ماذا يعني أن نفكر عربيا في الحرية؟
What Does it Mean to Reflect on Freedom in the Arab Context?
الملخّص
ينطلق البحث من التفكير في معنى التفكير نفسه وفي أدواته وممكناته ويخلص إلى ضرورة مباشرة سؤال الحرية استنادًا إلى عقلانية معيارية قادرة على تجاوز الاختزال الوظيفي الذي لحق العقل السياسي عندما تم تحويله إلى تقنية تسويغ للسلطة القائمة. ثم في مرحلة ثانية، يعكف البحث على تحديد معالم هذه العقلانية المعيارية. وفي مرحلة أخيرة يرصد البحث مقومات التنظيم المؤسسي الذي يمكن أن يشكل ضمانًا موضوعيًا لأوسع مجال ممكن من الحريات. وفي هذا الإطار، يبين البحث أنّ أهم هذه المقومات هو الحياد العقائدي والأخلاقي لدولة القانون والديمقراطية.
Abstract
Abstract: This paper begins by thinking about the meaning of thought itself – together with its tools and enablers. It concludes, that to handle the question of freedom it is necessary to rely on a normative rationality that goes beyond the functionalist reductionism of political reason. It shows how the framework of political reason transforms the question of freedom into a rationalization technique for existing authority. In a second part, the paper focuses on defining the features of this normative rationality, and then goes on to observe the components of a foundational system that might form an objective guarantee for the widest possible scope of freedoms. Looking for a way forward, the paper suggests that the most important component of a discussion of freedom outside this frame is through the ideological and moral impartiality inherent in the rule of law and democracy.
- تفكير
- الحرية
- السلطة
- العقلانية
- العقلانية المعيارية
- Rationality
- Democracy
- Law
- Political Reason
- Authority
- Freedom
- Thought
الذي لحق العقل السياسي عندما تم تحويله إلى تقنية تسويغ للسلطة القائمة. ثم في مرحلة ثانية، يعكف البحث على تحديد معالم هذه العق نااية المعيارية. وفي مرحلة أخيرة يرصد البحث مقومات التنظيم المؤسسي الذي يمكن أن يشكل ضمانًا موضوعيًا لأوسع مجال
ممكن من الحريات. وفي هذا الإطار، يبين البحث أنّ أهم هذه المقومات هو الحياد العقائدي والأخلاقي لدولة القانون والديمقراطية.
مقدمة: في مشروعية السؤال عن معنى التفكير عربيًا في الحرية
يستمد السؤال الذي جعلناه عنوانًا للبحث مشروعيته من اعتبارين متنافرين ولكنهما متلازمان: أولهما الوعي بأن معنى الحرية لا يمكن تمثّله خارج انتساب الفرد إلى جماعة ما، وبمعزل عن سياقات موضوعية من الحرمان من الحرية ومن الصراع من أجلها. و ثانيهما الخشية من أن يكون التنزيل السياقي لمسألة الحرية ضمن مرجعية ثقافية مخصوصة مدخلً لتبرير الحد من الحريات باسم الخصوصية، ثقافيةً أكانت أم سياسية أم اجتماعية. لذلك، فإن رهان هذا السؤال هو تأكيد حاجة الفكر العربي المعاصر إلى برنامج تفكير في الحرية يتجاوز التوتر القائم بين معيارية الحرية كقيمة كونية وضرورة ربطها إلى وضعية الإنسان العربي كفاعل سياسي واجتماعي، وهو ما يقتضي حمل عبارة «عربيًا» على معنى خصوصية الشروط الثقافية والحضارية لفعل التفكير في الحرية، وهي خصوصية
لا تنفي البتة وحدة العقل في كونيته لا حملها على معنى الاستثناء الذي ينكر، باسم النسبية الثقافية، كل طموح كوني للعقل. وهكذا، لا يكون التفكير في الحرية ممكنًا إلا بالتخلي عن زعم أن السياق السياسي والاجتماعي العربي يملي مجموعة من الأولويات، كالتنمية والكرامة الوطنية واستقلالية القرار الوطني والحفاظ على الهوية؛ فبمعزل عن مدى وجاهة هذه «الأولويات» اليوم، فإن ادعاءها ليس إلا إنكارًا متخفيًا للحرية ولمقتضياتها. ولا يكون التفكير في الحرية ممكنًا أيضًا إلا بالتخلي عن
زعم الصلاحية الكونية لنماذج محددة للحرية، كالنموذج الليبرالي مثل. ففي التسليم بهذه النماذج مصادرة لمعنى التفكير، وتمييع للمضمون السياسي للحرية باعتبارها مطلبًا لا يتحقق فعليًا إلا في
إطار تنظيم مؤسسي محدد. لكن هذا الرهان دونه ذاكرة سياسية مشبعة بوضعيات الاستبداد والتسلط وبجهد فكري لم يتوقف عن تسويغهما، فيكون المشكل الأول الذي يجابه التفكير في الحرية لدى الباحث العربي المعاصر هو مواجهة هذه الذاكرة، أي مواجهة الفكر لنفسه من خ لاا التساؤل عن مصادره: هل تمنحه هذه المصادر، اليوم تحديدًا، القدرة على طرح سؤال الحرية وجعله مصلحة عليا لكل عقلانية سياسية عربية جديدة؟ إن سؤال الحرية يكتسب دلالته لا بالنظر إلى واقعٍ لمّا تتحول فيه الحرية إلى ثقافة
مكونة للنسيج المؤسسي للمجتمع كما لشخصية الأفراد، فحسب، بل أيضًا بالنظر إلى ممارسة للفكر لمّا تقطع مع عقل سياسي اختُزل وظيفيًا إلى مهمة تسويغ سلطة الأمر الواقع. تبعًا لذلك، يدافع البحث عن الفرضية القائلة بضرورة أن يكون منطلق التفكير عربيًا في الحرية
هو النقد الجذري لهذا العقل ولبرنامج عمله، لا قفزًا على الشروط التاريخية والواقعية للتفكير في الحرية بل بحثًا عن عق نااية بديلة، أي عن تفكير ينأى بنفسه عن الوظيفة التبريرية بأن يكون متجذرًا في سياقاته، ومتمث ما يتخلل هذه السياقات من تجارب استبداد وجور، ومدركًا طبيعة
التنظيم المؤسسي الذي انتجها ودعمها وضرورة إعادة تكوينه ضمن تصور عام للدولة العادلة. في هذا كله، يقترح البحث م حظات برنامجية حول القضايا التي ينبغي أن يمسها التفكير في مسألة الحرية، وحول كيفية مقاربتها من دون الخوض في مختلف مستوياتها ونماذجها وفي مسألة حدودها.
كيف يكون التفكير عربيًا في الحرية ممكنًا إذًا بالنظر إلى ذاكرة لا تسعفنا بتعريف للحرية نلقى
فيه ما نتطلع إليه اليوم من استق لااية فردية وجماعية؟ هل يمكن التفكير في الحرية بالأدوات الفكرية نفسها التي أنتجت ثقافة الاستبداد على مدى قرون؟ كيف يمكن إعادة تكوين العقل السياسي العربي حتى يضطلع بمسؤولية التفكير في الحرية؟ وكيف يمكن هذا العقل أن يثبّتها
كقيمة إنسانية كونية من غير أن يتنكر في الآن ذاته إلى سياقاته الخاصة باعتباره عقً عربيًا؟ هل
يستدعي التفكير في الحرية إذًا التفكير في الهوية أولً أم التفكير ضدها أولً؟ وهل يمكن التفكير في الحرية بمعزل عن شروط إمكانها المؤسسية؟ ما هذه الشروط؟ وهل تمثّل ضمانًا للقطع مع البنى المؤسسية للاستبداد؟
التفكير عربيًا في الحرية: من أجل عقلانية معيارية بديلة
ما من حاجة اليوم إلى إعادة تأكيد تعدد معاني لفظة الحرية وتشعّ بها. ولكن ربما يكون
من المهم في المقابل أن ن حظ أن الاستعمالات المعاصرة لهذه اللفظة تلتقي جميعًا عند
مبدأ مشترك يعبّر عمّا صرنا نفهمه أو نتطلع إليه في عصرنا الراهن وعلى صعيد عالمي
عند حديثنا عن الحرية. هذا المبدأ هو «الاستق لاا الذاتي للفرد»، أو «الأتونوميا الفردية » autonomy) Individual). بهذا المعنى، أي كأتونوميا فردية، طبعت قيمة الحرية التنظيم المؤسسي للمجتمعات الحديثة أكثر من أي قيمة أخرى؛ فالنُّظم القانونية المختلفة وأشكال التنظيم السياسي وأنماط التعاقد، وحتى تنظيم النفاذ للتكنولوجيات الاتصالية، تراعي في الأساس مبدأ استق لااية الفرد، سواء كشخص أخ قااي أو كعضو في مجموعة سياسية أو عقائدية أو غيرها. وحتى فلسفات التواصل مع آبل (Apel) وهابرماس، وهي التي تفكر من خارج براديغم الذاتية وبراديغم الوعي، أو تلك التي تصدت للطابع الذاتي التفتيتي لحقوق الإنسان مع أرندت، لا تنفي هذا المبدأ وإنما تحاول، على أساسه، تطوير نماذج من الحرية التواصلية أو الجمهورية. في الحقيقة، إن هذه الدلالة للحرية هي بامتياز دلالة حديثة انبثقت من رحم جدل هو في الأصل حقوقي - لاهوتي قبل أن تطبع الفكر الفلسفي الحديث، وتأخذ زخمها كله مع كانط. لا يعني ذلك أن الحرية في معناها الفردي أو الداخلي كانت مجهولة تمامًا في الفكر ما قبل- الحديث، ولكن هذه
الدلالة أصبحت مع الأزمنة الحديثة فقط تحيل إلى شكل «تعيين الإنسان لذاته ككائن عاقل حر مريد في كرة واحدة» بل أصبحت هذه الدلالة أيضًا محددة لبنية التنظيم المؤسسي للمجتمع. إن مفهوم الحرية كاستقلال ذاتي للفرد هو تعبير عن وعي جديد للإنسان بذاته كقدرة على المعرفة وكقدرة على التشريع في الآن ذاته.
