العودة إلى تفاصيل المؤلَّف رسالة لسان الدين بن الخطيب في السياسة السلطانية

رسالة لسان الدين بن الخطيب في السياسة السلطانية

Lisan ad-Din ibn al-Khatib’s Epistle on Politics and Authority

إبراهيم القادري بوتشيش

Brahim Boutchich

الملخّص

من الكتب الجديدة التي عزّزت رفوف الخزانة التاريخية العربية كتاب السياسة السلطانية عند لسان الدين بن الخطيب من خال رسالته في أحوال خَدَمة الدولة ومصائرهم الذي قسمه الباحثان محمد البركة وسعيد بنحمادة إلى قسمين كبيرين: يتناول القسم الأول تجربة ابن الخطيب السياسية بين التنشئة والممارسة ضمن أربعة فصول، بينما يتصدى القسم الثاني لدراسة موضوع السياسة السلطانية عند لسان الدين بن الخطيب من خال رسالتين منسوبتين إليه. وقد عالجهما المؤلفان في فصلين مستقلين، وذيّلا الكتاب بملاحق وقائمة بالمراجع والمصادر وفهرست للموضوعات.

Abstract

Among the new books that have strengthened the shelves of the Arab historical library is Politics and authority for Lisan ad-Din ibn al-Khatib through his epistle 'On the State and Fate of Servants of the State .' Authors Mohamed al-Baraka and Said Benhamada divide the book into two major parts. The first deals with the political experience of Ibn al-Khatib between education and practice in four chapters. The second addresses the study of the subject of politics and authority for Lisan ad-Din Ibn al-Khatib as found in two epistles attributed to him, which the authors deal with in two independent chapters. The book has a number of appendixes, a bibliography, list of sources, and a subject index.

الكلمات المفتاحية:
  • السياسة السلطانية
  • الدولة
  • المغرب
  • الأندلس
Keywords:
  • State
  • Morocco
  • Al-Andalus
  • Authority
  • Politics

من الكتب الجديدة التي عزّزت رفوف الخزانة التاريخية العربية كتاب السياسة السلطانية عند لسان الدين بن الخطيب من خ لاا رسالته في أحوال خدَمة الدولة ومصائرهم ** الذي قسمه الباحثان محمد البركة وسعيد بنحمادة إلى قسمين كبيرين: يتناول القسم الأولتجربة ابن الخطيب السياسية بين التنشئة والممارسة ضمن أربعة فصول، بينما يتصدى القسم الثانيلدراسة موضوع السياسة السلطانية عند لسان الدين بن الخطيب من خ لاا رسالتين منسوبتين إليه. وقد عالجهما المؤلفان في فصلين مستقلين، وذيلّا الكتاب بملاحق وقائمة بالمراجع والمصادر وفهرست للموضوعات.

الإشكالية المركزية في الكتاب وفرضيات النظر

ينطلق الكتاب من إشكالية مركزية مفادها أن القرن الثامن الهجري (الرابع عشر المي دااي) يمثّل قرن النضج والازدهار بالنسبة إلى تاريخ المغرب والأندلس، وهو ما انعكس في بروز نخبة من كبار الكتّاب ورجال السياسة وخدَمة الملوك والدول الذين أسسوا لثقافة ما يُعرف في لغة لسان الدين بن الخطيب ب «السياسة السلطانية» (المقدمة، ص 7). وقد تمخض عن هذا الجنس الثقافي منتوج غزير في مجال فقه السياسة، وتأملات عميقة في مصائر خدمة الدولة، تمّيز فيها ابن الخطيب من سائر كتّاب الآداب السلطانية برسم الخطوط الأولية لنظام القول في خدمة السلطان ومصيرهم. فإذا كان مؤلفو الآداب السلطانية قد عالجوا المؤسسات الدينية والدنيوية، وتفنّنوا في كتابة متن متميز يمحض النصائح للسلطان ويبرّر استبداده، فإن ابن الخطيب تفرّد بقراءة استباقية في عواقب خدمة السلطان وحاشيته. وقد تأسس منتوجه الجديد من خلال التجربة والمعايشة والممارسة السياسية، ومن القراءة المستلهمة للتاريخ، بعيدًا عن التنظير الذي غرقت في أوحاله كتب الآداب السلطانية السابقة؛ فابن الخطيب لم يكن كاتبًا يحلّق عاليًا في سماء «الدولة الفاضلة»، أو يعرج في متاهات الطوباويات، بل كان مفكرًا ميدانيًا كتب انطلاقًا من محكمة الواقع، ومن وعاء خبرته وممارسته في الاشتغال مع

