العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مشهدية العنف عبر وسائط الاتصال الحديثة.

مشهدية العنف عبر وسائط الاتصال الحديثة.

The Spectacle of Violence via Modern Mediums of Communication

نديم منصوري

Nadim Mansouri

الملخّص

إن ما يثير حقيقة في صناعة مشاهد العنف كونها الأسهل انتشارًا، ولا تتطلب جهدًا كما في قراءة النصوص والأحاديث؛ إذ إنها أصبحت إحدى أبرز الوسائل لتجنيد الشباب الذين يسهل التغرير بهم تحت وطأة مشاهد متكررة تثير عواطفهم، وتهيئ لغسل أدمغتهم والسيطرة على تفكيرهم ووجدانهم. ظهر ذلك من خلال تكرار حوادث ذبح الأطفال لأشقائهم الرضّع بعد مشاهدتهم مناظر ذبح، كذلك حوادث الأطفال الذين حاولوا تقليد مشاهد الانتحار بخنق أنفسهم، أو تطبيق ما تعلّموه من مشاهد القتال. وهنا تكمن الخطورة عند الإدمان على مشاهدة مقاطع العنف الوصول إلى مرحلة لا يكتفي فيها بالمشاهدة، بل يبحث عن التطبيق والتماهي مع سلوكيات العنف والقتل.

Abstract

The danger posed by the production of images of violence lies in their ease of dissemination. Their consumption does not require the effort of reading texts or accounts. These images have now become one of the main means for recruiting young people who are easily beguiled by the constant flow of images that engage them emotionally, and that lead to brainwashing and control of their thoughts and feelings. This is apparent in frequent incidents of children killing their younger siblings after having watched scenes of murder, as well as incidents of children trying to copy suicide by trying to suffocate themselves, or putting into practice what they have learned from watching violent scenes. The danger lies in becoming addicted to viewing violent clips and reaching a stage where viewing is insufficient, but acting out and identification with violent and murderous behaviour becomes necessary.

الكلمات المفتاحية:
  • مشهدية العنف
  • وسائل الاتصال
  • الشباب
  • المشاهدة
  • السيطرة
Keywords:
  • violence
  • The Spectacle of Violence
  • young people
  • children killing

إن ما يثير حقيقة في صناعة مشاهد العنف كونها الأسهل انتشارًا، ولا تتطلب جهدًا

كما في قراءة النصوص والأحاديث؛ إذ إنها أصبحت إحدى أبرز الوسائل لتجنيد الشباب الذين يسهل التغرير بهم تحت وطأة مشاهد متكررة تثير عواطفهم، وتهيئ لغسل أدمغتهم والسيطرة على تفكيرهم ووجدانهم. ظهر ذلك من خلال تكرار حوادث ذبح الأطفال لأشقائهم الرضّع بعد مشاهدتهم مناظر ذبح، كذلك حوادث الأطفال الذين حاولوا تقليد مشاهد الانتحار بخنق أنفسهم، أو تطبيق ما تعلّموه من مشاهد القتال. وهنا تكمن الخطورة عند الإدمان على مشاهدة مقاطع العنف الوصول إلى مرحلة لا يكتفي فيها بالمشاهدة، بل يبحث عن التطبيق والتماهي مع سلوكيات العنف والقتل.

تمهيد

إن مسألة العلاقة بين العنف الحقيقي القائم في المجتمع الواقعي والعنف الإلكتروني المنتج في المجتمع لافتراضي، هي مسألة المخاوف الأخلاقية التي تنتجها وسائل الإعلام، بشكليها التقليدي والحديث. إلا أن مخاطر انتشار مشهدية العنف مع وسائط لاتصال الحديثة فاقت كثيرًا المخاطر التي دأب

الباحثون على دراستها في مطلع القرن العشرين لفهم نتائج العنف الإع مااي، وهو ما يجعل دراسة العنف الإلكتروني حاجة اجتماعية ومؤسساتية ضرورية للحد من تأثيرات انتشار العنف، ولرسم آليات ضابطة تردع المستهترين بحياة المستخدمين في الفضاء السيبراني الذين باتت حياتهم الخاصة عرضة لجميع أشكال العنف الإلكتروني.

وطرح السؤال حول الع قااة السببية بين الوسائط الإلكترونية والعنف المجتمعي هو في غاية الموضوعية، خاصة بعد طرحه مع الوسائط الإعلامية السابقة (السينما والتلفزيون)، وسيبقى مطروحًا

على النحو التالي: أيّهما يُولِّد عنفًا، وسائل الإع ماا ولاتصال أم المجتمع؟ ففيلم المخرج الأميركي

أوليفر ستون «قتلة بالفطرة» Natural Born Killers))، أدى إلى ارتكاب الكثير من الجرائم، مثل مذبحة ثانوية كولومباين في كولورادو، وحادثة إط ق نار في ثانوية هيث في كنتاكي في الولايات المتحدة الأميركية، ومذبحة عائلة ريتشاردسون في ألبرتا في كندا، ومجزرة ثانوية دنب ياان في اسكتلندا... فما هي الحال مع تعاظم وسائط لاتصال الحديثة، ولا سيما مواقع الفيديو التشاركي، وتسخيرها لنشر مشاهد العنف، كما تفعل المجموعات التكفيرية كي تحقق أهدافها السياسية؟ وما هو التأثير الذي تخلفه تلك المشاهد من خلال تنشيط فكرة التقليد الإيمائي بواسطة المحاكاة، أو تحفيز الأفراد العدائيين الذين تآلفوا مع العنف، أو إخراج المكبوتات النفسية الناتجة من وسطهم العائلي وقيمهم  لاجتماعية؟ عرف الإنسان في مختلف مراحل حياته كيف ينشئ الصورة بأسلوب يحاكي الواقع الذي يعيشه، أو يلامس أحلامه التي داعبت خياله. بيد أن الصورة لم تتخذ رمزًا كليًا لثقافة بأسرها كما تتخذه في

عصرنا الحالي، بعد أذ أضحت بابًا سحريًا للدخول عبره إلى المعرفة المعلوماتية التي تشخص أمامنا

في الفضاء السيبراني. وغدا التداخل بين القدرة التقنية والفنية من جهة، والمضمون الثقافي والسياسي من جهة أخرى، كثيفًا

ومختلطًا لدرجة أنه بات يفرض علينا القيام بعمليات الفرز والتصنيف، لفهم المعطيات المتحكمة في صوغ الخطاب المعرفي المعاصر. إن العصر الرقمي الراهن أنتج إشكاليات جديدة تتجاوز الحدود التقليدية، وبات من الضروري التفكير بجدية في تجديد المصطلحات وإعادة صوغ حدود الإشكاليات المعرفية الراهنة. ومن أبرز هذه الإشكاليات الخطاب المعلوماتي الذي يسعى إلى تأسيس منطق محوسب يوظف الصورة بأشكالها المختلفة، كمفتاح سحري يجمع بين العقد المعلوماتية التي تقطن في بيئة الإنترنت من جهة، والوسط البيئي الذي يجلس قبالته المستخدم من جهة أخرى، بهدف ترسيخ تواصله مع الفضاء المعلوماتي الذي أضحى يشكل الخزين المعرفي الشامل للمعرفة الإنسانية.

العصر الميديولوجي الرابع وقوّته

أطلق ريجيس دوبريه في كتابه علم الإعلام العام ‏، لفظ الميديولوجيا من حيث إنها علم وسائل الإعلام أو علم الوسائط الإعلامية. وبدأ يرسم معالم هذا المصطلح الجديد من خلال كتابه السلطة الفكرية في فرنسا سنة 9791، معلنًا أن هذا الكتاب يُعتبر جزءًا من عمل نظري أشمل بشأن الميديولوجيا التي

(((ريجيس دوبريه، محاضرات في علم الإع ماا العام: الميديولوجيا، ترجمة فؤاد شاهين وجورجيت الحداد؛ مراجعة فريدريك

معتوق (بيروت: دار الطليعة، 9961)، و , bibliothèque des idées (Paris: Cours de médiologie générale Régis Debray, Gallimard, 1991).

