مشكلات القيم في فلسفة أوغسطين
The Problems of Values in the Philosophy of Augustine
الملخّص
تعالج هذه الدراسة إشكالية القيم في فلسفة أوغسطين التي ظلت بعيدة عن اهتمامات الباحثين رغم الأهمية التي تشغلها في فلسفة الرجل. ولعل من أهم جوانب هذه الإشكالية ما تعلق بالخير والشر والسعادة، وهذا ما نناقشه هنا، محاولين إبراز العلاقة بين ما هو لاهوتي وما هو فلسفي.
Abstract
Abstract: Maireche addresses the question of values in Augustinian philosophy which, despite its centrality to the Philosophy of Man, has remained neglected by scholars. Perhaps the most important aspect of these questions are related to matters of good and evil, and also with happiness. This paper shall focus on these themes, attempting to illuminate the distinction between the theological and the philosophical.
- أوغسطين
- مدينة الله
- مدينة الشيطان
- المسيحية
- المانوية
- Values
- Augustine
- Augustinian philosophy
- Christianity
- Manichaeism
أثار أوغسطين في كتاباته العديدة، كثيرًا من الإشكاليات التي تتصدى لها فلسفة القيم بالبحث
والدراسة؛ فهو من دون شك فيلسوف ولاهوتي، ومسائل من هذا النوع هي من صميم اهتمام الفلسفة واللاهوت على حد سواء، وهذا ما يجعلنا في أريحية ونحن نتعرض لهذه الموضوعات هنا، خاصة بعد أن تمكنا من الحصول على مصادر هذا الفيلسوف كاملة، من ضمنها بعض الأعمال التي تتعلق بهذا الموضوع بصورة مباشرة. ولعل من أهم هذه المصادر مدينة الله، حيث نجده يتطرق إلى مسائل عدة، منها: مقارنة بين الأخلاق الوثنية والأخلاق المسيحية؛ ثنائية الخير والشر؛ ثنائية مدينة الله ومدينة الشيطان. أمّا في كتابه في الكذب، فيتعرض لهذه القيمة، في حين نجد في كتابه الاعترافات
حديثًا عن الجمال وآخر عن الخطيئة والسعادة. زيادة على أعمال أخرى، نذكر منها: شرح رسالة القديس يوحنا الأولى، وتعليم المبتدئين أصول الدين المسيحي وفي الحياة السعيدة، حيث وجدنا الحديث فيها عن قيم مثل المحبة والخطيئة، عالجها الرجل بأسلوبه، وترك لنا من خلالها رؤيته التي صارت معبّرة عن تصور الكنيسة الكاثوليكية، بل فلسفة العصور الوسطى، لفترة طويلة من الزمن،
ونجدها حتى الآن تشكِّل تصورات أتباع معظم الكنائس المسيحية. كل هذا يجعلنا نخصص في هذه الدراسة حيزًا مهمًّا لعرض تصوراته في القيم، وخاصة الخير والشر والسعادة، معتمدين في هذه
الدراسة التحليلية النقدية على كتابات أوغسطين التي سبقت الإشارةُ إليها.
مشكلة الخير والشر
تُعَدّ مشكلة الخير والشر (Le Bien et Le Mal) من المشكلات القديمة التي ناقشتها الفلسفة والأديان
في مختلف العصور والأمصار. ولم يشذ أوغسطين عن هذا التقليد، سواء في أثناء الفترة الزمانية التي أمضاها منتميًا إلى المذهب المانوي القائم على فكرة الثنائية هذه، أو حتى بعد أن تحوَّل إلى المسيحية. وهكذا نجد أن هذه الثنائية التقليدية تثير عند أوغسطين تساؤلات عدة وتدفعه إلى مناقشة المسألة، قصد العمل على الوصول إلى حل لها. ولعل من أهم الأسئلة التي تجيب عنها كتابات أوغسطين المختلفة، وخاصة مدينة اللهوالاعترافاتوفي الكذب وفي الحياة السعيدة وغيرها من الأعمال، المقصود بالخير والشر، ودوافع ارتكاب الإنسان الشر وفعل الخير، وطبيعة هذه الدوافع ومصدرها، وأخيرًا علاقة الرجل
بالخير والشر، وهو ما يقودنا الى البحث عن إجابات لهذه التساؤلات على النحو التالي:
مفهوم الخير والشر
يعرِّف معجم اللاهوت الكتابيالخير والشر بقوله: «وقصارى القول، يدعى خيرًا كل ما يسبب السعادة
أو يسهّل الحياة في الصعيد الجسدي أو السيكولوجي... وعلى العكس من ذلك، كل ما يؤدي إلى
المرض أو الألم بجميع أشكاله، وبالأخص إلى الموت، هو شر». وعندما رغب أوغسطين في تحديد مفهوم الخير والشر، كتب في مدينة الله: «لأن مشكلة الغاية
المنشودة من الخيور والشرور تثير لدى الفلاسفة جدلً طويلً، وإذا ناقشوها بعمق اهتمّوا في اكتشاف
ما يجعل الإنسان سعيدًا. وفي الواقع، إن الغاية من خيرنا هو ما يجب أن يسعى إليه الإنسان بكليته، وبحد ذاته، والغاية من الشرّ ما يتجنبه بكليته في حد ذاته. وعلى هذا النحو إننا نعنى بالخير، ما يحققه،
ولوصوله إلى كماله لا ما يقضى عليه نهائيًا، كما إن غاية الشرّ لا ما يقضي عليه نهائيًا، بل ما يوصله
من الأذى، إلى الذروة، هاتان الغايتان هما الخير الأسمى والشر الأسمى».
