبتة، فإنه يحصّل الحاصل، ولكي يمكن أن يكون شيء ما «هو نفسه» يكون حدّا واحدًا كافيًا باستمرار، ولا حاجة إلى حدّين اثنين كما في حالة المساواة. تشير الصيغة أ = أ إلى مساواة، فهي لا تقدم «أ» باعتبارها هي نفسها. لذلك، فإن الصيغة المتداولة لمبدأ الهوية تخفي ما يريد هذا المبدأ قوله بالضبط، أي إن «أ هي أ» وبعبارة أخرى، إن كل «أ» هي نفسها. هذا، وفيما نحن نعرّف الهوية كذلك، يستفيق قول ضارب في أعماق ذاكرتنا؛ ذلك القول الذي من خلاله يدلّنا أفلاطون عمّا هو المتطابق، إذ يستدعي هذا القول بدوره قولً آخر أكثر إيغالً في القدم. يتحدث أفلاطون في محاورة «السوفسطائي» عن الثبات والتغير، ويجعل الغريبيقول ضمن المقطع نفسه: «إن كل واحد منهم مختلف عن الاثنين الآخرين، لكنه مطابق لذاته». لم يكتف أفلاطون بقول إن «كل واحد هو هو»، بل قال: «كل واحد مطابق لذاته».
تعني الإضافة «ذاته» أن كل شيء مؤسس لذاته، وأنه «هو هو». واللغة الألمانية كالإغريقية، تمنح إمكان تعيين الهوية وتوضيحها من خلال مصطلح واحد، لكن مع تغييره من خلال صيغ مختلفة. من الأفضل إذن إعطاء مبدأ الهوية الصيغة التالية: «أ هي أ»، وهذه الصيغة لا تقول فقط إن كل «أ» «هو هو»، بل إن كل «أ» متطابق مع ذاته. تنطوي الهوية على علاقة قائمة من خلال حرف الجر «مع». إذن فهي تتضمن توسّطًا، ارتباطًا، تركيبًا: التوحّد في وحدة. من هنا تقدّم الهوية من حين إلى آخر في الفكر الغربي من خلال خاصية الوحدة. رغم ذلك، فإن هذه الوحدة ليست أبدًا فراغًا ما خاليًا من أي علاقة ما هو مستمر في إلحاحه على تطابق باهت. لكن من أجل أن تظهر علاقة «الهو» le même) (بذاته بوضوح، ومن أجل أن تميّز هذه العلاقة التي تسيطر في صلب الهوية كعلاقة توسّط، مظهِرة بذلك إشارات مبكرة على حضورها، ومن أجل النجاح في تحديد مكان لهذا التوسط الظاهر في صلب الهوية؛ من أجل هذا كله كان يلزم الفكر الغربي أكثر من ألفي سنة، لأنها وحدها الفلسفة المثالية التأملية التي مهّد لايبنتز وكنط لها الطريق وعمل على إنجازها فيخته وهيغل؛ وحدها الفلسفة التي ضمنت مكانًا لكينونة تركيبية للهوية. ما هو هذا المكان؟ إن الكشف عنه هو ما يعنينا الآن، لكن يجدر بنا تأكيد الأمر التالي: منذ عصر المثالية التأملية، لم يعد من حقنا أن نتمثل وحدة الهوية كمجرد تطابق، وأن نهمل التوسّط الذي يتأكد في صميم الوحدة، فالقيام بذلك يعني تصور الهوية على نحو مجرد خالص. حتى ضمن الصيغة المعدّلة «أ هو أ»، لا يظهر سوى الهوية المجردة. هل يمكن أن نقول أنها تظهر؟ هل يخبرنا مبدأ الهوية بشيء ما حول موضوع الهوية؟ لا، على الأقل ليس بشكل مباشر. عكس ذلك تمامًا، إنه يفترض أننا نعرف ما تريد كلمة الهوية قوله، وما هي ملابساتها وتفصيلاتها. فأين نستفسر عن هذا الافتراض؟ طبعًا من خ لاا مبدأ الهوية نفسه إنْ نحن استمعنا بتمعّن إلى مبدئه الأساسي وسخّرنا له تفكيرنا بدل الترديد الساذج للصيغة التالية: أ هو أ». وبصريح العبارة، من اللازم القول إن: «أ هو أ». آنذاك ماذا نفهم؟ نفهم أن ضمن هذا «الهو» يخبرنا المبدأ عن طريقة وجود كل ما هو موجود من حيث إنه مطابق لذاته. بذلك يحدّثنا مبدأ الهوية عن كينونة الموجود. وإذا كان هذا المبدأ صالحًا كقانون للفكر، فهو كذلك فقط بالقدر الذي يكون فيه قانونًا للكينونة؛ قانونًا يقرر أن الهوية تنتمي إلى كل موجود من حيث هو كذلك، من حيث إنه متوحّد مع ذاته. إن ما يعنيه مبدأ الهوية مستمَعًا إليه من خلال نبرته الأساسية، هو بالضبط ما يفكر من خلاله الفكر الغربي أو الأوروبي. إنه يعني أن الهوية تشكل خاصية أساسية لكينونة الموجود؛ إذ حيثما أقمنا علاقة كيفما كانت بموجود كيفما كان، نجد أنفسنا بصدد نداء الهوية. ومن دون هذا النداء لا يمكن الموجود أن يظهر في كينونته. وبالتالي، يستحيل العلم تمامًا، لأن العلم لا يمكن أن يكون كذلك إذا لم تكن هوية موضوعه مضمونة في كل لحظة بشكل مسبق؛ إذ إن هذا الضمان هو ما يفي للبحث بإمكانية سيرورته. ومع ذلك، فإن هذا التمثل الأساسي لهوية الموضوع لا يمنح البتة أي امتياز ملموس للعلوم. هكذا يتبين أن خصوبة المعرفة العلمية ونجاحاتها تستند في كل مكان إلى شيء ليست له
أي صلاحية بالنسبة إليها. إن نداء هوية الموضوع يتحدث، سواء أسمعته العلوم أم لم تسمعه، وسواء أسخرت منه أم على العكس، اضطربت وارتعشت جراءه تمام الارتعاش.
يتحدث نداء الهوية انطلاقًا من كينونة الموجود. والآن، هناك ضمن تاريخ الفكر الغربي، حيث وجدت كينونة الموجود اللغة الأكثر إيغالً في القدم والأكثر وضوحًا، أي عند بارمنيدس هناك يتحدث المتطابق بمعنى يكاد يكون مبالغًا فيه، ولنُع د قراءة إحدى قضايا بارمنيدس: «الحقيقة أن الهو le même) (هو الفكر كما الكينونة». شيئان مختلفان: الفكر والكينونة، وقد استُحضرا باعتبارهما «الهو». ماذا يُفهم من هذا؟ هناك شيء مختلف تمامًا عمّا كنّا نعرفه باعتباره أطروحة الميتافيزيقا التي تُعِدّ الهوية جزءًا من الكينونة. يقول بارمنيدس: للكينونة مكانها ضمن الهوية. ماذا تعني هنا «الهوية»؟ وماذا تعني كلمة «الهو» ضمن جملة بارمنيدس؟ لا يورد بارمنيدس أي جواب عن هذا السؤال. إنه يضعنا صوب غموض ليس من حقّنا التراجع أمامه؛ إذ يجب الاعتراف بأن في فجر الفكر، وقبل التوصل إلى صوغ مبدأ الهوية، تحدثت الهوية من خلال القاعدة التي أكدت أن للفكر والكينونة مكانًا ضمن «الهو»، حيث يرتبط أحدهما بالآخر من خلال هذا «الهو». لقد أقدمنا على تأويل «الهو» من دون أن نتوخى الحذر، وسنفسر الهوية على أنها انتماء مشترك. إنه من المغري جدًا تمثّل الانتماء المتبادل la coappartenance) (كهوية مثلما تم تفكير الهوية في ما بعد، وكما عُرفت بشكل عام. ما هو الشيء الذي يمكنه أن يعيقنا؟ الحقيقة لا شيء غير حكم بارمنيدس نفسه، لأنه يقول شيئا آخر، أي إن الكينونة – كما الفكر – لها مكانها ضمن «الهو». لقد حُدِّدت الكينونة انطلاقًا من هوية ما وكخاصية لهذه الهوية. حدث العكس في ما بعد، حيث إن الميتافيزيقا تمثّلت الهوية كخاصية للكينونة. ليس في إمكاننا، إذن، الانطلاق من هوية الميتافيزيقا لتأويل هوية بارمنيدس. إن هوية الفكر والكينونة، تلك التي تتحدث ضمن قاعدة بارمنيدس، تأتينا من بعيد، بالنظر إلى تلك التي حددتها الميتافيزيقا انطلاقًا من الكينونة وكخاصية لها. إن الكلمة الأساسية في قولة بارمنيدس، أي «الهو»، ستظل غامضة. ولندع لها غموضها، لكن نطالب في الوقت نفسه بعلامة