هي في قيد الإعداد. وبالفعل، سرعان ما صدر القسم الأول سنة 991 1 تحت عنوان محاضرات في علم الوسائط الإع مااية العام أو الميديولوجيا، والقسم الثاني سنة 992 1 بكتاب تحت عنوان حياة الصورة وموتها، وهو متمم للأول، ويُعتبر نوعًا من «التأريخ للنظر» أو «تاريخ العين عبر الأزمان»؛ إذ

يعلن دوبريه فيه بدء فقدان البصر الذي يمرّن المشاهد على قراءة الرسالة فيما هو يفقد معرفته في

رؤية الأشياء، ويعبّر عن ذلك بقوله: «عندما يُرى كل شيء، لا يعود لأي شيء قيمة». إن تكرار الصورة

يُفقدها معناها لانفعالي، كمن يتعود على مشاهد العنف والقتل، فيموت قلبه كما يموت بصره. لكن

موت البصر لا يعني أن الرسالة لم تعش، بل على العكس تمامًا، يعني أنها وصلت واستقرت في

الوعي لتتحول إلى سلوك وفعل. يقسّم دوبريه بيئة التواصل الإعلامي للبشرية إلى ثلاثة عصور ميديولوجية هي: عصر الإنتاج الخطي،

وركيزته المخطوطة؛ عصر الإنتاج المطبوع، وركيزته الكتاب؛ عصر الإنتاج السمعي البصري، وركيزته الصورة المتمثلة في السينما والتلفزيون والكمبيوتر. إلا أن العصور الميديولوجية لم تتوقف عند الحد الذي وصل إليه دوبريه، فنحن نشهد ولادة عصر ميديولوجي جديد ظهر مع حضور الإنترنت القوي في العالم (ث ثااة مليارات مستخدم في مطلع سنة 015 2)، نسمّيهعصر الإنتاج السيبراني، وركيزته الإنترنت ‏ المتمثل في المجتمعات الافتراضية

والفضاء السيبراني. يشرح دوبريه في كتاب الميديولوجيا هذه العصور، فيسمّي العصرَ الأول المجالَ الك مااي

Logosphere))، أو الدائرة الك مااية، وهو عصر لاهوتي تأتيه الكتابة من الله: «الله يملي والإنسان يدوّن ويملي بدوره». والديانات الكبرى، مع التوراة والإنجيل والقرآن، ثبتت الوحي

الشفهي كتابةً، وهنا تبرز مكانة الك ماا المقدس والأزلي («العقل البشري لا يخترع، فهو ينقل حقيقة تلقاها»). يُطلق دوبريه على العصر الثاني اسم المجال الخطي Graphosphere)) أو الدائرة الخطية، و«فيه تبعية

الصورة للنص»، وضمان الحقيقة عبر الإنتاج الخطي ووفرته، وفتح المجال للاختراعات والإبداعات. ويُطلق على العصر الثالث اسم المجال التلفازي Videosphere) (أو الدائرة التلفازية، وفيه انتقلت

سلطة الإعلام إلى المرئي والمسموع، ونزل الكتاب من منصته الرمزية.

(((الإنترنت في ستة تواريخ: سنة 969:1 افتتاح شبكة أربان ARPANet) (، مقدمة الإنترنت، من وكالة مشاريع البحث المتقدم

DARPA) (التي أُنشئت في وزارة الدفاع الأميركية سنة 9571، وذلك لحاجات الجيش. وقد ربطت الشبكة أربع جامعات أميركية؛

Internet ‍ و Transmission Control Protocol (TCP) البروتوكولين (R. Kahn) وروبير كان (V. Cerf) 1: اختراع فانتون سيرف 973 سنة

Protocol (IP) اللذين يمكنان المنظمات الآلية من التواصل في ما بينها؛ سنة 989:1 ولادة شبكة الإنترنت (وورلد وايد ويب www) بفضل ترابط النصوص، وهو من اختراع روبير كايّو R. Caillau) (وتيم برنرز لي T. Berners-Lee) (من مركز الأبحاث الأوروبي للذرة

في جنيف CERN) (؛ سنة 991:1 إنشاء مقسم الضغط العددي السمعي MP3 Motion Picture Expert Group-Audio Layer 3) (؛

سنة 994:1 إطلاق أول برنامج معالجة مجاني للإبحار في شبكة نيتسكاب نافيغاتور Netscape Navigator) ((كان البرنامج موزاييك في سنة 9931 مدفوعًا)؛ 004:2 اختراع موقع فيسبوك Facebook) (.

أمّا العصر الميديولوجي الذي نتحدث عنه، فنسمّيه المجال الإنترن تيِInternetsphere)) أو الدائرة

الإنترنتية. وهو يتميز بأنه يضم العصور الميديولوجية السابقة كلها؛ إذ يحتوي على المجال الكلامي، لكن الكلام في هذا العصر لم يبق حوارات بشرية لنقل ما هو إلهي، إنما اتخذ شكلً جديدًا من الكلام اعتمد على الحوار الإلكتروني بين إنسان - وآلة، ينقل من خلالها كل ما يريده من معلومات وكل ما يحتاج إليه من تواصل. كما أنه يحتوي على المجال الخطي، حيث تبرز الصحيفة الإلكترونية والكتاب الإلكتروني e-book) (والمواقع الإلكترونية التي اعتمدت على النص المكتوب، ولاهتمام بالقراءة الإلكترونية على حساب القراءة الورقية التي يُتوقَّع أن تزول مع ارتفاع سيطرة هذا العصر الميديولوجي

الجديد. ويحتوي أيضًا على المجال التلفازي عبر ما يقدمه من إمكانية مشاهدة الأفلام ونقل الصور والأخبار وغيرها، من خلال المواقع الإلكترونية الكثيرة، ولاسيما موقع يوتيوب YouTube) (الشهير. ويتميز هذا العصر أيضًا بنشوء المجتمعات لافتراضية التي سمحت للمشتركين بتكوين المجتمع الذي يرغبون فيه، وبالتواصل ضمن الفضاء السيبراني الرحب من دون أي حواجز مكانية وزمانية. وهذا ما أدى إلى ولادة نيوميديا متقدمة على الميديا التقليدية التلفزيونية، لتحضر المجتمعات لافتراضية، وتترك أثرها البالغ في نقل الخبر بالصوت والصورة والك ماا والتفاعلية بسرعة فائقة ومذهلة، الأمر الذي يسمح لأي جهة بأن تستفيد من هذه الخصائص المتميزة. حمل العصر الميديولوجي الرابع أنساقه المفاهيمية وأودعها بيئة المجتمع الجديد، بعد أن ألحق السمة المعلوماتية/الرقمية بكيانه المستحدث، «وقد نشب عن التداخل الحاصل بين نسيج المجتمع، وشبكات المعلومات وأدواتها الرقمية بروز نسق مفاهيمي جديد تكاملت فيه خصائص كل منهما في كثير من جوانبها»‏. اعتبر دوبريه أن كل عصر من العصور الميديولوجية الثلاثة بقي مرتبطًا ماديًا بالوسيلة الناقلة للمعرفة

فيه. لذا، طالب باستقلالية الميديولوجيا (كعلم مستقل)، ولم تكن مطالبته هذه مجرد طرح مزايدة معرفية أو إمبريالية كما يقول هو نفسه، بل جاءت بناء على استيعابه جدلية الهدم والبناء عند نيتشه، وهي الجدلية التي تؤكد أن العلم الذي لا يتقدم يُتجاوَز، أو بالأحرى يُستبدَل بعلم أكثر قوة واستمرارية؛

فتاريخ العلوم هو تاريخ القطائع الإبستيمولوجية، كما يقول باش راا، ودوبريه يعي جيدًا أن أنماط التواصل متعددة، لكنها زئبقية وتستعصي على التقيد بمبدأ واحد أو بتفسير مستعجل. هذا هو بالضبط ما حدث. فقد برزت اليوم الميديولوجيا بشكل أوسع، وولدت أنماطًا جديدة للتواصل

لم يضِفها دوبريه لاحقًا ليلحقها بالعصر الميديولوجي الرابع الذي نضيفه، بل توقف عند الصورة المرئية من دون إدراك الصورة التفاعلية. إننا في عصر الإنترنت اليوم لا نعيش مجتمع المعلومات فحسب، بل حرب المعلومات الإعلامية Neocortical Warfare)) أيضًا؛ حيث إن الحروب العسكرية لم تعد كافية وحدها لبسط سيطرتها

(3) Jiri Zlatuska, “Stepping Stones to an Information Society,” (FI MU Report Series; 97-08, Masaryk University, Facul- ty of Informatics, December1997), pp. 349-372, on the Web: <http://fi.muni.cz/zlatuska/papers/info-soc.pdf>.