(((كزافييه ليون دوفور، معجم ال هااوت الكتابي، أشرف على الترجمة ونظمها علميًا أنطونيوس نجيب، ط 2 (بيروت:
دار المشرق، 1986)، ص.334
(((أوغسطينس، القديس، مدينة الله، نقله إلى العربية يوحنا الحلو، التراث الروحي، ج 2، ط 2 (بيروت: دار المشرق، 2006)، ص.103-102
إشكالية الخير والشر في المرحلة المانوية
أثارت إشكالية مصدر الخير والشر الفلاسفة والحكماء في مختلف العصور والأمصار. وكما أسلفنا، لم يكن أوغسطين بمعزل عن النقاش الذي كان فلاسفة عصره يطرحونه، وهو مما جعله ينجر نحو هذه الطروحات؛ إذ وجدناه يتنقل بين آراء متناقضة وفلسفات متعارضة، لعل أهمها التصور المانوي الذي سيطر عليه فترة زمنية طويلة، أي المرحلة التي اعتنق فيها المانوية، في حين وجدناه ينتقل في ما بعد إلى القول بالتفسير المسيحي، بعد تخليه عن المانوية واعتناقه المسيحية. بين المرحلتين، مال أوغسطين إلى الفلسفة، وهذا ما جعله يتنقل بين مختلف التيارات الفلسفية ومذاهبها. ومعلوم أن إشكالية والخير والشر فلسفية أيضًا وليست دينية فحسب، وهو ما جعله يناقش هذه المسألة ويرد عليها. لذا، نجد أنفسنا مضطرين إلى عرض فكرة مصدر الخير والشر وفقًا لهذه التصورات المختلفة، حيث نبدأ بالمانوية، التي ترى أن هناك إلهين مختلفين، أحدهما يصدر عنه الخير، وهو إله الخير أو النور أهورامزدا، والآخر هو أهريمان الذي يصدر عنه الشر أو الظلام، والصراع بينهما مستمر من الأزل، غير أن النصر في النهاية سيكون لإله الخير. عبّر أوغسطين عن تصوره في هذه المرحلة تعبيرًا دقيقًا في كتابه الاعترافات، حينما قال: «أحببت في
الفضيلة السلام، وكرهت في الفساد النزاع، تارة أرى وحدة وتارة أرى الانقسام. بيد أني اعتقدت أن هذه الوحدة مزيج من النفس المتعلقة، وطبيعة الحق، والخير الأسمى الذي لم يكن جوهرًا في ذاته
وحسب، بل حياة واقعية... لقبت الأول موناد Monad باعتبار أنه نفس بلا جنس، ودعوت الثانية دياد Dyad مثل الغضب وقت العنف، ومثل الشهوة وقت الفساد. ولم أعِ آنذاك ما كنت أتحدث عنه لأني
لم أكن أعلم أن الشر ليس جوهرًا، وأن نفوسنا ليست الخير الأسمى الذي لا يتغير». غير أن أوغسطين سرعان ما تخلى عن المانوية، مُرجعًا ذلك إلى اكتشافه فساد تصوراتها، وهذا بعد أن
قابل في مدينة قرطاجة - مكان إقامته حينذاك - قسًا مانويًا واكتشف عجزه عن الإجابة عن الكثير من
التساؤلات، بعدما قارن رؤيته برؤية الفلاسفة، ليكتشف أن وجهة نظر هؤلاء أصدق وأدق، مع اعترافه بفصاحة الأسقف المانوي، وهذا ما يعبّر عنه بقوله: «كان هناك أسقف مانشي يدعى فوستوس، وكان
›بمثابة ‹فخ إبليس، وحضر إلى قرطاجة، ووقع في فخه بالفعل كثيرون بسبب لغته الناعمة، ورغم
أنني أثنيت على فصاحته، استطعت أن أميز حقيقة الأشياء التي كنت مولعًا بتعلمها، فلم أع ر اهتمامًا
إلى أسلوب استطعت أن أميز حقيقة الأشياء التي كنت مولعًا بتعليمها، فلم أعر اهتمامًا إلى أسلوب
الخطابة ذاتها وطريقتها، بل كان اهتمامي بالمعرفة التي يمكن أن أتغذى بها... ولما كنت مطلعًا على
كتب الفلاسفة، ومتذكرًا معظم أقوالهم، رحت أقارن ذلك مع ما جاء به المانشيون من خرافات كثيرة،
ثم خلصت من تلك المقارنة بترجيح كفة الفلاسفة».
(((عرضنا للمانوية في كتابنا تصنيف القيم بين الدين والفلسفة، ط 1 (الجزائر: دار بهاء للنشر والتوزيع، ٥١٠٢)، ص ٠٨ - ٦٨.
(((أوغسطينوس، القديس، اعترافات القديس أوغسطينوس، ترجمة برتي شاكر، ط 2 (القاهرة: دار النشر الأسقفية، 2005)، ص.63
(((الكتاب المقدس، «رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس،» الأصحاح 3، الآية.7
(((أوغسطينوس، القديس، اعترافات القديس، ص.68
ونجد أوغسطين في ما بعد يوجّه سهام النقد إلى ماني شخصيًا، واصفًا إياه بالجهل وادعاء المعرفة:
«لقد كان هذا الضال يثرثر بأشياء كثيرة، وعندما واجهوه من تعلموا بحق تلك العلوم، ظهرت حقيقة معرفته وفهمه. بيد أنه لم يرض أن يكون في منزلة أدنى في نظر الناس، فراح يقنع الناس إن الروح القدس المعزى الذي يغني المؤمنين ساكن فيه شخصيًا، وبكامل سلطانه، رغم أنه كان يعلم تعليمًا كاذبًا حول
السماء والنجوم وحركة الشمس والقمر، ورغم أن مثل هذه التعاليم لا علاقة لها بالأمور الدينية، وقد أصبح هذا دليلً دامغًا على وقاحته في تدنيس المقدسات، لأنه يتحدث عن أمور يجهلها، وبجهل وزهو باطل يزيّف الحقائق، وينسب لنفسه صفات ليست له، حتى يدّعى أنه في صورة شخصي إلهية». من التصورات المانوية التي آمن بها أوغسطين في هذه المرحلة وانتقدها في ما بعد، أي في مرحلته المسيحية، السخرية بالأنبياء والقديسين. وقد أضاف في اعترافاته بأنه قام في هذه الفترة، وحتى قبلها، بارتكاب مختلف الشرور والآفات، من سرقة وزنا وكذب. والغريب أن ارتكابه الشرور لم يكن بدافع الحاجة أو الضرورة، وإنما بدافع المتعة: «سوف أسترجع الأن حماقتي الماضية، وفساد نفسي الشهوانية، لا حبًّا فيها، بل حبًّا فيك أنت إلهي... سأعود بنظري
إلى أكثر طرقي شرًا وأكثر الذكريات مرارة... وصرت فاسدًا.. أحاول أن أ بهج نفسي وأسعى لإرضاء
البشر... عند وصولي لمرحلة الشباب وانفعالاتها، تصاعد دخان رغبات جسدي الدنيئة التي غطت كالسحب قلبي وأظلمته حتى أني لم أعد أميز بين الصفاء الواضح للحب، وغشاوة الهوى والشهوة». رغم أن أمه نصحت له ألا يرتكب الزنا، فإنه اعتبر نصيحتها نصيحة نسائية يجب تجاهلها وليس الالتزام بها، ليتمادى في الشر، ويلجأ إلى السرقة من دون أن يكون في حاجة إلى ما يسرق، وإنما بدافع تقليد الشبان الآخرين وإثبات أهليته لفعل الشر. وفي هذا السياق، يذكر أنه سرق الإجاص: «كانت بالقرب من كرمنا شجرة أجاص (كمثرى) محمّلة بالثمار، ولكن لا لون ولا طعم لها، ورغم ذلك ذهبت
بصحبة فتيان فاسقين في وقت متأخر ذات ليلة حسب عاداتنا الشريرة باللعب واللهو في الأزقة حتى أوقات متأخرة، وقمنا بهز هذه الشجرة وسرقة أحمال كبيرة منها لا لنأكل بل لكي نلقي بها إلى الخنازير لتتذوقها هي أيضًا. كنا نحب أن نفعل ذلك لا لشيء إلا لأنه كان مكروهًا من الآخرين». ويضيف أنه كان في مرحلته المانوية يعمل على مخادعة الناس ودفعهم نحو الشر، كما يعمل غيره على مخادعته، وكأننا هنا في عالم شرير، يخدع فيه الجميع بعضهم البعض، وينخدعون ببعضهم البعض: «لقد ظللنا طيلة السنوات التسع بين التاسعة عشرة والثامنة والعشرين، من عمري يضلنا الناس تارة، ونضلهم تارة أخرى، نُخدع منهم ونخدعهم، نحيا مغلوبين على أمرنا من شهوات مختلفة. كنا نخدع الناس علانية إمّا عن طريق ما سمّوه التعليم الحر أو نخدعهم خفية عن طريق ادعاءات الدين الكاذبة».