(1) Axel Honneth, Le Droit de la liberté: Esquisse d’une éthicité démocratique , traduit de l’allemand par Frédéric Joly et Pierre Rusch, NRF essais (Paris: Gallimard, 2015), 33.
(((فتحي المسكيني، الهوية والحرية: نحو أنوار جديدة (بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2011)، ص.75 (((المصدر نفسه، ص.77
ما من شك أن مصطلح الاستقلالية أفضى مذ ذاك إلى طيف واسع من المقاربات بخصوص الحرية، ولم تكن الليبرالية بتنويعاتها المختلفة إلا إحداها؛ فسواء فهمنا الحرية في معنى سالب، كغياب كلي لعوائق الفعل، أو في معنى التحديد الذاتي، أو كذلك في معنى التحقق الذاتي على أساس تصور للحياة الخيرة، فإن استقلالية الفرد تظل مبدأ أصليًا غير قابل للتجاوز. لكن مع ذلك، لن يكون في
الإمكان إنكار تضافر مجموعة من الشروط الموضوعية التي أنتجت الحاجة إلى هذا المبدأ والحاجة إلى إعادة تكوين التنظيم المؤسسي للمجتمع وفقًا لمقتضياته. يمكن أن نؤكد ثلاثة شروط قد لا تكون الوحيدة ولكنها تبدو الأهم: - الشرط الاجتماعي الاقتصادي، ويتمثّل في ظهور النظام الرأسمالي وتأكُّل التراتبية الاجتماعية التي كرسها النظام الاقطاعي استنادًا إلى مبدأ «الشرف» لمصلحة تنظيم اجتماعي جديد يدّعي المساواة ويقوم على مبدأ «احترام» الفرد في ذاته كمبدأ ذي ص حية كونية. تزامن ذلك كله مع عقلنة مطردة للع قااات الاجتماعية ولسيرورات الاندماج، وأصبحت الملكية الفردية والتعاقد بين الأفراد، كما في تصور هيغل مث، الأفق المؤسسي الأوّلي الذي تتحقق ضمنه
قيمة الحرية. - الشرط المعرفي، ويتمثل في التحولات العلمية الكبرى وفي إثبات الإنسان ذاتَه باعتبارها قدرة على المعرفة؛ فنشأة العلم الحديث بوصفه معرفة وضعية واعية بحدودها ولكن أيضًا بممكناتها النظرية –والتقنية - أدت إلى إزاحة مسألة الحرية من مجال العقل النظري، حيث تجلت نقيضةً من نقائض العقل لتصبح مبدأ مؤسسًا للعقل العملي، كما في تصور كانط مثلً. - الشرط السياسي، حيث انتهت الحروب الطائفية التي قسّمت المجتمعات الأوروبية إلى أشكال من
التسوية السلمية القائمة على التسامح (مرسوم نانت)، ثم خاصة تأسيس الدول الأمم ذات السيادة في إثر معاهدة وستفاليا. وفي هذا الإطار، وقع تدريجيًا تفكيك الرابط بين السياسي واللاهوتي بالتزامن
مع التمييز بين الفضاء الخاص والفضاء العمومي، كما في تصور جون لوك مثلً. هذه الشروط كلها تتقاطع عند نقطتين: الأولى توكيد الإنسان في فرديته مرجعيةً نهائية للفعل الاقتصادي الحر، للمعرفة الحرة وللحياة السياسية الحرة. والثانية عقلنة العالم المعيش بطريقة تجعل
الإنسان هو ذاته مرجع كل معيارية معرفية أو عملية، حتى غدا الرابط بين الحرية والعق نااية رابطًا لا انفصام له. في مقابل ذلك كله، يبدو هذا التعريف الظافر للحرية اليوم مربِك ا للباحث العربي المعاصر، لا فقط على جهة ما تثيره مصطلحات «الاستقلال بالنفس» وأن «يُخلّى المرء إلى نفسه» من دلالة تتراوح
(((المصدر نفسه، ص.74 (((أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، كتاب السياسة المدنية الملقب بمبادئ الموجودات، حققه وقدم له وعلق عليه فوزي متري
نجار (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1964)، ص 99. ومن المرجح أن الفارابي في حديثه عن الفرد «المخل ى لنفسه» إنما كان يستحضر معنى الأتونوميا. لذلك، فإن هذه العبارة تنقل في تقديرنا معنى الأتونوميا بصورة أكثر دقة من عبارة الاستقلال بالنفس.
بين الاستبداد والفوضى من دون إحالة إلى معنى الحرية، ولكن أيضًا لأنه لا يجد في مصادره التراثية سندًا قويًا لتبيئة مفهوم «الاستق لاا الذاتي للفرد»؛ فهذه المصادر، وخاصة منها تلك المندرجة في
حقل الفكر السياسي، كثفت اهتمامها على نحو خاص بآداب المُلك والسلطان، وبالتسويغ الديني
والأخ قااي لأنظمة الحكم السائدة، وهو ما جعل العقل السياسي العربي يتكون أساسًا كعقل
سياسي أداتي، أي كعقل وقع اختزاله في وظيفة محددة هي تبرير الوقائع وإضفاء المشروعية على أنظمة انتزعت الحكم بالغلبة والقوة. وبالفعل، فإن العقل السياسي العربي الكلاسيكي لم ينتج على نحو نسقي فلسفة معيارية في السياسة بقدر ما أنتج وصفات أمبريقية للحكم وأدواته وأخلاقياته. إن مصدر القلق الأساسي بالنسبة إليه هو فرض نمط من الاستقرار ضمن جماعة. وإن كانت في العموم موحَّدة دينيًا، إلا أنها متنوعة إثنيًا
وقبَليًا، وحتى طائفيًا. لذلك، طفق يبرر الطبيعة السلطانية للدولة ويؤسس لها دينيًا، مضفيًا على
المغالبة - بالاستناد إلى العصبية - ما تحتاج إليه من مشروعية لضمان الاستقرار. وقد مثلت الطاعة الضامن العملي لهذا الاستقرار، وهو ما يعني بقاء المجال السياسي خارج دائرة التفكير في الحق. وربما يبلغ التبرير الديني للحكم ذروته في تعريف السلطان بأنه هو ذاته نظام الحقوق، وبأنه «حمى الله في ب دااه وظله الممدود على عباده»، في نوع من الخلط بين طاعة الله وطاعة السلطان وطاعة الحق. يكشف هذا الوضع عن المنحى الذي اتخذه العقل السياسي العربي الك سيكي، حيث عبّر عن
نفسه من خ لاا ما يسمّيه الجابري «تجليات أيديولوجية بدأت بالتعالي بالسياسة وتسييس المتعالي
لتنتهي بالمماثلة بين رئيس المدينة الكونية (الله) ورئيس المدينة البشرية (الخليفة»)، فكان أن أفرز أيديولوجيا تبريرية أكثر ممّا أفرز عقلانية تأسيسية. وحتى التجاوز الفلسفي لوصفات الحكم
والطاعة اكتفى بتصنيف «المدينة الجماعية التي كل واحد من أهلها مطلق مخلى لنفسه (...) وأهلها متساوون (...) أحرار يعملون ما شاؤوا» ضمن أكثر المدن الجاهلية خيرًا وشرًا معًا. وظل
هذا التجاوز الفلسفي بدوره بعيدًا عن مسعى التأسيس لقيم العدالة والحرية كمعايير سياسية، أي
(((صفة «العربي» المحمولة على العقل ليست نفيًا لكونية العقل ولا تأكيدًا للفرضية القائلة إن للعقل هوية ثقافية؛ فالإقرار بنسبية
العقل مثّلت دائمًا المدخل الفلسفي المناسب لتبرير الاستبداد؛ إنها فقط إشارة إلى فكر تكوّن ضمن شروط ثقافية وحضارية
مخصوصة واشتغل من خلالها. (((أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، العقد الفريد، درس ومنتخبات بقلم فؤاد أفرام البستاني، ج 1 (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1927)، ص 6. ويعرّف الكاتب السلطان بطريقة تذوّب المسافة بين السلطة والحق: «السلطان زمام الأمور، ونظام الحقوق، وقوام
الحدود والقطب الذي عليه مدار الدنيا. وهو حمى الله في بلاده وظله الممدود على عباده». وحيث يكون السلطان، ظل الإله، ناطقًا بالحق يضيق، بلا ريب، مجال الحرية. (((محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، نقد العقل العربي؛ 3، ط 4 (بيروت: مركز دراسات الوحدة
العربية، 2000)، ص.364 (((الفارابي، ص.99 (((1 المصدر نفسه، ص.101
فشل في أن ينتج عقلً معياريًا قادرًا على تدبر القيم في كونيتها لا على تحويلها إلى أدوات لتبرير
واقع مخصوص. لذلك، فإن التفكير عربيًا في الحرية اليوم يمر حتمًا عبر القطيعة مع العقل الأداتي الذي طبع
أغلب النصوص التراثية وأغلب القراءات للمصادر المؤسسة، وخاصة القرآن. هل يعني هذا أن التفكير في الحرية عربيًا لم يُطرح إطلاقًا خارج إطار الالتزام الوظيفي للعقل الأداتي بتبرير «النمطية
السلطانية للدولة» وتكريسها؟ والأهم من ذلك هو هل نأخذ مطلب التحرر من وظيفية العقل الأداتي لمصلحة عقلانية معيارية مأخذ القطيعة مع التراث في مجمله، باعتباره لم يستخلص معنى الحرية كأتونوميا؟ وهل يكون استيعاب النماذج الحديثة للحرية هو الأفق الوحيد للقطيعة مع العقل الأداتي؟ تنبني هذه الأسئلة على مقدمات لا تخلو من التباس؛ فهي تفترض أن الخيار الوحيد لمواجهة محدودية حضور الحرية كمطلب سياسي في المصادر التراثية هو استيعاب نماذج جاهزة للحرية وللتحرر، منكرة بذلك تعدد مسارات تحقيق الحرية وأنماط ممارستها، ومنكرة أيضًا أن الحرية، ككل فكرة، لا يمكن تمثّلها خارج سياقاتها التاريخية. لذلك، فإن التفكير عربيًا في مشكل الحرية ينبغي أن ينطلق