ونفوذها، فجرى استخدام نسق مفاهيمي ل عإإ ماا يؤثر في مشاعر الأفراد وانفع لاتهم، وفي توجيه عقولهم من خ لاا جملة من النشاطات الإع مااية والمعلوماتية، لترسيخ بعض الأفكار عندهم أو لإلغائها. يرتكز هذا النسق المفاهيمي للحروب الإعلامية المعلوماتية على ما قدّمه ألفين توفلر (A. Toffler) ‏، الذي عرض المراحل التي مر، وسيمر، بها المجتمع الإنساني، من خ لاا نظرية الموجة الثالثة Third Wave) (، وهي نظرية تفترض مرور العالم بث ث موجات من الثورات التقنية، جاعلة تقنية المعلومات الموجة الثالثة، أو البؤرة الحيوية التي يتركز فيها جل تغييرات الإنسان الحاسمة المحقَّقة ضمن سجله العلمي والتقني على الأرض. أحدثت تقنية الإنترنت وأدواتها الرقمية تغييرًا جوهريًا في طبيعة الآليات المعرفية والإع مااية التي

يمارسها الإنسان المعاصر، بعد أن منحته فرصة جمع كم هائل من البيانات في بيئة رقمية توفر له فرصة تحليلها إلى عناصرها الأولية، وإعادة تشكيل مادتها بالطريقة التي يريد، مع توافر فرصة زج الوسائط المتعددة المفعمة بالمؤثرات السمعية والبصرية. إلا أن حدس دون تابسكوت (D. Tapscott) ‏ كان أكثر تلمسًا لحقيقة النسق المفاهيمي الذي

سيلتصق بالأنساق المعرفية السائدة في عصرنا الحالي، إذ إنه أقام مقاربة بين تقنية المعلومات من جهة، والتحولات الحاصلة في النشاطات المجتمعية بجميع مستوياتها من جهة أخرى. وطرح بشأن النسق المفاهيمي الذي يرتكز عليه مفهوم مجتمع المعلومات مميزات هي: خاصية الرقمنة Digitization))؛ السمة لافتراضية Virtualization))؛ السمة الجزيئية Molecularization))؛ النسق الشبكاتي Inter- Networking) (؛ التقارب Convergence) (. ولم ينس إدراج سمة الت حم بين عملية الإنتاج ولاستهلاك (Prosumer) ‏ التي أطلقها توفلر. ساهمت خاصية الرقمنة في ظهور آليات جديدة أحدثت تغييرات ملموسة في الأرضية المفاهيمية التي ترتكز عليها نشاطات المجتمع. وقد أتاحت المنتوجات الرقمية فرصة للمنتج والمستهلك على حد سواء لتخصيص مواصفاتها، بما يلبي متطلباتهم الشخصية التي قد تكون سلعًا منتجة أو

مستهلكة، أو أفكارًا منتجة أو مستهلكة، أو صورًا منتجة أو مستهلكة، فباتت المسألة مرتبطة بالغرض

من هذا التخصيص. وسمحت سمة الافتراضية بإنشاء كائنات معلوماتية افتراضية بديلة من الكائنات المقيمة على أرض الواقع، ومتميزة بهوية وانتماء إلى هيكلة منظماتية لبيئة رقمية تتسم بقدرتها على توفير جميع

(4) Alvin Toffler and Heidi Toffler, Creating a New Civilization: The Politics of the Third Wave , Foreword by Newt Gingrich (Atlanta: Turner Pub., 1995). (5) Don Tapscott, The Digital Economy: Promise and Peril in the Age of Networked Intelligence (New York: Mc- Graw-Hill, 1996).

(((يتشكل هذا المصطلح من مزج كلمة Producer (منتج) مع كلمة Consumer (مستهلك.)

المستلزمات التي تجعل المستخدمين يتعاملون معها، وهذا ما أدركت الجماعات التكفيرية أهميته لتثبيت أفكارها عبر الفضاء  لافتراضي. وكان ل السمة الجزيئية دور في تغييب السلطة المركزية في مجتمع المعلومات، وفي توفير هيكلية مسطحة أكثر فعالية من الهيكلية الهرمية التقليدية. أمّا النسق الشبكاتي، فساعد على تسهيل إمكانية لانفتاح على الآخر، وتعميق التفاعل معه، وسهولة

الوصول إليه، بحيث لم يعد من حدود فاصلة، ووفر فرص لانتشار المذهلة. وأخيرًا برزت سمة التقارب، أو غياب التوسط Disintermediation))، في النشاطات السائدة داخل

حدود المجتمع المعلوماتي. هذه السمات كلها تجعل العصر الميديولوجي الرابع أكثر حضورًا وفعالية. وربما يردّ هذا العصر

على سؤال دوبريه: «بأي وسائط تصبح الفكرة قوة؟» بالقول: باتت القوة اليوم من خ لاا وسائط الفضاء السيبراني. لكن الإشكالية تكمن في من يستغل هذه القوة لمصلحته؛ فالجماعات التكفيرية والأصولية عرفت أهمية هذه الوسائط، واستغلتها إلى أبعد حدود في نشر الشر المعلوماتي، مرتكبة

جميع أنواع الجرائم الإلكترونية، من قرصنة وسرقة ونشر للعنف وتسويق للقتل... محدثةً خللً في سلوكيات المجتمع لافتراضي، وبالتالي مسببة الضرر الفكري والعقائدي ولاجتماعي والسياسي والثقافي للمجتمع الواقعي.

انطلاقة الفكر التكفيري عبر وسائط الاتصال الحديثة

عندما نتحدث عن الفكر التكفيري أو التطرف الديني Extremisme) (، فهذا لا يعني مطلقًا أننا نقصر الحديث على العالم العربي والإسلامي؛ فالتطرف هذا يتجلى في مختلف الأديان والعقائد الدينية الكبرى في العالم، سواء في الديانات الإبراهيمية (اليهودية والمسيحية والإس ماا) أو الديانات الشرقية (البوذية والسيخ والشنتوية). كما أن السلفية الدينية Integrisme) (هي توجُّه اليمين الكاثوليكي في الغرب، لكن

هذا التوجه بدأ يزحف ويتحول إلى ممارسات دينية وفكرية لدى بعض الأديان الأخرى. كما أن الأصولية الدينية موجودة لدى المسيحيين (البروتستانت والكاثوليك) والمسلمين، فنجد في كندا حركات القبعات البيض (Les Berets blancs) ‏، والتيارات الأصولية المسيحية المؤمنة بمعركة هرمجدون ‏ في الولايات المتحدة الأميركية، أو حركات بناء الهيكل عند اليهود، ولا سيما اليهود الأرثوذكس‏...

(((مجموعة من الأصوليين الكاثوليك في كوبيك الكندية اتّبعت أسلوبًا متشدِّدًا في الدفاع عن هويتها الدينية المهدَّدة.

(((قرية مذكورة في سفر الرؤيا، وهي تقع شمال القدس. وتبشر هذه التيارات الأصولية المسيحية بقيام معركة هرمجدون بين الحق والباطل، وعند اقتراب فناء العالم، يظهر المسيح، ويخطف المسيحيين المولودين من جديد ويخلصهم (تختلف الروايات في هذا الصدد، لكنها كلها لا تخلو من التطرف). ولمزيد من المعلومات يمكن لاطلاع على: The 1980›s, Countdown to Hal Lindsey,

Armageddon (New York: Bantam Books, 1981).

(((هي مجموعة من الحركات أو الجمعيات الأصولية التي تدعو إلى تحرير جبل الهيكل من « لاحت لاا» العربي الإس مااي،

بحسب وصفها، وإعادة بناء «الهيكل الثالث» طبقًا لنبوءات الأنبياء العبرانيين، وجعل أورشليم مدينة توراتية غير مقسمة، وعاصمة أبدية لإسرائيل.

إلا أن ما يهمنا عرضه في دراستنا هو التطرف الإسلامي التكفيري الفاقد روحية الإسلام، والمتحول إلى عنف ضد الإسلام أولً وضد الإنسانية الحقًا. استفادت هذه الحركات الأصولية من المعطيات الإعلامية الجديدة التي تبلورت بأشكالها المتنوعة عبر الإنترنت، وعرفت كيف تستخدم أساليب تعميم الأفكار ونشر البرامج وأصول التأثير والتعبئة والتجنيد، بطرق مبسطة وسهلة، تستعمل النص والصوت والصورة من جهة، والنقاش والحوار والتفاعل من جهة أخرى. كما استفادت في كسر القالب الرقابي لوسائل الإع ماا التقليدية للأنظمة الحاكمة محليًا ودوليًا، كون وسائل الإعلام الجديدة لم تعد تخضع لقنوات التوزيع الرسمية في الدول

التي تنشط فيه هذه الحركات، وهو ما ساعدها على زيادة فرص التحكم في أفكار الأجيال الصاعدة، خاصة أنها تستخدم العامل الديني الذي يُعتبر المحرك الأساسي لمشاعر الأمة الإسلامية. من هنا نسأل: كيف بدأت الحركات الأصولية التكفيرية الإبحار في الفضاء السيبراني؟ البداية العملية لهذه الحركات الأصولية انطلقت مع تنظيم القاعدة سنة 997.1 ويشير كثير من الدراسات والتحليلات إلى أن علاقة القاعدة بالوسائط الإلكترونية بدأت في سنة 0012، وبالتحديد بعد أن قامت الولايات المتحدة بغزو أفغانستان عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 0012، لكن الحقيقة هي أن سنة 9971 شكلت أول ظهور لموقع تابع لجماعة متطرفة، وهو موقع جماعة «الجهاد»