(((المصدر نفسه، ص.71 (((المصدر نفسه، ص.25 (((المصدر نفسه، ص.29 (((1 المصدر نفسه، ص.39
وليس غريبًا أن يصف أوغسطين لمرحلة التي عاشها قبل المسيحية بمرحلة تجسد فيه الشر في حياته،
ولم يجد فيها ما يوحي بأن فيها بعض الخير، ولهذا نجده في كتاباته المختلفة يعمل على التبرؤ ممّا
كان يفعل، فالشر تجسد فيها، ومن بقي على إيمانه بالمانوية أو الفلسفة، فهو يمثّل هذا الشر، في حين أن من تخلى عن ذلك ودخل المسيحية يمثّل الخير المطلق. وما يؤسف له في هذا السياق هو غياب كتابات أوغسطينية تعبّر عن الموقف في الفترة التي كان فيها
مانويًا، وكل ما عثرنا عليه هو نتاج المرحلة المسيحية. وبطبيعة الحال جاءت حتى رؤيتها للمانوية
ولتصوراتها - التي كانت هي تصوراته في مرحلة ما - متأثرة بهذا التحول، الأمر الذي يدفعنا إلى التعامل مع هذه الرؤية بحذر، وعدم الانجرار خلفها، ونتساءل في الوقت نفسه عن رؤيته الجديدة لمشكلتي الخير والشر. هذا ما يناقشه في كثير من أعماله، منها مدينة اللهوالاعترافاتوفي الحياة السعيدة.
إشكالية الخير والشر في الفلسفة
يعود اهتمام أوغسطين بالفلسفة إلى مرحلة متقدمة من حياته، فقد اكتشف أثناء دراسته في مسقط رأسه سوق أهراس أو في موطن هجرته قرطاج، تصورات الف سفة ونظرياتهم. وكان يقف على آراء الفلاسفة: «أقوال الفلاسفة الصحيحة... كم كانت أعماق نفسي تلهث وراءها لتدركها، فحينما يتفوهون باسمك، أو يذكرونه في كتبهم الضخمة العديدة، كنت أنتبه لصدى الصوت. لقد تضورت
جوعًا لك، فعندما قدموا أطباقًا لأكل، قدّموا الشمس والقمر بدل منك أنت. وإن كانت هذه الأطباق
جميلة ورائعة إلا أنها أعمالك، وليس أنت ذاتك وحتى هذه الأعمال المادية ليس أول ولا أهم أعمالك، فهنالك أعمالك الروحية السماوية السامية المتألئة». أمّا في ما يتعلق برؤية الفلاسفة لإشكالية الخير والشر، فيعتبر أوغسطين أن اهتمام هؤلاء بهذه الإشكالية
يعود إلى الغريزة الطبيعية فيهم، والمتمثّلة في البحث عن الحقيقة، غير أن هذه الغريزة لم تمنعهم من
التفرق والانقسام إلى مدارس عدة، تذهب كل منها مذهبًا مختلفًا، غير أنه يمكن أن نلخّص هذه الآراء
في ثلاثة: رؤية تحصر الخير والشر في النفس؛ رؤية تحصر الخير والشر في الجسد؛ رؤية تحدد الخير والشر في النفس والجسد معًا. ومع هذا، جمع أحد الفلاسفة أكثر من مئتين وثمانية وثمانين فريقًا من
فِرق الفلاسفة، سلك كل واحد منها مذهبًا مختلفًا في هذا الجانب، انطلاقًا من التقسيم الثلاثي السابق
ذكره، وهذا ما يعبّر عنه بقوله: «واستنادًا إلى هذا التقسيم الثلاثي في الفئات العامة، جاء فرّون ليضع
في كتابه ‹الفلسفة› بدقة وعمق، هذا العدد الضخم من الآراء العقائدية، فيصل بسهولة إلى مائتين وثمان وثمانين شيعة، إن لم تكن حقيقية، فأقله، ممكنة، مع القبول ببعض الفوارق». انطلاقًا من رؤية هذا الفيلسوف، يستخلص أوغسطين أن هناك أربعة أشياء يسعى الناس إليها بالفطرة، وهي: «اللذة التي تقوم على إثارة الحواس حتى النشوة، والراحة أو الخلو التام من كل ألم جسدي، أو الاثنتان معًا اللتان يجمعهما أبيكور تحت اسم اللذة، أو بشكل عام الخيور الأولى للطبيعة والتي
(((1 المصدر نفسه، ص.40
(((1 أوغسطينس، القديس، مدينة الله، ج 2، ص.103
تتضمن السابقتين وسواهما أيضًا كالصحة الجسدية وسلامة الأعضاء، وأدبيًا المواهب الأدبية الموزعة
دون تكافؤ». لهذا، فإن الانسان في سعيه نحو الخير الأول أو الخيور الأولى يُعَدّ سعيًا طبيعيًا، فهي في صميمنا:
«الخيور الأولى للطبيعة هي في صميمنا حتى أنه يجب علينا، حصولً عليها، أن نبحث عن الفضيلة،
ثمرة التربية النهائية، أو نبحث عنها وصولً إلى الفضيلة، أو نبحث عنها حبًّا بها ». يؤكد أوغسطين أن الغاية من دراسة الفلسفة، بحسب وجهة نظر الفلاسفة، هي الوصول إلى السعادة: «وما من سبب يحمل الإنسان على درس الفلسفة سوى ما يشعر به من رغبة في السعادة، أمّا ما يجعل
