شخصانية الحبابي وغدّيته فلسفة بين القلق والأمل
Lahbabi’s Philosophy of Hope and Anxiety
الملخّص
* أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية، المعهد العالي للدكتوراه، لبنان.
Abstract
This paper draws on a number of sources to elucidate the thinking of Mohammed Aziz Lahbabi. In addition to his work, six texts written by different philosophers are also examined, four of whom were his students in Moroccan universities almost half a century ago. Lahbabi was first introduced to the basic ideas behind individualism when he was a university student in Post-War Paris, where ideas of individualism enjoyed a great currency. With time, the Moroccan philosopher would come to publish his own thesis on "Islamic Individualism". In the later stages of his life, Lahbabi's research interests moved towards futurism, as he became interested in a "philosophy for tomorrow".
- الحبابي
- شخصانية
- الشخصانية الإسلامية
- النوستالجي
- السلفية
- Lahbabi
- Individualism
- Nostalgia
- Futurism
- Anxiety
فلسفة بين القلق والأمل
Individualism and Futurism
الإس مااية» الحبابية، عند بنعبد العالي، لم تُبن على تحليل فلسفي، بل على معاناة وجودية
ووجدانية بعيدة عن المنطق واللغة الفلسفيَّين. ولكنه يحيِّي، في الأخير، أستاذ ه الصارم، ويؤيد
تشديده على ترسيخ الترجمة في صف الفلسفة الجامعي، ودوره كعميد لا يساوم على المعايير الأكاديمية، ويشيد خصوصًا بكونه مفكرًا يتجاوز صفةَ الأستاذ الكلاسيكي الجيّد (ونموذجه
في ذاكرته أستاذه حينذاك نجيب بلدي)، ليفتح أمام طلابه صورة لنموذج المفكر الحر. وبفضل هذه المواقف أرسى الحبابي في جامعة المغرب أسس كلية حديثة، وأقام شعبة للفلسفة أرادها ندًا للشُّعَب في الجامعات الكبرى الغربية التي درس فيها.
العبور إلى عالم الحبابي الفكري، عندما نختار دليً إليه من كتابات عنه، يؤول بنا إلى رؤية من زاوية مختلفة تجعل نصوص الباحثين، لا نصَّ الحبابي مباشرة،
موضوع ك ماانا وموجِّهه. هذه الوسائط بيننا
وبينه ينبغي لها، مع ذلك، ألا تُفضي بنا إلى تنحية نصوصه تنحية تامة عن مركز مقاربتنا له، ولا إلى تجريدها من مرجعيَّتها المستدامة في
هذه المواجهة المعرفية. إلا أن هذه الرؤية الخاصة تنطوي أيضًا على ميّزات فرعية أخرى غير قابلة للتجاهل أو
للاختزال: أُولاها أن غالبية هذه النصوص (أربعة من مجموع ستة) تكتسي – إلى صفتها البحثية
– صفة الشهادة أيضًا؛ فأصحابها، الكهولُ اليوم، عرفوا الحبابي شخصيًا، وعايشوه
سنوات بوصفهم ط بااه الجامعيين الشباب في قسم الفلسفة في المغرب، وكان ذلك منذ ما يقرب من نصف قرن. هذه المفارقة الشخصية الحميمة، ببُعدها الزماني المديد وبما كان
يطبعها من فروق في الموقع الاجتماعي والعمر آنذاك، وبالنوستالجيا الباقية فيها، تكشف عن مواقف فكرية ونفسية تتكئ على ذكريات غائرة تُستدعَى اليوم لمهمة لم تكن حينذاك في عداد المتوقع حدوثه عندهم، أو لتقبعَ مضمرةً في
خلفية مقارباتهم من غير أن تنبري، بالضرورة وعلنًا، كشهادة حصرية! ونتنبَّه إلى أن هذا
البُعد النوستالجي هو، بأحد أشكاله، حزمة
من الضغوط العاطفية الخفية (الودّية، أو ربما
العدائية) على الباحث/ الشاهد. كما ينبغي ألا يغيب عنا أن مشروع إصدار هذا الكتاب يحمل أيضًا مآرب تكريمية لا يليق السهو عنها ولا
المداورة في وقع حضورها، وهي تبرز، أكثر ما تبرز، في اختيار الباحثين فيه، بغالبيتهم، من الط ب/ الشهود السابقين؛ فالتعامل مع هذه الضغوط يمكن أن يتَّخذ طرقًا مختلفة. إن جدلية الاحتفاء/الموضَ عة تجد في هذه
