في إمكان تلاقي الغرباء قراءة في كتاب
On the Possible Meeting of Strangers: A Reading of Heidegger and Arab Thought [Heidegger et la pensée arabe]
الملخّص
يركز هيدجر نقده على الميتافيزيقا الغربية من حيث أنها تتسم بتناسي المسألة الأساسية مسألة الكينونة وتركز على الكائن وهذا هو مدلول العدمية التي تخترق الفكر الغربي منذ الإغريق إلى الآن، كما يركز نقده على التصور العقلاني للإنسان المرتبط بفعالية الفكر التمثلي، وبالحداثة وبالعقلانية الاحتسابية التي سماها فيما بعد تقليد فرنكفورت بالعقلانية الأداتية، فنسيان أو تناسي الكينونة مرتبط عضويا بالتصور الأنطوثيولوجي، وبالفكر التمثلي، وبالعقلانية الاحتسابية وبفكر السيطرة الكلية أو الكليانية (أرنت)) الذي جسدته الميتافيزيقا الغربية.
Abstract
Heidegger's criticism of Western metaphysics is based on the way that this approach neglected the fundamental question of entities, which Heidegger defines as the essence of nihilism. Additionally, Heidegger also criticizes the rationalist conception of humanity, one that is predicated on the representational act, on modernity and "instrumental rationality", a term later adopted by the Frankfurt School. This ignorance/neglect of being is organically bound up with the ontotheology, representational rationality and ideas of hegemonic control which the project of Western metaphysics represents.
- تلاقي الغرباء
- هايدغر
- الفكر العربي
- الميتافيزيقا الغربية
- Rationalism
- Islamic Metaphysics
- Metaphysics
- Existentialism
- Existence
- Being
محمد سبيلا
أنطوان سيف
محمد سبيلا *
في إمكان تلاقي الغرباء
قراءة في كتاب «هايدغر والفكر العربي»
الكتاب: هايدغر والفكر العربي الكاتب: مشير باسيل عون المترجم: إيلي أنيس نجم مكان النشر: بيروت، لبنان تاريخ النشر: الطبعة الأولى، آب/أغسطس 2015 الناشر: المركز العربي لأبحاث و دراسة السياسات عدد الصفحات 190:
عبر احتياطات منهجية سميكة، يعالج مشير باسل عون، مؤلف كتاب هايدغر والفكر العربي، مسألة فكرية شائكة (بمعنى كثيرة الأشواك) بقدر نادر وعال من الاقتدار يعود إلى رسوخ قدميه في ثقافتين؛ فهو ابن الثقافة العربية الإسلامية المجيدة، وهو في الوقت نفسه سليل الثقافة الفلسفية الغربية وخليلها. ولعل هذا البحث الشائق هو زبدة الأبحاث التي أنجزها هذا المفكر عبر عقود عدة، سواء في بحثه المتميز في الدكتوراه في مفهوم المدينة في
Mohammed Sabila **
On the Possible Meeting of Strangers
A Reading of Heidegger and Arab Thought
فلسفة هايدغر، أو في الدراسات الأخرى الدائرة حول الفكر العربي والتي سبق له أن نشرها. وازداد هذا العمل دقة ووهجًا وأناقة بفعل العناية الفائقة التي بذلها إيلي نجم، المتمرس الحاذق بالفلسفة، في ترجمته المتميزة. إن هذا الكتاب محاولة جريئة في البحث عن «إمكانات» التقاء ثم ت ق وتبادل بين فلسفة فيلسوف ألماني حديث وفكر عربي مطبوع بقوة بمسلّمات فكر ديني عميق وعريق.
الشاهد على هذه الجرأة ليس فقط التلقي البارد والباهت، بل أيضًا التلقي الرافض أحيانًا لفكر فيلسوف أكاديمي ألماني معتز بجرمانيته وبمستلحقاتها، وحاص ر بل قاصِر للغة الفلسفة على اليونان والجرمان (لدرجة استهجان إمكان التعبير عن القضايا الفلسفية في لغات أوروبية نعتبرها نحن العرب أحد مصادرنا الكبرى للفلسفة، فما بالك بالعربية)، بل تُضاف إلى ذلك نزعته النقدية الراديكالية للعقل وتقويضه الأسس الفكرية العميقة والبعيدة لفكر العصور الحديثة وللحداثة، وهي الأقانيم التي تتطلع إليها جميع الثقافات التي تشعر بأنها في حاجة إلى الحداثة والعقل حتى تتحرر من شرطها التاريخي.