من الوعي بتعدد الموارد المتاحة للتفكير في هذا المشكل، وبتعدد المسارات الفعلية للتحرر، وهو ما يستدعي مراجعة مجموعة من الأحكام: - ضرورة تنسيب الحكم القائل بأن سؤال الحرية لم يمثّل هاجسًا للفكر العربي، فمن أهم الخلاصات
التي انتهى إليها مستشرق مثل روزنتال في بحثه بشأن مفهوم الحرية في الإس ماا هي أن «المجتمع الإسلامي (...) لم يكن يتحمل محاولة للتغيير باسم فكرة ذات زخم كبير كالحرية»، مؤكدًا بذلك محدودية حضورها، سواء كغرض للتأمل الفلسفي أو كدافع لحركات سياسية واجتماعية، وإن حضرت فبتأثير من الثقافة اليونانية والساسانية. وفي نظره أن حرية الفرد لم تكن تحظى إلا باحترام متواضع مقرون بغياب أي معنى من معاني الحرية المدنية. وربما لا تكون هذه الأحكام خاطئة في المطلق؛ إذ يؤيدها تاريخ طويل من الاستبداد والطغيان لم تتمكن فيه الدولة من تجاوز القبيلة (كما هو الشأن مع الأمويين)، ولم تترفّع فيه الإمبراطورية عن الصراعات الأيديولوجية (كما هو الشأن مع العباسيين.) لكن هذا كله لا يعني أن سؤال الحرية كان غريبًا على الفكر العربي أو مستجدًا باعتراف روزنتال نفسه؛
فهو يورد شواهد ونصوصًا للمعتزلة وابن عربي والغزالي تدل على تقبّل لمعنى الحرية بما هي قدرة
(((1 كمال عبد اللطيف، في تشريح أصول الاستبداد: قراءة في نظام الآداب السلطانية (بيروت: دار الطليعة الجديدة، 1999)، ص.162 (((1 فرانتز روزنتال، مفهوم الحرية في الإسلام: دراسة في مشكلات المصطلح وأبعاده في التراث العربي الإسلامي، ترجمة وتقديم معن زيادة ورضوان السيد، ط 2 (بيروت: دار المدار الإسلامي، 2007)، ص.179 (((1 المصدر نفسه، ص.93
على الاختيار، وبما هي مقتضى سياسي ووجودي. بل إن الأمر الأهم الذي غفل عنه روزنتال أيضًا هو أن مواقف هؤلاء المفكرين يمكن أن تجد لها تأصيلً في النص الديني الذي يقبل بحرية العقيدة وبمسؤولية الإنسان الفردية عن اختياراته. لذلك، لئن لم تستخلص النصوص التراثية التي تشكّل الجزء الأهم من «مصادر أنفسنا » معنى الحرية كاستقلالية ذاتية للفرد، مع جميع تبعات ذلك في مجال السياسة والتشريع، فإن هذه النصوص لم تكن خلوًا بإط ق من الوعي بالحرية كبُعد مؤسس لما هو إنساني، كما توحي بذلك كتابات
ابن باجة مث. بل أكثر من ذلك، حتى في مجال الممارسة السياسية الفعلية، لم يكن الخروج عن الاستبداد ومقاومته من الأشياء غير المألوفة، حتى وإن لم يرفع قيم الثورات المواطنية الحديثة؛ فهيمنة العنصر الديني على عالم معيش تقليدي تجعل جميع ادعاءات المشروعية لمصلحة السلطة القائمة أو ضدها مستمدة من تصور لعلاقة ما بالمقدس. بيد أن لا يمكن بأي حال أن ننفي وجود ع قااة بين التفكير في الحرية ضمن الأطر الك مااية وال هااوتية وتبرير أنظمة سلطة محددة؛ فلقد أدى التفكير في الحرية نفيًا وإثباتًا وظيفة أيديولوجية تبريرية هي من صميم برنامج عمل ما أسميناه
العقل الأداتي. - ضرورة الإقرار بتاريخية الوعي بقيمة الحرية وبدلالتها؛ إذ لم يقترن مفهوم الحرية عند القدامى، وخاصة في الفلسفة السياسية اليونانية، بمعنى الاستقلال الذاتي للفرد ولا – على نحو خاص - بمعنى غياب العوائق، أي بشكل من الحرية السالبة. وقد بيّن بنجامين كونستان بوضوح أن حرية القدامى
تتمثّل في الممارسة الجماعية للسيادة؛ فهي أساسًا حرية جماعية. والأهم هو أن هذه الحرية الجماعية
في نظرهم لا تتناقض البتة مع خضوع الفرد التام لسلطة المجموعة؛ فالقدامى لم يدركوا بعدُ شكل الحرية كحقوق ذاتية للفعل وللامتناع عن الفعل، ولم يكن ثمة تمييز بين المجال الخاص والمجال العمومي، وما جعل هذا التمييز ممكنًا في المجتمعات الحديثة هو – تحديدًا – مبدأ الاستق لاا الذاتي للفرد. لم يكن التفكير في الحرية في السياق اليوناني، وهو الأكثر انفتاحًا والأكثر تمرسًا على التجربة
الديمقراطية، يستهدف بالضرورة تقويض مؤسسة العبودية. فلا عجب إذ ا أن تتعايش دعاوى الحرية عند أف طون أو عند الرواقيين مع مؤسسة العبودية. بل أكثر من ذلك، لولا مؤسسة العبودية لما
(((1 إحالةَ لعنوان كتاب تشارلز تايلور Sources of the Self (مصادر النفس)، وهي ترجمة اعتمدها المسكيني في كتابه الهوية
والحرية، متمايزًا بذلك عن الترجمة التي اقترحها حيدر حاج إسماعيل للكتاب تحت عنوان منابع الذات، المنظمة العربية
للترجمة،.2014 ((1(نستطيع أن نقرأ مثلً في تدبير المتوحد لابن باجة «والأفعال الإنسانية الخاصة به هي ما يكون باختياره، فكل ما يفعله الانسان باختيار فهو فعل إنساني، وكل فعل إنساني فهو فعل باختيار. وأعني بالاختيار الإرادة الكائنة عن روية». انظر: أبو بكر محمد بن
يحيى بن باجة، تدبير المتوحد (تونس: سراس للنشر، 1994)، ص.16
(16) Benjamin Constant, «De la liberté des anciens comparée à celle des modernes,» dans Oeuvres politiques de Benjamin Constant , par Benjamin Constant, avec introduction, notes et index par Charles Louandre (Paris: Charpentier, 1874), 261.
كان لعشرين ألف أثيني أن يتداولوا كل يوم شأنهم المشترك في الساحات العامة. وبهذا المعنى، فإن فكرًا دافع عن «حرية الإرادة والاختيار» وعن أن «الناس يولدون أحرارًا»، وأدرك أن الحرية هي
«الخروج عن رق الكائنات»، وأنتج تشريعات تستهدف محاصرة مؤسسة الرق أو تكشف عن قناعة عميقة بالتسامح الديني، إنما هو فكر رائد في سياقه، فإن حصل لاحقًا إجهاض لمسار التحرر، فإن ذلك لا يعود إلى فقر معرفي في مجال التفكير في الحرية بقدر ما يتعلق الأمر بموازين قوى سياسية واقتصادية واقعية استدامت ما يسمّيه محمد الشرفي «سوء التفاهم التاريخي» بين أصولية
الفقهاء ونصٍّ مؤسس قابل لأكثر التأوي ت تقدمية في مجال الحرية. إن الشعوب تصنع بنفسها تاريخ تحررها الخاص، أفترانا ملزمين بتكرار تجارب الآخرين في التحرر حتى نعبّر عن تلك الفكرة
«ذات الزخم الكبير»؟ - ضرورة الإقرار بأن كل تنظيم اجتماعي ومؤسسي يجعل ممارسة الحرية خاضعة لثنائية الإدماج والإقصاء، فلم يمنع الطابع السلطاني للدولة العربية – الإسلامية من وجود مؤسسات وتقاليد معادية للتسلط وموافقة لبعض من معاني الحرية، كما كشف عن ذلك عبد الله العروي. وهذا يعني أن التنظيم الاجتماعي العربي – الإسلامي تشكّل عبر أنماط متعددة من الاندماج ليست الأمة، بما هي جماعة دينية – سياسية، إلا أحد وجوهها. وكثيرًا ما وجدت هذه «الأمة» نفسها في مواجهة حركات
ترفض – لأسباب متنوعة بما فيها الاستبداد السياسي– الخضوع لسلطانها من دون أن يعني ذلك أن هذا الرفض وجد له تأصيلً فلسفيًا وضعيًا، أي خارج دائرة المرجعية الدينية، أو أنه استند إلى تمثّل ما
لمعنى المواطنة. هنا بالتحديد تظهر نقطة تمايز مهمة بين التمثل اليوناني القديم للحرية كمشاركة مواطنية جماعية في الشأن العام والتمثّل العربي للحرية المثخن بقيم ما- قبل– الأمة، أي قيم القبيلة والعشيرة، وهي صدى تمايزٍ أعمق بين نمط الاندماج المواطني ونمط الاندماج على أساس العصبية وروابط الدم. ولعل هذا ما يفسر ما اعتبره روزنتال غيابًا لمعنى الحرية المدنية. رغم ذلك، فإن الاخت ف بين التجربتين الفكريتين ليس مطلقًا بالنظر إلى إنكارهما لشكل الحرية القائمة على رفض النظام. وبالتالي، كما أفرز العقل السياسي اليوناني جدلية إقصاء وإدماج باستبعاد الأجانب والعبيد والنساء من مجال الحرية الجماعية، وجعَلها حكرًا على الأثينيين الأحرار - بالمعنى
الطبقي- الذكور البالغين، فإن العقل السياسي العربي جعل الشأن السياسي حكرًا على دوائر ضيقة
(الخاصة أو خاصة الخاصة) لم يكن تشكيلها يتم بمعزل عن لعبة العصبيات وعن الغطاء الديني للمشروعية. بل إن جدلية الاقصاء والإدماج التي يقوم عليها النموذج السيادوي للدولة - الأمة
(17) Ibid., 266.