الميزة للكتاب مجالً رحبًا لا تخلو مداراتُه من
المشقة بغيةً في الدقة، شأنها عادةً شأن غالبية مطالب العلم التي تقترب فيها الذات الفردية
من حرَمِ الذات الجمعية وأعرافِها، بمقاربة تَنشُد
مسافةً ضرورية لموضوعيتها ولنقديَّتها! في مثل هذه المعاناة التي يكابدها الباحث، يحضرني كتاب بول ريكور: الذاكرة، التاريخ، الحقيقة (1955) الذي بات، بعد 45 سنة، ومع معطيات وضعية واهتمامات ذاتية مستجدة (2000)، بعنوان: الذاكرة، التاريخ، النسيان! ثانيتها أن اثنين فقط من هؤلاء الباحثين الستة، لم يكونا من تلامذة الحبابي، هما: المغربيّ محمد
الشيخ والتونسي فتحي المسكيني. إلا أن جميع الباحثين، مع ذلك، بمن فيهم الحبابي، هم مغاربة! هذه الخصوصية الثقافية المغربية تبقى عندنا في حيِّز الملاحظة النظرية من غير أن تجد
لها، في تحليلنا كما في الكتابة، منهجية معيَّنة
تنأى بنا بعيدًا حول الخصوصيات التاريخية والجغرافية لبلاد المغرب، ومدى معرفتنا بها. وثالثتها أن ثمة احترازًا منهجيًا حرصنا على التنبُّه
له واعتبار مقتضاه، متمثِّلٍ باحتمال انزلاقنا إلى تدبيج ما يتبدَّى بحثًا سابعًا عن الحبابي، فاتَه،
لسبب ما، الالتحاق بالكتاب، ويُضاف إلى
الأبحاث الستة التي تؤلف الكتاب، وتشك ل
مواقفَ نقدية مختلفة، لما تركه الحبابي من إنجازات فكرية! فمثل هذا الانحراف المفترَض
الذي له إغواءات تأليفية شتَّى، لو حصل، لكان
تجاوزًا لموضوع هذه المقاربة وحدود منهجها، القائم على نقد النقد، أو القراءة النقدية لقراءات نقدية. لقد التزمنا التزامًا صارمًا بقراءتنا فكر
الحبابي من خ لاا قراءتهم له التي أبقيناها دومًا المادة الأساسية، ولكن غير الحصرية،
لمقاربتنا له. ولا ننسى القاسم المشترك الأساسي بين الجميع وقد بات للبعض من البديهيات، وهو أن المعنيِّين بهذا الكتاب، تأليفًا وتعليقًا ونقدًا،
يمارسون جميعهم تدريس الفلسفة الجامعي وتوابعه من المحاضرات والكتابة الفكرية المسمّاة فلسفية. وقد نبّه كمال عبد اللطيف، مُع دُّ هذا الكتاب
وكاتب مقدمته، القارئ إلى أن تتابُع الأبحاث
الستة في الكتاب ليس عشوائيًا؛ فقد «رتَّبنا
بحوث الكتاب بطريقة تمكِّن القارئ من التعرُّف
إلى منجزات الرجل (الحبابي) الفكرية... بطريقة متدرجة حيث بدأنا في الفصلين الأول والثاني بتقديم ما يمكن اعتباره معطيات أولية ضرورية في مقاربة حياة الحبابي (مع عبد الرزاق الدواي) وفلسفته (مع محمد الشيخ)»... والفصل الثالث (دراسة محمد مصطفى القبّاج) بعنوان: «الغدّية هي الأصل:
في النسق الفلسفي للحبابي»... هذه الدراسة هي أيضًا مطالعة أخرى في سيرة الحبابي!
ما الفرق إذًا بين هاتين السيرتين اللتين وقعَ
بينهما بحث محمد الشيخ حول كامل فلسفة الحبابي؟ يعتبر عبد الرزاق الدواي أنْ «لا فلسفةَ تُعرف بالعمق ما لم تُعرَف بالعمق سيرة
صاحبها». ويستشهد، لدعم هذا الموقف، بك ماا لنيتشه: «كلُّ فلسفة عظيمة... عبارة عن
اعترافات صاحبها ومذكَّراته...». وبكلامٍ لفوكو:
«كلُّ كتاب من كتبي يمثِّل جزءًا من تاريخي»
(ص. 17)، وبقول للحبابي نفسه: «الفيلسوف الحق هو مَن يتفاعل مع ظروف حياته». إلا
أن الباحث لاحظ، مع ذلك، أن «هذه السيرة
(للحبابي) لم تُكتَب في نصٍ جاد متكامل» (ص. 18)، لا على يده ولا من الأقربين منه! فقال: «تكوَّن لدينا انطباع بأن هناك ضربًا من الرقابة
الصامتة... عن حوادث مهمة ذات دلالات كبرى في حياته... لا يزال يكتنفها الضباب» (21 ص)، فيذكر بعضها، ومنها: التعتيم على طفولته: فهو يتيم الأم منذ سنته الأولى، فعاش مع جدَّيه، خارج بيت والده الذي تزوّج ثانية...
