الإبداع والسلطة في شعر العصر العباسي الأول
Creativity and Power in the Poetry of the Early Abbasid Era
الملخّص
تهدف هذه الورقة إلى مراجعة كتاب "الإبداع والسلطة في شعر العصر العباسي الأول"، لمؤلفه عيسى المصري. ويأتي ذلك في محورين:الأول: عرض فصول الكتاب ومحتوياته عرضًا عامًا بغية تعريف القارئ به.والثاني: تقديم قراءة نقدية للكتاب تكشف أبرز ما يمكن أن يُسجَّل له، وما يمكن أن يُؤخذ عليه.
Abstract
** Professor of Abbassid Literature at the University of Jordan. *** Professor of Arabic Literature at the University of Hail, Saudi Arabia.
- الإبداع
- السلطة
- شعر
- العصر العباسي
- Medieval Literature
- Abbasid Iraq
- Power in the Poetry
الكتاب الكاتب: عيسى المصري *** مكان النشر: عمان الناشر: مكتبة الرائد تاريخ النشر 2007: عدد الصفحات 300:
الإبداع ذاته؟
نعرض له في هذه المراجعة النقدية.
تأخذ ع قااة المبدع بالسلطة وجوهًا متعددة قد تتفاوت بين التوتر والحساسية والتصادم والاحتواء.. وهي ع قااة تثير كثيرًا من الإشكاليات والتساؤلات المتجددة بتجدد العصور والأزمنة التي تُطرح فيها: فما هي الأبعاد التي تؤط ر هذه الع قااة وتحكمها؟ وما هي الوسائل والأساليب التي تنتهجها السلطة في التعامل مع المبدع؟ وما هي وسائل المبدع وأساليبه - في المقابل- في التعامل مع السلطة؟ ثم ما تأثير ذلك كله في
لعل مثل هذه الأسئلة وغيرها ستكون حاضرة في ذهن القارئ حين يقع نظره على عنوان الكتاب الذي
يعرض هذا الكتاب - وهو في الأصل أطروحة جامعية أُعدت في الجامعة الأردنية لنيل درجة الدكتوراه في الأدب العربي- لإشكالية الإبداع والسلطة كما مثّلها شعر العصر العباسي الأول (232-132 ه.) والكتاب يقع في تمهيد وخمسة فصول وخاتمة. تناول الباحث في التمهيد قضية «الإبداع الشعري والسلطة»، محاولًاستقراء العلاقة القائمة بين هذين المفهومين، فعرّف مفهوم السلطة وعرض لأشكالها وتمثلاتها المختلفة، وتأثيراتها الفاعلة في الشعر، ثم تتبّع الدلالات والتحولات الثقافية والاجتماعية والحضارية الحافّة بكل من الإبداع والسلطة، ابتداء من العصر الجاهلي، ووصولً إلى العصر العباسي الأول موضوع هذه الدراسة. جاء الفصل الأول («السلطة العباسية») لمناقشة موضوع هذه السلطة ضمن محاور ثلاثة: الأولفكري بسط فيه الباحثُ «المستندَ الفكري» الذي اتكأت عليه السلطة العباسية في توطيد حكمها وتسويغه. وقد كان توظيفها الدين في هذا الاتجاه واضحًا؛ فالثورة العباسية قامت، وفق تنظير دعاتها، على مبدأ ديني منحها الحق في أن يستأثر العباسيون بالحكم دون سائر الأقوام والأجناس التي كان لها دورها أيضًا في قيام الثورة ونجاحها. وهي الفكرة التي يدلف من خلالها الباحث إلى المحور الثاني، وهو عرقي؛ فعلى الرغم من تباين أعراق الدولة العباسية، ودور غير العرب في نجاح الثورة، بقيت