(((1 محمد الشرفي، الإسلام والحرية: سوء التفاهم التاريخي، طبعة جديدة منقحة (دمشق: بتراء للنشر والتوزيع،.)2008 (((1 عبد الله العروي، مفهوم الحرية، ط 5 (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1993)، ص 25-18، والجابري، ص.328-324
المعاصرة (مواطن/أجنبي) هي ما يعين اليوم مجال الحرية السياسية وحدودها؛ فالحقوق والحريات السياسية تُمنح فقط على أساس المواطنة الضمن- دولية. بناء على هذه الم حظات، لا يمكن زعم أن الفكر العربي الك سيكي لم يطرح سؤال الحرية. ولكن يجب الإقرار بأن مقاربة مسألة الحرية كانت محددة بمقتضيات موضوعية، منها هيمنة العنصر الديني الذي مثّل ضامنًا للاندماج الاجتماعي والتمثّل العام للسياسي ونمط استقبال الفكر السياسي للثقافات الأخرى، وخاصة الفارسية واليونانية. وقد مثّل ذلك كله إطارًا ملائمًا لهيمنة الطابع الوظيفي
والأداتي على العقل السياسي العربي. وإذا لم تقدم المصادر التراثية تصورًا أو تعريفًا للحرية باعتبارها
استقلالً ذاتيًا للفرد، فلا يوجد في ذلك أي استثناء عربي؛ فأن نفكر عربيًا في الحرية هو أن نعترف
أولً بتعدد موارد هذا التفكير، ومن بينها نصوصنا التراثية، وأن نوجّه هذا التفكير خاصة نحو نقد
جذري للعقل الأداتي ولبرنامج عمله لا بهدف القفز على الشروط التاريخية والواقعية للتفكير في الحرية وإنما بهدف البحث عن عقلانية معيارية متجذرة في سياقاتها، أي مدركة تجارب الاستبداد والحد من الحرية ومدركة التنظيم المؤسسي المتحكم فيها وواعية بطبيعة الأزمات المؤسسية الاجتماعية والسياسية التي تعمّق واقع الاستبداد. فإذا كان الطابع المعياري لهذه العقلانية ينقذ العقل
من الاغتراب في الوظيفة التبريرية، فإن الانفتاح على أزمات الواقع تنقذه من الاغتراب في النماذج الجاهزة، تراثية أكانت أم حداثية؛ فأن نفكر عربيًا في الحرية هو أن نفكر فيها بأنفسنا، ضد أنفسنا،
معًا، الآن وهنا. ما هي ملامح هذا العقل؟ وهل نفهم من هذه العودة إلى أنفسنا فرض نظام أفكار يستبق فيه سؤال الهوية سؤالَ الحرية؟ كيف يمكن تجاوز الاختزالية الوظيفية للعقل السياسي من دون أن تفقد القيم، وخاصة منها الحرية، صلتها بالوقائع وسندها الإمبريقي؟
التفكير عربيًا في الحرية: بين كونية القيم وسياقية الوقائع
أدى التفكير في الحرية في إطار الفكر العربي الحديث من خارج سياقاتها وظرفياتها إلى تعزيز أحكام مسبقة تعكس يأسًا من أي تجربة مستقبلية ممكنة للحرية، أو توصي بفرض نماذج جاهزة من دون
مراعاة شروط إمكانها خارج سياقها الأصلي؛ فكثيرون من مفكري النهضة حاولوا التأسيس لمطلب الحرية بربطه بالتقدم أو بالتحديث، ولكن من غير تشخيص فعلي لمَواطن الاستبداد وللأزمات التي
تمثّل الحرية حلً لها. وقد ترتب عن هذا الأمر عجز عن تحويل القيم الدستورية التي كانت تزخر بها كتابات الليبراليين من رواد النهضة إلى قيم متحققة في المؤسسات وفي الممارسة الاجتماعية، رغم موجة الدساتير الليبرالية للثلث الأول من القرن العشرين. إن الأزمة الحقيقية لهذه التجربة الدستورية ولنمط التفكير الذي أنتجها هي أنهما استبطنا وهْم أن المعايير، أيًا يكن سياق نشأتها، يمكن أن تنتج
الوقائع أيًا يكن سياق حدوثها، أي إنها فككت الرابط بين واقعية الفاعلين (مؤسسات وأفراد) ومعيارية
القيم، وفي الأساس قيمتا الحرية والعدالة.
إن الحماسة التي أظهرها، إبّان عصر النهضة، كثير من رواد الفكر الليبرالي للدفاع عن الحرية مثّلت
محاولة جادة للقطع مع تقليد العقل الأداتي. إلا أن هذه القطيعة لم تتحقق فقط مع نمط التفكير في السياسي الذي أنتجه هذا العقل، وإنما أيضًا مع الواقع المؤسسي والاجتماعي الذي في ضوئه تكتسب المطالبة بالحرية دلالتها، لكن المعيارية الخالصة ليست أقل خطرًا على مطلب الحرية من التبريرية
الخالصة. إن التفكير من منطلقات وضعية الإنسان كفاعل سياسي واجتماعي تعني أن السياقات الواقعية هي التي تعطي معايير كونية مضمونها الخصوصي. وبهذا يمكن التحرر من موروث العقل السياسي الأداتي لمصلحة عقل سياسي قادر على الاضطلاع بمهمة تفكيك واقع الاستبداد من دون المجازفة بمحاولة استنساخ نماذج جاهزة للحرية: ليبرالية، جمهورية... إلخ. يمكن اليوم إعادة رسم معمارية الفكر العربي المعاصر بكيفية تتجاوز الثنائية التناظرية تراث – حداثة؛ إذ يمكن بالأحرى التمييز بين توجهين في هذا الفكر: الأولقد لا يلغي سؤال الهوية بإطلاق، ولكنه يقدّم عليه مطالب الحرية والعدالة وحقوق الإنسان في كونيتها. هذا التوجه تعود جذوره إلى ليبراليي عصر النهضة الحديثة، وهو يمثّل، بمعنى ما، استئنافًا لمشروعهم. أمّا التوجه الثاني، فله منزع جمعوي
(ديني أو قومي)، ربما لا يرفض الحداثة بإط ق ولكنه يميل إلى تسييس سؤال الهوية، فيجعل منه السؤال المرجعي لمقاربة إشكاليات الدولة والاندماج والتشريع وسائر القضايا ذات الصلة بالشأن العام. وهو تمييز يأخذ بعين الاعتبار العودة القوية للدين ولسؤال الهوية على مستوى كوني، سواء بتأثير من العولمة أو من «التطورات الجيوسياسية والأيديولوجية منذ نهاية القرن الماضي»، أو حتى باعتبارها استتباعًا حتميًا ل«ظاهرة الدولة - الأمة». إن المأخذ الأساسي على هذين التوجهين في ما يتعلق بمسألة الحرية هو أنهما لم يقارباها من زاوية مؤسسية، أي من زاوية يمكن من خلالها رصد مظاهر تعط ل فعالية البنية المؤسسية للعلاقات البينذاتية، بما يجعل المجتمع يواجه أخطر أزماته، وهي تعثّر مسارات الاندماج، ومن ثمة التفكك؛ فلقد دافع التوجه الأول، وبوضوح، عن الحرية كحق إنساني طبيعي وكجوهر لماهية الإنسان، وفي الوقت ذاته، تبدو الحرية بالنسبة إليه مطلبًا كفيل بتشريع رفض الاستعمار ومقاومته. وإذا كنا
اليوم في مرحلة الاستق لاا نراهن على نهضة ثانية، فإن المدخل إلى ذلك ليس الرفض الجذري للعولمة ولا للتوجه الليبرالي الذي يشكّل خلفيتها الفكرية وإنما إعادة بناء الحرية عبر التواصل النقدي مع التراث الليبرالي. وحيث إن الانغ ق الهووي لن يكون إلّ خروجًا من التاريخ، فإنه
يجب مواجهة جميع المواقف الثقافوية والتاريخية والسياقية بالانخراط في قيم إنسانية كونية. وحتى عندما ينحو نقد الليبرالية منحى تقييدها أخلاقيًا بمبدأ التكافل، فإن ذلك لا يكون بقصد الدفاع عن
(((2 جورج قرم، شرق وغرب: الشرخ الأسطوري، ترجمة ماري طوق (بيروت: دار الساقي، 2003)، ص.110 (((2 المسكيني، ص 239 -.240 (((2 أحمد لطفي السيد، مبادئ في السياسة والأدب والاجتماع، تقديم وتعليق طاهر الطناحي (القاهرة: دار اله، 1963)، لاا ص.138-135 (((2 ناصيف نصار، باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل (بيروت: دار الطليعة، 2003)، ص.13
أي هوية خصوصية، بل بقصد معلن لتجاوز التمييز بين «نحن وهُم». وهكذا، يمكن إعادة بناء
إشكاليات الوحدة والاستقرار والتربية – وهي إشكاليات ذات صلة بمسألة الهوية – انطلاقًا من هذه الليبرالية التكافلية. في مقابل ذلك، يبدي الموقف الثاني ذو التوجه الجمعوي كثيرًا من الحذر، بل ومن الريبة، تجاه
المفهوم الليبرالي للحرية، من دون التنبه أحيانًا إلى التعددية التي تميز الموقف الليبرالي نفسه؛ فهو يرى فيه تهديدًا لهوية الأمة ولخصوصيتها ووحدتها. فمن منظور بعض القوميين، تؤدي الحرية وسائر القيم الفردية التي تمثّل الخلفية المعيارية لليبرالية إلى انفراط الع قااة القومية ثم سائر الع قااات الإقليمية فالطائفية والأسرية، ليبرز الفرد الذي تقدسه الليبرالية. أمّا من منظور بعض الإسلاميين، فإن
الحرية في معناها الليبرالي تستند إلى جملة من العناصر الدخيلة هي، على وجه الخصوص: العلمانية والاقتصاد الرأسمالي، والحرية الفردية من قبيل حرية المرأة في التبرج. وفي أفضل الحالات، يلجأ هذا التوجه إلى نوع من نظام الأولويات في التمييز بين مستويات التحرر، فليست الحرية كاستقلال