وتعتيم تام على حياته العاطفية خ لاا الفترة المديدة من عمره قبل بلوغه الخامسة والأربعين، عام زواجه الثاني من إحدى طالباته التي رُزق
منها ابنَه الوحيد! وتعتيم على حياته السياسية
التي خلَّفت فيه جروحًا مكتومة... بعد الضربة
الشديدة على رأسه في السجن التي لم يشف منها طيلة حياته على الرغم من عمليات جراحية عدة في الرأس... وتعتيم على حياة الاست ب
والمذلَّة في فرنسا، وهو المتقمِّص شخصية
مزدوجة لغويًا (الفرنسية والعربية) وفكريًا...
وحتى أن هناك غموضًا يلف تفصي ت فترة تعليمه الثانوي، وع قااتَه ببعض رجال الدين
المغاربة وتأثُّرَه ببعضهم (أحدهم كان زوج أخت
الزوجة الثانية لوالده)... وصمتُه المطبق على سيرته الفلسفية في فرنسا، إلخ... مع ذلك كله، ينافح الدواي، وبقوة، عن فرضية أن الحبابي لم يتخل عن السياسة قط! وأنه ولجَ الفلسفة من باب السياسة! وهو هرب من
السياسة المباشرة إلى الفلسفة بنوعٍ من التقية،
«لدوافع دفينة من حوادث حياته» (ص...)33
بناءً على هذا «التعتيم»، نال الحبابي من الدواي
أحكامًا قاسية لم يجارِه بحدَّتها وبسلبيَّتها
أحد من كتّاب هذا الكتاب: فالحبابي، برأي
الدواي، ذو فكر انتقائي. ويستعير، من غير أن يذكُر ذلك، مذاهب فلسفية مختلفة. وينظر
إلى العقل نظرة خرافية، إذ «العال مان: العقلي والغيبي، في منظوره، يتكام ن ولا يتعارضان البتة»! (ص. 38)... أمّ ا نظريته «الغديَّة» التي
أطلقها في أواخر عمره – وهدفها، كما أعلن الحبابي، «توحيد الشعوب الثالثية في فيدرالية أو غيرها-»... فهي، عند الدواي، «مشروع كأنه طوباوية جديدة معاصرة... زادُه الأثير يبقى
هو الأماني والخيال»، تدور حول زمن الغد الغائب، و«همُّه الوحيد منها أن يبدو معاصرًا
ونهضويًا ومناضً... وكفى» (ص. 42)! وهو،
أخيرًا فيلسوف وشاعر، «والشعر كان أقرب
أجناس الكتابة الأدبية إلى نفسه، بل متنفسه الرحب الذي يتيح له إمكانات التعبير عمَّا يظل
مستعصيًا على الك ماا المجرد» (ص 43)،
مسكون بهاجس القلق والتوتر... والنتيجة من هذا الموقف النقدي المعلَن في هذا الكتاب، أن استكمال السيرة الذاتية للحبابي ضروري لتفسير فلسفته وخلفياتها
الواعية وال واااعية... والباحث يعِدُ بأنه سيقوم بهذه المهمة في مرحلة لاحقة.
على النقيض التام من هذه الأحكام السلبية على الحبابي، فإن محمد مصطفى القبّاج (الذي يذكر
الدواي ويشيد بموقف له يعود إلى سنة 1987 قال فيه: «إن كلَّ نسق فلسفي لا بدّ أن تكون له أصول في السيرة الذاتية لصاحبه»)، لا يعتريه
أيُّ شكٍ بسيرة الحبابي المعروفة «من خ لاا
رفقته الطويلة، كما يقول، التي جاوزت ث ثااة عقود، كان الحبابي يحدِّثنا، بين الحين والآخر، عن سيرته الذاتية...» (ص 82) بتفصيلاتها! ولا يبدو القبَّاج، هنا وفي هذه المسألة بالذات،
أنه فهم بالعمق موقف الدواي من الحبابي! فيصل، في المقابل، إلى تأكيد فرضية أن «الهاجس الغدوي كان محدوسًا في وعي
الحبابي السياسي والفكري حين كان مناض في صفوف الحركة الوطنية»، أي في مرحلة الشباب، «قبل أن يحصل المغرب على استقلاله
غير المكتم 100ِل» (ص)! إلا أن الإع ن عن «الغدية» تأخَّر إلى أواخر حياته. وما الشخصانية عنده سوى فرع للغدية تمَّ تجاوزه! وهكذا تكون
سيرة الحبابي في هذه المطالعة واضحةً تمامًا،
«بحكم رفقتي الطويلة له»، كما يقول الباحث، وأن صاحبها لم يكن بالحقيقة إلا فيلسوف الغدية لا الشخصانية!