الملوك، ومن عيشه متنقلً بين البلاطات، وممارسًا المناصب والوظائف السامية المختلفة. لذلك، فإن إنتاجه ككاتب سلطاني وخادم للدولة، يحمل قدرًا كبيرًا من الفكر التأملي المستنبَت من تربة الواقع، ويؤسس لفقه سياسي سلطاني ذي منظور بعدي – استشرافي. ولا شك في أن تشرّبه بالتجربة السياسية الوعي التاريخي جعله يعالج بعمق إشكالية مستقبل علاقة الكاتب بالسلطان، وكيفية تأثير السياسة في لحم العلاقة بين الطرفين، أو إحداث الشرخ بينهما. في سياق رصد هذه القاعدة العلائقية بين السلطان وخدَمته وكتّابه، استند المؤلفان إلى رسالتين ألّفهما ابن الخطيب، اعتمادًا على حصيلة تجربته وعلى تراكمات الواقع السياسي. ومع أن الرسالتين وردتا في بعض المتون التراثية المنشورة ك نفح الطيبللمقري وريحانة الكتاب ونفاضة الجراب لابن الخطيب، فإن الباحثين أعادا النظر فيهما من خلال المراجعة والتحقيق، اعتمادًا على مخطوط الخزانة الوطنية بالرباط تحت رقم 792 د. وقد وردت الرسالة الأولى في هذا المخطوط ابتداء من الورقة 76 أ إلى الورقة 83 ب، بينما جاءت الثانية بين الورقات 38 ب 4 – 5 أ. وتمكّن الباحثان، استنادًا إلى المادة المخطوطة واعتمادًا على منهج المقارنة والمقابلة، من تدقيق المصطلحات وتصحيح بعضها وملء البياضات، وهو ما يشكّل في تصورنا لمسة علمية تحقيقية يحتاج إليها المجال الوثائقي التاريخي. تكمن أهمية الرسالة الأولى في إبراز عمق تجربة ابن الخطيب السياسية وتمرّسه في إدارة دواليب الدولة. لذلك، جاءت هذه الرسالة بمثابة عصارة للسياسة السلطانية التي اشتغل وفق أجندتها، وخلاصة لفلسفته السياسة التي استقاها من التجارب والنماذج التي كان شاهد عيان على بعضها، أو قرأها قراءة تاريخية واعية استشف من خلالها مآل خدَمة الدولة، وما يحاك ضدهم من دسائس وطعنات من الخلف. كما تمكّن من تحليل جلّ المعطيات المتوافرة في عالم السياسة انطلاقًا ممّا راكمه من خبرة، بعيدًا عن التحليقات النظرية الفضفاضة. لذلك، اعتبر المؤلفان أن ابن الخطيب استطاع أن يرقى برسالتيه إلى «معاني علم السياسة، متجاوزًا مظاهر السياسة، فهو أول من حاول أن يصرّح بما يلزم لخدمة الدولة من أسرار السياسة» (ص 9). بل ذهبا – في سياق المقارنة – إلى حد القول إن الرسالتين تقدمان أيضًا سيناريوهات مماثلة لما يشهده الزمن الراهن من تقلّبات وتحولّات في مصائر رجال السياسة وخدَمة السلطان الذين عصفت بهم الأحداث بسبب المكائد، فوقعوا في فخ النكبات، بعد أن تسنّموا أرقى المناصب، وذاقوا عسل المجد والسلطة. ينبّه المؤلفان إلى أن الرسالة الثانية التي قاما بتحقيقها أيضًا، والمعنونة ب «في غرض السياسة»، تُعتبر مكمِّلة للرسالة الأولى رغم انتمائها إلى المجال السياسي العباسي، لأن إيرادها من جانب ابن الخطيب ليس لكونها أمرًا عارضًا، بل لكونها تدعّم استراتيجية تخريجاته التي أوردها في الرسالة الأولى بشأن مصير خدمة الدولة، وبالتالي فإنها تفسّر منظوره للسياسة السلطانية، بما تتضمنه من عبر ووصايا تزيد في تخصيب رؤيته السياسية وتقوي مستنداته.