أو إشارة من الجملة التي توجد هذه الكلمة في مستهلها. في غضون ذلك حددنا معنى هوية الفكر والكينونة كانتماء متبادل لكليهما، هذا سابق لأوانه، لكن لا محيد عنه. وعلينا الآن أن نخلّص هذا التعريف من طابعه الاستعجالي، وسنتمكن من ذلك إذا ما تجنّبنا اعتبار الانتماء المتبادل الذي كنا بشأنه تأويلً نهائيًا فاصلً بصدد هوية الفكر والكينونة. إذا فهمنا الانتماء المتبادل اتّباعًا لعاداتنا في التفكير – كما يوحي بذلك أصلً تشديد الكلمة الألمانية – آنذاك فقط سيتحدد معنى الانتماء انطلاقًا من التبادل، أي انطلاقًا من تلك الوحدة التي يتضمنها. وفي
هذه الحالة يصبح «الانتماء» مرادفًا ل: الخضوع لنظام مجموع ما والتموضع ضمن هذا النظام، بل والاندماج ضمن وحدة تنوع، كما التجمع ضمن وحدة نسق والاستئثار بوساطة مركز موحّد لتركيب صارم. هكذا تقدّم الفلسفة هذا الانتماء المتبادل كرابط ضروري يربط حدًّا بآخر. غير أن الانتماء المتبادل يمكن التفكير فيه أيضًا كانتماء متبادل، حيث يتم الانط ق من الانتماء لتحديد علاقة التبادل. ولا شك في أنه يجب أن نسأل الآن ماذا يعني «الانتماء»؟ وكيف أن علاقة التبادل تتحدد انطلاقًا منه فقط؟ الجواب عن هذين السؤالين قريب منا أكثر ممّا نعتقد، لكنه مع ذلك ليس في حوزتنا. ويكفينا أن نتوقع، بفضل هذا المؤشر، إمكان فهم علاقة التبادل انطلاقًا من الانتماء بدل أن نتمثل الانتماء انطلاقًا من وحدة علاقة التبادل فقط، يجب إثارة الانتباه إلى هذه الإمكانية. أليس هذا أكثر من تلاعب بكلمات مجانية، تلاعب مصطنع لا يستند إلى أي معطى قابل للتحقق؟ لا شك، ذلك هو الظاهر على الأقل، ولم نره عن قرب منذ زمن بعيد، كما لم نترك الأشياء تتحدث عن نفسها. إن التفكير في الانتماء المتبادل كانتماء متبادل، يعني الانقياد وراء التأمل في أشياء سبق أن تحدثنا عنها. والحقيقة أنه يصعب الاحتفاظ بشأن هذه الأشياء تحت نظرنا، وذلك بفعل بساطتها. لكنها ستصبح أقرب إلينا إذا لاحظنا أن بتأويلنا الانتماء المتبادل على أنه كذلك، نكون أصلً قد فكّرنا وفقًا لإشارة بارمنيدس بشأن الفكر، كما بشأن الكينونة، أي في ما يحرّر أحدها صوب الآخر ضمن «الهو». إذا اعتبرنا الفكر خاصية مميزة للإنسان، نكون بذلك قد عرّجنا على الانتماء المتبادل الخاص بالإنسان والكينونة، وحينذاك سنجد أنفسنا محاصرين بأسئلة: ماذا تعني الكينونة؟ من هو الإنسان؟ أو: ما هو؟ إنه من السهل جدًا إدراك عدم توافر جواب كاف عن هذه الأسئلة؛ ذلك أنه تنقصنا الأرضية التي يمكن من خلالها إرساء يقين متعلق بالانتماء المتبادل بين الإنسان والكينونة. لكن متى تساءلنا أيضًا بهذه الطريقة، نكون مصرين على تمثّل التبادل؛ تمثّل علاقة الإنسان بالكينونة كترابط، ونعمل على تشكيل هذا الترابط وتفسيره بالانطلاق إمّا من الإنسان وإمّا من الكينونة. إن التصورات القديمة عن الإنسان والكينونة توفر سند ارتباط أحدهما بالآخر. لكن بدل أن نصرّ على تمثّل ترابط الإنسان والكينونة كمصدر لوحدتهما، لماذا لا ننتبه، ولو مرّة واحدة، لهذا الأمر: ألا يكون في ترابطهما خطر على انتمائهما، وكيف ذلك؟ حسنًا يمكن أن يكون هذا الانتماء المتبادل بين الإنسان والكينونة قد لوحظ، وإن من بعيد، فقط ضمن التعريفات التقليدية لماهيتيهما. كيف ذلك؟ واضح أن الإنسان كائن، ومن حيث إنه كذلك موجود على نحو وجود الحجرة والشجرة والنسر. إن له مكانًا ضمن الكينونة كلها. تعني عبارة «له مكانًا» هنا أنه مدمج ضمن نظام الكينونة، والحال أن الخاصية المميزة للإنسان هو أنه بتفرده ككائن مفكر منفتح على الكينونة وماثل أمامها، دائم الارتباط