ذاتي للفرد إلا استكمالً لتحرر المجموعة (الشعب – الأمة)، سواء من النفوذ الإمبريالي الغربي أو من البرجوازيات المحلية. ولا يبدو أن الباعث على هذا الرفض للموقف الليبرالي من الحرية هو إعادة بنائه على نحو مغاير، على العكس من ذلك، إنه يضع المشروع الليبرالي بين قوسين بأن يحوّل الحرية الفردية إلى قيمة من الصف الثاني ملحقة بمقتضيات الكرامة الوطنية وبوحدة الأمة
وبالمحافظة على الإيثوس الجمعي. وهكذا يتحول السياق الواقعي إلى مبرر لتأجيلٍ غير متناه لمطلب الحرية. إن الاعتراض الأهم على هذين الموقفين هو أنهما لم يجابها مطلب الحرية كقيمة منظِّمة لعمل المؤسسات من أجل مجتمع مندمج وأكثر عدالة، أي لم يتوقفا عند نقطة التمفصل بين الحرية كقيمة معيارية ذات ص حية كونية والحاجة إليها كشرط للخروج من أزمات خاصة بالمجتمعات العربية. أف يحتاج فهمنا لأزمة الحرية إلى فهم بنية الأسرة وتراتبها وأنماط التواصل البينذاتي والدور الاجتماعي للسوق ونوعية المعرفة المنتَجة ومناهجها... إلخ؟ إنهما بمعنى ما يتجاوزان ما هو كائن، وفي كثير من الأحيان يطغى الموقف الأيديولوجي على التعاطي الموضوعي مع أزمات المجتمع التي حوّلت الدول العربية اليوم إلى بؤر توتر لا تكف عن التكاثر وإلى كيانات
مهددة بالانقسام. تاريخيًا، مثّلت مساهمات ابن رشد محاولة طلائعية للربط بين معيارية المدينة الفاضلة والنزوع الفعلي
نحو التسلط في السياق السياسي والاجتماعي لعصره، فكان تلخيصه لكتب أفلاطون السياسية مناسبة
(((2 المصدر نفسه، ص.244 (((2 المصدر نفسه، ص.73 (((2 انظر: عصمت سيف الدولة، الشباب العربي والهوية: مشكلة الإنتماء (تونس: دار البراق للنشر، 1991)، ص.84 (((2 فهمي جدعان، المقدس والحرية وأبحاث ومقالات أخرى من أطياف الحداثة ومقاصد التحديث (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2009)، ص.93
لنقد الواقع السياسي لعصره. أمّا اليوم، فإن الخطاب الوحيد المرشح للتفكير عربيًا في الحرية هو
ذاك الذي تخلى عن وهْم مزدوج: وهْم أن الحرية جوهر، وأن مسارات التحرر يمكن استنساخها من مجتمع إلى آخر، ووهْ م أن الهوية جوهر ودالة لغير الكائن القادر على الحرية؛ إنه الخطاب المنغمس في التجربة الاجتماعية وفي أزماتها والمتعهد بتفكيك البنية التسلطية للمؤسسات الفاعلة. إن التفكير عربيًا في الحرية يعني القدرة على تحمل عبء المواجهة النقدية للواقع ولبناه
الثقافية والدينية المنتجة ل ستبداد؛ فهذه المواجهة تُحْدث ثغرة في حصن النماذج المستعادة
على نحو غير سياقي وغير تاريخي، وهي فوق ذلك تنأى بالبحث عن التورط في المواقف التبريرية، وتشكل بالتالي جوهر برنامج العقل السياسي الملتزم بالقطع مع هذه المواقف. إنها إجراء ضروري من أجل تشخيص مستويات التعطل الوظيفي لفعالية البنية التحتية المؤسسية التي ليست إلا انعكاسًا لتقييد الحرية ومن ثم لغياب تصور م ئاام للعدالة. ولا معنى عندئذ لتشخيص
أمراض الحرية في سياق ليبرالي عندما يكون الرهان هو بناء نهضة عربية ثانية، كما طمح إلى ذلك ناصيف نصار. لقد بحث نصار، مؤلف باب الحرية، في أمراض الحرية في المجتمع الليبرالي، في حين كان ينبغي له أن يبحث في الأمراض – أو الباثولوجيا - الاجتماعية للمجتمعات العربية. وهو بهذا مثّل استمرارًا
لفكر النهضة الأولى أكثر ممّا كان فاتحًا لنهضة ثانية؛ فالمغيَّب في فكر النهضة الليبرالي هو تحديدًا
البُعد الإمبريقي لقيم الحرية والعدالة، من حيث إنها تتحقق في المؤسسة، أي في نوع من الثقافة
العملية السائدة. واستحضار هذا البُعد إنما يكون من خلال إعادة تكوين المؤسسات بعد تشخيص
أمراضها وتشوهاتها بفضل نقد فلسفي واجتماعي حاسم. إن أي نقد لليبرالية، ولو كان يراهن على إعادة بنائها بتأكيد بُعدها الإنساني، لن يكون دال عربيًا إلا إذا اقترن بنقد م زاام للبنى التسلطية في
المجتمع العربي نفسه؛ إذ يبقى العالم المعيش للإنسان هو الحقل المنتج لدلالة القيم والمعايير. إن تشخيص الباثولوجيا الاجتماعية لا ينفصل عن تفكيك هذه البنى. تمّ في السنوات الأخيرة نقل مفهوم الباثولوجيا من مجال استعماله الأصلي في الطب إلى حقل
الفلسفة الاجتماعية النقدية، وخاصة مع هابرماس وأكسِل هونتِ (Honneth A.) أسوة بمحاولات دوركهايم. وكان لهذا النقل هدف وصفي بالأساس، وهو تعيين الأزمات الاجتماعية للمجتمعات الرأسمالية المتقدمة، وهي الأزمات الدالة على انحرافات أو أعطال في مسارات الاندماج الاجتماعي. إنها الأزمات التي تهدد الاندماج والاستقرار عبر تعطيل مسارات التواصل وعبر تشييء الإنسان، وهي
(((2 لا يكتفي ابن رشد، في شرحه كتاب السياسة، بنقل آراء أف طااون، بل يحاول أيضًا الاستناد إليها لفهم بعض جوانب الممارسة السياسية في عصره، وخاصة الميل نحو التسلط. لذلك نجده في كثير من المواضع يشير إلى حكم الغلبة والتسلط «كما يعرض هذا في زمننا هذا ومدننا هذه» (ص. 176) أو «في المدن الحاضرة في أيامنا هذه» (ص. 178). انظر: أبو الوليد
محمد بن أحمد بن رشد، الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأف طااون، نقله عن العبرية إلى العربية أحمد
شح ناا؛ مع مدخل ومقدمة تحليلية وشروح لمحمد عابد الجابري، سلسلة التراث الفلسفي العربي. مؤلفات ابن رشد؛ 4
(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1998
ليست في جوهرها إلا تعبيرًا عن أزمات الحرية ذاتها. عربيًا أيضًا يمكن تأكيد الرابط الداخلي
الموجود بين قمع الحريات من جهة والأزمات الاجتماعية المتفاقمة من جهة أخرى، وهي الأزمات التي تبلغ ذروتها كذلك في تهديد مسارات الاندماج الاجتماعي، الأمر الذي يجعل من الحرية شرطًا ليستعيد المجتمع وعيه بذاته وبوحدته ككيان مندمج اختياريًا. ولعل أهم أعراض الباثولوجيا الاجتماعية للمجتمعات العربية هي: - استشراء العنف بمستوياته المتعددة أسريًا وسياسيًا ودينيًا. إنه عنف تمارسه المجموعات كما الأفراد، وله في الأغلب خلفيات مرتبطة بالانتماء الهووي الذي يذهب من الرياضة إلى الطائفة والدين. وقد أخذ أخيرًا شكل عنف محض واستعراضي. يدل هذا العنف على عمق أزمة التواصل من حيث هو
ع قااة ينبغي أن تتأسس على تبادل حر لآراء، وهي أزمة يغذيها تطور غير سوي للنزعة الفردانية التي لم تتحدد في المجتمعات العربية عامة باعتبارها نمط تحرر اجتماعي يعيد تركيب الع قااات الاجتماعية على نحو معقلن، بقدر ما أنتجت شخصية زبونية ومترددة لم تتخلص من ضغط الأطر الاجتماعية التقليدية التي لا تزال فاعلة ماديًا ورمزيًا. - فشل سياسات التنوع أو غيابها. فالمجتمعات العربية في مجملها غير قادرة على إنتاج سياسة اختلاف وتعايش، وفي كثير من الأحيان تكون الاستجابة تجاه أزمات التنوع بالحد من الحريات. ول د هذا الأمر، إلى جانب عوامل أخرى، ضعف الثقة في مؤسسات الدولة واللجوء إلى مؤسسات وسيطة، مثل الطائفة أو العشيرة. إن النزاعات المرتبطة بالهوية بدرجات متفاوتة في العراق ولبنان والسودان والجزائر ومصر وغيرها دليل على تعطلِ مسارات الاندماج في هذه البلدان، وهو تعطل ليس غياب الحرية إلا وجهه الآخر. - الفشل في تحويل العمل إلى قيمة اجتماعية – اقتصادية أي إلى مصدر أصلي للثروة، وإلى مرتكز لعقلنة الع قااات الاجتماعية وفقًا لمنطقَي المصلحة - التضامن. يعود ذلك، من جهة إلى نمو الاقتصاديات الريعية في المشرق، ومن جهة أخرى إلى الزبونية والفساد السياسي والمالي في جميع الدول العربية. لم تتحرر الع قااات الاقتصادية من هيمنة الدولة وأيديولوجيتها، حتى في لحظات التحرر الاقتصادي الكبرى، إلا لتصبح بين يدي فئة مستفيدة من الفساد ومن الإف س المتعمد للمؤسسات العمومية. وبالتزامن مع تقهقر قيمة العمل، ازداد الشغف بالاستهلاك ومن ثم الارتهان للسوق العالمية، وارتفعت أيضًا معدلات الفقر والبطالة.