في مضمون الكتاب وخطوطه الكبرى

بعد المقدمة التي طُرحت فيها الإشكالية الجوهرية وفرضيات النظر إليها، وجرى توضيح منهج المعالجة، تصدى المؤلِّفان في الفصل الأولمن الكتاب لدراسة ما يمكن أن نسمّيه «كرونولوجيا

العمر السياسي» للسان الدين بن الخطيب، وذلك من خ لاا تناولهما تنشئته السياسية، وأهم المحطات التي وسمت حياته. وهو أمر اعتبراه وقفة ضرورية لفهم فقه السياسة السلطانية لدى لسان الدين، لأنها تمثّل كشفًا عن رحلته الطويلة في تسلّق مدارج السالكين إلى الرئاسة والوزارة والدولة. وقد اعتمدا في رصد هذه التنشئة على بيوغرافية ابن الخطيب من خلال جمع الشذرات التي دوّنها عن حياته في مختلف المتون، خاصة في «الإحاطة» التي جاءت نصًّا فريدًا أنتجه في آخر عمره، بعد أفول نجم وظائفه السياسية، واكتمال وعاء تجربته، وتدبّره واقع المآلات السياسية لخدام الدولة والسلطان. قسّم الباحثان تنشئة ابن الخطيب إلى خمس مراحل، أُولاها المرحلة الموقّعة على شهادة ميلاده في مدينة غرناطة الأندلسية، والتي تزامنت مع ظروف سياسية متسارعة مشحونة بوقع تبدُّل السلاطين وصراعاتهم. ولا شك في أن استقرار ابن الخطيب في غرناطة في حداثة سنّه، وارتقاءه في ديوان الإنشاء إلى حين وفاة والده، والاستفادة من ميراث رأس ماله السياسي، كل ذلك جعله يتعلق بالأفق السلطاني، ويصقل تجربته ومهارته السياسية منذ صباه. كما أن عبقرية المكان، الذي هو غرناطة، جعلته يرتشف من حياض معرفة جمهرة العلماء الذين كانوا يفدون إليها من كل حدب وصوب (ص. 71)، وهو ما زاد من تسريع إيقاع اتجاهه نحو عالم السياسة. وكانت المرحلة الثانية في رحلة عمره، والتي امتدت من سنة 749 إلى سنة 760 ه، مرحلة ولوجه خبايا السياسة السلطانية التي بدأت مع وفاة أستاذه ابن الجياب، وتسلُّمه مهماته في رئاسة الكتاب وديوان الإنشاء قبل أن يتربّع على عرش الوزارة، ويثبّت قدميه في بلاط السلطان خلال عهد الغني بالله. غير أن هذه الحظوة لم تدم بسبب تغلّب إسماعيل بن يوسف على أخيه الغني بالله، واعتقال ابن الخطيب بتحريض من خصومه (ص. 2).0 ثم أتت بعد ذلك المرحلة الثالثة 760 (763 – ه) التي بدأت بإطلاق سراح ابن الخطيب، والتحاقه ببلاط السلطان المريني أبي سالم. وهناك عاش ردحًا من الزمن يتطلع إلى تجربة سياسية أخرى خبر فيها أحوال الدول وخدمة الملوك وأخلاق السلاطين، وهو ما أهّله لتوسيع دائرة تجربته. وإذا كانت هذه المرحلة قد استتبعت بخلوته السياسية في مدينة سلا، فإنها كانت أيضًا فرصة اهتبلها للمزيد من التفكر والتدبر في أحوال السياسة السلطانية. وبدأت المرحلة الرابعة 763(772 – ه) بعودة ابنالخطيب إلى غرناطة بعد نجاح الغني بالله في استرداد ملكه، الأمر الذي سمح له باسترجاع حظوته السابقة التي لم يكدّر صفوها سوى بعض المنافسين له في البلاط، وعلى رأسهم القائد العسكري المعروف ب «شيخ الغزاة» ثم ابنخلدون الذي برز كذلك كمنافس صاعد. ورغم أن ابنالخطيب انتصر على منافسيه في البداية، نجح هؤلاء في إيغار صدر السلطان عليه، وهو ما جعله يضيق ذرعًا، فبدأ اتصالات سرّية بهدف العودة إلى البلاط المريني في فاس من جديد، لتبدأ المرحلة الخامسة من عمره السياسي 772 (– 776 ه). بيد أن هذه المرحلة الأخيرة لم تكن رحيمة به، إذ انتهت – بعد تدخّل الخصوم والمناوئين – إلى اتهامه بالزندقة والمطالبة بإعدامه. في الفصل الثاني المعنون ب «نظم وقواعد الدولة»، يعالج المؤلفان القول في نظم الدولة ومبادئ السياسة السلطانية عند ابن الخطيب من خلال مؤلفاته، التي أبانت عن وعي ثاقب بقواعد السياسة