الانسان سعيدًا فهو غاية الخير، وتاليًا كل شيعة لا تبغي الخير ليست شيعة فلسفية». وانطلاقًا من رؤيته، أو بالأحرى من دراسته للفلسفة، يستخلص أوغسطين أنواعًا عدة من الخير، منها الخير الأسمى وخير يشاركه الغير. غير أن الانتقادات الأوغسطينية لفكرة الخير والشر عند الفلاسفة بصورة عامة تكمن في رفضه تعدد تصوراتهم ووجهات نظرهم، التي تجعل الإنسان يحار بين مختلف أشكال الخيرات، فنجد أوغسطين في هذا السياق يعدِّد تصوراتهم في قوله: «وعلى هذا النحو، حينما يسأل إنسان هل يجب على الحكيم أن يتعلق بالحياة الاجتماعية لكي يريد الخير لصديقه فيوفره له كي يؤمنه لنفسه، ذاك الخير الأسمى الذي يجعل الإنسان سعيدًا أم يوجه نشاطه كله لنفسه دون سواه؟ إذ ذاك لن يعود الخير خيرًا أسمى بل خيرًا يشاركه فيه آخر، وهي مشاركة في تقاسم الخير والشر». لا يختلف الأمر مع الشكاك الذي يطرح التساؤل حول الشك في حقيقة الخير الذي يفترض أن ينشده الإنسان: «إذ ذاك لن يكون الأمر متعلقًا بتحديد الغاية المنشودة بل إن وجب الشكّ أم لا بحقيقة الخير الذي نظن أن من الواجب أن ننشده، وبتعبير آخر إن طالب به أحدهم بصفته خيرًا حقيقيًا، وطالب به
آخر بصفته خيرًا مقبولً، هذا إذا لم يكونا على خطأ، فكلاهما متفق على نشدان الخير الوحيد ». عندما ينتقل الرجل إلى الحديث عن موقف الكلبيّين من الخير، نجده يقول: «وهكذا فإن الفرق
بين العادة وطريقة حياة الفلاسفة الكلبيّين لا ي مااس مسألة الخير الأسمى »، ويستخلص وجود
تعدد رؤيا الفلاسفة لمشكلة الخير؛ ف «هناك أناس وضعوا الخير في غايات متباينة، منهم من وضعه في الفضيلة، ومنهم من وضعه في اللذّة، وجميعهم يسلكون مسلك الكلبيّين، وعلى هذا النحو، إن
ما يميّز بين الكلبيّين وسائر الفلاسفة يبقى غريبًا عن اختيار الخير الذي يؤمن السعادة، وبعيدًا عن
الأسلوب الذي يوصل إليه».
(((1 المصدر نفسه، ص.103 (((1 المصدر نفسه، ص.104-103 (((1 المصدر نفسه، ص.106 (((1 المصدر نفسه، ص.107-106 (((1 المصدر نفسه، ص.107 (((1 المصدر نفسه، ص.107 (((1 المصدر نفسه، ص.107
يعتبر أوغسطين أن فيرون فضّل ثلاثة مذاهب (ثلاث شيع) على البقية: «ها إنّي أشير إليه بألفاظ سريعة وواضحة على قدر الإمكان، هكذا تتكوّن الشيع الثلاث، أي بالسعي إلى الخيور الطبيعية الأولى في
سبيل الفضيلة، أو بالسعي إلى الطبيعة في سبيل الخيور الطبيعية الأولى، أو بالسعي معًا إلى الفضيلة والخيور الأولى للطبيعة».
إشكالية الخير والشر في المرحلة المسيحية
بعد أن اعتنق أوغسطين المسيحية، أو بالأحرى عندما عاد إليها، تبدلت تصوراته وآراؤه في مختلف مجالات القيم، ولم تكن إشكالية الخير والشر بمعزل عن هذا التغيير، لتتحول مصادر ثقافته إلى الكتاب المقدسبعهديه: القديم والجديد، بالإضافة الى كتابات الرسل، حيث نجده يقدم معالجة جديدة لهذه الإشكالية، ويتخذ منها معيارًا لتحديد مفهومه للخير والشر وطبيعتهما. في هذا السياق نجده يذكر في كتابه مدينة اللهأن الله أصل الخير ومصدره، وأن الشر نتج من الخطيئة، وفي هذا السياق، نجده يقول: «وفي الواقع لقد خلق الله الإنسان سليمًا، مستقيمًا، لأنه خالق الطبيعة
دون الألم، ولكن الإنسان قد خطئ بحرّيته، فعوقب بعدل، وانتقل إلى ذرّيته فساده والعقاب - لأننا
جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يمثلنا جميعًا». يستند أوغسطين في عرضه نشأة الشر، وبالتالي وقوع الإنسان في الخطيئة، إلى ما جاء في سفر التكوين، عندما تحدث عن تناول حواء وآدم التفاحة، متجاهلَين تحذيرات الرب. ويبين الكيفية التي اكتسب بها الإنسان الشر بقوله: «لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة... بيد أن البزرة التي كان علينا أن نخرج منها قد شوّهتها الخطيئة وحملت أثقال الموت، بحكم عادل، جعلت الإنسان في
الحالة عينها. وعلى هذا النحو من الإفراط في الحرّية، نتج زمن الشر، الفاسد في ينبوعه، وشبه المهترئ في أصله،
إلى الموت الثاني لا ينتهى والذي يتحرّر منه فقط الإنسان بالنعمة الإلهية». بل إنه يذهب أكثر من هذا، عندما يعتبر أن الله لم يخلق الشر أصلً، وحتى إبليس لم يخلقه شريرًا،
غير أن هذا الأخير هو من أراد أن يكون شريرًا: «وعلى هذا النحو، فقد شاء أن يكون إبليس الذي خرج
صالحًا من يد الله أن يصير شريرًا بإرادته الذاتية، وإذا أ رسل إلى المناطق السفلى أصبح لعبة في يد
الملائكة، بحيث إن التجارب التي يزرعها تحت أقدام القديسين تعود لخيرهم».
(((2 المصدر نفسه، ص.110 (((2 نتحدث هنا عن الرسل بمعناهم المسيحي، أي تلاميذ السيد المسيح، الذين تكفلوا بنقل رسالته.
(((2 أوغسطينس، القديس، مدينة الله، ج 2، ص.126 (((2 سنتحدث عن هذا الموضوع، بتفصيل، في أثناء حديثنا عن الخطيئة.
