الحياة الإنسانية بمنطق الفيزياء والبيولوجيا قراءة في كتاب ما الحياة؟
الملخّص
كان شرودنغر يعي جيدًا صعوبة المشكلة ،لكنها أقل بالطبع من التعقد الحقيقي للكائنات الحيّة، فبحث ليحله باستحضار بعض المبادئ البسيطة. المبدأ الأول، تناوله كاتبنا بذكاء، ويتمثّل في أن الكائن الحيّ ضرب من هروب إلى الأمام ، ومن تقلب مستمر نحو المستقبل، حيث كل شيء قائم لتجنّب بلوغ التوازن الترموديناميكي. رغم ذلك، لا يعطي مثالً ملموسًا، و لا يجني - يجب انتظار ميادين البيولوجيا الجزيئية لكي يصبح ذلك ممكنًا -ثراء الحوار الثابت بين الماكروسكوبي والميكروسكوبي الذي يجري داخل كل خلية أو في كل تنظيم، ويسمح لهذه "الصيانة " الثابتة لأجزاء البناء، التي تفشل في مهمتها، بإبعادها مصطلح التوازن مدة أطول.
- شرودنغر
- الحياة
- الفيزياء
- البيولوجيا
قراءة في كتاب "ما الحياة؟" *
ترجمة: قوعيش جمال الدين **
منذ مدة طويلة طُبعت البيولوجيا بالمذهب الحيوي الذي كان من واجبها أن تتأسس عليه في شكلها الحديث، من خلال لاتصال بالفيزياء. بالفعل، إنّهم لَفيزيائيون من قاموا بالدفعة الأولى التي بها تأسست البيولوجيا الجزيئية. ربما نحن مدينون للألماني ماكس دالبروك M. Delbrück) (لحصوله على المبادرات الأكثر ثراء بالوعود في هذا الميدان، لكننا مدينون أيضًا للنمساوي إرفين شرودنغر، المعروف دوليًا بوصفه الكوانتي للذرة، والمرتبط بالنموذج الموجي للمادة، وإليه ترجع أغلبية مبدعي البيولوجيا الجزيئية عندما يتذكرون أحداثًا تشجع مهنتهم، وكلّهم يشيرون - كنقطة انطلاق - إلى الكتاب الصغير لشرودنغر ما الحياة؟ الصادر سنة 9441، رغم أن الكاتب كان يعيش في منفاه في دوبلان. تُرى، ماذا يوجد من جديد ومدهش في هذا الكتاب؟ أن النظر إليه من بعيد، بعد مرور أكثر
من أربعين سنة على صدوره، يوضح لنا كم كان تفكير شرودنغر مبشرًا وم ئاامًا لموضوعه، لكن قراءة ما الحياة؟ تعلّمنا أكثر من ذلك: نجد كذلك الأصل، لكن تسليط الضوء الحقيقي على محاور متكررة تطارد العقول المعاصرة المتحمسة للبيولوجيا، من دون الحصول على الشجاعة الحقيقية للفهم، وتحاول، عن طريق تعميمات سيئة احتواء العالم في وصف وحيد مؤسس على أيديولوجية نظام مشكوك فيها.
الكريستال اللادوري
مع مطلع 9451، سئل دالبروك عن "الفيزياء الصريحة"، بحسب تعبير شرودنغر، على أساس القواعد الفيزيا - كيماوية للحياة. المسألة تعلقت بمحاولة ربط القوانين الشكلية للجينية التي تشير بشكل يُنبئ بكيف تنتقل بعض الطبائع الوراثية، والطبيعة الفيزيائية لأجزاء الخلية، إلى جوهر الكروموزومات تحديدًا، حيث كنا نعلم بوجود بعض العلاقات مع الوراثة. نقطة لانطلاق لهذا
التفكير تمثّلت في دراسة التحولات، المدركة كتغيّراتفجائية ومتقطعة وثابتة لنسب الفرد. نشاط الإشعاعات المؤيّنة، مثل أشعة X، حول الخ يااا، سمح لدالبروك وزم ئااه بأن يربطوا بشكل ملموسالوحدات الوراثية، الجينات، بالهدف الرئيسي ل شأأعة المؤيّنة في الخلية. وبيّن الحساب إذن أن هذا الهدف كان صغيرًا بالنظر إلى أحجام الجزيئات الموضوعة على الأكثر بضعة آلاف من الذرات. هذه هي إذن نقطة انط ق تفكير شرودنغر، مقترنة بافتراض إبستيمولوجي: "كيف بإمكاننا أن نفسر، من طريق استخدام الفيزياء والكيمياء، الظواهر التي تحدث في المكان وفي الزمان، وذلك في الحدود الفضائية لمتعضية حيّة؟" وتبيّن أن شرودنغر أوضح ذرات معزولة، حيث توجد جزيئات عاجزة للمحافظة على ذاكرة ضرورية ل نااتقال الم ئاام للطبائع الوراثية، فرصة بالنسبة إليه لربط الفيزياء التي يعرفها، المتعلقة بالذرة، وبالميكانيكا الإحصائية، مع الواقع البيولوجي. وعلى وجه التحديد يخصص وقتًا طويً من تفكيره حول ملكة مهمة للكائن الحيّ، المهملة غالبًا اليوم رغم قيمتها الكبرى، تلك المتعلقة بالقابلية لكل حياة ل لااتزام بصفة شمولية، ماكروسكوبية. كيف بالإمكان ربط حشد الذرات لحركة الخلية بتنظيم دماغ الإنسان؟ كل السؤال قائم على إعطاء هذا الحشد شكً، هيكً: وحدها جماعات الذرات هي القادرة، شريطة أن يكون التجميع مستقرًا نسبيًا، وله عمر كاف لدرجات الحرارة حيث تتطور الحياة. وفي الإمكان إقامة الحوار بين الماكروسكوبي والميكروسكوبي عندما يوضع عدد كبير من العناصر القاعدية في ترابط: انطلاقًا من أمثلة بسيطة، البارامغناطيسية Le paramagnétisme) (، الحركة البراونية أو لانتشار، يبيّن كاتبنا أن في الإمكان أن يوجد نظام ماكروسكوبي فضائي ومؤقت، وأن ذهابًا وإيابًا مناسبين بين دينامية محلية ودينامية شاملة سيسمحان بإيجاد أشكال ماكروسكوبية مستقرة. نجد هنا، مثً، طعم أولي تفكير بعض المفكرين المعاصرين، المنتقدين بشدة للبيولوجيا الجزيئية، مثل الرياضي رونيه توم R. Thom) (، وأن من الضروري اليوم ألا نغفل هذا البُعد المهم للكائن الحيّ، أي لاقتران بين الماكروسكوبي والميكروسكوبي. لكن الفضل الكبير لشرودنغر (في تعارض مع انتقادات اليوم، المصابة بعيب نظري ن حظه في أفكار البيولوجيين التي تأتي لنسيان المتصل باختيار سلّمأدنى ضمن موضوعات معتبرة) في توضيح أن المستوى الجزيئي، الذي يمكن، مهما كان صغيرًا، اعتباره مستوى وثيق الصلة بالتحليل، وهذا ما جلب انتباه الفيزيائيين، المعروفين اليوم ربما من بين مبدعي البيولوجيا الجزيئية، مثل م. ويلكنس M. Wilkins) (أو ف. كريك F. Crick) (، عندما قرأوا نص شرودنغر. الصورة المعتادة للفيزياء أو للكيمياء كانت حول الترتيباتالعادية للذرات، عندما نتناول هيكً منظمًا. الكريستال هو نموذج أو رمز عالم غير عضوي، لكنّه كذلك لعالم قوانين المادة (وعندما نتحدث عن المادة نفكر دائمًا بمصطلحاتالفيزياء). العالم الحيّ مطبوع بالحركة، بال نااظام، بالتغيير. ومادته تكون غالبًا سائلة، لاصقة، لزجة. وعليه، يسمّي الكيميائيون المنتوجات الصادرة عن الأنظمة الحيّة بالغروائية. طبّق شرودنغر هوية مطلقة على
القوانين القائمة على تنسيق المادة، إن كانت جامدة أو حيّة، باحثًا عن توفيق هذين الطبعين الأقصيين: "الكريستال" اللاعضوي و"الزجاج" غير المتبلور للعضوي. كان يلزمه أيضًا التفاف للوصول إلى لب فكرته بشأن المركز المادي للحياة، دعامة للوراثة: س سل غير منظمة لذرات تصبح أكثر حساسية لتذبذبات حرارية، يجب إذن أن تكون منظمة في شكل جزيئات، لتؤدي دورها. وإذا لم يستعمل مصطلح "ماكروجزئي" Macromolécule) (مماثل لمفهوم جديد نسبيًا، وبالخصوص موظف من جانب الكيميائيين، يفترض شرودنغر أن ذرات الوراثة منظمة بحسب النظام المفروض لهيكل بلوري، لكن هذا النظام ليس مجرد تكرار منتظم يجلب فقر الهياكل الجامدة، بل يحوي أيضًا الأنماط المتغيّرة، المحمولة من طرف المنشأ المنتظم للكريستال؛ هذا الكريستال ال دااوري هو إذن دعامة الذاكرة الوراثية. نفهم بسهولة هذه لاستعارة، وليس من الغريب أن العقول الفضولية كانت مندهشة لقدرتها، وخاصة من خ لاا إشارتها إلى الطريق المؤدي إلى اكتشاف أنها التنظيمالحقيقيلمادة الجينات: "نعتقد أن الجينة - أو ربما مجموع الألياف الصبغية - هي جامدة لا دورية". مع، كمذكرة، جملة تشير بشكل ملموس إلى ما يجب أن نشاهده: "على أساس أن يكون على درجة عالية من المرونة، ليس بمثابة اعتراض، لأن خيطًا رقيقًا من النحاس هو كذلك أيضًا". الطريق مرسوم: صفوا مادة الكروموزومات، وستكتشفون خيطًا رقيقًا جدًّا (الأبعاد معروفة من طرف أعمال دالبروك المتعلقة ب لانتق لات عبر أشعة X) له هيكل كريستال لا دوري! في حقبة آفري Avery) (وزم ئااه الذين كشفوا القدرة المتحولة للحمض النووي ADN) (، كانت الطبيعة الكيميائية للجينات مكتشفة. ولم يتطلب الأمر أكثر من عشر سنوات ليكتشف علماء تأثروا بكتيب شرودنغر سر طبيعة "الكريستال اللا دوري".