بها، وبذلك فهو في ت ؤاام معها. إن الإنسان هو أساس هذه الملاءمة، ولا شيء غير هذا. إن هذه الكلمات: «لا شيء غير هذا»، لا تعني إنقاصًا ما أو اختزالً ما، بل إنها إع ءاا للشأن، فما يهيمن في الإنسان هو انتماؤه إلى الكينونة على نحو ما، وهذا الانتماء في استماع دائم إلى الكينونة لأنه مستملِك لها. وما هو الشأن بالنسبة إلى الكينونة؟ نفكر في الكينونة بمعناها الأصيل كحضور؛ الكينونة حاضرة أمام الإنسان بطريقة ليست لاظرفية ولا استثنائية. لا توجد الكينونة ولا تظل إلّ متحدثة إلى الإنسان، وبذلك متجهة نحوه، لأن الإنسان بانفتاحه على الكينونة يترك هذه الأخيرة تتجه نحوه كحضور. مثل هذا الاقتراب والحضور يحتاجان إلى مجال حر، مجال واضح. بذلك، ومن خلال هذه الحاجة نفسها، تظل الكينونة مستملكة من قِبل كينونة الإنسان، الأمر الذي لا يعني أبدًا أن الكينونة يضعها الإنسان، والإنسان فقط. على العكس، إننا نرى بوضوح أن الإنسان والكينونة أحدهما يتملّك الآخر، أحدهما ينتمي إلى الآخر. لكن لم تجر قط معالجة هذا الانتماء المتبادل عن قرب، مع أن الإنسان والكينونة يتخذان من خلاله أساسًا المحددات الأساسية التي من خلالها تأوّلهما الفلسفة بطريقة ميتافزيقية. هذا الانتماء المتبادل الذي يهيمن على الإنسان والكينونة تجاهلناه بحدّة مند زمن بعيد، منذ أن أصبحنا نتمثّل كل شيء بمعية الجدل أو من دونه، فقط من خلال ملامح النظام والتوسط. هكذا، فإننا لا نكتشف شيئًا آخر غير العلاقات التي شكلت، انطلاقًا من الكينونة أو من الإنسان، علاقات تُظهر الانتماء المتبادل للإنسان والكينونة كملتقى علاقات. إننا لم نصل بعدُ إلى الانتماء المتبادل، لكن كيف يمكننا ذلك؟ بالتخلي عن عادة الفكر التمثلي، وهذا التخلي هو قفزة تجعلنا نقطع مع التمثّل المعتاد بشأن الإنسان باعتباره حيوانًا عاقلً، ذلك الذي أصبح خ لاا الأزمنة الحديثة ذاتًا لموضوعاته. لكن هذه القفزة تبعدنا عن الكينونة في الوقت نفسه. والحال أن الكينونة أوّلت منذ فجر الفكر الغربي كعمق، حيث يتأسس كل موجود من حيث إنه كذلك. تجعلنا هذه القفزة نغادر العمق، لكن أين تجعلنا نسقط، هل في الهاوية؟ نعم بالتأكيد، متى صممنا على تمثل هذه القفزة على أنها ما نقوم به في أفق الفكر الميتافيزيقي. لكن إذا وُفّقنا في القفز واستأنفنا المسير، نذهب إلى أين؟ إلى حيث نحن مقبولون أصً: الانتماء إلى الكينونة، لكن الكينونة أيضًا هي في حالة انتماء إلينا: فقط لأنه يمكنها وهي بالقرب منا أن تتحقق ككينونة، أي ككينونة حاضرة. هذه القفزة إذن أمر ضروري لفهم الانتماء المتبادل بين الإنسان والكينونة، فهمه كما هو. مثل هذه القفزة هي استعجال فضّ بهدف الانطواء، هذا الذي يعطي منفذًا لهذا الانتماء نفسه من دون أي وسيط؛ هذا الذي يمكّننا أولً من فهم العلاقة المشتركة بين الإنسان والكينونة، ويسمح بجعل اجتماعهما أمرًا