(((2 أوغسطينس، القديس، مدينة الله، ج 2، ص.126 (((2 المصدر نفسه، ص.29
غير أن التساؤل الذي يُطرح هنا يتعلق بمدى معرفة الله بما سيفعله إبليس من شر ويزرعه، فيجيب
أوغسطين عن هذا التساؤل بقوله: «ما كان الله يجهل ما سوف يعمله من شر، وكان يعلم مسبقًا بالخير الذي سوف ينتج عن تلك الفوضى... بالطبع كان يعرف مسبقًا كيف يتصرف بذاك الكائن الساقط». والسر في ما وراء ذلك يكمن في معرفة الله المسبقة: «فما كان الله خلق ملاكًا واحدًا... و ما كان خلق إنسانًا واحدًا وعلم مسبقًا بفساده لو لم يكن عالمًا كيف سيجعلهما في خدمة الأبرار». بهذا نجد أن فعل الشر والخير ليس فعً إنسانيًا خالصًا، بل تشترك في القيام به الم ئااكة أيضًا،
ذلك أنه قبل «أن نتحدّث عن خلق الإنسان، الزمن الذي بدأت تظهر فيه المدينتان في ما تتضمّنان
من كائنات عاقلة... عليّ أن أقول بعض كلمات في الملائكة أنفسهم لكي أبرهن، ما استطعت إلى
ذلك سبيلً، عن التوافق التامّ بين المجتمع الملائكيّ والمجتمع البشريّ، وعن وجود مجتمعين، من
الصالحين والأشرار، من البشر والملائكة، ولا وجود لأربع مدائن أو لأربعة مجتمعات». هكذا نستطيع القول إن ثنائية الخير والشر تتعدى الإنسان إلى سائر المخلوقات نتيجة مصدرها الواحد: «أن تكون ميول الملائكة الصالحين والأشرار المتناقضة وليدة التناقض بين الإرادات والرغبات فيهم وليست وليدة الاختلاف في الطبيعة والمبدأ طالما أنهم جميعهم من خلق الله، الصانع والخالق لكل جوهر بطبيعته... وعلى هذا النحو يتّحد البعض بالله فيسعدون ويتخلّى الآخرون عن الله فيشقون». وفي الوقت نفسه، نجد أوغسطين يميّز بين نوعين من الخيور، الأول يُطلق عليها مصطلح خيور
عظيمة، والثاني هو الخير الأسمى. ويكتسب الإنسان النوع الأول، في حين أن الله هو من يختص بالنوع الثاني: « وعليه، فإننا نقول إن الله الواحد الحقيقيّ والسعيد، أمّا أعماله، وهي جيّدة، لكونها
منه، وقابلة للتغيير لكونها غير خارجة منه، بل من العدم، ليست الخير الأسمى لأن الله أسمى منها، ومع ذلك فهي خيور عظيمة، على ما فيها من تغيير، ولكي تكون سعيدة عليها أن تعانق الخير الثابت، غير القابل للتغيير إنه خيرها الأوحد حتى أنها بدونه شقيّة». ولا يبرئ الرجل نفسه من سلوكه طريق الشر في مراحل كثيرة من حياته، خاصة قبل اهتدائه إلى المسيحية، وهذا ما يعترف به صراحة حينما يقول: «سوف أسترجع الآن حماقتي الماضية، وفساد النفس الشهوانية... سأعود بنظري إلى اكثر طرقي شرًا وأكثر الذكريات مرارة لعل ح وااتك التي لا
تنتهى أبدًا تدركني، فحلاوتك النقية الراسخة تجمع شتاتي التي تمزقت إربًا من جراء الانغماس في الملذات. عندما بعدت عنك أيها الخير الأوحد فقدت نفسي بين العديد من الأشياء».
(((2 المصدر نفسه، ص.29 (((2 المصدر نفسه، ص.30 (((2 المصدر نفسه، ص.59 (((2 المصدر نفسه، ص.59 (((3 المصدر نفسه، ص.60
(((3 أوغسطينوس، القديس، اعترافات القديس، ص.25
بهذه الكيفية، يكون عمل الله هو العمل الصالح؛ ذلك أن العمل الصالح يخرج من يد إله صالح، وهذا ما تنبّه إليه الفيلسوف اليوناني الكبير أف طون نفسه: «إذا سألنا الله، الإله: › قال: كن، فكان ‹.
الدافع: › لأنه حسن ‹. وما من مبدع أفضل من الله. وما من فنّ أقدر من كلمة الله، ولا من دافع أحسن
من جودة عمل إله صالح، أفلاطون نفسه يجد هذا الدافع إلى صدور عمل صالح عن إله صالح، هو
في غاية الدقة والصلاح... أفلاطون محِق في قوله، العمل الصالح مبعثه إله صالح ». ويرى أوغسطين أن هذه الحقيقة التي وصل إليها أف طون يمكن الوصول إليها بطريق من الطرق المختلفة، يذكرها على النحو التالي: يمكن أن يكون الرجل قد اط لع عليها من خلال دراسته الكتب المقدسة التي سبقته؛ يمكن أن يكون قد أخذه على من اطلع على الكتب المقدسة؛ يمكن أن يصل إليها عن طريق التأمل العقلي الثاقب. وبغضّ النظر عن ذلك كله، فإن الغاية هي الوصول إليها وتأكيدها، وهي ما وصلت إليه الفلسفة عن طريق أفلاطون. يبقى الانسان عاجزًا عن معرفة طبيعة الفعل؛ ذلك أن الصلاح أساس الأشياء، بل أن الإنسان يخطئ حتى في معرفة الشر، إذ يخفى على بعض المنحرفين الدوافع الحقيقية التي تقف وراء خلق الله للفعل. وهذا ما غاب عن الهراطقة - بحسب أوغسطين - عندما توقفوا عند معرفة ظواهر الأفعال دون طبيعتها: «لأننا بحكم عذاب الخطيئة العادل، ترانا ضعفاء محكومًا علينا بالموت. يطاردنا ألف حادث
وحادث، يناقض بعضها بعضًا، كالنار والبرد ووحشية الحيوانات الكاسرة. لا يرى الهراطقة جمال الشيء في محيطه الطبيعي، والتنظيم الرائع لأشياء، وما هي عليه من جمال، وما تغنى به كل واحدة بمفردها، والمجتمع بأسره، وما تضفي علينا من خير إذا عرفنا أن نحسن استعمالها بشكل شرعي ونيّر». لذا، على الإنسان ألا يلقي التهم جزافًا، وألا يتسرع في إصدار الأحكام، وإنما عليه أن يبحث في الدوافع الحقيقية؛ إذ يمكن أن تكون فوائد بعض الأشياء خفية لغاية يريد الله تحقيقها. ولعل أبلغ مثال
على ذلك أن بعض السموم ربما يتحول إلى أدوية إذا ما أُخذ وأُعد بكيفية معتدلة، بينما ربما يتحول بعض الأطعمة الشهية، إذا ما بولغ في تناولها، إلى سموم قاتلة. وهكذا نجد أوغسطين يقدم معالجة لمشكلة الخير والشر مختلفة عن معالجات فلاسفة عصره؛ فهي معالجة ترفض التصور المانوي القائم على فكرة الثنائية، كما أسلفنا. كما أنه في الوقت نفسه ينتقد المعالجات الفلسفية رغم أنه يعترف بأن فيها بعض الجوانب التي يمكن أن نأخذ منها، غير أن كمال المعالجة يراه في المسيحية التي اعتنقها بتأثير من أمبرواز، وبطلب من أمه، ويجد له حلً في المسيح.