الشفرة
لكن نص كاتبنا حمل بذورًا لاكتشافات أخرى، نابعة عن تفكير وصور بسيطة، كما هو مستعمل غالبًا في الفيزياء، حيث ل"تجارب الفكر" دور رائد. إنّه يريد إبراز ما يجب أن ينظر في المادة الحيّة. لزومية السؤال جوهرية جدًّا: إنّها تقرر أهمية الإجابة. وشرودنغر يفهم أنه لا يكفي معرفة دعامة الوراثة، لكن يجب كذلك فهم كيف يتم تحول تنظيم هذه الدعامة إلى نشاطات مرتبطة بالحياة: بعد كل شيء، على الكائن الحيّ أن يقوم بتغيير المادة وفق محيطه، ربما ليتحرك، وأكيد ليتناسل. في مرحلة لم يكن الإعلام الآلي موجودًا وحيث كلمة برنامج توجد أساسًا مع دلالة مسرحية، يستعمل شرودنغر استعارة: لتوصيف هذا التحول ودور منشأ الجينات، يستعمل، مثلما يقوم به جيدًا اليوم مستعملي الإع ماا الآلي، عندما يعبّرون بلغتهم الخاصة كلمة شفرة. إنه نوع من الشفرة التي تقرر، بشكل حتمي صارم، التطور اللاحق للتنظيم: "بإعطاء هيكل الألياف الصبغية اسم شفرة، نريد الإشارة إلى أن العقل الكلّي الذي صممه لابلاس Laplace) (ذات يوم هو بالنسبة إليه كل علاقة سببية تصبح فورًا قابلة لأن تُفَ ك. ويمكن أن
يُستنتج من هذا الهيكل، وعلى جناح السرعة، ما إذا كانت البيضة، الموضوعة في شروط ملائمة، ستتطور إلى ديك أسود أو دجاجة مبقعة، إلى ذبابة أو نبات ذرة، وردية جينية، خنفساء، فأر أو امرأة". هكذا إذن جرى استعمال كلمة شفرة على نحو غير معتاد في الماضي. وما هو مركزي في تعليل شرودنغر وفهِمه بعض قرائه فقط، هو أن النموذج الذي سيبنى التنظيم وفقًا له، أي "القالب الداخلي" لبوفون Buffon) (، موضوع فيزيائي، وتسيّره هو نفسه القواعد التي تميّزه. هنا القانون البيولوجي الأساسي أكثر من سواه ولا يزال غير مفهوم إلى اليوم: "لكن مصطلح الشفرة هو، بطبيعة الحال، ضيّق جدًّا. الهياكل الكروموزومية تسمح في الوقت ذاته لتحقيق التطور الذي ترمز إليه. إنها شفرة القانون والسلطة التنفيذية... أو، لاستعمال مماثلة أخرى، هي في ذات الوقت مخطط الهندسة والعمل الفني للمقاول". ما لم يفهمه شرودنغر بعدُ، وسيكتشفه المبدعون الحقيقيون للبيولوجيا الجزيئية، ليس أن هذه المهمات المزدوجة، كمنشأ وكأساس، لا يمكن أن يكون لها معنى - الجينة - لها عنصر مفهومي آخر - المنتوج النشط للجينة. يجب وجود على الأقل مستويينلكي يتسنّى للشفرة (بمعنى البرنامج) أن تؤدي دورها الإبداعي للشكل. واليوم فقدت كلمة شفرة معناها الأولي للبرنامج الذي أعطاها لها شرودنغر، لتأخذ ذلك الخاص بالوسيط الرمزي بين الجينة ومنتوج الجينة. ع وااة على ذلك، الكريستال ال دوري، المتناوَل كعنصر، له بعد، خيط اللولب المزدوج للحمض النووي، أثري باستعارة لسانية جديدة: الجينة هي نص مكتوب وفق أبجدية ذات حروف أربعة، ومنتوج الجينة هو إعادة كتابة لهذا النص الأول، ترجمة، مثلما نقول اليوم، بواسطة أبجدية ذات عشرين حرفًا. نجد إذن عند شوردنغر جينة من استعارة معاصرة، عندما يقارن الشفرة بنص مكتوب بأبجدية فظة (رغم أنه يعتني بالإشارة - وهو مخطئ في ذلك - فإنه لا يوجد شيء يوحي بأن التشفير خطي وليس على بُعدين على الأقل) أو عندما يقارن بين جينين نظيرين: "بل اكتشفنا ما كنّا نسمّيه ‹الأليليات المتعددة›، بمعنى، اثنتين أو عدة ‹نسخ› أو ‹قراءات› مختلفة - أكثر من العادية، غير متخيّرة، مشابهة لنفس مكان الشفرة الكروموزومية؛ (...)".