المصرية التي أعلنت انضمامها إلى القاعدة في أفغانستان، وأُطلق في سنة 0002 أول موقع رسمي لتنظيم القاعدة باسم «معالم الجهاد». لم تكن أفغانستان عندما غزاها الأميركيون سنة 0012 مقرًا لتنظيم القاعدة. وقد تحول الفضاء

السيبراني إلى مقر عملي للتنظيم أكسبه الكثير من التماسك عبر استخدام الأدوات الإلكترونية بدلً من أن تكون له أرض تحدها الحدود. وهو يتمتع بمضمون مرن ومتطور ومنظم وذي طبيعة غير جغرافية، وإن استخدم بعض الأراضي قواعد مؤقتة لنشاطه. إنه نمط عالمي جديد يتمتع بالقدرة على الحركة الجغرافية والمالية والتكنولوجية. بعد سقوط حركة طالبان وفرار أسامة بن لادن، أصبحت البنية التنظيمية للقاعدة أكثر مرونة من ذي قبل. وقد لاحظ غبريال وايمان ذلك وقال: «في البنى الفضفاضة للشبكات، ينتظم أعضاء المجموعة في خلايا مرتبطة بشكل محدود، وربما لا تربطها أي علاقة، بالخلايا الأخرى أو القيادة المركزية أو المقر الرئيسي؛ فالقيادة لا تصدر أوامر للخلايا، وإنما تنشر معلومات عبر وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت، والرسائل الإلكترونية التي يمكن توزيعها والوصول إليها من دون كشف الهوية. تكمن إيجابيات هذه البنية العملية في أن مراقبتها واختراقها أو القبض على نشطائها لا تقود وك لات لاستخبارات إلى الخلايا الأخرى أو إلى بنية القيادة المركزية‏».

(10) Gabriel Weimann, Terror on the Internet: The New Arena, the New Challenges (Washington, DC: United States Institute of Peace Press, 2006), pp. 115-116.

وتواصل القاعدة تطورها التدريجي باعتبارها مشروعًا عالميًا غير تراتبي، وتحظى بتأييد مواطنين في

جميع أنحاء العالم، ولاؤهم لقضية القاعدة التي تعتبر بالنسبة إلى البعض المشروع الذي يقاتل من

أجل الذود عن الإسلام، وصولً إلى استعادة الخلافة. لقد أدركت قيادة القاعدة أهمية الإنترنت‏ في توجيه أتباعها، ويتضح ذلك من خلال الرسالة التي ينقلها أحد مواقعها: «نظرًا لتقدم التكنولوجيا الحديثة، فقد أصبح من السهل نشر الأخبار، والمعلومات، والمق لات، وأية

مواد أخرى عبر الإنترنت. ندعو المتخصصين في الإنترنت من المسلمين لنشر الأخبار الجهادية والمعلومات الخاصة به وتوزيعها عن طريق قوائم التراسل، ومجموعات النقاش، ومواقعها الخاصة. واذا فشلت وأغلق موقعنا قبل أن تفعل ذلك، قد نحاسبك أمام الله يوم القيامة... نتوقع أن يتم فتح موقعنا وإغ قااه باستمرار، وبالتالي فإننا نحث كل المسلمين المهتمين بموادنا أن ينسخوا كل ما يحتاجون إليه من موقعنا وينشروه عبر مواقعهم الخاصة ومجالس النقاش وقوائم التراسل. وهذا أمر يمكن أن يشارك فيه كل مسلم بسهولة، بما في ذلك الأخوات. وبهذه الطريقة، حتى إذا أغلقت مواقعنا، تبقى موادنا حية بفضل الله». وطرحت مسألة فقدان الملاذات الآمنة في العالم الواقعي ضرورة البحث عن ملاذات آمنة في العالم لافتراضي، فسارعت الفروع الإقليمية لتنظيم القاعدة إلى إنشاء مواقع ومنتديات جهادية ومراكز إعلامية، منها «مؤسسة السحاب» التي أصبحت جزءًا من «مركز الفجر الإعلامي» التابع للتنظيم في

أفغانستان وباكستان بزعامة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، و«مركز اللجنة الإعلامية» التابع لتنظيم القاعدة في ب داا المغرب الإس مااي والذي تحول إلى «مؤسسة الأندلس للإنتاج الإع مااي»، ومركز «صوت الجهاد» التابع لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، و«مؤسسة صدى الم حم» التي ظهرت عقب اندماج فرعي القاعدة في السعودية واليمن. قامت هذه المؤسسات بإصدار كتب ومج ت إلكترونية كثيرة، أمثال «صوت الجهاد» و«البتار» و«ذروة السنام» وغيرها. وتُعتبر تجربة فرع القاعدة في السعودية فريدة وثرية؛ فقد عمل يوسف العييري‏ على وضع التنظيم على شبكة الإنترنت بشكل مكثف، وعمل عبد العزيز المقرن‏،

(((1 من أشهر المواقع والمنتديات الجهادية التي ظهرت عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر: منتديات شبكة الحسبة: <http://www.

al-hesbah.org/v/>، ومنتديات شبكة الإخ: ص http://www.alekhlaas.net> <، ومنتديات الفردوس: <http://202.75.35.74/

index.php>، ومنتديات البراق: http://al-boraq.com> <، ومنتديات بيت المقدس: http://www.baytalmaqdes.com> <، ومنتديات

الفلوجة: http://www.al-faloja.info/vb/index.php> <، وشموخ الإس ماا: <http://www.shmo5alislam.net/vb/index.php>،

وشبكة الليوث: http://al-leyoth.co.cc/vb> <، والجبهة الإع مااية الإس مااية العالمية: http://gimf.123.fr> <، وشبكة البخاري

الإسلامية: http://www.abualbokhary.net/ib/index.php> <، وشبكة مداد السيوف: http://www.almedad.com> <، وشبكة حنين:

http://www.hanein.info> <، ومنبر التوحيد والجهاد: http://www.tawhed> <، وشبكة أنا المسلم: <http://www.muslm.net/vb/ index.php>.

(((1 مؤسس تنظيم القاعدة في جزيرة العرب منذ سنة 000.2 قُتل في عملية مطاردة بالقرب من مدينة حائل السعودية في 1 حزيران/يونيو.2003

(((1 قُتل في مواجهات مع الأجهزة الأمنية السعودية في حزيران/يونيو.2004

في إثر مقتل العييري، على تأسيس موقع جهادي مخصص للمرأة حمل اسم موقع «الخنساء»، ونشط هذا الموقع في تجنيد النساء عبر شبكة الإنترنت لتنظيم القاعدة، وكان بإشراف نسوة يعتنقن السلفية الجهادية. في هذا السياق، ظهر «مركز الفرقان» الذي يتبع دولة العراق الإسلامية وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين. وكانت شبكة أبي مصعب الزرقاوي قد مرت بمراحل عدة قبل أن يصبح لها حضور إعلامي بارز؛ فقد ‏تمكن يونس التسولي من وضع التنظيم على الشبكة بشكل واسع، وكان يرتبط بالشبكة بالصوت والصورة ليعطي حلقات دراسية عن كيفية استخدام الإنترنت، حيث بدا أنه كان يستخدم الإنترنت ليلً ونهارًا، ويجيب عن الأسئلة المختلفة، ككيفية إرسال فيديو، على سبيل المثال، ويقوم بعملية الإرسال

بنفسه. كما أنه ركَّز على قرصنة المواقع الإلكترونية، وعلى تعليم متصفحي الإنترنت أسرار التصفح ‏المجهولة. وتعتبر هذه الفترة، أي بداية سنة 0032 لغاية سنة 0062، ذروة أداء تنظيم القاعدة على الإنترنت. تنقسم المواقع الجهادية التابعة، أو المؤيدة لتنظيم القاعدة، إلى أربع فئات: الأولى: المواقع الرسمية، وتمثّل مواقع المنظمات الجهادية والشيوخ والمنظِّرين، حيث تستخدم هذه المنظمات مواقعها للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور المستهدف، فتنشر فيها صور عملياتها بإشراف أفراد على درجة عالية من المعرفة بالعلوم والتكنولوجيا، وذلك لإنتاج مواد بمواصفات احترافية ومعقدة، كالمرئيات ذات الجودة العالية. أمّا مواقع الشيوخ والمنظرين، فمن أشهرها موقع

الشيخ أبي مصعب السوري، وموقع الشيخ أبي قتادة الفلسطيني، وموقع الشيخ أبي بصير الطرطوسي، وموقع الشيخ أبي محمد المقدسي «منبر التوحيد والجهاد»، ويُعتبر هذا الأخير بالذات من أهم

المواقع لأنه يحتوي على مق لات وكتب تابعة للفكر السلفي الجهادي، وعلى مكتبة زاخرة ومنظَّمة لأدبيات الجهاد، تراثية وحديثة. الثانية: المنتديات والمدونات الشخصية الجهادية. تحتوي المنتديات على أقسام فرعية (سياسية

واقتصادية واجتماعية، خاصة تلك المتعلقة بالأسرة). ومن أكثر المنتديات شهرةً منتدى «الحِسبة». وتعمل المدونات الشخصية على تبادل الآراء، بيد أن وظيفتها الرئيسية هي نشر المواد، وتوفير روابط لمواقع جهادية.