بين هذين الموقفَ ين من الحبابي: الإشادة المفرطة مع القبّاج، والمأخذ اللاذع مع الدواي،
قدَّم الباحث محمد الشيخ مطالعة موسَّعة
ومبسَّطة لفلسفة الحبابي، ختمها، وبثقة تامة،
بنتائج بحثه، بقوله: «هذا هو الحبابي... وهذه هي فلسفته» (ص 76)! ولكن، هذه المطالعة أشاحت عن ذكْر مصادر فكر الحبابي، وعن دواعي تطوُّر فكره وتقلُّباته، ومدى معرفته
وإحاطته بالموضوعات التي طرقَها... والباحث لم يذكر، على سبيل المثال، مونييه ورنوفييه وكلَّ أركان «الشخصانية» الفرنسية! فبدت «شخصانية» الحبابي وكأنها اختراع حبابي
بامتياز! أو كأن الحبابي فيلسوف مكتَفٍ بذاته،
عاتٍ على المثاقفة! فاستعاض الشيخ عن ذلك
بشرح مسهَب، ولكن بترسيمات واضحة مبسَّطة،
كقوله: «ثمة نقلتان للكائن البشري: نقلة أولى من ‹الكائن› إلى ‹الشخص›، ونقلة ثانية: من ‹الشخص› إلى ‹الإنسان›» (ص. 53). ويوضح أن «التشخصُ ن» هو انتقال من حال «الكائن
الخام» إلى حال «الشخص»، و«هو انتقال لا يتم
مرة واحدة... ف«التشخصُن» عملية تمتد على
مدى الحياة» (ص. ٣٥)... ولكنه لا يفسِّر ماذا
يعني الحبابي ب «الكائن الخام»؟ وأين هو هذا «الكائن الخام»؟ وهل هو صيغة جديدة للثنائية القديمة عن مفهومَي حالة الطبيعة والحالة
الانسانية عند هوبز وغيره، ولكن مع مرحلة انتقالية، عند الحبابي، هي «الشخصانية»؟
وما هو واقع الشعوب والحضارات وتوزُّعِها المفترَض، أو الممكن، بين حضارات لا تزال
في مرحلة «الكائن»، وأخرى بلغت مستوى «الشخص»، وباتت قريبة من مرحلة الانسان؟ وهل هذا «التمرحُل» الأنثروبولوجي هو خاص
بالأفراد، لا بالجماعات البشرية؟ أم، ربما، يتم
وفقًا للقدرات الإرادية لدى بعض الأفراد؟ وهل لإنسان، في هذه الرؤية «الشخصانية»، وجود فعلي، أم هو مجرَّد «أفُق» للشخص؟ وما معنى،
بالتالي، «الشخصانية الواقعية»، وهل هي نفي لشخصانية أخرى «غير واقعية»؟ وماذا لو كان ذلك تأويً، إنما بتصرُّف، لموقف مونييه من
هذا الحراك من «الشخص» إلى «الإنسان» الذي عبَّر عنه بأنه: «حركة كينونة نحو الكائن»
(على ما يبدو) d’être mouvement le «C’est l’être» vers (وهل يمكن ترجمة هذه الجملة
من غير معرفةِ فلسفة الشخصانية عند مونييه)؟ وإذ أن الشخص، عند مونييه، هو «الإنسان الحق»، أيكون الحبابي يقصد بذلك، «الإنسان الكامل»، ذاك المثال الأعلى الانساني في
المفهوم الصوفيّ الإسلامي، الراسب الغائر ربما
في ثقافته؟ وماذا عن مقولة «الشرط الإنساني» التي لا ينفك الحبابي يتكلم عليها، من غير إشارته إلى المفاهيم السوسيولوجية وشروطها الوضعية العامة، أو حتى إلى كتاب مالرو الشرط الإنساني (1933)، الذي كان يُعتبر
حينذاك، في فترة إقامة الحبابي في باريس، من «أهمّ الروايات العالمية في النصف الأول للقرن
العشرين»، والذي لا يذكره الشيخ عند ك مااه على هذه الشروط؟ وماذا عن مقولة «المجتمع
المنفتح» التي قال بها أولً برغسون، ومن ثمَّ