(29) Axel Honneth, La Société du mépris: Vers une nouvelle théorie critique , édition établie par Olivier Voirol; textes traduits par Olivier Voirol, Pierre Rusch et Alexandre Dupeyrix, armillaire (Paris: La Découverte, 2006), 85-100.
(((3 المنصف وناس، الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية (تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2011)، ص.121–119
(31) Ghassan Salamé, «Sur la causalité d’un manque: Pourquoi le monde arabe n’est-il donc pas démocratique?,» Revue française de science politique , 41, no. 3 (1991): 337–338.
من الواضح إذًا أن غياب الحرية متصل بنيويًا باستفحال هذه الباثولوجيا الاجتماعية التي تهدد
وحدة المجتمعات والدول العربية. وفي المقابل، فإن مطلب الحرية هو استحقاق تمليه هذه الباثولوجيا نفسها لأن بنيةً مؤسسيةً ما لا تحظى بالمقبولية، وبالتالي بالمشروعية، إلا بالقدر الذي تضمن فيه ل فأأراد أوسع نطاق ممكن من فرص التحديد والتحقق الذاتي، أي من الاستق لااية. إن عقً أداتيًا لن يفعل سوى تبرير الحلول التسلطية لهذه الأمراض، في الوقت الذي يمثّل فيه
التسلط أحد أسبابها. ف يمكن إذًا التفكير عربيًا في الحرية إلا بالاستناد إلى هذا الشكل من النقد
الفلسفي الاجتماعي الذي يستفيد حتمًا من تنامي الأبحاث النقدية الموجهة إلى العقل الإس مااي
(أركون) أو العربي (الجابري)، والكاشفة عن بنية الاستبداد وأصولها (عبد اللطيف – النقيب)...، وعن أشكال التسلط الأبوي المقترن بحداثة مشوهة (شرابي). وبهذا يكون العقل البديل من العقل الأداتي، والذي يأخذ على عاتقه طرح سؤال الحرية، هو بالأساس عق معياريًا نقديًا، يفكر في
القيم الكونية ويؤوّلها انطلاقًا من الوقائع (استبداد، جور، تفكك اجتماعي) لا بمعزل عنها ولا تبريرًا
لها. ويجب ألا تتحول الخصوصية العربية إلى استثناء عربي يرسخ وهْ م أن المجتمعات العربية
«غير مهيأة للحرية.» يكشف هذا التحليل عن هشاشة الموقف المتمترس وراء ثنائية الحرية في مقابل الهوية؛ ف يمكن الإجابة عن سؤال الهوية، بل لا يمكن طرح هذا السؤال بشكل سليم، إلا في إطار تصور عام لمعنى الحرية والتسامح. وبالمثل، فإن مطلب الحرية كتحديد ذاتي، أي كاستق لاا أخ قااي للشخص، ليس منفصل بأي حال عن مطلب التحقق الذاتي الذي يدرك الشخص فيه ذاته كعنصر في نمط حياة يعتبره خيّرًا. ينبغي أن تُطرح الحرية باعتبارها حقًا ضمن شبكة مترابطة من الحقوق
الاجتماعية والثقافية، وضمن تصور عام للعدالة انقاذ ا لها من الاغتراب في الأيديولوجيا، سواء أكانت نيوليبرالية تنكر انعتاق الشعوب أو تجعل هذا الانعتاق مرادفًا لتذويب الهوية، أم جمعوية تحد من مستطاع الأفراد اختيار أشكال تحققهم الذاتي لفائدة الانصهار ضمن نظام حياة محدَّد المعالم. إن النظر إلى الحرية كحق، من دون اختزالها بالضرورة إلى المرجعية الحقوقية، يعني اعتبارها امتيازًا يعود إلى كل إنسان يمنحه القدرة على أن يحقق ذاته في الوقت الذي يتيح له أن يندمج طوعيًا
ضمن مؤسسات المجتمع. هذا الاندماج الطوعي هو الضامن لاستق لااية الجماعة السياسية، ولذلك، فإن مسارات الانعتاق والتحرر الفردي من أنماط التسلط الداخلي في أبعاده المختلفة تتحقق بشكل جدلي مع مسارات الانعتاق والتحرر الجماعي من التبعية. إن التفكير في الحرية عربيًا يعني التفكير في الآلية التي تجعل الاستقرار المستند إلى الحق يحل محل الاستقرار القائم
على الطاعة. بهذا المعنى أيضًا يكون كل انتهاك للحرية، سواء في بُعدها الفردي أو في بُعدها الجماعي، شكلً
من أشكال الجور. ليس الجور إذًا توزيعيًا، أي مقتصرًا على كيفية توزيع الثروة والعمل الاجتماعي،
فحسب، وإنما له أيضًا بُعد سياسي بما هو انتهاك لحق الإنسان في التعبير والتواصل والمشاركة
السياسية والتمثيل في هياكل اتخاذ القرار، وكذلك له بُعد هووي بما هو إنكار لهويته الثقافية أو الدينية
أو تقييد لأنماط التعبير عنها بحرية. ويتوجب بذلك التفكير في الحرية كإطار لتحقق بنية مؤسسية عادلة في مستويات الممارسة الإنسانية المختلفة. وكما أن الحرية لا تكتسب قيمة إلا بالنسبة إلى الكائن الفاعل والتاريخي، فإن العدل – الذي يمثّل في جانب منه ضمانًا لنظام متساو من الحريات – ينبغي ألا يتحدد في دلالته الميتافيزيقية كما هو الأمر بالنسبة إلى المعتزلة، وإنما من حيث هو خاصية
لما يسمّيه جون رولز، مثل، «البنية المؤسسية القاعدية» لكل مجتمع. بصيغة أكثر اختصارًا، يجب أن
يتحقق مسار مزدوج من أنسنة العدالة وأنسنة الحرية، وهو مسار لا يجد في «المستبد العادل» أكثر من حيلة خَطابية من حيل العقل الأداتي. ربما لا يكون كافيًا من أجل ذلك تأصيل مفهوم الشخصانية في بُعدها الواقعي، والنظر تبعًا لذلك
إلى الحرية كفعالية إنسانية على ع قااة وثيقة بالعدالة، على النحو الذي اجتهد الحبابي في بيانه – على أهمية هذه المحاولة؛ فالأجدى هو ربط هذه الفعالية الفردية بالتنظيم المؤسسي القادر على ضمانها. إن التفكير معياريًا في حرية الفرد لا ينفك عن التفكير في نمط التنظيم المؤسسي الذي
تتحقق ضمنه هذه الحرية. يشمل التنظيم المؤسسي في الأساس الدولةَ وشبكة العلاقات السياسية التي تنظمها، ولكن يشمل أيضًا كل مؤسسة من حيث هي بنية من الع قااات المحتكمة إلى قواعد
وإلى إكراهات؛ فتعريف الحرية اليوم كاستقلالية ذاتية للفرد يقتضي أول التثبت إن كان بوسع الفرد أن
يكون فعلً مستقلً وعمّن يكون كذلك.