الدولة في عصرها الأول دولة عربية تولّى الحكم فيها خلفاء عرب لم يقبلوا أن يشاركهم في حكم الدولة عرق آخر. أمّا المحور الثالثفهو طبقي، كشف فيه الباحث مدى التفاوت الطبقي الواضح بين فئات المجتمع العباسي؛ ففي الوقت الذي تمتعت بعض الطبقات بوافر من النعيم والثراء، عانت طبقات أخرى شدة الفقر والشقاء. وفي الفصل الثاني («السلطة السياسية والشعر»)، بحث الكاتب في العلاقة الإشكالية التي ظلت تسم شعر المديح بالسلطة العباسية، وبيّنَ محاولات السلطة الدائمة لاحتواء الشعراء واجتذابهم إلى صفها، مرة بالترغيب والإغراء ومرات بالترهيب والإكراه. ثم تناول على نحو تفصيلي مسهب علاقة كل خليفة من خلفاء العصر العباسي الأول بشعراء زمنه، ولحظ أن هذه العلاقة كانت تتشابه في ملامحها العامة؛ فقد حرص أولئك الخلفاء - على تفاوت في ما بينهم - على استمالة الشعراء وتقريبهم بغية الترويج لحكمهم وتدعيمه. إن دراسة شعر المديح - وفق الباحث - «تؤدي بالضرورة إلى تلك الأحكام التي أطلقها بعض الدارسين على الشعر العربي ووسموه بأنه شعر تسوّل وكُدية. وهو نظر في النتيجة التي آل إليها المديح لا في المديح نفسه؛ مما جعل حكمهم على الشعر حكمًا خارجًا عن طبيعته، والحكم الخارجي مهما كانت أصوله ومصادره ستكون أحكامه بالضرورة معارضة للطبيعة الفنية للشعر (...) وما من شك أن المديح قد كثر في العصر العباسي كثرة كادت تسمه بعصر المديح، وهذه الكثرة كانت نتيجة المؤثرات السياسية، فالشاعر فرد في المجتمع، والمجتمع يقبع تحت سلطة النظام القائم، ومن ثم فإن التأثير السياسي واقع في الشاعر بطريق مباشرة أو غير مباشرة، فقد يتصل الشاعر بالسلطان فيكون
تأثيره فيه مباشرًا، وقد يبتعد عنه فيتأثر بقوانينه التي يسنها باعتباره جزءًا من المجتمع، والمعوّل عليه في قياس مدى التأثير هو وعي الشاعر بطبيعة فنه» (ص. 172) ومع وجاهة هذا التحليل الذي يذهب إليه الباحث، فإن تفسير ظاهرة المديح في الشعر العربي والحكم عليه إيجابًا أو سلبًا يتطلبان - في رأيي - مزيدًا من الاستقصاء والتعمق؛ فقد كان قدَر كثيرٍ من الشعراء يدفعهم في ذلك العصر إلى التردد على أبواب الحكام والأمراء لمدحهم ونيل عطائهم؛ فللحاجة سلطانها الذي لا يقاوم. وهذا الأمر لم يكن خيارًا ذاتيًا في كل الأحوال، وإنما هو محصلة لجملة مؤثرات سياسية واجتماعية واقتصادية وحضارية تنامى مفعولها منذ أن توارت القيمة الاعتبارية لشاعر القبيلة الذي حاز أعلى درجات التراتب الاجتماعي في العصر الجاهلي، لتظهر المدينة بعلاقاتها المعقدة والمتشابكة، وتبدأ الحاجة إلى آخرين غير الشاعر، من بينهم مثل الكاتب الذي تبوأ مكانة تجاوزت الشاعر بدرجات. ومع هذا كله، فإن المدقق لا يعدمه أن يقع- كما يخلص الباحث- على نماذج متميزة من شعر المديح في هذا العصر. ولعل مدائح أبي تمام في المعتصم على وجه التحديد تُعَدّ مثالً ناصعًا لأصالة بعض