(((3 أوغسطينس، القديس، مدينة الله، ج 2، ص.34 (((3 المصدر نفسه، ص.34 (((3 المصدر نفسه، ص.35
مشكلة السعادة
تبقى مشكلة السعادة من الإشكاليات الفلسفية المتميزة؛ إذ إنها شغلت الفكر الشرقي، كما شغلت الفلسفة اليونانية في مختلف مراحلها، وهذا ما وقفنا عليه أيضًا في الفلسفة المسيحية عامة وفلسفة أوغسطين بشكل خاص. ففي ماذا تتجلى رؤية الرجل لهذه الإشكالية؟ وماهي دوافع اهتمامه بها؟ وهل يمكن أن تكون الفلسفة طريقًا للسعادة؟
دوافع الاهتمام بإشكالية السعادة
أثارت مشكلة السعادة اهتمام أوغسطين شابًا، وظلت تؤرقه وهو كهل، ولم يتوقف عن الاشتغال بها
حتى أيامه الأخيرة. ويعود هذا الاهتمام المبكر إلى اطلاعه على ما كتبه الفيلسوف الروماني شيشرون في هذا المجال، وخاصة في كتابه هورتنسيوس، كما يقر هو شخصيًا في كتابه في الحياة السعيدة،
عندما يقول: «في السنة التاسعة عشرة من عمري اكتشفت في صفّ الخطابة كتابًا لشيشرون يسمّى
هورتنسيوس، فاضطرمت حبًّا للفلسفة وفك رت على الفور، في أن أوقف نفسي على دراستها، لكن
الغيوم الدكناء أفسدت عليّ السبيل إليها، وعلى مدى طويل، أعترف بذلك فسقطت في البحر على
كواكب ووقعت في خطأ ثم أصلحت أموري، وكأن وهمًا صبيانيًا قد أبعدني عنه، خوفًا من بحث
يخصني أنا دون سواي. وإذا تجاسرت على ذاتي بدّدت تلك الغيوم الكثيفة، واقتنعت بأنه يجب أن نصدّق من يعملون، ونفضلهم على من يأمرون، وتحقق حين وقعت على من يعرفون ذلك النور الذي تراه عيوننا، إلى مستوى الحقيقة الإلهية السامية التي يجب احترامها، ولا يعني أني التزمت ذلك الاعتقاد، لكن أخذت به، بمثابة حجاب، يغطون به شيئًا ما، لا بدّ أن يكشفوه في يوم من الأيام. لكن توقّفت تلك الانطلاقة السريعة في اقتحام الفلسفة، ذاك ما أعترف به بسبب امرأة أغوتني وأمجاد استهوتني فسيطرت عليّ بعد أن ذقت طعمها، ثم أقلعت إلى مينائها حيث رحت أتمتع بالراحة التي
يتمتع بها نفر من السعداء». غير أن الرجل سرعان ما عاد إلى البحث في الحياة السعيدة، متتبعًا نصائح شيشرون، وهكذا نجده يتجه
إلى مطالعة كتب أفلوطين الفلسفية التي جعلته يفتتن بها، ويجد نفسه في تنافض مع إيمانه المسيحي، وكان عليه أن يختار بسرعة وجهة سيره، فوجدنا أنه لا يتردد في اختيار طريق الإيمان نتيجة علاقاته الكنسية الوطيدة، وهذا ما يعبّر عنه صراحة في كتابه في الحياة السعيدة، عندما يقول: «وفيما أخذت
أقارنها بما قدّمته إلى السلطة الضامنة للكتب الإلهية، فتنت بها فقررت أن أقطع حبال كل مراكبي. غير أن المحبة التي كانت تشدّني إلى بعض الأشخاص منعتني، وإن كنت مستندًا إلى نظريّات باطلة،
فما هو العون الذي انتظرته من عاصفة بدأت كالكارثة عليّ، حينذاك شعرت بوجع في صدري وثقلت
(((3 أوغسطينس، القديس، في الحياة السعيدة، نقله إلى العربية يوحنا الحلو (بيروت: دار المشرق، [د. ت.])، ص.92
عليّ مهنة كنت أمارسها جعلتني أدق صفارة العودة، فأرخيت أشرعي وتوجهت بمركبي المصدّع
والمترجرج صوب الأمان المنشود»، وهذا يبرز لنا مكانة الفلسفة في عصر الرجل، والدور الذي كانت تؤديه، فالاشتغال بها كان من عليّة
القوم وأكثرهم شهرة، لدرجة أن الاشتغال بها ظلت تستهوي الكثيرين.