كارل بوبر في كتابه المجتمع المنفتح وأعداؤه (1945)، وشاعت مذ ذاك في الأبحاث الفلسفية والاجتماعية، وشك لت أحدَ عناوين كتب الحبابي (بالفرنسية:) ouvert , Du clos à l (من المنغلق إلى المنفتح) (1961)؟ وماذا عن «الاست ب» الماركسي؟ والماهية والهوية الوجودية السارترية؟... إلخ. هذه الأسئلة، وفهمُ الحبابي المفترَض لها، وتصدِّيه، المُضمَر
غالبًا أو المعلَن أحيانًا، لها ولغيرها، كل ذلك لا
يظهر على مدى صفحات هذا العرض المسهَب
والواضح لفلسفة الحبابي! بالرغم من ذلك كله، يبقى بحث محمد الشيخ «أكثر الفصول محوريَّة» في هذا الكتاب،
بحسب مقال تعريفيّ بالكتاب ظهر مؤخرًا في
إحدى الصحف العربية (٢). وفي الصحيفة عينها مقال آخر (٣) يلفت النظر إلى جانبٍ من فكر الحبابي لم يستأثر باهتمام باحثي الكتاب، وهو الحوار بين الأديان، وبين المسيحية والإس ماا خصوصًا؛ فالدار اليسوعية
الفرنسية أعادت مؤخرًا، هذه السنة، نشر كتاب
Le Personnalisme Musulman الحبابي
(الشخصانية الإس مااية) الذي صدرت طبعته الأولى الفرنسية سنة 1964، مع تغيير عنوانه الأصلي بعنوان جديد هو: الشخص في الإسلام: الحرية والشهادة، متجاوزًا بهذه الصيغة الجديدة للعنوان أفقَ الفلسفة الشخصانية التي انقطع ذكرها في فرنسا. والناشر هو اللاهوتي الألماني ماركوس كنير (Kneer M.)، أحد الاختصاصيين بفكر الحبابي، ومترجم عدد من أعماله إلى الألمانية، والكاتب عنه بالألمانية والفرنسية، ويَعتبر أن الحبابي طوَّر نقدًا مزدوجًا: للمركزية
الأوروبية، ول«المنغلق الإسلامي». وهو بذلك، لا رجال الدين الاختصاصيين، يشك ل نموذجًا
فذًا للحوار بين الأديان؛ هذا الحوار الذي «لا ينطلق، بحسب كنير، من دين جوهراني، ولكن من دين معيش»، أي من حوار بين أشخاص مؤمنين من الديانتين، لا بين لاهوتيِّين وعلماء
دين يتداولون في بعض النصوص الدينية التي تهمُّ غايةَ حوارِهم المسبقة! ويجب أن نعرف
أولً، كما يقول، وقبل كل شيء، الاشخاص المتحاورين، أو: «مَن يحاور مَن»؟ ولاحظ كنير أن كتاب «الشخصانية الإس مااية » للحبابي صدرَ بالتزامن مع لقاءات «المجمع الكنسي الكاثوليكي» الذي عُرف تحت اسم «الفاتيكان الثاني»، وفي السنة نفسها (1964)، والذي تضمَّن أكثرَ المواقف إص حيةً في
الكنيسة البابوية، ودعا، ولأول مرَّة في التاريخ،
إلى ضرورة الحوار المباشر بين الأديان، خصوصًا بين المسيحية والإس ماا، حيث يبدو الحبابي اليوم، الذي كان كان كثيرَ الاهتمام
بذلك الحدث حينذاك، أبرز ركائز هذا الحوار الكبير في الجانب الإسلامي!
إن هذه القراءة غير المسبوقة لإحدى دلالات كتاب «الشخصانية الإسلامية»، التي تأتي متأخرة عن تاريخ صدوره بنصف قرن، يُستبان منها
استمرار حضور جوانب من الفكر الشخصاني للحبابي الذي - للمفارقة - تخلّى هو عن كثيره لاحقًا! وتبدَّى بذلك، تاليًا، كمظهر من مظاهر
«الغدّية» التي استكان إليها كبديل، ومن غير أن يحدس حينها بهذا الجانب من «غدّيتها» التي لم تكن عنده أكثر من تفاؤلية لا تخلو من التبسيط المعمَّم! فهل كانت «الغديّة» الحبابيَّة
نوعًا من اليأس من التاريخ، ومن الرهانات
القومية العربية عليه؟ هذه «الغدية» التي لم يترك فيها ولها مكانًا للديمقراطية التي لم يعتبرها، بخلاف السائد الفكري، إلا نفسانية وشخصانية!