منظورًا. القفزة وصول مباغت إلى المجال الذي كان الإنسان والكينونة على الدوام قد بلغ أحدهما ماهية الآخر انطلاقًا منه. هكذا، يتملّك أحدهما الآخر بفضل أعطية وحيدة مشتركة. إن الولوج إلى مجال هذا التملك هو الذي أضفى منذ البداية نبرة خاصة على تجربة الفكر وطبَعها بمحدداته. إن قفزة غريبة كفيلة بأن تكشف لنا أننا حتى الآن لم نبلغ هناك بما يكفي، حيث نحن بحق. وأين نحن؟ ضمن أي اجتماع بين الكينونة والإنسان؟
لقد ولّى الزمن الذي كانت فيه الشروحات المفصلة ضرورية؛ إذ تمكّن من إدراك الاجتماع الذي ضمنه ينحو الإنسان والكينونة أحدهما نحو الآخر. لم يعد الأمر كذلك اليوم، كما يبدو على الأقل. ونود الاعتقاد أنه يكفي الكلام على العصر الذرّي كي نشعر كيف تحضرنا الكينونة اليوم ضمن العالم التقني. لكن هل يصح لنا أن نطابق الكينونة بالعالم التقني؟ صراحة لا، حتى لو تمثّلنا العالم كما لو أنه ذلك الكلّ الذي تتجمع فيه الطاقات الذرية والحسابات وخطط الإنسان والتطبيع الآلي. لماذا الكشف عن عالم التقنية، مهما يكن دقيقًا ومفصَّلً، لا يفتح أي منفذ على اجتماع الإنسان والكينونة؟ لأن أي تحليل للوضعية يظل بمعزل عن الهدف، بحيث إنه منذ البداية يفسر هذا التحليل كليّة عالم التقنية انطلاقًا من الإنسان، وانطلاقًا من أن هذا العالم هو من صنع الإنسان. إن التقنية بمعناها الواسع، وفي مختلف تجلياتها، مخطط من وضع الإنسان، لكنها في آخر المطاف تجبره على الحسم في ما إذا أراد أن يصبح عبدًا للمخططات أو يظل سيدًا يحكمها. هكذا، وفي إطار هذا التصور لكلية التقنية، ليس هناك شيء لا يقاس بمقياس الإنسان، وسيستفحل الأمر إن بلغنا المطالبة بأخلاق مناسبة لعالم التقنية. إنه بالانغلاق ضمن هذا التصور يتأكد رأي أن التقنية ليست شيئًا أكثر من أنها أمر إنساني. لكن الآذان صمّاء تجاه نداء الكينونة الذي يتحدث إلينا ضمن ماهية التقنية. لننتهِإذن من تصور التقنية بشكل تقني تمامًا، أي انطلاقًا من الإنسان وآلاته، ولْنستمع إلى النداء الذي ينضوي فيه في عصرنا هذا ليس الإنسان فقط بل أيضًا كل ما هو موجود، الطبيعة والتاريخ. عن أي نداء نريد أن نتحدث؟ إن وجودنا مستلَب ومستعجل؛ منهمك ومجبر في مختلف المجالات، وهو مجبر من خلال جميع هذه الآليات على توجيه جهده تجاه التخطيط والحساب الكوني. من يتحدث إلينا من خلال هذا الإجبار؟ هل يصدر عن محض نزوة للإنسان، أم أن الموجود نفسه يتقدم متحدثًا إلينا عن استعداده الخضوع للمخطط والحساب؟ في هذه الحالة، ألن يطاول الإجبار الكينونة نفسها بهدف جعل الموجود يظهر في أفق النزعة الحسابية؟ بالضبط. ليست الكينونة فقط، الإنسان
أيضًا، حيث إنه أمر بوضع الموجود الذي يتحدث إليه موضع اليقين باعتباره الأساس الذي يحمل عليه خططه وحساباته، بل أُجبر على توسيع هذه السيطرة المنظمة بلا توقف. الاستفسار Das Gestell) (، ذلك هو الاسم الذي اقترحناه للدلالة على الصيغة المختصرة للإرغام الذي يجعل الإنسان والكينونة أحدهما في علاقة بالآخر، بحيث إن أحدهما يسائل الآخر. يصدم المرء من هذا الاستخدام لكلمة Gestell ، لكن إذا اخترنا بدل فعل «أقام » stellen) (فعل «وضع» setzen) (، فمن الطبيعي أن نجد أنفسنا بصدد استخدام كلمة Ge-setz بمعنى «قانون». لماذا إذن يرفض «استفسارنا» إذا ما كان يعرض مرة واحدة الوضع الراهن كما هو؟ إن ما يتحدث إلينا ضمن عبارة «الاستفسار» هو ما يتوجه الإنسان والكينونة من خلاله وانطلاقًا منه أحدهما نحو الآخر ضمن عالم التقنية؛ فخلال هذه المساءلة المتبادلة بين الإنسان والكينونة، نصغي إلى النداء الذي يصبغ شكله على اجتماعهما في عصرنا هذا. إن «الاستفسار» حيثما كان يخصنا بشكل مباشر؛ إذ له كينونة، إن صح التعبير، أعظم من الطاقات الذرية وآلات العالم؛ كينونة أعظم من القوة الضاغطة للتنظيم والإع ماا والتطبيع الآلي. وما تعنيه كلمة «استفسار» لن نصادفه بتاتًا ضمن أفق الفكر التمثّلي الذي يجعلنا نتصور كينونة الموجود كحضور – بينما لا يثيرنا «الاستفسار» أبدًا كشيء حاضر. لذلك، يجري تحسّس «الاستفسار» أساسًا كشيء غريب. وإذا ما ظل كذلك، فليس لأنه منتهى التفكير، بل فقط ما يتيح لنا المنفذ الأول نحو ما يهيمن ويحكم اجتماع الإنسان والكينونة. إن الانتماء المتبادل بين الإنسان والكينونة في صيغته كإرغام متبادل، يقود نحو ملاحظة مقلقة: إننا نرى بسهولة كيف أن الإنسان في ما يخصه يتبع الكينونة، في حين أن الكينونة، وبصدد ما يعنيها، تعرّج على ماهية الإنسان. هكذا يهيمن في «الاستفسار» لقاء غريب بين التبعية من جهة والحذر من جهة أخرى. وبالنسبة إلينا، يتعلق الأمر بإدراك هذا «التملّك» في بساطته التي من خلالها «يتملّك» الإنسان والكينونة أحدهما الآخر، أي إن الأمر يتعلق ببلوغ ما نسمّيه التملك المتبادل (الحدث). إن كلمة «حدث» عبارة من عبارات اللغة الألمانية الحديثة، وفعل «حدث» اشتُق من فعل «حذق» الذي يعني: عاين وأدرك وتملك. إن كلمة «حدث» مفهومة انطلاقًا ممّا تكشف لنا عنه، يلزمها الآن أن تتحدث إلينا ككلمة أساسية في خدمة الفكر، ومن حيث إنها كذلك فهي غير قابلة للترجمة مثل كلمة «لوغوس» الإغريقية وكلمة «طاوو» الصينية. لا يعني «الحدث» أبدًا حادثة ما، ولا يعني أن شيئًا وقع. فما تعنيه الكلمة لا يظهر إلّ في صيغة المفرد، في صيغة عدد الآحاد، بل ليست حتى في صيغة عدد، الأحرى أن ما تعنيه يتجلى على نحو فريد. إن الشيء الذي يجعل العالمُ التقني ما نتوقعه من «الاستفسار» مفهومًا كاجتماع بين الإنسان والكينونة، هو المدخل لما نعنيه بالتملك المتبادل. وعلى كلّ، فإن هذا التملّك المتبادل لا يتوقف
ضرورة عند حدود مدخله، لأن ضمنه فقط تنكشف إمكانية تجاوزه للسيطرة المحض ل «الاستفسار » بهدف الوصول إلى تملّك متبادل أكثر أصالة. إن فعل تجاوز «الاستفسار» على هذا النحو بفضل التملّك المتبادل وبهدف العودة إلى هذا الأخير، إن هذا الفعل، سيكون حدثًا؛ إذ بالنظر إلى شدة ارتباطه بالتملك المتبادل، لا يمكنه أن يكون من فعل الإنسان وحده: سيتحول العالم التقني من وضعية سيّد إلى وضعية عبد، وذلك خلال المسار الذي على الإنسان أن يجتازه كي يجد منفذًا أكثر أصالة نحو التملّك المتبادل. إلى أين قادنا الطريق الذي سلكناه؟ لقد بلغنا هذا الشيء البسيط الذي نسمّيه التملك المتبادل بمعناه الدقيق. يبدو أننا نخاطر: مخاطرة توجيه فكرنا بكثير من اللامبالاة نحو ما هو شمولي وبعيد المنال، في حين أن ما يقال لنا مباشرة ضمن كلمة التملك المتبادل، أو بالأحرى ضمن ما تحاول أن تدل عليه وتعنيه، هو وحده الأقرب إلينا من بين كل ما هو قريب منا، وهو حيث نوجد أصلً؛ إذ ما الذي بإمكانه أن يكون أقرب إلينا غير ذلك الذي يقربّنا ممن ننتمي إليه، وحيث لنا فيه مكان؟ ما يقرّبنا طبعًا هو التملك المتبادل، الذي هو مجال لنبضات داخلية؛ فعبره يبلغ الإنسان والكينونة أحدهما ماهية الآخر، ويستعيدان كينونتيهما، هذا في الوقت الذي يفقدان فيه المحددات التي أعطتهما الميتافيزيقا إياها. إن التفكير في انبثاق الكينونة الخاصة كتملك متبادل هو عمل من أجل بناء هذا المجال في ذاته كمجال حي نابض. وأدوات هذا البناء، التي لا تستند إلّ إلى ذاتها، يتلقاها الفكر عبر اللغة، لأن اللغة، وفي غضون هذا البناء الداخلي للتملك، هي النبض الأكثر رهافة وهشاشة لكنه أيضًا النبض الذي يعمل على حفظ كل شيء؛ فبقدر ما تكون كينونتنا الخاصة متوقفة على اللغة تكون إقامتنا ضمن التملك المتبادل.
لقد بلغنا الآن محطة يعترضنا فيها سؤال غير ذي أهمية، لكن لا محيد عنه، وهو: ما شأن التملك المتبادل بالهوية؟ الجواب: لا شيء. ومع ذلك، للهوية شأن كبير، إن لم نقل كل شيء مع التملك المتبادل، كيف ذلك؟ للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي العودة خطوات على الطريق الذي قطعناه. إن التملك المتبادل هو الارتباط الأساسي بين الإنسان والكينونة موحدين بفعل انتماء مشترك لكينونتيهما الخاصة. وضمن «الاستفسار» ندرك أول وميض مؤكد ل نااتماء المتبادل. يشكل الاستفسار ماهية العالم التقني المعاصر، إذ نفترض أن ضمنه يقوم انتماء متبادل بين الإنسان والكينونة حيث «حرية الانتماء» تحدد منذ البداية صيغة التبادل ونمط وحدته. ومن أجل أن نقود أنفسنا نحو تملك متبادل تكون فيه الغلبة للتملك على التبادل، اخترنا قاعدة بارمنيدس كموجّه:
«الحقيقة أن الهو هو الكينونة كما أنه الفكر». إن السؤال عمن يكون «الهو» سؤال عن ماهية الهوية. وتفيدنا الميتافيزيقا بأن الهوية خاصية أساسية للكينونة. الظاهر إذن أن للكينونة كما للفكر مكانًا ضمن الهوية، حيث الماهية تتولد عن «حرية الانتماء» التي نسمّيها التملك المتبادل. هكذا تنتمي ماهية الهوية أساسًا إلى التملك المتبادل. نفترض أن ضمن محاولتنا شيئًا قابلً لأن يُحتفظ به، وذلك بهدف توجيه الفكر نحو مكان الأصل الأساسي للهوية: ماذا سيصبح آنذاك عنوان محاضرتنا؟ ألن يتغير مسار عنوان مبدأ الهوية؟ يقدم هذا المبدأ نفسه في صيغة قضية أساسية؛ تلك القضية التي تفترض أن الهوية خاصية للكينونة، أي خاصية لأساس الموجود. هكذا، فيما نحن نتابع طريقنا، فإن هذا المبدأ، الذي هو بمعنى الإفصاح عن شيء ما، أصبح بالنسبة إلينا بمعنى القفزة: قفزة تنطلق من الكينونة باعتبارها أساسًا للموجود نحو الهاوية، نحو اللاأساس. مع ذلك، ليست هذه الهاوية عدمًا فارغًا، وليست، على الأرجح، غموضًا مبهمًا، بل هي التملّك المتبادل نفسه، يجري ضمنه وفي خضمّ نبضه الإحساس بماهية ما يتحدث إلينا كلغة، مثل هذه اللغة سمّيناها في يوم ما «مقر الكينونة». إن كلمتي «مبدأ الهوية» تعنيان الآن قفزة اقتضتها ماهية الهوية