نماذج هذا الفن الذي يمزج التجربة الحية بالتعبير الفني الأصيل. توقف الفصل الثالث («السلطة الدينية والشعر») عند اتجاهين بارزين، أولهما التشيع الذي عُدّ الشِّعر لدى أتباعه أحد الأسلحة الماضية في تأييد السلطة العباسية أو في الصِّراع معها. وتناول الباحث النزاع العباسي العلوي على الحكم، ودور شعراء كلا الاتجاهين في مناصرة هذا الجانب أو مخاصمة ذاك. ودرسَ تأثير المعتقد الديني في الشعراء وأثره في شعرهم من الناحية الفنية. وإذا كان ثمة شعراء قد استثمروا المعتقد الديني في سبيل تحصيل بعض المنافع الشخصية والمادية، فإن ثمة آخرين أخلصوا لمعتقدهم وتفانوا في سبيله. ولم تكن السلطة العباسية لتكترث كثيرًا بما يقوله هؤلاء الشعراء ما لم يمسسها ذلك القول ويتعرّض لسلطانها. وثانيهما الاعتزال، وفيه تناول الباحث أبرز شعراء هذا الاتجاه، مبينًا علاقتهم بالسلطة العباسية. وهي علاقة اتسمت في مجملها بالتصالح والتوافق. ومرد ذلك أن المعتزلة لم يمارسوا نشاط ا سياسيًا يسعى إلى الحكم والاستئثار به، وإنما انصب جهدهم على تناول بعض القضايا العقائدية والفكرية بمنهج عقلي جدلي. وخلص الباحث إلى أن الفكر الاعتزالي بحكم منطقيته واعتماده الجدل والحجاج لم يتجه كثيرًا إلى الشعر الذي لا يقبل بطبيعته الشكلية والجمالية هذا المحمول المضموني الكثيف، فكان النثر بانسيابيته ورحابته التعبيرية أنسب لاستيعاب فكرهم، والكشف عن منطقهم وحججهم العقلية. تناول الباحث في الفصل الرابع («السلطة الاجتماعية والشعر») أربع ظواهر يراها في أصلها ذات منشأ اجتماعي، وإن كانت تتقاطع في نشأتها وتأثيرها مع أبعاد سياسية، وهذا أمر طبيعي؛ فالواقع المتشكل لأي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية وغيرها هو مزيج من مؤثرات سياسية ودينية واقتصادية تتفاعل
في ما بينها، ويكون لكل منها أثره وتأثيره في الجوانب الأخرى. وهذه الظواهر الأربع هي: الزندقة والشعوبية والمجون والزهد. ولم يكن موقف السلطة العباسية من الشعراء الذين مثّلوا هذه الظواهر واحدًا؛ فقد كان الموقف الرسمي للسلطة يتحدد وفق خطورة هذا الشاعر أو ذاك على أمن السلطة وكيانها السياسي. وفي حين أن الموقف من شعراء تيار المجون كان أكثر تساهل، فإن الموقف من شعراء التيارات الأخرى كان أكثر توجسًا واحتراسًا، ولذلك اتخذت السلطة من اتهام بعض الشعراء بالزندقة والشعوبية حجة للتخلص منهم، وكل ذلك بسبب مواقفهم المناوئة لنهج السلطة وخطها العام. ولعل قيام الخليفة المهدي بقتل الشاعر بشار بن برد الذي اتُّهم بالزندقة يمثّل مسلك السلطة التي كانت تستثمر من المواقف المختلفة ما يمكنها من الإيقاع بخصومها الألداء والنيل منهم. أمّا الفصل الخامس والأخير من هذه الدراسة («السلطة النقدية والشعر»)، فقد عُني بتحليل طبيعة هذه السلطة، وعلاقة النقاد في القرن الثاني الهجري بالسلطة السياسية في عصرهم، فتبيّن