(1((خبير محترف في مجال المواقع الإلكترونية، يبلغ من العمر 22 عامًا، أطلق على نفسه لقب «إرهابي 007»، وانضم في أوائل

سنة 0042 إلى منتدى يدعى «منتدى أنصار الإسلام»، ثم انضم بعدها بفترة وجيزة إلى «منتدى الإخلاص»، وتزامن ذلك مع بداية استخدام الزرقاوي الإنترنت وسيلة أساسية للترويج للعمليات التي تنفذها شبكته في العراق. وقام «إرهابي 007» في غضون سنة

ونصف سنة بترسيخ نفسه كأحد أكثر الجهاديين خبرة في جميع مج لات الإنترنت، وأصبح عضوًا ناشطًا في كثير من المنتديات

الجهادية باللغتين العربية والإنكليزية، كما عمل على تطوير نفسه في مجالي اختراق وتحسين نظام أمن الحماية على الإنترنت. تم

توقيفه لاحقًا في بريطانيا. (1 ((ريتا كايتس ومايكل كيرن سانداي، «كشف هوية الإرهابي 007،» ترجمة مروة وضاء، على الموقع الإلكتروني:

<http://www.aljazeeratalk.net/formarchive/index.php/t-7205.html>.

الثالثة: مواقع ذات طبيعة مختلفة يمكن تصنيفها كمواقع للتوزيع. وهي مجموعة تضم مواقع متنوعة تشترك في هدف واحد هو الإبقاء على بنية الجهاد التحتية على الشبكة، ومنها موقع مخصص للتوزيع فقط. ومن أبرز المجموعات الفرعية لهذه المراكز مجموعة «الدليل». وهذه المواقع توفر قائمة محدَّثة من الروابط للمواد المرئية أو الصوتية، كموقع «دليل مشاور». أمّا

المجموعة الفرعية الأخرى، فهي مواقع للتوزيع يشرف عليها متعاطفون مع السلفية الجهادية بسبب قضية معينة أو مجموعة معينة، فيعيدون توزيع المواد التي ترتبط بقضيتهم أو التي تنتجها المجموعة التي يؤيدونها، وهُم أفراد على درجة عالية من الخبرة والمعرفة في ما يتعلق بالشبكة العنكبوتية، ومن ذلك القيام بالترجمة والنشر بلغات عالمية. ومن الأمثلة على هذه المواقع: موقع «أنصار الجهاد»، وهو موقع مستقل لا يمثّل أي منظمة، ويعمل على نشر المعلومات عن المجاهدين لتعريف الناس بقضية الجهاد بشكل عام، وموقع «القاعدون» الذي أنشأته مجموعة من المتعاطفين مع المجاهدين المختصين بإعادة نشر إصدارات تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية. ومن المجموعات الفرعية لمواقع التوزيع، وسائل الإع ماا التي لا تنتمي بالضرورة إلى أي تنظيم، وتعمل على إنتاج ونشر المواد الجهادية بشكل عام، ومن الأمثلة على هذه المجموعة: «الجبهة الإع مااية الإس مااية العالمية ‏» التي أسست إذاعة تلفازية على الشبكة تحت اسم «صوت الخ فااة»، وهي تشبه في عملها الشبكات الإخبارية من حيث نشر تقارير أسبوعية من العراق وفلسطين وأفغانستان. الرابعة: مواقع التواصل لاجتماعي. وفي هذه المرحلة، استمر تنظيم القاعدة في اتباع التكتيك الفكري نفسه، مواكبًا طبيعة تطور شبكة الإنترنت من خلال جماعات تقتحم مواقع التواصل لاجتماعي، لما

لها من تأثير، ولكثرة استخدام الشباب لها. وهي ترتكز بشكل كبير على توسيع قاعدة النشر والتجنيد، مثل صفحات «أنصار بيت المقدس» على شبكة التواصل لاجتماعي، والفيديوهات التي تبثها عبر اليوتيوب. وفي آذار/مارس 013 2 أعلنت «مؤسسة الأندلس»، الذراع الإع مااية لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، فتْح باب التواصل مع العامة من خلال حسابها على تويتر، فكان ذلك نقطة

انطلاق جديدة للتنظيمات المتطرفة في الفضاء السيبراني. ومن أطر الأفكار التي أطلقتها للنقاش على تويتر، «حساب قضايا الأمة» و«حساب الجهاد في أوروبا»، وهي مازالت قيد الدراسة والتطوير لدى جماعات العنف. لكن أخطر ما قام به تنظيم القاعدة هو ترسيخ نماذج جديدة من الجهاد والجهاديين، كالجهاد ‏الفردي الذي يتميز بأنه لا يخضع للتنميط، وأعضاؤه ينحدرون من خلفيات اجتماعية متنوعة وغير مهمشة اقتصاديًا بالضرورة، إلا أنها تشعر بالتهميش لاجتماعي والثقافي.

(1((لمزيد من التفصيل بشأن الجبهة ومؤسسيها لافتراضيين وآلية عملها وأقسامها، انظر: أحمد بن حسن الموكلي، «استراتيجيات عولمة الإع ماا القاعدي: الجبهة الإع مااية الإس مااية العالمية نموذجًا،» على الموقع الإلكتروني: <www.syrianawkkaf.org/

articles/File/alslam/2-1.doc>.

(1((محمد خليل الحكايمة، «الجهاد الفردي والخلية الفردية،» على الموقع الإلكتروني: < http://alfaloja.info/vb/showthread.

php?t=56827>.

هذا هو الجيل الثالث من جهاديي القاعدة الذين ينتمون إلى خلفيات متنوعة من دون قيادات فعلية، ويتعاملون مع قيادات رمزية على شبكة الإنترنت لا أحد يعرف هويتها الواقعية الحقيقية. حل الإنترنت مع الجيل الثالث مكان المساجد في عمليات التعبئة والمشاركة والتدريب والتجنيد، ولم تعد القاعدة تبحث عن أعضائها، فهذا الجيل هو من يسعى إلى لانضمام إليها. ونورد الأمثلة الآتية التي توضح نجاح استغلال الفضاء السيبراني في نشر العنف: - نضال مالك حسن: 93 سنة، أميركي من أصل فلسطيني، متخصص بمجال الطب النفسي - دخل العالم لافتراضي للجهاديين عن طريق الإنترنت، ثم نفذ في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 0092 هجومًا

على زملائه في قاعدة «فورت هود» في ولاية تكساس، التي عمل فيها معالجًا نفسيًا للجنود الأميركيين

العائدين من العراق وأفغانستان. وقد أسفر هجومه عن مقتل 13 جنديًا أميركيًا، وجرح 31 آخرين.

وتُعتبر هذه الحادثة أكبر عملية داخل الولايات المتحدة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وتكشف عن طبيعة التحولات التي تطاول جهاديي العالم  لافتراضي. - عمر فاروق عبد المطلب: 23 سنة ‏، نيجيري درس الهندسة الميكانيكية في جامعة «يونفرسيتي كولدج» في لندن بين سنتي 0050082 و 2، وهو نجل وزير سابق وأحد المصرفيين الأثرياء في نيجيريا. حاول تفجير طائرة ركاب أميركية تابعة لشركة «نورث ويست» المتجهة إلى ديترويت من أمستردام عشية أعياد الميلاد في 52 كانون الأول/ديسمبر 009.2 وعلى الرغم من أن محاولته باءت بالفشل، فإنها كشفت عن طبيعة جهاديي العالم لافتراضي، ومدى هشاشة الإجراءات الأمنية المتبعة في أمن المطارات، وإمكانية التهديد في أماكن غير متوقعة ومن أماكن غير متوقعة كذلك. وكان عمر هذا عضوًا مواظبًا في المنتديات الجهادية تحت اسم مستعار هو «فاروق 986»1، على موقع «جواهر.