الشروط المؤسسية لإمكان الحرية
بيّنا في بداية القسم الأول من التحليل أن مفهوم الحرية، كما بلورته الفلسفة السياسية الحديثة
وكما يتطلع إليه حراك شعوب كثيرة في مقاومتها ل ستبداد السياسي وللقوى الداعمة له، يرتكز على مبدأ الأتونوميا أو الاستق لاا الذاتي للفرد. إلا أن مصطلح الاستق لاا الذاتي يطرح بدوره
مشكً يتجاوز هاجس الترجمة الذي أثرناه سابقًا: أولً لأن في استعماله شبهة استحضار معنى الفردانية المميزة للنزعة الليبرالية بشكل عام، ومن ثم شبهة القبول مبدئيًا بهذه النزعة.
وثانيًا لأن الاستق لااية تبدو مفهومًا صوريًا ممكنًا فقط على جهة الحق؛ إذ لا يمكن الفرد أن
يكون مستقً فعً بمعنى مكتفٍ بذاته. لذلك، سنحاول بدايةً إزالة الالتباس الذي يحف عبارة الاستق لااية قبل النظر في الشروط المؤسسية لتحقق نظام مستقر وعادل من الحريات؛ فالاستقلالية هي فقط فكرة
تنظيمية (idearegulative) بالمعنى الكانطي، ولا تحيل إلى أي نموذج محدَّد للحرية. من جهة أولى، لا تعني استق لااية الفرد بالضرورة أنه لم يعد يدرك نفسه بمقتضى عضويته ضمن الجماعة، سياسية أكانت أم ثقافية، لكنها تعني في المقابل الحق في نقد هذه العضوية أو رفضها، أي في اختيار شكل الحياة المناسب بالنسبة إليه وممارسته فرديًا أو جماعيًا. لذلك، نجد أن
الحرية في دلالتها السالبة التي مثّلت مرتكزًا للنزعة الليبرالية منذ هوبز، كما في دلالتها الموجبة
(((3 محمد عزيز الحبابي، من الحريات الى التحرر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)، ص.101–97
التي مثّلت مرتكزًا للتوجهات الجمهورية، تستند سواء بسواء إلى معنى الاستق لااية؛ فليس التمييز الذي يقيمه روسو بين الحرية والاستق لااية إلا ترسيخًا لتصور للحرية يدعو إلى عدم الخضوع لآخر وعدم إخضاعه في آن، بحيث تكون الاستق لااية متبادلة وتكون الحرية ممكنة فقط في إطار اجتماع مَواطني تنظمه القوانين. وحتى الفلاسفة المدافعون عن ضرورة الاعتراف
بالهويات الجماعية، مثل تايلور، لا يتجاوزون على أي حال مبدأ الاحترام المتساوي ل فأأراد، ولا ينكرون أن المحافظة على الأصالة (Authenticity)، كمثل أعلى لسياسات الاخت ف، إنما تتمحور حول ضرورة الاعتراف بالهوية الفردية للشخص (أو للمجموعة)، وهي الهوية التي تميزه من غيره. من جهة ثانية، إن الاستق لااية، وخاصة بمعناها الأخ قااي عند كانط، تجعل من الفرد العاقل قوة تشريع ممكنة فقط خارج الأطر الاجتماعية والسياسية: في مملكة الغايات. هذه الاستقلالية، التي من الواجب أن تكون تجاه الحياة الأخ قااية الاجتماعية، تكاد تحوّل الشخص إلى كيان مجرد.
لكن وقعت، بتأثير من العلوم الاجتماعية ومن المنعطف الألسني، محاولات كثيرة لتعديل هذه الدلالة، سواء ضمن الفلسفة النقدية مع هابرماس وآبل (من خ لاا مفهوم التواصل) أو فورست (من خ لاا مبدأ التسويغ) أو، قبل ذلك، ضمن النموذج الليبرالي مع رولز مثً من خ لاا مفهوم الإجماع المتشابك. وبمعزل عن مدى نجاح هذه المحاولات أو فشلها، فإنها عملت جميعًا على
ربط مفهوم الاستق لااية بنظام من الع قااات البينذاتية. وهو موقف لا ينكر وجود كونية أخ قااية ولكنه يعتبرها كونية تداولية بأن يخضع الاتفاق على القيم والمعايير للحوار بين فاعلين، سواء كانوا حقيقيين أو مفترضين. إن الاستقلالية لا تتحدّد تبعًا لذلك كله في شكل فك ارتباط بين الشخص الأخ قااي والمؤسسات
المكونة للواقع الاجتماعي، بل في قدرة هذا الشخص على إنتاج العقل العمومي من خ لاا المشاركة في مسارات التشريع في مستوياتها المختلفة، وهو ما تفطن له، عربيًا، الحبابي بدفاعه
عن «الشخصانية الواقعية». إن القبول بمبدأ استق لااية الفرد الذاتية لا يجعل الباحث العربي في مسألة الحرية ملزمًا إذًا بتبنّي النموذج الليبرالي أو غيره، ولكنه يُلزمه في المقابل بإعادة
النظر في البنية المؤسسية السائدة، والتي تحاصر كل توجّه نحو الاستق لااية من خ لاا الوصاية
(((3 يعرّف إيزايا برلين الحرية السالبة بأنها «المجال الذي يستطيع أن يعمل فيه الفرد من غير عائق أو قيد يفرضه عليه الآخرون»،
انظر: إيزايا برلين، حدود الحرية، ترجمة جمانا طالب، الفكر الغربي الحديث (بيروت: دار الساقي، 1992)، ص 12. ويعرّف الحرية
الإيجابية بقوله «إن المفهوم الإيجابي لكلمة حرية مشتق من رغبة الفرد في أن يكون سيد نفسه، فأنا أرغب (...) أن أكون أداة نفسي وليس أداة يحددها آخرون ويتحكمون فيها» (ص. 32)
(34) Jean-Jacques Rousseau, « Lettres écrites de la montagne ,» dans Oeuvres Completes de J. J. Rousseau , par Jean- Jacques Rousseau, 22 vols. (Paris: P. Dupont, 1823), 390-391. (35) Charles Taylor, «La Politique de reconnaissance,» dans Multiculturalisme: Différence et démocratie , par Charles Taylor, avec des commentaires de Amy Gutmann [et al.]; traduit de l’américain par Denis-Armand Canal, champs. Essais; 372 (Paris: Flammarion, 2009), 62. (36) Ibid., 57.
السياسية والاجتماعية على الخيارات الفردية. إن هذه الوصاية تعمّق من الأزمات الاجتماعية،
وخاصة أزمة الاندماج، وهي في النهاية لن توقف مسار التحرر كتأكيد ل ستق لااية الفردية، ولكنها تشوهه. إن ما يجب أن تستهدفه حركات مقاومة الاستبداد فعليًا ومعياريًا هو هذه الوصاية التي تمنع تكوّن
العقل العمومي من حيث هو استعمال مشترك للعقل؛ فإمكان مثل هذا العقل ضروري: إبستيميًا من
أجل القطع مع تراث العقلانية السياسية الأداتية المستغرقة في تبرير الاستبداد، وتشريعيًا باعتباره قوة
تشريع قادرة على إنتاج الضمانات القانونية والمؤسسية للحرية وتطويرها وفقًا لما يناسب سياق هذا العقل نفسه. إنه ليس دلي على استق لااية الفاعلين تجاه مصادر الوصاية التي تصادر حقهم في الرفض وفي تبرير الرفض فحسب، بل أيضًا تجاه الوصاية الخارجية التي تقيّد حريتهم باعتبار انتمائهم
الجمعي (الاستعمار، الهيمنة الثقافية... إلخ.). لا يمثل مبدأ الاستق لااية الذاتية للفرد إذًا مصدر إحراج بالنسبة إلى العقل السياسي العربي، لأنه يتيح هامشًا واسعًا من الصيغ الممكنة للحرية. ولكن، ألا يحتاج ضمان الحريات، وخاصة الحريات
السياسية، إلى بنية مؤسسية تجعل الاستعمال العمومي للعقل هو المنتج الحقيقي للمعايير، بعيدًا عن «الأيديولوجيا التبريرية» للعقل الأداتي؟ ما هي ملامح هذه البنية المؤسسية؟ ينبني الاستعمال العمومي للعقل على شرطين متكاملين: الأولهو التمييز بين المجال الخاص والمجال العمومي؛ إذ لا توجد حدود ثابتة بين هذين المجالين، ولكن توجد في المقابل عناصر أساسية تميز كًّ منهما. فالمجال الخاص هو ذاك الذي لا يخضع لتدبير مؤسسي، وإنما لضمير الفرد وخياراته الشخصية. أمّا المجال العمومي، فإنه يشك ل الفضاء المشترك، حيث
يقتضي العيش مع الآخرين تدبيرًا تشاركيًا للقيم والقوانين والمؤسسات التي تنظم الع قااات
البينذاتية. إن الاستعمال العمومي للعقل بهذا المعنى هو استعمال مشترك وتداولي من طرف الفاعلين أنفسهم. ليس الفضاء المشترك من حيث المبدأ حكرًا على طرف بعينه، ولذلك يتحدد بوصفه فضاء محايدًا.،
فيكون الشرط الثاني للاستعمال العمومي للعقل هو حياد المؤسسة السياسية الضامنة للعيش المشترك، أي حياد الدولة الديني والأخ قااي؛ ففي غياب هذا الحياد، يصبح الاستعمال العمومي للعقل، أي الحرية بما هي استقلالية ذاتية للفرد، محدودًا بنماذج جاهزة للحياة الخيّرة وللهوية، وتتحول الهيمنة
على المجال العام إلى هيمنة على المجال الخاص، أي هيمنة على الضمائر، فتأخذ شكل محاكم تفتيش أو مؤسسة حسبة أو غيرها. ويمكن أن نصطلح على هذين الإجراءين، أي التمييز بين المجال الخاص والمجال العمومي، وما يفترضه من حرية ضمير ومعتقد من جهة وحياد الدولة الديني من جهة ثانية، بمصطلح العلمانية.