والخيوط الناظمة لها، خاصة خطة الوزارة التي تأتي كثاني مؤسسة بعد المؤسسة السلطانية. ويُفهَم من خلال كتابات ابن الخطيب أنه سيّجها بترسانة من الشروط التي استمد بعضها من كتّاب الآداب السلطانية الذين سبقوه، وهي الشروط التي غالبًا ما كانت تقود الوزراء إلى الاستبداد والتطلع نحو الهيمنة على سلطة الدولة، لتبدأ بعد ذلك عملية التخلص منهم عن طريق العزل أو الاستبدال أو النكبة والاغتيال (ص. 29).30 – شكّلت قراءة ابن الخطيب استبداد الوزير وتغلبه على السلطان، ثم وقوعه في فخ النكبة والتصفية الجسدية بعد ذلك، قاعدة و«سنّة» من السنن التي تأثث بها منظوره لمصير خدمة الدولة، وهو ما جعله يعيها وعيًا عميقًا، ويدق ناقوس الخطر لمن يتقلد خطة الوزارة، فينبّهه إلى المصير المحتوم الذي سيؤول إليه. وقد أبانت الوقائع صحة رؤيته عندما اضطرب حبل الأمن في الأندلس بعد خروجها عن تلك القواعد السياسية (ص. 33) في سياق متصل، صوّب المؤلِّفان في الفصل الثالث، المعنون ب «العلاقات السياسية بين خدمة الدولة»، النظر على موضوع البحث عن العوامل الأخرى المساهِمة في تصدُّع العلاقة بين السلطان ورجاله من خدَمة الدولة، والمآل المشؤوم الذي يقع في شراكه هؤلاء من خلال الصراعات البينية التي كانت تتخذ من المكائد والوشايات والدسائس آلية من الآليات لاكتساب الحظوة والارتقاء وإقصاء الآخر. وقد ركز هذا الفصل على دراسة نموذج من النماذج البارزة للعيان في تلك الحقبة، ويتجلى في التنافر الذي ازداد وقوده اشتعالً بين لسان الدين بن الخطيب وابن مرزوق. ووقف الباحثان على الخبرة التي اكتسبها لسان الدين في مجال الصراع والتنافس، ومع ذلك لم تشفع له في تغلّب ابن مرزوق عليه بواسطة هذه الآليات الكيدية التي انتهت بتكفيره واتهامه بالزندقة، وهذا ما حدا بالمؤلفَين إلى إلقاء الضوء على عقيدة ابن الخطيب وأفكاره من خلال الرسالة التي وجهها إلى غريمه بعد تقرير عقيدته في «الخير» و«الشر» و«الحياة» و«النشور» و«اللوح» و«القدر»، ليستنتجا أنه تأثر، كغيره من علماء عصره، ب «تطور الفكر الأشعري بالغرب الإسلامي» (ص. 42)، وأن كيد خصومه اشترك فيه تياران: تيار سياسي بزعامة ابن زمرك، وتيار عقدي استهدف تصفيته من خلال الهجوم على رأس ماله الثقافي، لينتهي الأمر بعرض قضيته على القضاة الذين قذفوا به نحو مربع الموت. في تسلسل مرتب ودقيق، يتناول المؤلّفان في الفصلالرابع، الذي جاء حاملً عنوان «مصير خدَمة الدولة»، ليبحرا بالقارئ نحو تأملات ابن الخطيب في النهاية المحتومة لموظفي السلطان، كقاعدة وسنّة من سنن التاريخ؛ فبعد أن ألقيا الضوء على المشاهد التي اعتلى فيها ابن الخطيب قمة المجد والتألق، واستدلّ على ذلك برسائل السلاطين الموجَّهة إليه، فضلً عن شهادات العلماء والقضاة في حقه، أبرزا المحطات التي بدأ الاتجاه العكسي يتسارع نحوها من خلال توتر علاقاته بالسلاطين بسبب توالي السعايات ضده، وشعوره بالإحباط والرغبة في الاعتزال السياسي. وانطلاقًا من الأطروحة «الخطيبية» المبنية على القاعدة التي تحكم مصير خدَمة الدولة، اعترض الباحثان على تفسير محمد عبد الله عنان القائل بأن هجر ابن الخطيب للسياسة كان نابعًا من تعبه من مشقة