أن لبعض النقاد ارتباطًا بالسلطة، كالأصمعي الذي قرّبه الرشيد وجعله أحد جلسائه. غير أن هذه الحفاوة والتقدير اللذين لقيهما بعض النقاد من السلطة لم يمنعا بعضهم من إصدار أحكام نقدية قد لا تتوافق مع موقف السلطة السياسية من بعض الشعراء الذين كان يتحدد الموقف منهم انسجامًا مع اقترابهم من هوى تلك السلطة وميولها السياسية أو ابتعادهم عنها، وإنما كانت أحكام أولئك النقاد نابعة من مرجعية ذوقية فنية لا علاقة لها بميول الشاعر وتوجهاته السياسية. من ذلك مثل موقف النقاد من شعر كلٍّ من بشار بن برد ومروان بن أبي حفصة؛ فقد عُرف الأول منهما بمناوأته للسلطة، ولذلك قضى قتيل كما ذُكر قبل قليل، وعُرف الثاني بمناصرتها وتأييدها. ومع ذلك، فإن الأصمعي يفضل بشارًا حين تكون القيمة الشعرية مجال الموازنة بينهما، فيقول: «إن مروان سلك طريقًا كثر من يسلكه فلم يلحق بمن تقدمه، وشركه فيه من كان في عصره، وبشار سلك طريقًا لم يسلك، وأحسن فيه وتفرد به، وهو أكثر تصرفًا وفنون شعر، وأغزر وأوسع بديعًا. ومروان لم يتجاوز مذهب الأوائل» (ص. 274). ولعل في رأي الأصمعي هذا ما يؤكد استقلالية النظر النقدي الذي لم يكن دائمًا متجاوبًا مع التوجه السياسي. ويخلص الباحث في خاتمة دراسته إلى أن استغراق بعض نصوص الشعر العباسي في خدمة السلطة، وترويجها السياسي المباشر لها، وإفراغ طاقة الشاعر وإبداعه في وجوه «خارجية» بعيدة عن شواغل الذات الشاعرة وخياراتها الفكرية والجمالية الخالصة، كل ذلك كانت له آثاره السلبية في «شعرية» تلك النصوص. بيد أن شعر العصر العباسي الأول لم يرتهن كله لهذا المسار؛ فثمة نماذج منه خرجت على قيود السلطة وإكراهاتها. والسلطة هنا لا تتحدد بالسياسة فحسب، وإنما تشمل كل سلطة، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم دينية.. إلخ. وظلت تلك النماذج الشعرية وفيةً لروح الفن وجوهره، ولعل خمريات أبي نواس وطردياته وزهديات أبي العتاهية وتجديدات مسلم بن الوليد وأبي تمام، على سبيل التمثيل، من أبرز النماذج التي مثّلت هذا الخروج، وحققت قدرًا متميزًا من الشعرية. وبعد، فإن غاية هذا العرض العام تقديم تصوّر مختصر وسريع لفحوى هذه الدراسة وفكرتها، وهو لا يدّعي، بكل تأكيد، الوقوف التفصيلي على موضوعات الدراسة ومحاورها المتشعبة.
يُسجَّل للباحث في دراسته أصالة الطرح والأمانة العلمية، والإحاطة الواسعة والاستقصاء الدقيق لأصول الموضوع وأجزائه، والوعي العميق بالقضية مدار البحث. كما يسجَّل له حضور شخصيته وبروزها في أنحاء واسعة من الدراسة؛ فقد كان - في كثير من الحالات - طرفًا فاعً ومؤثرًا في التحليل والنقد والتوجيه. أمّا مصادر الدراسة ومراجعها، فتميزت - في المجمل - بالتنوع والأصالة والشمول. وجاءت حواشي الدراسة وإحالاتها وتعليقاتها غنية وثرية، عمقت المتن وعززت كثيرًا من الآراء والمواقف التي قدّمها الباحث.