لأنها ضرورية لها، هذا إذا كان من الواجب أن يبلغ الانتماء المتبادل بين الإنسان والكينونة إلى حيث النور الأساسي للتملّك المتبادل. نتابع طريقنا: في اللحظة التي ننتقل فيها من هذا المبدأ كإثبات يخص الهوية إلى المبدأ كقفزة نحو الأصل الأساسي للهوية، يتعرض الفكر أيضًا للتحول. لذلك، وبالنظر صوب الزمن الحاضر لكن بمعزل عن وضعية الإنسان، أدرك الفكر اجتماع الكينونة والإنسان انطلاقًا ممّا يملّك أحدهما للآخر، أي انطلاقًا من التملك المتبادل. أليس من الممكن أن يقوم الاستفسار – هذا الإرغام المتبادل بين الإنسان والكينونة – بتسليم نفسه إلى حساب ما هو قابل للحساب؟ أليس من الممكن إذن أن يصل إلينا كما لو أنه التملك المتبادل، وكما لو أنه يمتلك الإنسان والكينونة بامتياز، بهدف توجيههما نحو ما يخصّهما بشكل خاص؟ إنه في الحالة التي تتاح لنا فيها هذه الإمكانية، سيمتثل الإنسان لطريق يقوده نحو فهم الموجود بصيغة أكثر أصالة؛ فهْم كلية عالم التقنية المعاصر، الطبيعة والتاريخ، وقبل كل شيء فهْم كينونتها جميعًا. إن تأم ت العصر الذري لا تهدف عادة، مهما يكن وعيها بمسؤولياتها، إلّ إلى التقدم في الاستعمال السلمي للطاقة الذرية، لكنها في الوقت نفسه تبحث هنا، وهنا فقط، عن الإحساس المطمئن بأنها بلغت هدفها: متى استقر الأمر على هذه الحالة ظل الفكر في منتصف الطريق،
وبفعل هذه النتيجة المنقوصة، يشهد العالم التقني تقوية هيمنته «الميتافيزيقية»، وآنذاك فقط تكون هذه الأخيرة قوية حقًا. لكن أين يتقرر أن الطبيعة من حيث هي كذلك يجب أن تظل، ولكل العصور المقبلة، طبيعة الفيزياء المعاصرة، وأن التاريخ لا يمكنه أن ينكشف إلّ كموضوع «للتأريخ»؟ حقًا، ليس من المسموح لنا لا بإلقاء عالم اليوم التقني كما لو أنه من عمل شيطان، ولا بتهديمه، هذا مع افتراض أنه لن يتولى ذلك بنفسه. لا يمكننا إذن الأخذ بالرأي القائل إن العالم التقني هو كذلك، بحيث لا يمكننا أبدًا أن نغادره من خلال قفزة. إن هذا الرأي يعتمد واقع الفعل باعتباره الحقيقة الواحدة الوحيدة، أي إنه مستلب بما هو «راهن». إن رأيًا مثل هذا هو في الحقيقة رأي خرافي، لكن ما ليس كذلك هو فكر يفكر نحو الأمام، ويصغي إلى الكلام الذي يقبل إلينا، إنه رسالة تبلغنا إياها ماهية هوية الإنسان والكينونة. كان يلزم الفكر أكثر من ألفي سنة كي يستخلص علاقة بمثل بساطة التوسط الداخلي للهوية وكي يفهمها. هل في إمكاننا الآن افتراض أن فكرنا سينجز يومًا ما العودة إلى الأصل الأساسي للهوية؟ بالتأكيد، لأن هذه العودة تقتضي قفزة هي في حاجة إلى وقت، أي إلى زمن الفكر الذي ليس هو زمن الحساب الذي يستقطب اليوم فكرنا من الجهات كلها؛ ففي أيامنا هاته تقوم آلة التفكير بحساب آلاف العلاقات في ثانية واحدة، لكن على الرغم من صلاحيتها التقنية، فإنها مفرغة الجوهر. مهما كان ذلك الذي حاولنا التفكير فيه، ومهما كانت الطريقة التي تناولناه بها، فإننا نفكر في فضاء التراث؛ التراث الذي يوجهنا عندما يحررنا من الفكر الاتباعي كي يعلّمنا التفكير في ما هو أمامنا، الأمر الذي لا يعني تسطير مخططات. وحين يلتفت تأملنا إلى ما تم التفكير فيه، آنذاك فقط نكون في خدمة ما تبقى للتفكير.
مرجع إضافي