المسؤوليات السياسية التي اضطلع بها، وقدّما تفسيرًا بديل هو عدم قدرته على مواجهة دسائس خصومه التي اتسعت مساحتها، في وقت كان قد بلغ من الكِبر عتيًا، وصار مقتنعًا بمصيره الذي هو مصير كل خدمة السلطان عندما تنتهي صلاحيتهم السياسية، وتصبح لحومهم ناضجة لتنهش فيها أيادي السلطان (ص – 55).4 5 تلك هي فصول القسم الأولالتي أثث بها الباحثان كتابهما أرضيةً لعرض رسالتي ابن الخطيب في القسم الثانيمن هذا الكتاب. ويمكن القول إن هذا القسم الذي هو قسم خاص بتحقيق الرسالتين يعدّ تطبيقًا للقسم الأول. وتكشف الرسالتان عن علو كعب لسان الدين في فضاء السياسة السلطانية، وعمق تجربته وخبرته في رصد العلاقة بين السلطان وخدَمته من الكتبة والحاشية، لذلك جاءتا في قالب «يجمع بين التجربة السياسية والثقافة السياسية» (ص. 26). في سياق التعريف بالرسالتين، يؤكد الكاتبان أهمية الرسالة الأولى، ويعتبرانها انعكاسًا لواقع سياسي، ووعيًا بمصير خدَمة الدولة من كتبة ووزراء ومستشارين وغيرهم، لذلك جاءت محمّلة بالدلالات الواضحة والمشفّرة التي تستبصر ما يلوح في المنظور الاستشرافي، وتذكّر خدَمة الدولة بالمصير الذي ينتظرهم. ومع أن الرسالة الثانية «مشرقية» المادة، فإنها تصبّ في الاتجاه نفسه؛ إذ جاءت هي أيضًا مشبعة بالدلالات في مجال السياسة السلطانية، وطافحة بالنصائح والوصايا لخدَمة أعتاب الملوك. وقد وظف فيهما ابن الخطيب التاريخ لفهم ألغاز السياسة السلطانية وإدراكها. ولم يفُت صاحبي الكتاب إبراز الصدى الذي تركته الرسالة الأولى في الوسط الثقافي الذي عاصره ابن الخطيب، أو الذي جاء بعده، حيث ظلت متداوَلة في المصنفات التي كتبت حوله. وعلى غرار الرسالة الأولى، أثارت الرسالة الثانية مسألة العلاقة بين السياسة الشرعية والسياسة المدنية، وعكست تجربة لسان الدين في مجال السياسة، وهو ما يُفهَم من مضمونها الذي اقتصر على وظيفتي الوزير والعامل، علمًا أنه تقلّد هو نفسه منصب الوزارة. ومن خلال استقراء محتوى الرسالتين، استشف الباحثان التكامل بينهما، وبيّنا أن ابن الخطيب لم يصنفهما عبثًا، بل جاء اختياره ضمن استراتيجيا محددة تروم تنبيه خدَمة السلطان إلى العواقب التي تنتظرهم، وأنهم مجرد حائط خفيض يقفز السلطان من فوقه عندما تحين الفرصة.