الدقة
كيف يمكن فهم مداومة البرنامج واستقراره من جيل إلى جيل؟ شرودنغر، منظّر المادة المكممة، لا يتجنب المسألة، رغم أنها تبدو له خطيرة؛ فالجينة هي بمثابة بناء متعدد الذرات وملزم بأن يطبق عليها القواعد المألوفة التي ترأس مصير الذرات، ودرجة الحرارة التي تسير فيها الحياة. إنه يحاول إذن تمثيل الطابع "ال دااوري" للجينة من حيث مستويات الطاقة، و"قفزات كوانتية" بين تلك المستويات. بين قوسين، يجب ملاحظة هنا كم هو شرودنغر واضح، مثلما نريد أن يكون عليه الفيزيائيون "الكوانتيون" اليوم: إنه يعرف كذلك أن "القفزة الكوانتية" هي سر مفارق ناتج من الطبيعة المتقطعة للنموذج الكوانتي. هذه المفارقة لا تعمل إلا على حجب جهلنا، مثلما لاحظ ذلك زينون الإيلي Zénon d’Elée) (بتناوله مسألته بشأن السهم! لكن لنعُد إلى النموذج الكوانتي بشأن الجينة. المسألة كلها
تكمن في قضية استقرار الجزيء، وفي تحديد إعادة إنتاجه، بما أنه يجب إعادة إنتاجه من جيل إلى جيل. يوضح شرودنغر أن فكرة الجزيء ذاتها، وهي بناء متعدد الذرات، يمكنها احتواء صعوبة استقرار كافية على سلّم زمن التنظيمات. المشكل الحقيقي أنه يجب أيضًا توافر القدرة، انطلاقًا من النموذج نفسه، مراعاة لانتق لات من عدد كبير من الإمكانات لهياكل مختلفة، ونتيجة لذلك، يتخيّل شرودنغر إيزومرات (isomères) لجزيء نموذجي كبير. لكن هنا، بطبيعة الحال، يتوقف وصفه. تنقصه بالفعل الفكرة المركزية ل ستعارة اللسانية: الدعامة المادية للجينة متكوّنة من مجموعة خطية من أربعة أنماط قاعدية، حيث يحدد نظامها طبيعة منتوج الجينة. ألف من تلك الأنماط يسمح بعدد هائل من التركيبات، حيث إن في إمكان كل هيكل، مبدئيًا، أن يجد تمثيله. رغم نقصه الضروري - يجب لاعتراف بأنه لم يكن في استطاعة شرودنغر في هذه المرحلة أن يقوم إلا بفرضيات، على الأقل غير مبررة، بتناوله تجارب ونماذج دالبروك - يحتوي نصه جينة تفكير أساسي والذي، بغرابة، لم يهتم بها إلا بعد مضي وقت طويل الفيزيائي ج. أوبفيلد J. Hopfield) (في الولايات المتحدة الأميركية، والفيزيائي - الكيميائي ج. نينيو (J. Ninio) في فرنسا. ويتبيّن في الواقع أن مسألة استقرار دعامة الوراثة مسألة حاسمة، وأن تأثير درجة الحرارة يتمثّل في إدراج، مع احتمال محدود، تغييرات "تلقائية" في طبيعة الجينة. حدثت تلك التغييرات بعد وقت محدود مرتبط بطبيعة الجزيء كدعامة ل"الكريستال اللا دوري"، ولها بالضرورة طبيعة متقطعة ننتظر منها انتق لات. إذا قبلنا أنه يجب شرح لانتق لات الطبيعية النادرة من خ لاا تذبذبات طارئة للتحريض الحراري، فإنه يجب ألا نتفاجأ بما تمكّنت الطبيعة من إعطائه على عتبات القيم القادرة على ضمان ندرة لانتق لات. (...) الأفراد، الذين وفق لانتقال، يحصلون على ترتيب جينات لاستقرار غير مكتمل، لا تتوافر لهم إلا فرصة ضئيلة لرؤية نسبهم ‹الراديكالي جدًّا›، وفق انتق لات متكررة، البقاء على قيد الحياة لمدة طويلة، لتصبح الأنواع مخلّصة وتستطيع، وفق انتخاب طبيعي، ضمان جينات مستقرة". لكن شرودنغر لا يدفع باستنتاجه مسافة أبعد إلى الأمام: إذا استحال تجنب لانتق لات، فهل توجد وسيلة لتصحيحها أو، على الأقل لمراقبتها، في لحظة إعادة إنتاج التراث الوراثي؟ مسألة التحديد تُطرح بحدة: لاستعارة اللسانية اليوم تفسح المجال جيدًا، ماذا يمكن العمل على أساس سحب نهائي لكتاب ب أخطاء طباعية، وكيف يمكن وضع إعادة قراءة مناسبة للنص بهدف وضع تصحيح فعّال؟ يوجد هذا الموضوع في مركز استقرار الأنواع، رغم أن تناوله يبقى اليوم قليً نسبيًا. وكان في وسع نموذج التفكير المنطقي لشرودنغر، ويجب عليه أيضًا، أن يمنحنا ما يسمح لنا بأن نضع النقاط المهمة حول الصعوبات الفيزيائية التي تواجَه لدى إعادة إنتاج الكائن الحيّ.
النظام
مثل كل كتاب شرودنغر حمله الزخم، وأراد أن يعطي تفكيره بُعدًا عالميًا، مع المخاطر الحقيقية التي تنجم عن ذلك. النموذج الكوانتي قويّ عندما يوضح أن دعامة الوراثة كانت لها ضرورة
طبيعة جزيئية متعددة الذرات، وكان لها أن تقدم، بواسطة الميكانيكا الستاتيكية لاعتبار دور الشكل في الحياة (؟). هنا تُطرح بالطبع مسألة التنظيم، النظام والفوضى في الظاهرة الحيّة. لكن هل أيديولوجيا 944 1 كانت مناسِبة لهذا التفكير؟ حاولت النازية السيطرة على العالم، وفي لحظة كتابة مؤلَّف شرودنغر، كانت سيطرتها لا تزال في جدول الأعمال. فلا نتعجب إدًا، أمام تفكير يأخذ علم الأجنة فيه مكانًا مركزيًا لإيجاد عناصر قابلة للمناقشة، حيث شرودنغر يتحقق من أنهم كذلك. أول شاهد حول وضعية هذه الحالة هو المقدمة الغريبة ل الموائل) Lebensraum (في ما يتعلق بنشر الجزيئات: عندما تنتشر الجزيئات، هل يكون بالفعل للحصول على نوع حيوي؟ لكن بطبيعة الحال، وفي ما يخص لانتق لات، حيث يظهر سياق المرحلة السابقة بشكل أوضح: "لتعبيرنا بشكل قاطع، وربما بسذاجة نوعًا ما، خسارة التبعية لزواج بين أبناء عم يمكن أن يكون أكثر شدة، على أساس أن جدتهم عملت ممرضةً مدة طويلة [بسبب احتكاكها بالإشعاعات المؤيّنة، A.D..]. ليس هنا المسألة التي يجب أن تشوش شخصيًا أيّ فرد، لكن كل إمكانية لتصيب [أنا الذي أشير، A.D.] تدريجيًا السلالة الإنسانية وفق انتق لات كامنة غير مرغوب فيها، يجب أن تكون للجماعة مسألة ذات قيمة كبيرة". أو أكثر من ذلك، مع انشغال إنساني واضح: "كيف في أيامنا نعتزم أكثر لإقصاء القمامات [أنا الذي أشير، A.D.] بشكل عنيف سابقًا من قِبل المتقشفين في قمة تايغات Taygète) (، يجب علينا أن نهتم بجدية بهذه المسألة في حالة الإنسان، الذي من أجله لانتخاب الطبيعي ل كأأثر موهبة معاق بشكل معتبر، أو بالأحرى معكوس. التأثير اللا منتخب للإبادات الجماعية لشبيبة سليمة من جميع الأمم يصعب تعويضه عبر لاعتبار ل زأأمنة، حيث كانت الشروط أكثر بدائية، وكان بالإمكان أن يكون للحرب قيمة إيجابية ل نااتخاب، وذلك بترك بقاء القبيلة الأكثر مقاومة". لذلك، هناك ظهور آخر لدور متقدم عن شرودنغر: أليس الأمر متعلقًا بعلم اجتماع البيولوجيا La sociobiologie) (قبل الرسالة؟ رغم أن كاتبنا فهم بشكل مذهل الطبيعة المنوطة للانتق لات. تحليله لأعمال دالبروك لا يترك أيّ غموض في هذا الصدد: "في الحالة الراهنة، نختم القول بأن النصف الأول لجرعة الإشعاع التي أثارت، لنقُل، انتقال سليل واحد من بين آلاف الآخرين، لم يؤثر البتة في الباقي، إمّ ا بتهيئتهم لذلك وإمّ ا بتحصينهم ضد لانتقال. لأن خ فااًا لذلك النصف الثاني للجرعة، لن تثار من جديد بدقة انتقال واحد في الألف. لانتقال إذن ليس نتاج تراكم صادر عن جرعات صغيرة متتالية لإشعاعات تأتي لتقوّي إحداها الأخرى". أعاد شرودنغر إذن تأويل داروين Darwin) (، مثلما يفعل أيضًا علماء الأجنّة، مثل دوبزنسكي Dobzhansky) (في الفترة نفسها، مع مراعاة قوانين ماندل Mendel) (وأعمال دو فريس De Vries) (حول لانتق لات. بهذا المعنى يعتبر واحدًا من بين مبدعي التيار الدارويني الجديد néo-darwiniste) (، الذي سيرأس ميلاد البيولوجيا الجزيئية. وسيرتكب الخطأ ذاته رغم وجود مفكرين (مثلما هي الحال اليوم أيضًا)
من دون التمييز بوضوح بين ما يعود إلى النمط الظاهري وما هو صادر عن النمط الجيني، ومن دون فهم مظهري الوراثة الرئيسيين، أي طابعه الجيني (البعث ملائم للحمض النووي) وطابعه المتخلّق (البعث ملائملحالة من تعبير الحمض النووي)، لكنه فهم بشكل قويّ، ونادر حتى في أيامنا هذه، أن لانتخاب يحدث في ما يتعلق باختيار سابق عن لانتق لات، من دون أيّ تأثير تعليمي للبيئة. كان ب شك يعرف التجارب الجميلة للوريا Luria) (ودالبروك المنجزة سنة 9431، والتي أوضحت الطابع المنوط ب لانتق لات، بشكل سابق عن أيّ انتخاب. لكن الكاتب ذاته اعترف بما دفعه إلى كتابة مؤلفه، وهو "هدفه الوحيد" الذي تمثّل في إيضاح أن هناك، على غرار قوانين الفيزياء، قوانين أخرى تكشف عنها علوم الحياة على وجه التحديد، ومن غير خرق الأولى. والفكرة التي يحتفظ بها ملائمة جدًّا لأيديولوجيا تلك المرحلة، والمتمثّلة في أن العالم سيذهب تلقائيًا نحو الفوضى، وأن دور القوانين الخاصة بالكائن الحيّ تتمثل في المعارضة المستمرة لهذا المنحى الطبيعي. وبما أن نتائج التبرير لشرودنغر، القابلة للنقاش، حاضرة دائمًا في مقولات "مقهى التجارة" Café du Commerce) (لعالم ثقافي خاص، فمن المناسب العودة إليها، بنوع من التفصيل. الفكرة الأولى مفادها أن القوانين الماكروسكوبية للفيزياء، وبسبب طبيعتها الإحصائية، تتناسب مع منحى تلقائي لكل مادة تتّجه نحو الفوضى. وما هو جدير بالم حظة هنا هو أن كلمة الفوضى ليس لها معنى فيزيائي (إلا إذا ألحقنا تدقيقات خاصة، مرتبطة بالنموذج الفيزيائي المعتبر، بالمعنى المعتاد للكلمة)، في حين أن لها، بالطبع، معنى أخ قاايًا أو إستيتيقيًا واضحًا للغاية. تخلط المقاربة الوضعية الخطاب العلمي بالخطاب لاجتماعي أو الثقافي: العلم موجود في ذاته، ويملي الطريق الصحيح الواجب اتّباعه، ذلك الخاص بنظام العالم. يقول العلم، بما أن المنحى الطبيعي ل وأأراق المرتّبة على مكتبي يتمثّل في شغل كل المكان الموجود بتدمير النظام الذي وضعته، فإن طبيعة العالم الفيزيائية تؤدي تلقائيًا إلى الفوضى. لكن، ومع الإشارة إلى أن بقية التفكير المنطقي بسيطة، بما أنني موجود، فأنا حيّ، وبما أنني حيّ، فإن تحديد نظام ما هو أن خاصية جوهرية بالمادة الحيّة تتمثل في الذهاب ضد الفوضى. ها هنا استظهار جيّد، حاضر مسبقًا وجزئيًا في نصوص بولتزمان Boltzman) (بشأن الميكانيكا الإحصائية! هذا بينما أن هذا لاستظهار ليس وحده كافيًا، فما هو إلا نظرة خاصة إلى العالم. ألا يمكننا، بالعكس، النظر في السلوك التلقائي للمادة: قدرة علىالاستكشاف، على الاختراع؟ بفضل شغل المكان الموجود، يُسمح بالذهاب قبل التفاعلات اللا متوقعة في المكان الأولي: بخلط الأصفر مع الأزرق يخرج الأخضر، هل هنالك فوضى؟ ومن هنا، نعرف اليوم، أن بفضل المبدأ الثاني للترموديناميكا الذي يفرض زيادة تلقائية للأنتروبيا لكل نظام مادي، تظهر أشكال عظمى للجزيئات الكبيرة التي تحدد الحياة. الدائرة اللولبية المزدوجة مثلً، تأخذ هذا الشكل الرمزي من الآن فصاعدًا، لأن السلسلة الجزيئية التي تكوّنها تلقى صعوبة أمام المبدأ الثاني. بالفعل، في الماء، حيث نرى التفاع ت بين الجزيئات حتى على مسافات بعيدة، وجود جزيئات غريبة يميل إلى تقييد عدد الح لات الممكنة التي يمكن أن يأخذها الكثير من جزيئات الماء، وهو
ما يعاكس المبدأ الثاني. تزايد أنتروبيا الخليط يؤدي إلى توفير أوسع مكان ممكن لجزيئات الماء، وذلك بفرض تشكّل خاص للجزيئات الغريبة. هذا المبدأ العام جدًّا، ومثلما كان يعتقد شرودنغر بحق، يتناسب مع قانون عاديللفيزياء يتولى تنسيق غالبية الجزيئات الكبرى، وحتى الكثير من أبنية التنظيم الأكثر تعقيدًا، والتي تشكّل المادة نفسها للحياة. تخيّل شرودنغر أن النظام لا يمكن أن يصدر إلا عن نظام سابق له، وأن نجاح المقاومة (التي يفرضها) للحياة ضد الفوضى مدين بشكل خاص لاستيعاب النظام: "تظهر الحياة كسلوك منظم ومنتظم وفق كيفية أن السلوك غير القائم حصريًا على توجّهه ليمر من النظام إلى الفوضى، لكنه قائم في جزء منه على نظام مواكب لنفسه". هنا إذن السؤال الأساسي: كيف يحدث استبقاء نظام الكائن الحيّ؟ أشرنا أعلاه كيف أن مشكلات الدقة لاستنساخ الهياكل الماكروسكوبية توجد في مركز استمرار الحياة: لكن من أجل أن تستمر خلية، من دون طرح سؤال حول استنساخها، يجب المحافظة على التنظيم. أمام التعقد الظاهري للهياكل الحيّة، هذا ما بدا وما سيبدو في كثير من الأحيان، من ميدان السحر، ولنفهم السبب الذي يجعل كثيرين من الناس يعودون إلى أفكار تُظهر تلميحات إلى المذهب الحيوي: هذا ما كان، في بداية الترموديناميكا، نداء للطاقة؛ مفهوم غامض يمكن أن تتسلل فيهطاقة حيوية، لنجدها اليوم في ميدان الإشهار الموجّه للطبقات لاجتماعية الأقل تعليمًا، لكن الظاهرة نفسها دخلت في الأوساط الأكثر تعليمًا، بفضل الرجوع إلى مفهوم أكثر غموضًا، وبالتأكيد أكثر صعوبة لتحديده بشكل يمكن بلوغه، ألا وهو الأنتروبيا. والمذهب الحيوي اليوم بعيد عن أن يموت، رغم كونه مقنّعًا، وربما لهذا السبب، عبر خطاب علمي ل ختزالية القصوى لهؤلاء الذين نادرًا ما تبلغ الحياة أو أصولها مبلغ بعض المبادئ الفيزيائية البسيطة. كان شرودنغر يعي جيدًا صعوبة المشكلة، لكنها أقل بالطبع من التعقد الحقيقي للكائنات الحيّة، فبحث ليحله باستحضار بعض المبادئ البسيطة. المبدأ الأول، تناوله كاتبنا بذكاء، ويتمثّل في أن الكائن الحيّ ضرب من "هروب إلى