على الرغم من التقدير البالغ لجهد الباحث الملوس في هذه الدراسة، فإن ثمة ملاحظات عليها جديرة بأن تُطرح بغية إثراء الحوار وتعميق الفائدة، وهو ما تهدف إليه - في النهاية - مثل هذه المقاربات والمراجعات. وهذه الملاحظات هي: • يتبنى الباحث منهج «النقد الثقافي»، فيقول في مقدمة دراسته: «ويقوم هذا البحث على منهج يُعَد أقرب المناهج النقدية إلى طبيعة الموضوع، وهو ما يُعرف بالدراسات الثقافيّة» (ص. 9). غير أن الباحث لا يقدم في دراسته أي مرتكز نظري يوضح ماهية هذا المنهج وأبعاده النقدية، في سبيل تدعيم تحليلاته التطبيقية وجعلها أكثر إقناعًا وفاعلية. هذا عدا عن أن الدراسة خلت تمامًا من أي مصادر أو مراجع في هذا المنهج، باستثناء كتاب عبدالله الغذّامي النقد الثقافيالذي لا يُعد مصدرًا كافيًا في هذا المجال. • ينطلق الباحث أحيانًا في تحليله للنصوص الشعرية من رؤية نقدية تقليدية تُذكّر بموقف بعض النقاد القدامى من قضية «اللفظ والمعنى». يقول الباحث مثلً: «ويغلب الشكل الفني على المعنى ومجاله، فتخرج القصيدة شكلً شعريًا أجوف لا معنى كبيرًا وراءه» (ص 136)؛ فهذا الحكم يتلاقى على نحو لا تخطئه النظرة الفاحصة مع أحكام ابن قتيبة المعروفة في فصل اللفظ عن المعنى فصً تعسفيًا حادًا، وذلك حين يقسم الشعر إلى «ضرب قد حسن لفظه وجاد معناه، وضرب جاد معناه وقصرت ألفاظه.. إلخ». ومن البديهي أن الرؤية النقدية الحديثة تجاوزت هذه الأحكام؛ فالنص الأدبي كل متداخل متراكب، ولا يمكن فصل لفظه عن معناه، أو فصل رؤيته عن تشكيله.
المصادر الأجنبية والعربية لهذا النقد)؛ ed. (New York: nd , 2 Critical Theory Today: A User-Friendly Guide Lois Tyson, Routledge, 2006), pp. 281-315, and M. A. R. Habib, Modern Literary Criticism and Theory: A History (Malden, MA: Blackwell Pub., 2005), pp. 760-771.
• مع أن الدراسة تبحث قضية السلطة والإبداع في « شعر » العصر العباسي الأول، فإن مادة الباحث الرئيسية في درس هذه الظاهرة كانت التاريخ والرواية الأدبية، وبقي الشعر متواريًا في ظلال المشهد، أو كأنه جاء لتأكيد الأخبار التاريخية والروايات وتعضيدها فحسب. ومع أنه لا ضير في الاعتماد على التاريخ والروايات الأدبية في بحث مثل هذه الظاهرة التي وجدت تجسدها في نصوص قديمة، ولكن ذلك يجب ألا يكون على حساب الشعر موضوع هذه الدراسة الأساسي. وربما لهذا السبب جاء تحليل الشعر - في الأغلب الأعم - دون المستوى المأمول. وفي تقديري أن الباحث لم يتمكن - في كثير من الأحيان- من الوقوف على النصوص الشعرية وقفات تحليلية كاشفة تستبطن ما تضمره تلك النصوص من دلالات غائبة، وأنساق فكرية متوارية لا يكشف عنها سطح الخطاب وظاهره، ولا سيما أن الدراسة تتبنى منهج النقد الثقافي الذي يقوم في أساسه على مثل هذا الكشف والاستبطان. • يلحظ القارئ المدقق أن الباحث يقع أحيانًا في تناقضات في الطرح، من ذلك مث أنه يبدي موقفًا سلبيًا ممّا يسميه «شعر