منهج المعالجة والتحقيق والتوثيق الببليوغرافي

يجدر التنويه بأن مؤلّفَي الكتاب اتّبعا طريقة تحقيق الرسالتين بالرجوع إلى متنهما الوارد في الأصول المنشورة، ك الإحاطة في أخبار غرناطة وريحانة الكتابونفاضة الجراب ونفح الطيب، ومقارنتهما بالأصول المخطوطة التي تكبدا فيها عناء القراءة والمقابلة، وهو ما فرض عليهما الرجوع إلى جل مؤلفات ابن الخطيب للتحقّق والتأكد والضبط. لذلك، جاء عرض الرسالتين في ما تبقى من دفتي الكتاب عرضًا دقيقًا ومحققًا بأناة، كما يظهر ذلك من خلال الهوامش والإحالات التي تعكس حرصهما

على الدقة والمقابلة بين النصوص المنشورة والمخطوطة لإخراج نص الرسالتين بمسحة توثيقية علمية. كما أن قراءتهما الرسالتين لم تكن قراءة تقنية جافة، بل اعتمدت على التشخيص والتفكيك لمعطيات عصر ابن الخطيب وتقلباته السياسية، وفق رؤية نسقية ومقاربة شمولية. وقد شكّل القسم الأول من الكتاب إطارًا منهجيًا واسعًا لفهم دلالة الرسالتين، فانصبت جهود الباحثين فيه على دراسة منظور ابن الخطيب للسياسة السلطانية، وسعيه إلى تركيب أفق جديد في خطاب الآداب السلطانية، انطلاقًا من منهج تحليلي يعوّل على توسيع دائرة الفهم والاستقراء، بناء على معطيات حياته وتقلباته في غمار الوظائف السياسية وطموحاته التي رسمت معالم تأليفه الرسالتين. ولا يسع القارئ سوى التنويه أيضًا بالمادة المصدرية والمرجعية التي أفادت في تحقيق الرسالتين، ورسم المعالم الكبرى لمنظور ابن الخطيب في مجال السياسة السلطانية؛ إذ أفلح الباحثان في لمّ شتات النصوص من جميع المظان والمتون، وتوظيفها في خدمة الموضوع ومنهجه، ولو أن قائمة الدراسات الحديثة لم تكن بالقدر الكافي الذي يرفع سقف طموح الباحثَين في معالجتهما هذه الدراسة الطريفة. بكلمة جامعة، يُعَدّ الكتاب قيمة مضافة إلى التراكم المتوافر في كتب الآداب السلطانية، ونصًّا فريدًا في قراءة ومستقبل خدَمة الدولة وحاشية السلطان واستشرافه. ومع ذلك، نسجل باختصار بعض القضايا التي لا نشاطر فيها تحليل الكاتبين، بعضها يتعلق بالشق النظري من الكتاب، بينما يتعلق البعض الآخر بشق التحقيق؛ ففي ما يخص الشق النظري، ورد عند صاحبي الكتاب أن القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) يعدّ قرن النضج والازدهار، بحكم ما أنتجه من وجوه أكابر السياسة وخدَمة الملوك (ص. 7)، وعلى هدي هذه الفرضية أسّسا تحليلهما للسياسة السلطانية عند ابن الخطيب. ونحسب أن مثل هذا التخريج يتضمن حكم قيمة يحتاج إلى مراجعة. صحيح أن هذا القرن شهد ميلاد كبار المؤرخين والكتبة، كما عرف ازدهار بعض العلوم العقلية، كعلم الحساب والعدد مع ابن البنا وغيره، لكن الكمّ ليس معيارًا علميًا دقيقًا لتعميم ظاهرة الازدهار على عصر أثبت بعض المنتسبين إليه، من أمثال ابن خلدون، أنه كان في حالة انسداد فكري وتلوث ثقافي، خاصة في مجال علم الكلام والفلسفة، حيث إن المناخ الفكري آنذاك كان ميالً إلى كبح جماح الخطابات المتسائلة، في مقابل تسيّد التيارات الصوفية والظاهرية، وهو واقع ثقافي برّره ابن خلدون ب «نقص العلم والعمران» وبسيادة عقلية مفككة ومنتكسة أنتجت أزمة القرن 41 الرابع عشر الميلادي بوجوهها الثلاثة البارزة، وهي استفحال الظاهرة البدوية، وانتشار وباء الطاعون، وتأزم العمران. وقد تمخض عن تلك الأزمة دخول الدولة المغربية في دوامة من الاستبداد واستنزاف مالية الدولة في النفقات غير المنتجة، فضلًِ عن تدهور الطرق الصحراوية وغياب سياسة اقتصادية متزنة، ناهيك عن تقلص الثراء المنجمي الناتج من التسرب البدوي والطاعون الجارف. وقد تمظهر هذا الوضع المتأزم في ثلاث واجهات: تسلُّط الوزراء واستبدادهم بالحكم على حساب السلطان، والعنف الجبائي، ثم