الأمام"، ومن تقلب مستمر نحو المستقبل، حيث كل شيء قائملتجنّببلوغ التوازن الترموديناميكي. رغم ذلك، لا يعطي مثالً ملموسًا، ولا يجني -داا يجب انتظار مي البيولوجيا الجزيئية لكي يصبح ذلك ممكنًا - ثراء الحوار الثابت بين الماكروسكوبي والميكروسكوبي الذي يجري داخل كل خلية أو في كل تنظيم، ويسمح لهذه "الصيانة" الثابتة لأجزاء البناء، التي تفشل في مهمتها، بإبعادها مصطلح التوازن مدة أطول. يؤكد شرودنغر أخيرًا أن الحياة "تتغذى من الأنتروبيا السلبية"، ويضرب على ذلك مثالً: إنه عبر تقسيم تنظيم الجزيئات المعقدة التي تشكّل مأكلنا، بإمكاننا لاستمرار في تنظيمنا. وبشكل مفارق، يُقحم شرودنغر التناقض في خطابه، بتذكيرنا بأن حالة الأنتروبيا الدنيا - وهي نتيجة لذلك، بحسب حدسه، ذات حد أقصى - تتناسب مع المادة المغلقة في الصفر المطلق: لكن هل هذا حقًا ما ننتظره من الحياة؟ المعنى المشترك يعزو إليها بالأحرى حرارة وحركة!
إن الأنتروبيا التي يتناولها شرودنغر أنتروبيا إحصائية للغاز الخالص، ومذكورة في أبحاث بولتزمان، وبعيدة كثيرًا عن واقع الكائن الحي أو الماء؛ سائل مادي صعب تمثله للغاية، يقوم بدورٍ رائد. لكن ربما تكون إهانة لشرودنغر في حال تحديد ما يلي: فصله حول النظام النهائي الخاص بتساؤل: حيث إنه كان يعتقد أن بإمكانه شرح استبقاء النظام عبر استيعاب متواصل للأنتروبيا السلبية، ووجد بعضًا من زم ئااه الذين بيّنوا له أن في الأمثلة التي كان يعطيها، كانتالطاقة لا الأنتروبيا هي التي كانت مستهلكة. إنه يبحث إذن عن المحافظة على فكرته، بمحاولته توضيح أن إقصاء الحرارة يتناسب مع إقصاء الأنتروبيا... كل هذا يبيّن بوضوح أن التفكير حول فيزياء الحياة لم يتم بعد، ولا يت ءاام لإعطاء أجوبة قاطعة: نجد هنا المناخ اللطيف لمناقشات أجرتها، إلى غاية الحرب، أفواج الباحثين المبدعين في الوصف الكوانتي للمادة. هل يمكننا أن نلقى أيضًا مفاجأة سارة من المناقشات (إن كانت لا تزال موجودة) بين باحثي اليوم؟
كلمة ختامية
تلقّى شرودنغر تربية كاثوليكية، وحتى وإن كان عليه أن يعطي وصفًا ماديًا للحياة، بتأسيسها على بعض المبادئ الفيزيائية وإقصاء كل حيوية، فإنه كان عليه أن يعطي وصفًا للعالم الحي، حيث تكون الإرادة الحرة مكانها. بعد تلخيص، بشكل رائع، كيف أن في إمكان الميكانيكا الحتمية أن تخلق في درجة حرارة عادية، انطلاقًا من مستوى ماكروسكوبي كاف، يواصل شرودنغر تفكيره بمناقشته فكرة ال تعيين الكوانتيالشهيرة. والأمر المذهل والمؤكد لثراء فكره (والذي يشرح النجاح الملموس لكتابه الصغير، الذي أدى دوره المحرك في إبداع البيولوجيا الجزيئية)، هو أنه لا يسقط في فخ الحيوية الضمنية، حيث إن في وسع استعمال مبدأ هايزنبرغ أن يجعل دراسة الكائن الحيّ ممكنة. لنعيد إبداع لفترة وجيزة جدًا كتب كانط، يبيّن أن في إمكان ال حتمية أن تفرض الحرمان من الإرادة الحرة، وأن ضمن هذا السؤال خليطًا من مستويات التحليل. وما عاد في إمكان شرودنغر الذهاب أكثر إلى الأمام. لقد زرع بذور مقاربة خصبة ب حدود، وهذا ما سيذكره التاريخ في أثناء توغله القصير في ميدان البيولوجيا.