اللهو والمجون» الذي يرى أن كثيرًا من نصوصه موغلة في البذاءة والفحش (ص. 232)، فضل عمّا «تحتويه [تلك النصوص] من نداءات تصور عالمًا غرائزيًا مغايرًا لعالم الإنسانية بمشاعرها السامية وأحاسيسها الراقية» (ص. 232). ولكن الباحث يتفق - في موضع آخر من دراسته - مع رأي بعض النقاد القدامى الذين «عزلوا الدين عن الشعر، فأظهروا بذلك وعيًا كبيرًا بطبيعة الفن الشعري التي تقوم على الإجادة بمعزل عن اعتقادات الشاعر وتوجهاته الفكرية» (ص. 273) من ذلك أيضًا أن الباحث يصف الشاعر أبا العطاء السندي بالوفاء لبني أمية، فهو لم يتحول إلى مدح بني العباس إلا بعد أن ضُيق عليه (ص 114)، بيد أن الباحث يصف في مكان آخر ذلك الشاعر ب«المتكسِّب» الذي يغضب حين يُحرم من عطاء العباسيين (ص. 122) • على الرغم ممّا تتسم به هذه الدراسة من إحاطة واستقصاء كما ذُكر، فقد فات الباحث – في ما أقدّر - قضية محورية من قضايا الإبداع والسلطة السياسية في العصر العباسي، وهي بحث العلاقة الملتبسة التي قامت بين الشاعر والكاتب في هذا العصر؛ ذلك أن الكاتب تبوأ - كما أشير إلى ذلك قبلً- مكانة سياسية مكّنته من تولّي بعض المناصب المرموقة في الدولة، وذلك كله بسبب حاجة السلطان إليه في تدبير وتسيير كثير من الشؤون الكتابية التي ظهرت بتأثير من المستجدات التي طرأت على شكل الدولة وزادت من تعقيدات أنظمتها السياسية والإدارية المختلفة، في الوقت الذي شهدت فيه مكانة الشاعر الاجتماعية والاقتصادية والاعتبارية ترديًا وانحدارًا ملموسين في هذا العصر، وهو الأمر
الذي دفع عددًا من الشعراء إلى مدح بعض الكتّاب ونيل عطائهم؛ ولعل في مدائح أبي تمام «الشاعر» لابن الزيات «الوزير والكاتب» - على سبيل التمثيل - ما يؤكد هذا الواقع ويعززه. • كثيرًا ما تخرج العبارات والمصطلحات في هذه الدراسة عن الدلالة المنضبطة والتحديد المطلوب، فتأتي الأحكام - نتيجة ذلك - غير دقيقة. والحقيقة أن هذا الملمح بدا واضحًا في صفحات كثيرة من هذه الدراسة. وليس من سبيل في توكيد هذا الحكم - في هذه العجالة - سوى تقديم بعض الشواهد التي لا تشكل استقصاء، ومنها: - يصف الباحث الدولة العباسية التي وطّد الخليفة أبو جعفر المنصور أركانها بقوله: «فقد كانت دولة مكتملة البناء فكريًا وحضاريًا» (ص. 128). والتساؤل المطروح هنا: هل وجود دولة مكتملة البناء فكريًا وحضاريًا أمر ممكن؟! وهل ثمة حالة لاكتمال الفكر، وما مقياس ذلك؟ - يرى الباحث أن خوف الشاعرين أبي دلامة ومروان بن أبي حفصة من السلطة وطمعهما في عطائها أديا إلى غياب الوعي لدى الشاعرين بحقيقة العمل الفني (ص. 142). والسؤال الملح هنا هو: ما ع قااة «الوعي بحقيقة العمل الفني» ب «الخوف من السلطة والطمع في عطائها»؟ وحتى لو سلّمنا جدلً بوجود مثل هذه العلاقة، أليس من الأنسب أن نعد كلً من «الرغبة» و«الرهبة» عاملً محفزًا على الإبداع! ولنا أن نمثّل على ذلك بالنابغة الذبياني الذي دفعته الرهبة والخوف من النعمان إلى إبداع اعتذارياته الشهيرة التي تُعَدّ من عيون الشعر العربي في مختلف عصوره. - يقول الباحث في موضع من دراسته: «ولذلك، لم تهتم الدولة العباسية بمعتقدات الأفراد قدر اهتمامها بولائهم لها، وهذا يجعل من الدولة العباسية دولة مدنية لا تقوم على التعصب العرقي أو الديني، فكان في سلطتها الشيعي إلى جوار السني، والمولى إلى جوار العربي الأصيل».. (ص -178 179). والحقيقة أن استخدام مصطلح «دولة مدنية» لا يتناسب والواقع التاريخي للفترة المدروسة؛ فالدولة المدنية مصطلح حديث لا يمكننا إطلاقه بمثل هذا التساهل والتبسيط على العصر العباسي الأول، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، كان الدين من أبرز العوامل والمقومات التي استندت إليها شرعية الحكم العباسي وقامت عليها؛ فالخليفة - وفق ما يرغب أن يرى نفسه ويراه الآخرون - «هو ظل الله في الأرض، والمخالفون له مارقون..» (ص. 185)، بحسب ما يذهب الباحث نفسه استنادًا إلى قول أحد شعراء المديح العباسيين. وشبيه بهذا استخدام الباحث مصطلحات لا تتناسب والسياق الذي وردت فيه، ومن ذلك قوله:..« وهذا لا يعني أن يكون الشاعر علمانيًا لا دين له إذا أراد نظم الشعر» (ص 198)، وقوله: «.. وهذه هي العلمانية بمفهومها الأدبي » (ص 199)؛ فاستخدام مصطلحات من قبيل: «علماني» و«علمانية أدبية»
غير موفق، فض عمّا فيه من تبسيط وخلط في فهم مثل هذه المصطلحات وتوظيفها في سياقات مغايرة، وكان الواجب بالباحث أن يكون أكثر دقة واحترازًا في استخدام مصطلحاته! مهما يكن من أمر، فإن هذه الملاحظات لا تقلل بأي حال من الأحوال من قيمة هذه الدراسة والجهد المبذول فيها. وهي دراسة نافعة تسد جانبًا مهمًا في مكتبة الدراسات الأدبية العربية التي لم تحظ فيها مثل هذه الدراسات بالعناية والاهتمام المطلوبين.
المصادر والمراجع
العربية
ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم. الشعر والشعراء. تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر. القاهرة: دار المعارف، [د. ت.].
الحويطات، مفلح وعبد الله إبراهيم. «مكانة الشاعر بين قلق الدور ورغبة التجاوز: قراءة في تجربة أبي تمام». دراسات: العلوم الإنسانية والاجتماعية (الجامعة الأردنية): السنة 42، ملحق 2، 2015. ص -1583.1597
الرويلي، ميجان وسعد البازعي. دليل الناقد الأدبي: إضاءة لأكثر من خمسين تيارًا ومصطلحًا نقديًا معاصرًا. ط.3 بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2002
عصفور، جابر. غواية التراث. القاهرة: الدار المصرية اللبنانية،.2011
عليمات، يوسف. «جماليات التحليل الثقافي: اعتذاريات النابغة الذبياني نموذجًا». عالم الفكر: السنة 35، العدد 1، تموز/يوليو- أيلول/ سبتمبر 2006. ص -65.99
كيليطو، عبد الفتاح. الأدب والغرابة: دراسات بنيوية في الأدب العربي. ط 3. بيروت: دار الطليعة، المصري، عيسى. الإبداع والسلطة في شعر العصر العباسي الأول. عمان، الأردن: مكتبة الرائد،
الأجنبية
References