أمَّا الأبحاث الثلاثة الأخيرة في الكتاب،
فابتغت التفكير في جوانبَ غيرِ متداوَلة من
فكر الحبابي:
محمد المصباحي، انط قااًا من فكرة الحبابي أن الانسان هو «أفق» الشخص، بعدما وُلد هذا
الشخص من سلفه «الكائن الخام» (أو البدائي، المتوحِّش، بلغة الأنثروبولوجيين الأوائل، قبل
أن يتخلَّوا عن هذه التسمية غيرِ المنزَّهة ضمنًا عن العنصرية والروحية الاستعمارية!)، وفي هذا «التطور الخ ق»، بحسب تعبير برغسون، ولكن الروحانيّ السمة، الذي استلهمه
«الشخصانيون»: أصبح بذلك الانسانُ «أفقَ» الشخص الغربيِّ الأبيض «المتطوِّر» (إذ يبدو أن
الانسان الأوروبي المتوحش «دُفن» أي ط رد من
الوعي الغربي، مع «دفنِ» الأوروبيين الحرب العالمية الثانية، وأهوالها الطازجة عند ذاك،
الفاضحة لفرط توحُّشِهم في ما بينهم!)
لِا يلتفت المصباحي في بحثه إلى خارج نص
الحبابي، ممارسًا بذلك منهجية فيلولوجية
(استشراقية، يمكن أن ينعتَها البعض!)، نافرةً لا تقتات إلا من إمكانات تأويل «الأفق»: الأفق
كوجهة، لا كمحطة وحط رحالٍإنساني، أو كتبرير للتطوُّر المستمر الذي من دون استمراره
يموت «الشخص»! «الأفق»، كدلالة أيضًا على الموضوعية المبتغاة في العلوم الوضعية جميعها، التي ليست، برأي بعض الإبستيمولوجيِّين، أكثر
من حُسن استعمال الأدوات المنهجية المقبولة!
وصولً إلى ما أسماه «باثولوجيا الأفق.» الم حَظ أن المصباحي الحاذق يربط بعض
دلالات مفهوم الأفق عند الحبابي، ومن غير أن يذكر ذلك صراحة وبالاسم، بستٍّ من مقولات أرسطو العشر، هي: الماهيَّة (الجوهر) والمكان
والزمان والمِلكية والفعل والانفعال! ولا ينسى أن «الأفق» هو أيضًا وخصوصًا «مكان لتشخصُن
الأنا» مع الآخر وبه (ص 107)! ومعناه، عنده، أنه «توسُّط بين الكائن البشري والتشخصُ ن
المستمر (118)» وأنْ «لا وجود عنده ل ‹أنا› خالص، وإنما ل ‹أنا› في أفق» (ص 113)، متأثرًا (المصباحي)، ربما، بالأبحاث الحديثة
جدًا حول هذه المقولات الأرسطية التي تضمَّنها كتاب بعنوان: أيُّ فلسفة للقرن الحادي
والعشرين: أورغانون القرن الجديد، الذي قمنا بتعريبه بتكليف من المنظمة العربية للترجمة،
ونُشِر سنة 2011! وإذ أن الأفق ينتمي أص إلى المكان، المكان الفلكي بالنسبة إلى الناظر
البشري، جعل ه الحبابي ينتمي إلى الزمان بأبعاده الث ثااة، والزمان المستقبلي خصوصًا، مرتع
الرغبات والآمال والإرادة ووجهتها، وبذا هو «معنى» دينامية الوجود الانساني، بل مجموعة «آفاق»، مزيج بين المحايث والمتعالي،
بين السيكولوجي والتاريخي، وبين الفردي والجماعي (ص. 119) إن بحث المصباحي، المدجَّج بالهوامش
التوضيحية، يشبه في بعض أشكاله بحث محمد الشيخ من حيث تلازمه اللصيق شبه التام بنص
الحبابي. ولكن المصباحي يكسر هذه القاعدة التي التزمَها الشيخ، بقيامه بشروحات ومقارنات
متنوعة، لا يذكرها في متن نصِّ بحثه، بل في
حواشيه فحسب، وهي عديدة!