الفلسفة طريقًا للسعادة
هذا الموقف الأوغسطيني يدفعنا إلى التساؤل عن موقفه من المتخذين الفلسفة وسيلةً للوصول إلى تحقيق السعادة. ويأخذ هذا التساؤل مشروعيته من مسلّمته القائلة بأن الجميع يعمل ويسعى لتحقيق السعادة. وعند العودة إلى نصوص أوغسطين المختلفة والمتوزعة في كثير من مؤلفاته، وخاصة مدينة اللهوالاعترافاتوتعليم المبتدئين أصول الدّين المسيحي وفي الحياة السعيدة، وأخيرًا في الكذبأو
حتى في غيرها، نكتشف الطريق مختلفة عن طريق شيشرون في الاتجاه، غير أنها تتفق معها في نقطة الوصول. لذا، نجده يقر بأن القليلين من الناس من يدركون المكان الذي يجب الوصول إليه في هذه الحياة، وهو ما يعبّر عنه صراحة في قوله: «أيًّا كان السبب، قليلون هم الذين يعرفون المكان الذي
يجب الوصول إليه، وكيف هي العودة منه، إذا هبت عاصفة مضادّة، وألقت بنا رغمًا عنّا، مع كل ما
يبدى من جهود، على ما نحن فيه من جهل، وظلال، فوق الأرض التي نتوق إليها بكل قوانا». هذه الرؤية دفعته إلى تقسيم القليل من المؤمنين بطريق الفلسفة إلى ثلاثة أنواع من هؤلاء المؤهلين لإبحار في طريق السعادة، على النحو التالي: الفريق الأوليحدده أوغسطين بقوله: «نبدأ بالذين، منذ أن بلغوا سن الرشد، لا يحتاجون إلا إلى انطلاقة بسيطة، وإلى القليل من التجديف ليتخلّوا عن مكان قريب جدًا، للوصول إلى ذلك الميناء الآمن ومنه يرسلون إلى أكبر عدد ممكن من مواطنيهم إشارات برّاقة، تشهد لما أنجزوه وتدعوهم إلى
أن يكدّوا ويجدّوا وصولً إليهم ». الفريق الثاني، يعتبر أوغسطين أفراده مختلفين عن الفريق الأول ومخدوعين بمظهر البحر فيؤثرون خوضه، ويسافرون بعيدًا عن وطنهم الذي نسوه: «وإذا استمرت الرياح مواتية لهم، بشكل يمكن تعيينه، انطلقوا مزهوّيين، فرحين، يستمتعون، بلا انقطاع، بصفو الذات والأمجاد الكاذبة، ويندفعون
في سفرهم فوق لجج عميقة من التعاسة والشقاء». الفريق الثالثيتكون من فئة تمتاز بأنها: «تجمع من يزالون على عتبة الشباب إلى من غامروا في أسفار كثيرة وطويلة ويشتركون في مشاهدة علامات، وإن كانوا في غمرة المياه يشدّهم حنين وطنهم الحلو
(((3 المصدر نفسه، ص.93-92 (((3 المصدر نفسه، ص.89 (((3 المصدر نفسه، ص.90-89 (((3 المصدر نفسه، ص.90
العذب، حينذاك فعل يعود ضلال يمسك بهم ويمنعهم، بل يدخلون حقًا، في حين أن الآخرين، وهم الأكثر عددًا فلا يزالون يتيهون طويلً، وغالبًا ما يعرّضون سفينتهم لخطر الغرق، إمّا لكونهم لا يفيدون
من الوقت الملائم للسفر بحرًا، وقد تهبّ أحيانًا كثيرة، عاصفة تضادهم وتُلقي بهم في حياة السلام
التي يسعون إليها بإجماع». رغم تعدد الساعين إلى تحقيق السعادة عن طريق الفلسفة، فإن هؤلاء جميعًا يصطدمون، بحسب
أوغسطين، بعوائق مشتركة تحول دون تحقيق غايتهم. ولما كان الرجل شبّه هؤلاء ببحارة يستخدمون
مركبًا في بحر هائج، فإن هذا المركب يصطدم في أثناء إبحاره بصخر هائل يعيق رسو المركب في
الشاطئ ووصول الركاب إلى وجهتهم بسلام، وبالتالي تحقيق الغاية من رحلتهم الصعبة، فبماذا يتمثّل هذا العائق أو الصخر بالتعبير الأوغسطيني؟ يجيب الرجل بأن العائق الأكبر الذي يحول بين العقل وتحقيق السعادة، رغم جهده الكبير المبذول في التغلب على ذلك، يتمثّل في الغرور، والمجد الباطل وما يرافقه من وهْم يصاحب سالكي هذه
الطريق، وهذا ما يُستخلص من قوله: «ما هو الصخر الذي يسعى العقل إلى أن يحذّر منه الذين
يتقدمون إلى الفلسفة، إن لم يكن ذلك الجهد المتباهي، سعيًا إلى مجد باطل؟ آنذاك لا شيء يثبت
ويبقى في البناء، فيبتلع أورام الصلف التي تقدم وفوق أرضه السريعة العطب، فتتفلّع تحت الأقدام وتتنزع من المساكن الوهّاجة أولئك الذين كادوا أن يلمّحوها لتلقي بهم في الظلمات». أضف إلى
كل ما سبق عوائق اختلاف الفلسفات وتناقضها، وهو ما يُفقد المعتمد عليها اتزانه ويقوده إلى الضياع
بدلً من السعادة.
طريق السعادة الأوغسطيني
هكذا نجد أن أوغسطين يرفض أن تكون الفلسفة طريقًا للسعادة فضلً عن أن تكون الطريق الوحيدة،
فهل هذا يعني استحالة الوصول إلى الحياة السعيدة، أم أنه لا بد من البحث عن طريق أُخرى؟ وأخيرًا،
ما هي هذه الطريق إن وجِدت؟ الإجابة عن هذا السؤال نستهلها باعتراف أوغسطين، بداهة، بسعي جميع البشر نحو الحياة السعيدة عندما يقول: «إننا نريد أن نكون سعداء، فما أنهيت هذه العبارة، حتى وافق الحاضرون بالإجماع». هذا من جهة، أما في ما يتعلق بكيفية تحقيق السعادة، فيفترض أن السعادة تتمثّل في تحقيق الإنسان ما يريده ويرغب فيه، من دون أن يكون تحقيق ما نريد كافيًا لتحقيق السعادة الكاملة، أمّا عدم تحقيق
ما نريده، فسيقود حتمًا إلى التعاسة والشقاء. غير أن النتيجة التي يصل إليها صاحب كتاب في الحياة
السعيدة تستوجب التوقف عندها لمناقشتها، خاصة أنها لا تمثّل وجهة نظره فحسب، وإنما تمثّل أيضًا موقف محاوريه من الحاضرين معه في هذه الجلسة المخصصة لمناقشة موضوع الحياة السعيدة بين
(((4 المصدر نفسه، ص.91-90 (((4 المصدر نفسه، ص.91 (((4 المصدر نفسه، ص.90
الفلسفة والدين، وهو ما يعبّر عنه حينما يقول: «لقد اتفقنا على القول إنّه لا يستطيع أحد أن يكون سعيدًا،
إن لم يكن له ما يريد، ولا يكفي أن يكون لإنسان ما يريد لكي يكون سعيدًا، وتوافقنا جميعًا». هذا التوافق بين أوغسطين ومحاوريه يدفعنا إلى التساؤل عن قيمته ومصداقيته المعرفية واللاهوتية. ويستمد هذا السؤال مشروعيته من النظر في طبيعة محاوريه من الحضور؛ فالاتفاق الذي جعل الرجل منه منطلقًا لما سيترتب عنه، بعد أن اعتبره مسلّمة، يدفعنا إلى الوقوف عنده، خاصة أنه جاء بين جماعة تنتمي إلى دائرة واحدة، تحمل الأفكار والمعتقدات والأهداف نفسها، فهؤلاء ينحدرون من منبع واحد ومنطلق واحد، ولا غرابة إذن في أن يكون منتهى هؤلاء واحدًا ومصبهم واحدًا. ولتأكيد ما نذهب إليه، نستحضر ما يقوله أوغسطين شخصيًا، حينما يتحدث عن هؤلاء الحضور: «أمّا المشاركون، فلن أتردّد
في الاعلان عن اسم كل منهم بمفرده، لك أنت أيها الحبيب، وفي مقدمتهم أميّ التي بفضلها، هو ما
أنا كل عليه، وأخي نافيجيوس وتريحاسيوس، وليسنثيوس مواطني ونسيبيّ لاستيديانوس وريشكوس
اللذين أبيت عليهما إلا أن يلبيا الدعوة، وإن لم يكن قد مرّا في مدرسة لتعلّم أصول الصرف والنحو...