فساد الأخلاق الذي يشتد عوده عادة مع انحلال الحضارة، ومن ثم عودة وتيرة التاريخ الدائري الذي يحيل إلى الدورة المنغلقة، والتكلّس الثقافي، وبطء التطور المجتمعي، وهو ما فطن إليه ابن خلدون حين شعر بتفوق أوروبا ونهضة «دول الشمال» على حساب «دول الجنوب». لذلك، أعتقد شخصيًا أن الازدهار الفكري لا يحدَّد بالكمّ بل بالكيف، وأن قراءة أي خطاب سياسي – وضمنه منتوج ابن الخطيب – ينبغي ألّ ينفلت من دائرة أزمة القرن القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) التي نحتت بصمات سلبية واضحة في المجالات كافة، وهو ما يجعل الحديث عن أي «ازدهار» مجرد التفاف على نقيضه. يستلزم النقد المنهجي أيضًا القول إن على الرغم من اعتماد الباحثَين على بعض الدراسات المعاصرة، كدراسة كمال عبد اللطيف وعز الدين العلام، فإنهما لم يستفيدا منهما في التأطير النظري في القسم الأول من الكتاب، خاصة أن هاتين الدراستين غنيتان بالتحليل النظري وعمق القول في الآداب السلطانية التي عبّرت عن المنظومة الاستبدادية، التي ولد من رحمها مصير ابن الخطيب وغيره من كتبة الدول. أمّا على مستوى نتائج التحقيق، فمع تنويهنا بالجهد الذي بذله المؤلفان، فإن الغموض لا يزال يلفّ بعض القضايا، من قبيل ما إذا كانت الرسالة الثانية التي حققاها – وهي مشرقية – تُعَدّ من تأليف ابن الخطيب نفسه، أم أنه نقلها من مصدر آخر، وفي هذه الحالة نأمل أن يجتهدا في تحديد اسم كاتبها وأصلها في أفق طبعة ثانية للكتاب. من جهة أخرى، لم يكشف منجزهما التحقيقي عن الإضافات الجديدة التي أضافها النص المخطوط، ليجيبا عن التساؤل الذي يطرحه متلقي نص الرسالتين حول ما إذا كانتا تحمل في ثناياها أفكارًا جديدة تربو فائدة وزنها عمّا جاء في الرسالتين الواردتين في المصادر المنشورة سابقًا، أم أن الأمر يتعلق بمجرد تصحيحات وضبط للمصطلحات، ومراجعة صيغ التعبير الفارقة بين النصين المنشورين ونظيريهما المخطوطين، فحبذا لو تطرّق المؤلفان إلى هذه المسألة من أجل رفع سقف قيمة النص المخطوط. وأحسب أيضًا أن عنوان الكتاب في حاجة إلى مراجعة؛ إذ إن المؤلفَين اعتمدا على رسالتين لاستجلاء معالم السياسة السلطانية عند ابن الخطيب، والحال أن عنوان الكتاب يكتفي بالإشارة إلى رسالة واحدة فحسب، مع أن الرسالة الثانية لا تقل أهمية عن الأولى كما جاء في تحليل صاحبَي الكتاب. ويخيّل لي أيضًا أن بصمة التحقيق ينبغي أن تكون واضحة في عنوان الكتاب ما دام تحقيق الرسالتين يشكل جوهر موضوع الكتاب ويشغل نصف مساحته. بيد أن هذه الملاحظات البسيطة لا تُفقِد هذه الدراسة المتميزة قيمتها، وأتصور كقارئ لنص الكتاب بشقيه النظري والتحقيقي، أنه يشكّل قيمة مضافة، ومنجزًا تحليليًا وتوثيقيًا يستحق التنويه والإشادة، وأنه يُعَدّ حلقة مفيدة في سلسلة الدراسات المتعلقة بالآداب السلطانية التي تظل ملفًّا متجددًا للتأليف والتأويل والتفسير والنقد.