فتحي المسكيني، يتوسَّع في دلالات
«الشخص» عند الحبابي. وانط قااًا من سؤال: هل كانت فرنسا تنظر إلينا (نحن المغاربة عمومًا) بوصفنا «أشخاصًا»، أم بوصفنا مجرد
«كائنات»؟ (إشارة الى الشعور الدوني، بحسب الحبابي، لدى «الكائن» حيال «الشخص)»، يرى الباحث أن في الإجابة عن هذا السؤال تكمن الأسباب الدفينة التي حرَّكت الحبابي
نحو اعتناق «الشخصانية»! هذه «الشخصانية» التي من قيَمها الكبرى: الحرية (أي الاستقلال
الوطني) والكرامة (أي المساواة الانسانية الكاملة). فالحميميَّة مع الذات ليست إلا فرضيَّة
وموهومة، إذ هي غير معيشة، واقعًا وبالفعل، إلا
مع الآخَر. وهي تتجل ى في تجربتين إنسانيتين كبريين هما: الحب والفن. يركِّ ز المسكيني تحليله على موقف الحبابي المؤيِّد ل«المساواة الشخصانية بين الرجل
والمرأة»، وعلى «الفرق الجندري» في العالم الإسلامي والعربي خصوصًا، مشيرًا إلى كتابات
الحبابي التي يقول عن بعضها ما يلي: «هذا المقطع في غاية الأهمية الفلسفية في تاريخ النقاش الفلسفي العربي المعاصر في شأن
المشكلة النسوية» (ص 136)، ومشيرًا إلى
مسألة تحرير المرأة ونقد الأبوية («الأبيسية»، كما يسمِّيها الحبابي) التي نمَّت في العرب،
نساءً ورجالً، روح القطيع؛ فالفرق بين
الجنسَين، عنده، ليس بيولوجيًا، بل هو «فاعلية»
أخ قااية. لقد اكتشف الحبابي المرأة/الشخص
في الإس ماا الذي «مكَّنها، بحسب الحبابي، من أخطر مساحة هوية ممكنة لكائن بشري: مساحة الملكية الشخصية»، فبات لها حقوق في الزواج والإرث والملكية الشخصية، وليست موضوع نكاح رجالي دائمًا (ص. 146). أمّا
قوله عن صعوبة الكلام على المرأة في الإسلام، وعلى الموقف من المرأة فيه، فيكشف، برأيه، ماهية الدين. وهذا ينسحب على أيَّ دين آخر.
وبالنسبة إلى المسكيني، موقف الحبابي هنا هو فلسفي، لا أيديولوجي: «فمجرَّد الشهادة تكفي
كي يأخذ الجسد المسلم في علاقة جنسية باسم المقدّس» (ص 152)، على عكس الموقف الرهباني المسيحي من الجنس القائم على التبتُّل. ويكشف الباحث عن موقف الحبابي من
هذه المسألة بقوله عنه: «النظام الأموسي (كما يسمّيه؛ أي الأمومي) انقرض، كما أن النظام
الأبيسي هرم. والأفق هو «تفتُّح نظام جديد
تتكامل فيه الأبيسية مع الأموسية داخلَ نسق جديد يخفق شبابًا» (ص. 154) يبدو الباحث مندهشًا من بعض مواقف الحبابي في كتابه «الشخصانية الإس مااية» (الذي هو محاولة استعادة قيمة الشخص الذي أطلقته «ثورة الأديان الابراهيمية»، وقامت الأبيسية بتشويهه) إزاء مسائل تخصُّ المرأة والجنس
والجندرية في الإس ماا، مقارنةً بوضعها في الحضارات القديمة الأخرى، فيرى أنه «لأول
مرة يُتطرق إلى وضع المرأة من زاوية تاريخ
النساء، لا من زاوية المفاضلة السقيمة بين الذكر والأنثى فحسب» (ص 148). كما يرى الباحث «أن هذا التأويل الجندري موقف فلسفي سابق عصره» (كذا) (ص 149)! وحتى قول الحبابي بأحقِّية المرأة بالنبوَّة، هو برأيه توكيد لا يقبل
الشكَّ بأخذه بالمساواة التامة بينها وبين الرجل في مختلف الظروف. وال فاات أن الباحث يعبِّر عن هذا الاندهاش
(وربما بسبب ضَعف اقتناعه بالتماسك الفلسفي للنص المعبِّر عنه؟) بعبارة: «طريف»، أو «من
الطرافة»! ويكرر ذلك مرّات بعد ذكْره كلَّ موقف
للحبابي يعتبره خارجًا عن المألوف والتقليدي!