من أجل البحث عن بعض إمكانات الت قااي والتبادل، يُجري عون مقارنة بين بنيتين ثقافيتين مختلفتين، راصدًا من خ لااها الخصوصيات والسمات المميزة لكل طرف، ومتتبعًا وملامسًا أيضًا بعض التقاطعات التيمية، ولا سيما في نقد مكانة الذات وفي أهمية اللغة. هذا من دون أن يغفل الفروق الأساسية بين فكر مطبوع بقوة بالتصورات الدينية للعالم والإنسان وفكر فلسفي تساؤلي ونقدي محوره مسألة الكينونة (أو الكون بلغة نجم.) في الأنطولوجيا الإس مااية، أو على وجه أدق في التصور العربي الإسلامي التقليدي لإنسان، يكون هذا الأخير في الأساس كائنًا مخلوقًا، بل الخليفة المفضّل على غيره لله. كما أنه كائن مستسلم كليًا لقدره الذي يمثّل المشيئة الإلهية التي لا راد لها، ومدعو إلى تأمل وتدبّر نظام المخلوقات المسخَّرة له ولنظام العناصر والكواكب والمخلوقات الأخرى، وإلى الانصياع الكامل للقدرة العلوية. هذا الإنسان المسلم المنتقى كائن محظوظ لأن الرسالة الإلهية موجَّهة إليه، وعليه أن يقرأها. كما أن الدين الذي اختاره الله له وآثره به هو دين راسخ في الإنسان بالفطرة، بمعنى أن له أساسًا وجذورًا في النفس والجسم، وقيمته الفردية والجماعية إنما تتحقق باستيعابه النداء الإلهي وتطبيقه له تجاه نفسه وتجاه غيره (الصدقة والإحسان.) السمات الأساسية لإنسان في الإسلام هي كونه في الأساس مخلوقًا متميزًا بأنه خليفة الله. وهو كائن ضعيف لأنه من طين ومن حمأ مسنون، كما أنه في أحسن تقويم، وشاهد، بل خير شاهد على الوجود، وخاضع للمشيئة الإلهية. أمّ ا الفلسفة الهايدغرية (بغضّ النظر عن مدى اكتمال متنها وعن التأوي ت المختلفة لها)، فالإنسان فيها كائن في ع قااة متميزة مع الكينونة، لأنه محطها ومكان حضورها ووعيها بذاتها عبره، وهو كائن ملقى به في الوجود أو في العالم (وربما لم يستعمل هايدغر مصطلح الخلق)، ومن ثم، فإن قلقه الوجودي الذي تغشاه مشاعر العدم هو الوجه الآخر للوجود، في الوقت الذي تفرض عليه مسؤولية الاختيار والقرار؛ فهو كائن عالمي وزمني وتاريخي. هناك بُعد آخر في التصور الهايدغري لإنسان يمثّله مجمل انتقاداته للفكر الغربي، وهو البُعد الذي يوليه عون اهتمامًا خاصًا يعرضه لرسالة هايدغر حول النزعة الإنسانية. يركز هايدغر نقده على الميتافيزيقا الغربية من حيث إنها تتسم بتناسيها المسألة الأساسية،
وهي مسألة الكينونة، وتركز على الكائن، وهذا هو مدلول العدمية التي تخترق الفكر الغربي منذ عهد الإغريق إلى الآن. كما يركز نقده على التصور العقلاني لإنسان المرتبط بفعالية الفكر التمثلي، وبالحداثة والعقلانية الاحتسابية التي سمّاها فيما بعد تقليد فرنكفورت العقلانية الأداتية؛ فنسيان، أو تناسي الكينونة، مرتبط عضويًا بالتصور الأنطوثيولوجي والفكر التمثلي والعقلانية الاحتسابية وفكر السيطرة الكلية (أو الكليانية (أرندت)) الذي جسدته الميتافيزيقا الغربية. وهذه النظرة إلى الإنسان نظرة اختزالية لكائن ذي أبعاد وآفاق لامتناهية رغم تدانيه وتناهيه.