كوم» www.jawaher.com. وكتب منذ سنة 0052 أكثر من 003 مشاركة في المنتديات الحوارية الجهادية وموقع الفيسبوك وغرف الدردشة، وعمل بجد على الدخول في أفق العالم لافتراضي، وسعى جاهدًا

إلى تقديم نفسه إلى تنظيم القاعدة، وتكلَّل بحثه بالتواصل مع فرع القاعدة في اليمن الذي عمل على ضمه وتدريبه على القيام بعملية انتحارية مبتكرة، وذلك باستخدام متفجرات بلاستيكية سائلة غير قابلة للكشف، تتجاوز الإجراءات المتبعة في أمن المطارات كاستخدام الأشعة‏. - همام خليل البلوي ‏:، أردني، وهو طبيب أنهى الدراسة الثانوية بتفوق، ثم غادر لدراسة الطب في تركيا، وتزوج من صحافية تركية أنجب منها ابنتين. قاد واحدة من أكبر عمليات التمويه والخداع للأجهزة لاستخبارية؛ ففي الوقت الذي ظنت الأجهزة لاستخبارية الأردنية والأميركية أنها تمكنت

1(((«التشدد والتطرف وإنتاج الإرهاب، عمر الفاروق مثالً،» (شبكة النبأ، 6 كانون الثاني/يناير 0102)، على الموقع الإلكتروني:

.> http://www.annabaa.org/nbanews06/01/2010.htm <

1(((مارك هوزنبول، مايكل إيسيكوف وإيفان توماس، «تطرف عمر الفاروق عبد المطلب،» نيوزويك (باللغة العربية) (12 كانون الثاني/يناير 0102)، ص 25 -.31

2(((محمد أبو رمان، «من صنع أبو دجانة الخرساني؟،» الغد (الأردن)، 010/1/102، على الموقع الإلكتروني:

<http://www.alghad.com/index.php?article=15930>.

من تجنيد عنصر على درجة عالية من الأهمية والخطورة من جهاديي العالم لافتراضي، نظرًا إلى

تمرسه في حقل الجهاد الإلكتروني، وشهرته بين أبناء الجيل الثالث، وتواصله مع البارزين منهم، الأمر الذي يمكن من خلاله الوصول إلى قيادات الصف الأول في تنظيم القاعدة كالظواهري وبن لادن، كان البلوي أو أبو دجانة الخراساني، وهو اللقب الذي اختاره لنفسه واشتهر به في عالم المنتديات الجهادية، يعمل على ترسيخ النموذج المستقبلي لجهاديي القاعدة. وقد بادر إلى تقديم نفسه للانضمام إلى شبكة القاعدة، حيث أخذ يشارك في المنتديات الجهادية، وفي مقدمتها منتدى الحسبة منذ سنة 007 2، وأصبح خ لاا فترة وجيزة معروفًا على نطاق واسع في الوسط الجهادي لافتراضي، حتى تمكن من كسب ثقة الأجهزة لاستخبارية للعمل في أفغانستان وباكستان. وقد تبين بعد ذلك أنه كان على تواصل مع القاعدة وحركة طالبان باكستان لتنفيذ عملية انتحارية في قاعدة «تشابمان» في منطقة خوست شرق أفغانستان‏. وقد تمكن في 03 كانون الأول/ديسمبر 0092 من إلحاق ثاني أكبر خسارة في تاريخ وكالة لاستخبارات المركزية الأميركية CIA) (بعد الخسارة التي مُني بها الأميركيون

في بيروت سنة 9831؛ إذ أسفرت العملية عن مقتل 7 من عملاء الوكالة، وضابط أردني، وسقوط 6 جرحى، وكشفت عن أكبر عملية خداع قادها جهاديو العالم لافتراضي، وحملت الأجهزةَ لاستخبارية على إعادة النظر في موضوع تجنيد العملاء، وكشفت عن التحولات العميقة في طبيعة المعركة وبنية الجهاد القاعدي  لافتراضي. إن بداية استغلال الفضاء السيبراني للأهداف السياسية ونشر العنف ولارهاب لم تتوقف مع القاعدة، بل استُكملت مع تنظيمات أخرى، أبرزها تنظيم داعش الذي استخدم هذا الفضاء بأساليب أكثر وحشية وعنفية، سعيًا منه لاستعراض القوة وايصال الرسائل إلى الأعداء والخصوم. فكيف استخدم

داعش الوسائط الإلكترونية في عملية نشر مشاهد العنف؟

نماذج مشاهد العنف عبر وسائط الاتصال الحديثة

ظهر تنظيم الدول الإس مااية في العراق والشام (داعش) أول مرة في نيسان/أبريل 013.2 وكانت بدايته في 51 تشرين الأول/أكتوبر 0062، حين تأسس ما عُرف باسم «دولة العراق الإسلامية» بعد دمج مجموعة من التنظيمات، أبرزها «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين» بقيادة أبي مصعب الزرقاوي. ثم بويع أبو عمر البغدادي أميرًا للتنظيم خلفًا للزرقاوي الذي قتل في غارة أميركية في بغداد في 8

حزيران/يونيو 006.2 وبعد مقتل أبو عمر البغدادي سنة 0102، بويع أبو بكر البغدادي في سنة 0112 فأعلن دمج «دولة العراق الإسلامية» مع «جبهة النصرة» التي يقودها الجولاني، تحت مسمى «الدولة الإس مااية في العراق والشام» (داعش)، إلا أن الجولاني رفض الدمج وأعلن ولاءه لأيمن الظواهري وأبقى على «جبهة النصرة».

(((2 تبنت حركة طالبان باكستان العملية، حيث ظهر البلوي في شريط مصور إلى جانب زعيم حركة طالبان باكستان حكيم الله محسود، وأكد أن العملية جاءت ردًا على مقتل الزعيم السابق للحركة بيت الله محسود بنيران طائرة أميركية بلا طيار. انظر الشريط

<http://www.aljazeera.net/mritems str...64000_1_12.flv>. على الموقع الإلكتروني:

ثم أعلن تنظيم داعش قيام دولة الخ فااة في 92 حزيران/يونيو 0142 ليصبح اسمه تنظيم «الدولة الإس مااية» وخليفته أبو بكر البغدادي. والجدير بالذكر أن داعش يرتبط عقائديًا بابن تيمية وبتنظيم

القاعدة التي تبايع الملا عمر. ومن أوجه لاختلاف أن القاعدة تسعى إلى محاربة العدو الخارجي، بينما داعش يعطي الأولوية للعدو القريب، وهو الآخَر المغاير. حقق التنظيم قفزات إع مااية ملحوظة، متفوقًا على تنظيم القاعدة، وذلك بفضل استخدامه وسائل التواصل لاجتماعي‏ التي راج استخدامها مع انطلاقته. لكنه انتهج سلوكًا مختلفًا لم يقتصر على التعبئة والتجنيد والتحريض، بل اشتمل أيضًا على عرض مشاهد العنف والتفنن في عرضها وتصويرها

بأساليب وصِفت ب لاحترافية الهوليودية. هذا يعني أن داعش لم يكن يفعل ما يفعله، من عنف وتعذيب وقتل، لأهداف تشبه الصور الفاضحة التي شهدها سجن أبو غريب وأبطالها هُم جنود أميركيون وبريطانيون كانوا يمارسون بحق مساجين

عراقيين جميع ضروب الإهانة والإذلال خلافًا للقانون والإنسانية، بل كان يفعل أخطر من ذلك، وهو صناعة مشهد العنفوتسويقه ونشره عبر وسائط التواصل لاجتماعي، أي إنه لم يكن يرتكب هذه الأعمال بسرّية كما فعل الأميركيون، بل بشكل علني وبأسلوب احترافي، لتكريس ما يمكن تسميته

«العنف المصوَّر» لتحقيق أهدافه السياسية. إن ممارسة التعذيب بأنواعه كافة جارية في جميع المعتق ت في العالم، مثل معتقل غوانتانامو الأميركي في كوبا، وباغرام في أفغانستان، وسجون الولايات المتحدة، وسجون العدو الإسرائيلي، ومعتقلات الأنظمة العربية... هذه كلها تتصف بالسجون السرية، والمعلومات التي تتسرب من بين جدرانها توصف بأنها خطرة أو بأنها فضائح. أمّا مع داعش، فليس هناك تسريبات وإنما استعراضات

تبلغ حد التباهي بالقتل، وهو ما يشكل مفارقة خطرة ومستجدة في تاريخ الصراعات الدموية؛ إذ ندر أن قامت دولة أو تنظيم في العصر الحديث باستعراض القتل المصوّر والتباهي بنشره، كما

يفعل داعش. إذا كانت التكنولوجيات الرقمية قد فتحت فضاءاتها التعبيرية بشكل حر، كما عبّر عالم لاجتماع

مانويل كاستلز، ب «وسائل الإع ماا الجماهيرية الفردية»‏ للدلالة على تمكين الفرد من التعبير عبر هذه المسائل، فإن المجموعات التكفيرية شوهت هذا الفضاء، ونقلت هذه الوسائل الجماهيرية من حالة تمكين الأفراد إلى حالة التمكن منهم؛ ذلك أنه بات لداعش جيش من الشباب البارع بالإبحار في هذا الفضاء بشكل حر، يتفاعل مع الطرق الترويجية التي يستخدمها التنظيم، مثل إصدار مقاطع فيديو محترفة من أجل «حملة المليار» التي تناشد المسلمين نشر رسائل وصور ومقاطع الفيديو على تويتر وإنستغرام ويوتيوب، دعمًا له. وفي 02 حزيران/يونيو 0142، أطلق التنظيم «هاشتاغ» عبر تويتر

(((2 ظهر سكايب Skype) (سنة 0032، وفيسبوك سنة 0042، ويوتيوب سنة 0052 (اشترته غوغل في سنة 0062 بمبلغ 1.65 مليار دولار)، وتويتر Twitter)) سنة 0062، والهواتف الذكية سنة 0072، وهي التي سهلت ترويج المعلومة والصورة.