إلا أن هذه العبارة لا تنطوي عنده على موقف سلبيٍّ أو قدحيٍّ ضمنيٍّ من صاحبه! ولكن، ألا يمكننا هنا تأويل تأليف «الشخصانية الإس مااية» كمحاولة من الحبابي لإعادة دفع الشخصانية التي انتهت في موطنها في الغرب؟
عبد الس ماا بنعبد العالي يتساءَل في الفصل
الأخير من الكتاب حول تصنيف نص «الشخصانية الإس مااية»: هل هو علم ك ماا (حديث) أم فلسفة؟ ويبدو الباحث فيه الوحيد الذي توقَّف عند مصادر الحبابي الفلسفية، ولا سيما تأثره الأساسي بفلسفة مونييه، ما آل به إلى تأويله لها ب «الشخصانية الواقعية» المتعالية، ولكن غير المنفصلة عن الواقع المجتمعي الإنساني. والحبابي، برأي الباحث، عاد ب«الشخصانية الإس مااية» إلى منابعها في الإس ماا السابق «لاحتكاكه بالثقافات اليونانية والفارسية والهندية»، أي لحظة البداية، لحظة «الطهارة
الخالصة»؛ «ففي هذا الكتاب استشهادات غزيرة من الكتاب والسنَّة» دعمًا لآرائه ومواقفه، غير
مكترث بتراث من الاختلاف في التأويلات...! هذا الموقف الك ماايّ ينأى، برأيي الباحث،
عن الفلسفة، ويعجز صاحبُه فيه عن التفلسف
الخالص. فالمؤمن، عنده، يراعي «التوازن» بين المكوِّنات المختلفة في شخصه. وهذا «التوازن»
الحبابيُّ هو موقف ك ماايّ يعبِّر عنه الفقهاء
وعلماء الك ماا بعبارة: «الوسَطية». وفي مواقفه
الإس مااية، يرى الحبابي نقصانًا في السلفية؛ السلفية المعجب بها، مع ذلك، وبروحها النضالية، وليس بإبرازه أخطاءها فحسب. كما أنه يعتبر أن الصوفية، ذات المصادر غير الإسلامية برأيه، هي، في جانب مقابل للسلفية، السبب في عقم الفكر الإس مااي وعزل المجتمعات الإس مااية عن دينامية المجتمع الصناعي المعاصر القائم راهنًا في الغرب، لأن التصوف، برأيه، غيَّر الروح الأصلية لإس ماا، فأرسى بين
المسلمين الاستسلام لقدرية عمياء ول«الزهد في العالم» وللانسحاب منه...! جماع القول أن الحبابي هو، برأي الباحث، سلفي ينقد السلفية لأنها ناقصة، أي لم تدرِك (ولم يقل: تعادي) دينامية المجتمع الصناعي الغربي، ولم تسعَ الى الانفتاح عليه.
و«الشخصانية الإس مااية» الحبابية، عند بنعبد العالي، لم تُبن على تحليل فلسفي، بل على معاناة وجودية ووجدانية بعيدة عن المنطق واللغة الفلسفيَّين. ولكنه يحيِّي، في الأخير،
أستاذَه الصارم، ويؤيد تشديده على ترسيخ الترجمة في صف الفلسفة الجامعي، ودوره كعميد لا يساوم على المعايير الأكاديمية، ويشيد خصوصًا بكونه مفكرًا يتجاوز صفةَ الأستاذ
الكلاسيكي الجيّد (ونموذجه في ذاكرته أستاذه
حينذاك نجيب بلدي)، ليفتح أمام طلابه صورة لنموذج المفكر الحر. وبفضل هذه المواقف أرسى الحبابي في جامعة المغرب أسس كلية حديثة، وأقام شعبة للفلسفة أرادها ندًا للشُّعَب
في الجامعات الكبرى الغربية التي درس فيها.
بالإضافة إلى هذه الأحكام، وإلى مآثر أخرى تتمثَّل في كونه أول مَن حصل على لقب دكتور
في الفلسفة في المغرب، وأنه مؤسس درس الفلسفة في الجامعة المغربية الفتية، وأول عميد لكلية الآداب فيها، فض عن كتاباته الفلسفية الرائدة عربيًا في زمانها، وصوغه المصطلحات
الفلسفية العربية الحديثة بالترجمة التي مارسها وبالتأليف بالعربية الذي مارسه، يلحظ كمال عبد اللطيف، أيضًا، مأثرة فريدة للحبابي تجعله ظاهرة تاريخية في الفلسفة العربية المعاصرة، كونه يمثِّل «لحظة استئناف لقول الفلسفي في الفكر المغربي» (ص 10)؛ هذا الاستئناف الذي يأتي بعد صمت فلسفيٍّ مديد في المغرب
الكبير، دام قرونًا، منذ نكبة «مواطنه» ابن رشدِ! هذا الجانب الريادي التاريخي في «معنى» الحبابي الفيلسوف العربي، تبقى له الأسبقية القيميّة الدائمة، ربما، على مضمون أفكاره
الفلسفية وفعاليتها.
الهوامش
(1) قُدمت هذه الورقة في الندوة التي نظ مها المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات - فرع بيروت، داخل قاعة المحاضرات في معرض بيروت الدولي للكتاب، وذلك يوم 9 كانون الأول/ ديسمبر.2015 (2) جريدة العربي الجديد، الدوحة (قطر)، 21 / 11 /.2015 (3) جريدة العربي الجديد. مقال لرشيد بو طيّب بعنوان
«محمد عزيز الحبابي: قلق بين ثقافتين»، الدوحة (قطر)،