ومن بين الحاضرين أيضًا أصغرهم سنًا، إبني أديودات Adeodat ذو المستقبل الواعد». وباعتراف أوغسطين نفسه، فإن قائمة الحضور لا تشتمل على شخصيات دينية وفلسفية ذات قيمة علمية، وإنما تتكون من مجموعة من الأصدقاء والأقارب، تجمع بينهم روابط الدم والجيرة، بداية من أمه مونيكا وولده أديودات، ونسيبه لاستيديانوس، فضلً على مجموعة أُخرى من الجيران والأصدقاء، حيث نجد منهم من لم يرتد المدرسة أصلً؛ فالجلسة الحوارية في حقيقة الأمر كانت احتفالية بذكرى ميلاد أوغسطين، تخللتها مأدبة غذاء متوزعة بين ثلاثة أيام، ومنه نستنتج أن التوافق يرجع في أحيان كثيرة إلى المجاملات العائلية أكثر منه نتيجة قناعات علمية. نعود مرة أخرى إلى الحديث عن سعادة أوغسطين التي تتمثّل، كما أسلفنا، في الرغبة في تحقيق الخيرات، إلا أن هذه الأخيرة معرضة للفقدان، وهو ما يجعل صاحبها يشعر بالخوف من إمكانية فقدانها، وبدل من أن يشعر بالسعادة يتحول هذه الشعور إلى تعاسة. من هنا يستخلص الرجل أن تحقيق الخيرات المؤقتة والحصول عليها لا يسعدان صاحبه، وبدلا من ذلك، عليه أن «يوفر لنفسه ما هو باق على الدوام، ولا يمكن أن ينتزعه منه الحظ، وإن ثار ضدّه، لقد وافقنا على الموضوع منذ برهة، أجاب تريجنسيوس، فقلت هل يبدو لنا أن الله أزلي سرمديّ؟ إنه أكيد ولا حاجة إلى السؤال، قال ليشنسيوس، وافق الآخرون كلّهم في خضوع وتقوى، والنتيجة هي أن السعادة تكمن في أن يكون الله لنا».
(((4 المصدر نفسه، ص.99 (((4 المصدر نفسه، ص.94
(((4 القديس أوغسطينس، في الحياة السعيدة، ص.100
هذه النتيجة تقودنا مرة أخرى إلى تساؤل جديد يترتب عنها، ونقصد به: إذا كانت السعادة، كما أسلفنا في أن يكون الله لنا، فهل يكون لجميع الناس من الساعين لتحقيق السعادة عن طريق هذا المنهج، أم إنه يكون لفئة دون غيرها من الناس؟ تنبّه أوغسطين لأهمية السؤال، فقرر طرحه على محاوريه، غير أن أجوبة هؤلاء توزعت بين ثلاثة آراء: الجواب الأول، إن من يمتلك الله هو من يعيش حياة حسنة، وهذا موقف ليشنسيوس. الجواب الثاني، أن من يمتلك الله هو من يلتزم بعمل ما يريده الله، وهو موقف تريجينوس. الجواب الثالث، إن من يمتلك الله هو من يتصف بنقاء الفكر، وهو موقف أديودات ومونيكا (ولد أوغسطين وأمه.) مع أن أوغسطين يميل بداية إلى هذا الرأي الأخير، وبغضّ النظر عن السبب الذي قاده إلى ترجيح
هذا الرأي، فإنه يستدرك في ما بعد، ويعتبر أن لا تناقض بين هذه الآراء، وهذا ما نفهمه من قوله: «إنها
لفكرة واحدة عبّرتم عنها كلّكم بألفاظ مختلفة، لأننا إذا نظرنا إلى الرأيين الأول والثاني، القائلين إن كل
كائن يحيا حياة صالحة يعمل ما يريده الله، وكلّ من يعمل ما يريده الله يحيا حياة صالحة، ولا فرق أن يعيش الإنسان بصلاح، وأن يعمل ما يرضي الله، إلا إذا بدأ الأمر بخلاف ما قلنا، فوافقوا جميعًا، أمّا
الرأي الثالث، فعلينا أن ننظر إليه باهتمام أعمق، لأننا تابعنا الأسرار الثلاثة المقدسة».
المصادر والمراجع
أوغسطينوس (القديس.) اعترافات القديس أوغسطينوس. ترجمة برتي شاكر. ط 2. القاهرة: دار النشر الأسقفية،.2005.______ تعليم المبتدئين أصول الدين المسيحي. نقله إلى العربية يوحنا الحلو. ج 3. ط.2 بيروت: دار المشرق، [د. ت.] (التراث الروحي).______ شرح رسالة القديس يوحنا الأولى. نقله إلى العربية يوحنا الحلو. ط 4. بيروت: دار المشرق،.2001.______ في الحياة السعيدة. نقله إلى العربية يوحنا الحلو. بيروت: دار المشرق، [د. ت.]..______ في الكذب. نقله إلى العربية يوحنا الحلو. ج 3. ط 2. بيروت: دار المشرق،.1997 (التراث الروحي).______ قيامة المسيح وقيامتنا. ترجمة وإعداد الأنبا إيساك. [د. م.]: كنيسة السريان،.1998.______ مدينة الله. نقله إلى العربية يوحنا الحلو. ط 2. بيروت: دار المشرق،.2006 3 ج. (التراث الروحي) دوفور، كزافييه ليون. معجم ال هااوت الكتابي. أشرف على الترجمة ونظمها علميًا أنطونيوس
نجيب. ط 2. بيروت: دار المشرق،.1986
(((4 المصدر نفسه، ص.106
References