لعل أهم رسائل الكتاب رصْده أبرز الاستلهامات التي يمكن أن يفيد الفكر الهايدغري بها الفكر العربي على مستويين اثنين على الأقل: - الانزياح عن واحدية الرؤية، والوثوقية الملازمة لها، والانفتاح على التعدد، والاختلاف والخروج من الأسيجة المغلقة ومن التأويل الأحادي والنهائي المقفل للنصوص (ص. 86) نحو بسط الطاقات الدفينة الكامنة في الفكر العربي واللغة العربية، والانفتاح على تعدد التجليات الإلهية (ص. 78) - تحرير التصور ال هااوتي من النظرة الدهرية الحشرية والنفعية ومن الع قااة الاحتسابية القائمة على مقولات السببية والديمومة... (ص
لكن لإفسال الهايدغري أوجهًا أخرى في المجال السياسي العمومي الذي تحتل فيه السياسة موقعًا مركزيًا، وذلك بإعادة النظر في السياسة ذاتها من كونها مجرد هيمنة إلى اعتبارها اضط عااًا متفَقًا عليه جماعيًا «بإقبال حقيقة الكائنات في الوجود التاريخي للشعب» (ص. 76) بدل من قصر السياسة على كونها مجرد «إدارة» لقطاعات الحياة الجماعية. إن استلهام البُعد الأنطولوجي يمكن أن يحرر السياسة العربية تصورًا وممارسة، ويعيد إليها سمة الحقيقة والصدق، وذلك عن طريق: - استبعاد التصور التقني للسياسة الذي يقوم على اختزال الكائنات إلى الأبعاد الضيقة للمشروع الاستثماري، وتحويل السياسة إلى مجرد إرادة هيمنة واستنفاع. - إعادة الاعتبار إلى العمل الجماعي والبعد الاجتماعي في العمل السياسي، لتقوية المشاركة السياسية الواسعة في المسؤولية، وهو ما يحول دون التشظي الطائفي. - استبعاد التصور التقني للديمقراطية وتحويل هذه الأخيرة من مجرد آلية تقنية إلى أداة لجعل الشعب مصدر قراره وقدره وصانعهما، ومالك ا ما يطلب منه أو ما يدعى إليه، ومقررًا القوانين الخاصة به. - مواجهة الاستبداد السياسي (القومي الأيديولوجي والديني) الذي يجعل السلطة حكرًا على الحاكم أو الطبقة الحاكمة (ص 74-78) ويقصي الفئات التمثيلية الأخرى.
يمكن أن نقف هنا لحظة عند ع قااة فكرة الديمقراطية بفكر هايدغر، لأن هذا الأخير يعتبر الديمقراطية جزءًا من منظومة أفكار وقيم تنحدر من عصر الأنوار، مثلما أن فكرة الديمقراطية
ودولة القانون هي في الحقيقة تعبير عن القدر (أو المصير أو الصيرورة) الحتمية لإرادة قوة تجد اكتمالها في التقنية الحديثة، التي هي بدورها اكتمال الميتافيزيقا الذاتية (١)، بل إن هايدغر عبّر صراحة، خ لاا ردّه على سؤال مجلة شبيغلعن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، بأن الحل الأساسي لا يكمن هنا بل في الانتباه إلى مخاطر التقنية، وهو ما يعني أن هايدغر ليس من رواد الديمقراطية. أختم بالإشادة بدقة الترجمة، وبالتعبير في الوقت نفسه عن اخت فااي مع المترجم نجم في بعض اختياراته المصطلحية، ومن بينها اعتماد كلمة «كون» كمقابل لكلمة Etre، وذلك لاعتباراته عدة، أهمها أن كلمة كون استقرت في التداول العربي الحديث كمقابل لكوسموس، أي لمجموع الكائنات والموجودات، وهو ما يجعل المتلقي أو القارئ العربي في حيرة كبيرة من أمره بسبب العتمات التي تلقيها الكلمة هذه على مجمل النص. والمترجم في ذلك على اتفاق مع عدد من المترجمين العرب لنصوص هايدغر، أذكر من بينهم إسماعيل المصدق (المغربي) وموسى وهبة وغيرهما، وفي تقديري أن المصطلح العربي الأنسب هو كينونة. أمّا المصطلح الثاني الذي أجادل فيه نجم، فهو مصطلح الاقتبال؛ فلعل المقابل العربي الأنسب لكلمة Réception هو التلقي الذي فرض نفسه كمقابل مقبول في التداول العربي المعاصر. هناك مصطلح ثالث لا أوافق المترجم على اختياره هو الجود كمقابل لكلمة Donation، لأن المقابل العربي المختار ذو دلالة أخلاقية قوية تقارب الكرم، في حين أن المقصود هو فعل العطاء مجردًا عن دلالاته الأخلاقية. لكن، إن التحفظات هاته لا تجادل في القيمة والمكانة الرائعة للنص وللترجمة العربية معًا.