(23) Manuel Castells, «Emergence des medias de masse individuels,» Le Monde diplomatique (Aout 2006), sur le Web: <http://www.monde-diplomatique.fr/2006/08/CASTELLS/13744>.

باسم #جمعة_نصرة_الدولة_الإسلامية، مطالبًا داعميه بتصوير أنفسهم وهم يرفعون راية داعش، ونشر

صورهم على وسائل التواصل لاجتماعي. كما تقوم «مؤسسة الفرقان»، وهي تمثّل الجناح الإعلامي للتنظيم، بإنتاج معظم أشرطة الفيديو المرتبطة بالتنظيم، إضافة إلى ألعاب الفيديو، مثل «صليل الصوارم»، لجذب الأطفال والمراهقين. ويعمد التنظيم أيضًا إلى جذب المواهب من خ لاا إعلانه رغبته في توظيف المهندسين وخبراء الصوت، وغيرهم من المختصين بالسلك الإعلامي، وصولً إلى إعلانه في مطلع سنة 0152 عزمه على إطلاق أول قناة تلفزيونية خاصة به («إذاعة الخلافة الإسلامية») تبث برامجها على مدار الساعة. تعمل هذه المجموعات التكفيرية على خلق مجتمع افتراضي موحد يضم المؤيدين من مختلف بلدان العالم، ويصب الجهد على تضخيم الصورة الذهنية لقوة تلك المجموعات وحجمها من خلال المراحل الآتية: - مرحلة التأثير الوجدانيمن خلال إثارة النعرات الطائفية والمذهبية، وشحن العاطفة والغيرة الدينية، بحجة الدفاع عن القيم المقدسة، مدعومة بنصوص دينية وفتاوى شرعية تُنشر بشكل منظم عبر وسائط التواصل  لاجتماعي. - مرحلة التوحيد الفكري، ويتم خلالها صوغ الأفكار الأحادية الجانب لإظهار وجهة نظر الجماعات الجهادية وأحقيتها في الجهاد والدفاع عن الدين وتحقيق الخلافة لاسلامية..، وذلك من خلال نقل المعلومات والنصوص والحجج الدينية المساهمة في خلق رأي عام مؤيد لها، بما يؤدي إلى اعتناق أفكارها المتطرفة. - مرحلة المشاركة والتنفيذ، وهي أخطر المراحل لأنها تنتقل من مرحلة التأثير وقبول الأفكار وتأييدها إلى مرحلة المشاركة الفعلية في تنفيذ الأوامر، التي تصل إلى حد التجنيد للقتال في صفوفهم أو تنفيذ عمليات انتحارية، أي التحول إلى مرحلة العنف وممارسة آلياته. تكمن الخطورة الأبرز في صناعة مشاهد العنف، كونها الأسهل انتشارًا، ولا تتطلب جهدًا كما في

قراءة النصوص والأحاديث. وقد أصبحت من أبرز وسائل تجنيد الشباب الصغار السن، نسبيًا، والذين

يسهل التغرير بهم تحت وطأة مشاهد متكررة تثير عواطفهم، وتهيئ لغسل أدمغتهم والسيطرة على تفكيرهم ووجدانهم. وقد ظهر ذلك من خ لاا تكرار حوادث قام فيها أطفال بذبح أشقائهم الرضّع بعد مشاهدتهم مناظر ذبح، وكذلك حوادث حاول فيها أطفال تقليد مشاهد لانتحار بخنق أنفسهم أو بتطبيق ما تعلّموه من مشاهد القتال. نتطرق في ما يلي إلى أبرز مشاهد العنف التي مارستها المجموعات التكفيرية عبر الشبكة، ونعدد الرسائل السياسة منها. - مشاهد الذبح والقتل كرسائل لردع الضربات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي

• في 91 آب/أغسطس 0142، أعلن تنظيم داعش في شريط مصور بثه على مواقعه الإلكترونية ذبح الصحافي الأميركي جيمس فولي (40 سنة) الذي كان قد خُطف في شمال سورية في تشرين الثاني/نوفمبر 012.2 وهدد في الشريط نفسه بقتل رهينة ثانية ردًا على الضربات الجوية التي ينفذها التحالف الدولي في سورية والعراق. • في 2 أيلول/سبتمبر 0142، عرض تنظيم داعش في شريط مصور ذبح الصحافي الأميركي ستيفن سوتلوف (31 سنة) الذي كان قد خُطف في شمال سورية، قرب الحدود التركية، في 4 آب/أغسطس 0132، وهدد في الشريط نفسه بقتل عامل الإغاثة البريطاني ديفيد هاينز. • في 42 أيلول/سبتمبر 0142، أعلنت جماعة «جند الخلافة» الجزائرية، التي بايعت داعش سابقًا، ذبح الفرنسي ايرفيه غورديل (55 سنة) الذي كان قد خُطف في شرق الجزائر، قبل أربعة أيام من ذبحه. • في 3 تشرين الأول/أكتوبر 0142، أعلن تنظيم داعش في شريط مصور ذبح عامل الإغاثة البريطاني آلن هيننغ (47 سنة) الذي كان قد خُطف في كانون الأول/ديسمبر 0132، بعد انتقاله إلى سورية للعمل في مجال إيصال المساعدات إلى مخيمات النازحين. • في 61 تشرين الثاني/نوفمبر 0142، أعلن تنظيم داعش، في شريط فيديو، ذبح الأميركي بيتر كاسيغ (42 سنة) الذي كان قد خُطف في سورية سنة.2013 • في 3 شباط/فبراير 0142، أعلن تنظيم داعش حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة (62 سنة) الذي كان قد ألقي القبض عليه في 42 كانون الأول/ديسمبر 0142 بعد سقوط طائرته الحربية فوق الرقة في شمال سورية. ذهب التنظيم في هذا الفيديو إلى أساليب أكثر وحشية من سابقاتها، تجاوزت طرق الذبح المروعة إلى إنتاج مشهدية عنف لمدة 22 دقيقة، تصور بالتفصيل، وبأسلوب سينمائي محترف، كيفية إحراق الطيار الأردني الكساسبة حيًا، وهو محتجَز داخل القفص. حقق هذا الفيديو نسبة عالية من المشاهدات التي فاقت المليونين ونصف مليون، على الرغم من فظاعة الجريمة وقسوة المشاهد التي تهز الكيان والوجدان الإنساني. ونجح التنظيم في إيصال رسالته إلى القوات الجوية الأردنية، وإعلان أن هذه المعاملة سوف يلقاها كل طيار يقع في أيديهم، عقابًا له

على قصفه لهم من الجو، وحمل الشريط عنوان «شفاء الصدور» للدلالة على معنى لانتقام. ويأتي هذا الأسلوب مختلفًا عن الأسلوب الذي مورس بحق الرهائن الذين ذكرناهم، وهو قطع الرأس، كونهم

متهمين بالتجسس؛ فالكساسبة أُحرق لكونه متهمًا ب لاعتداء على داعش بالحرق. وبهذه الطريقة يصور

تنظيم داعش نفسه كأنه الضحية، ويقوم بالدفاع عن نفسه برد لاعتداء باعتداء مماثل. - مشاهد القتل الجماعي كرسائل تهويل ضد الطوائف والمذاهب المعادية • في 61 حزيران/يونيو 0142، أعلنت المواقع الإلكترونية التابعة لتنظيم داعش إعدام 7001 عنصر

من العناصر الشيعية في الجيش العراقي، كانوا قد أُسروا بعد اجتياح داعش محافظات عدّة في شمال

العراق. وجرى تداول مقطع مصور يُظهر صورًا مروعة لعمليات إعدام جماعية في مدينة تكريت

العراقية، ومقاطع أخرى تُظهر آلاف الجنود العراقيين الأسرى، وصوتًا مصاحبًا يؤكد أنهم الجنود الذين

استسلموا في قاعدة «سبايكر» في تكريت. • في 12 شباط/فبراير 0152، عرض تنظيم يطلق على نفسه اسم «جند الخلافة - ولاية طرابلس»، فيديو إعدام 21 قبطيًا مصريًا في مدينة سرت (450 كلم تقريبًا شرق طرابلس الغرب) في ليبيا، وكان

أولئك المصريون قد خُطفوا في كانون الأول/ديسمبر 014.2 وحمل الفيديو عنوان «رسالة موقعة بالدماء لأمة الصليب»، ويظهر فيه قتل المختطفين ذبحًا. وقال التنظيم حينها إن هدف العملية هو

لانتقام ممّا سمّاه «اضطهاد الأقباط المسلمات في مصر». • في 13 نيسان/أبريل 0142، نشرت مواقع التواصل لاجتماعي التابعة لتنظيم داعش إعدام 70 مسلحًا من جبهة النصرة في مدينة البوكمال السورية (التابعة لمحافظة دير الزور شرق سورية) على

الحدود مع العراق. وكان الغرض من الهجوم إحكام سيطرة داعش على هذه المدينة لتأمين معبر دائم له مع العراق. - مشاهد العنف لنشر الرعب والتهويل لفرض السلطة • إعدام رجلين بتهمة التجسس: نشر تنظيم داعش شريط فيديو يظهر فيه طفل يطلق النار من مسدسه على رجلين، مصوبًا على عنقيهما، ومن ثم أطلق النار عليهما مجددًا، وذلك بتهمة أن الرجلين

كلفتهما لاستخبارات الروسية بالتجسس على قياديين وعناصر من داعش في سورية. ويُظهر الشريط

الطفل وهو يجيب عن سؤال باللغة الروسية عمّا يريد أن يفعله في حياته: «أريد أن أكون ذابحكم يا

كفار، أريد أن أكون مجاهدًا إن شاء الله». • إعدام رجلين برميهما من سطح برج: يعرض هذا الفيديو إقدام عناصر من تنظيم داعش على إعدام رجلين متهمَين بالشذوذ الجنسي، وذلك بهدف تكريس منطق القوة ومعاقبة المخالفين بصورة وحشية

تظهره بأنه القوة التي لا ترحم. • إعدام عشرة أطباء في الموصل: يُظهر الفيديو إقدام أفراد من تنظيم داعش على إعدام هؤلاء الأطباء

في الموصل بسبب امتناعهم عن معالجة جرحاه، وذلك ضمن سلسلة من الإجراءات يقوم بها التنظيم ضد سكان مدينة الموصل الذين يرفضون بقاء التنظيم في المدينة، ويُنزل أشد العقوبات بكل من

يخالف إرادته. • إعدام 61 شخصًا من أفراد عشيرة البونمر العراقية: تناقلت مواقع التواصل لاجتماعي فيديو إعدام هؤلاء الأشخاص في محافظة الأنبار غرب العراق، بإط ق أعيرة نارية في الرأس والصدر. ويقوم التنظيم بقتل وتصفية أفراد العشائر المعادية له، لما لذلك من تأثير معنوي ونفسي في كسر شوكة العشائر وفرض سلطته عليهم.

- مشاهد العنف والاستغلال لتلبية حاجات لوجستية ومستقبلية • بيع النساء في سوق الرقيق: عرض عدد كبير من الفيديوهات إقدام تنظيم داعش على بيع النساء في الأسواق كسبايا في بعض المدن العراقية والسورية التي تخضع لسيطرته، وذلك بعد خطفه الكثير من النساء الإيزيديات والمسيحيات والتركمان. • تجنيد الأطفال وتدريبهم في معسكرات: أظهر الكثير من المواقع الإلكترونية واليوتيوب أشرطة

تُظهر أطفالً تراوح سنهم بين 01 و 12 سنة وهم يرتدون ملابس سوداء ويخفون وجوههم بالأقنعة، ويتدربون على استخدام السلاح، فضلً عن فيديوهات أخرى تعرض مشاركة أطفال في ممارسة القتل، أو آخرين مزنرين بأحزمة ناسفة، تعبيرًا عن استعدادهم للقيام بعمليات انتحارية. • تجنيد الشباب من مختلف بلدان العالم: يفتح تنظيم داعش باب الفضاء السيبراني على مصراعيه لتحقيق التواصل مع أكبر عدد ممكن من الشباب من مختلف الجنسيات. ويتم ذلك من خلال جعل بعض المواقع الإخبارية ساحة نقاش وسجال يدوران بين من يشجب الجرائم المتناقضة مع تعاليم الإس ماا، ومن يتوعد كل من يقاتل داعش بدفع الثمن. وبين الفيديوهات شرائط تدرِّب زائريها على

كيفية صنع العبوات الناسفة، أو كيفية زرع الرسائل المشفرة في صور أو في ملف صوتي، أو غيره من الملفات التي تُرسَل عن طريق الإنترنت عبر وسيلة يُطلَق عليها لاختزال الإلكتروني كبديل من

التشفير. وبينها أيضًا شرائط تشجع الشبان الأوروبيين على لانضمام إلى ساحات القتال، وإجابتهم عن نوع الأحذية التي يجب إحضارها، والوجبات الغذائية التي سيحصلون عليها، ويشير أحد التقارير «أن داعش يجند شهريًا 4003 عنصر عبر حملات إلكترونية غاية التنسيق‏». وبغضّ النظر عمّا إذا

كانت هذه الأرقام صحيحة أو مبالغًا فيها، فإن داعش عرف كيف يستغل الشبكة بوسائطها كافة في سبيل تحقيق أهدافه.

خلاصة

في ما يلي بعض لاستنتاجات المستخلصة: - ساعد العصر الميديولوجي الرابع في تسريع التفاعل البشري ضمن بيئة جديدة تحللت من سيطرة الزمان والمكان، وهو ما أدى إلى صيغة جديدة من الوعي والعلاقات المؤلفة من الملفات المرقمنة، والنبضات الإلكترونية، والثقافة الرقمية المتكاملة، التي أتاحت للجماعات التكفيرية استغلال قدراتها الميديائية لتحقيق أهدافها السياسية. - أنتج العصر الميديولوجي الرابع ما يمكن أن يوصف ب «الأيديولوجيا الإلكترونية» ذات القدرة العالية على تسويق الفكر السياسي ولاجتماعي والثقافي، وتحقيق «الأدلجة الإلكترونية» في عملية التغير

(2((سعاد رودي، «داعش تنقل حربها إلى النت..خبايا تجنيد الذئاب المنفردة،» (الحرة (موقع إلكتروني)، 21 تشرين الأول/ أكتوبر.)2014

لاجتماعي للمجتمعات، حيث استخدمت الجماعات التكفيرية قدرة الوسائط الإلكترونية في تعميم الأفكار ونشر البرامج وأصول التأثير والتعبئة والتجنيد، بطرق مبسطة، سهلة، تستعمل النص والصوت والصورة من جهة، والنقاش والحوار والتفاعل من جهة أخرى. - استطاعت الجماعات التكفيرية لاستفادة إلى أقصى حد من «العقل الجمعي الإلكتروني» المتولد في الفضاء السيبراني، وذلك للتأثير في العقل الجمعي الطبيعي، وتوجيه سلوكياته وانفع لاته ب لاتجاه الذي تخطط له. - ظهرت التكنوقراطية الآلية لدى المجموعات التكفيرية بفعل مجموعة من القادة الإلكترونيين والمبرمجين المحترفين، الذين يمتلكون قدرات متميزة في صناعة مشاهد العنف وتسويقها عبر المنصات الإلكترونية وقنوات النشر. - أصبحت الصورة تحتل داللت رمزية جديدة تشير إلى انزلاق وظيفي في دورها من وسيط للتواصل والأرشفة ونشر المعرفة إلى جهاز لنشر العنف وتبديل السلوكيات وممارسة القمع. - استخدمت الجماعات التكفيرية الصورة لإيصال الرسائل السياسية إلى المجتمع الدولي، والتهويل على الطوائف والمذاهب المعادية لسياستها، وإبراز القوة، وتكريس سلطتها، وتنشيط فكرة التقليد لايمائي لبعض الفئات لاجتماعية (خاصة المراهقين والأطفال) للاستجابة لسلوكيات عنيفة خدمة لمشروعها السياسي. إن متابعة نشاط المجموعات التكفيرية عبر وسائط التواصل الحديثة مسألة في غاية الأهمية، إذا كنا نريد فهم السلوك السياسي والديني والثقافي لجزء كبير من الشباب في العالم العربي؛ ذلك لأن هذه المتابعة تسمح لنا بفهم مسار الأحداث في المستقبل القريب.