(((3 محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإس مااي، ترجمة هاشم صالح، ط 2 (بيروت: مركز الإنماء القومي؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1996)، ص.283
عربيًا، يعود النقاش بشأن مسألة العلمانية إلى نهاية القرن التاسع عشر، ويتواصل بشكل مستمر إلى
اللحظة الراهنة. إلا أن قسمًا مهمًّا من هذا النقاش تمحور حول الإس ماا والعلمانية وحول الإس ماا
والديمقراطية، ويبدو أنه طرح المشكل الخطأ، وهو: هل يمكن التوفيق بين الإس ماا والديمقراطية، انطلاقًا من الفرضية الخطأ، وهي: إمكانية الفصل بين الديمقراطية (الجامعة بين سيادة الشعب وحقوق الإنسان) والعلمانية. وكثيرًا ما أخذ هذا النقاش منحى السجال الأيديولوجي، بعيدًا عن تشخيص
مشكلات الواقع وعن التساؤل عن النظام المؤسسي العادل القادر على وضع حد لوضعيات الجور، وعلى ضمان أوسع نطاق ممكن من الحريات. لن نعود هنا إلى هذا السجال، وإنما سنقدم ردًّا على
اعتراضين أساسيين على العلمانية، في بُعدها السياسي تحديدًا، تأكيدًا لمشروعية، بل ولضرورة
التفكير فيها، من أجل إعادة تركيب العلاقة بين الديني والسياسي، وبالتالي من أجل ضبط الشروط المؤسسية الأساسية للحرية. يتعلق الاعتراض الأول، وهو المتداول، بتعريف العلمانية باعتبارها فصً بين الدين والسياسة، وإخراجًا لكل ما له صلة بالدين من مجال النقاش والتدبير السياسيين. أمّا الاعتراض الثاني، فهو أن
تأكيد العلمانية ضمانًا إجرائيًا للحرية هو بحد ذاته نقل لنموذج حكم غربي إلى سياق مغاير، وهذا ما
حاولنا تجنّبه منذ البداية. يستند هذان الاعتراضان إلى المسلّمة التبسيطية والاختزالية نفسها، وهي أن هناك صيغة واحدة للعلمانية تُختزل إلى قاعدة الفصل بين الدين والدولة. هذه المسلّمة يمكن أن تكون صحيحة، ولكن فقط بالنسبة إلى صيغة واحدة من العلمانية الأصولية التي تعتبر الدين خطابًا متجاوَزًا
وفي طريقه إلى الانح لاا سيمنطيقيًا ومعرفيًا. ورغم ذلك، فإنها تطرح في الأغلب هذه القاعدة
في صيغة الفصل بين الكنيسة (كمؤسسة) والدولة. بيد أن هذه المسلّمة لا تنكر المسار التاريخي للعلمنة ووجود بعض مؤشراتها في السياق الاس مااي نفسه فحسب، بل تنكر أيضًا المسارات المتعددة التي أخذتها العولمة وعملية التجديد المتواصلة الخاضعة لها ضمن الدول الديمقراطية العلمانية. في هذا السياق، بيّن الكاتبان تايلور وماكلور أن من الأفضل الحديث عن أنظمة علمانية لا عن
العلمانية؛ فالعلمانية تُرَد في نظرهما إلى مجموعة من المبادئ الأخلاقية والمؤسسية التي يمكن أن
تتعارض أحيانًا في ما بينها، والتي يقع احترامها بكيفيات مختلفة. ففي النظام البريطاني أو الدنماركي، يوجد اعتراف بكنيسة رسمية عكس ما هو عليه الأمر في الولايات المتحدة أو فرنسا. ولكن هذه الأنظمة كلها تنتسب إلى العلمانية بفضل احترامها المتساوي لجميع الأفراد، وضمانها حرية الضمير؛ فحياد الدولة الأخ قااي أو «الفصل» بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية ليسا إلا وسيلتين لضمان الاحترام المتساوي وحرية الضمير كغايات للعلمانية. وقد رفض الكاتبان كل علاقة
((3(انظر، مثً: محمد أركون، العلمنة والدين: الإس ماا، المسيحية، الغرب، ترجمة هاشم صالح، ط 3 (بيروت: دار الساقي، 1996)، ص.90-89
(39) Jocelyn Maclure et Charles Taylor, Laïcité et liberté de conscience (Paris: La Découverte, 2010), 36-37.
ضرورية بين التحرر بواسطة العقل والتخلي عن المعتقد الديني، أو كذلك بين الاندماج الاجتماعي المدني والتخلي عن الهويات الدينية، مدافعين بذلك عن علمانية متنوعة وليبرالية ومفتوحة ضد علمانية جمهورية متصلبة. لا يوجد إذًا نموذج محدد للعلمانية، وليس الباحث العربي الذي يجد في مصادره بعضًا من تجارب العلمنة مكرهًا على استعادة حرفية هذه النماذج حرفيًا. إنه يدرك أكثر من غيره أن الأنظمة العلمانية
ليست مطلوبة لذاتها، وأنها ليست شرط ا كافيًا للحرية. كما أنه يدرك أكثر من غيره أن قطيعة حاسمة
مع الوعي الديني أمر غير ممكن، ولكن إخضاع الدين للرغبات واستعماله سندًا لإضفاء مشروعية على أنظمة الأمر الواقع هو اختزال أداتي مزدوج للعقل وللدين. وفي ما دون المطلب العلمانوي بالفصل بين الدين والدولة، يوجد مطلب أكثر تواضعًا لكنه أيضًا أكثر واقعية وتسامحًا، وهو إبطال
ما يسمّيه جعيط «العسف الأيديولوجي» الذي يُمارس باسم الدين ويرمي إلى فرض حقيقة في
ذاتها أو المحافظة عليها؛ فلحظة انبثاق الحرية هي لحظة تفكك الرابط بين طاعة الله وطاعة السلطان وطاعة الحق، أي لحظة التحول من التفكير في السياسة انط قااًا من براديغم الطاعة إلى التفكير فيها انط قااًا من براديغم الحقوق. فإذًا، يأخذ ما نفهمه من العلمانية في سياق عربي بعين الاعتبار ما يلي: أولً أن العلمانية لا تمثّل بحد ذاتها تنظيمًا مؤسسيًا ضامنًا للحريات إلا في تحققها ضمن دولة قانون
ديمقراطية، تكون قد استوعبت الحاجة إلى عقلنة المجال السياسي وأنسنته. ثانيًا أن عقلنة المجال السياسي لا تعني المصادرة على الخلفية الدينية التي تحكم نقاشات بعض
الفاعلين السياسيين؛ فهذا الإقصاء غير ممكن، لأن هذه الخلفية تشكل جزءًا لا يتجزأ من وعي هؤلاء
الفاعلين، ولا يمكن أن يتم مثل هذا الاقصاء من دون انتهاك مبدأ الاستقلالية الذاتية للفرد. غير أن تبرير الآراء التي يقع تداولها في النقاش – وإن كانت ذات خلفية دينية – يجب أن يرتكز على حجج عقلية قابلة للدحض أو الموافقة، أي أن يُصاغ بلغة مُعلمَنة، وهو شرط الاستعمال العمومي الحر
للعقل. فليس المطلوب إخراج الدين من المجال العام بل كسر التحالف، أو ما يسمّيه عبد اللطيف
احتواء الملك للدين، كما رصده في تقاليد الآداب السلطانية. وبالفعل، لا أحد يستطيع أن ينكر العمق الديني لحركات التحرر والحقوق المدنية في الولايات المتحدة، أو للنقاشات الدائرة حول الاجهاض وحقوق المثليين. ولكن هذه الحقوق المدنية بصفتها حريات أساسية لم تُحفظ إلا ضمن مجتمع أدرك ذاته باعتباره مجتمعًا متعددًا، وبالتالي متعايشًا تحت سقف مؤسسة محايدة. وبالمثل،
فإن التفكير في العلمانية ضمن سياق عربي معاصر تمليه الحاجة إلى تصور للحرية يضمن للأفراد
(40) Ibid., 46.
(((4 هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، نقله إلى العربية المنجي الصيادي، سلسلة السياسة والمجتمع، ط 2
(بيروت: دار الطليعة، 1990)، ص.119 (((4 كمال عبد اللطيف، التفكير في العلمانية: إعادة بناء المجال السياسي في الفكر العربي (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2007)، ص.140
شروط تحديدهم الذاتي كمواطنين، وشروط تحققهم الذاتي كأعضاء في جماعة دينية أو أخلاقية. هنا
فقط يصبح الضمان المؤسسي للحرية ضمن دولة علمانية عادلة شرطًا لتجاوز الأمراض الاجتماعية وأزمات الاندماج. ثالثًا أن المراجعات التي تهدف اليوم إلى مساءلة العلمانية مساءلة نقدية تصل إلى حد التحذير من مآلاتها، وخاصة ولادة جمهورية جديدة ذات نزعة إقصائية تدل على أن العلمنة هي مسار ينشأ في تفاعل مع واقع المجتمعات (الهجرة، التنوع الثقافي، تنامي الحركات الأصولية وعولمة نشاطها)، وأنها غير قابلة ل ختزال إلى نماذج متعالية عن سياقاتها التاريخية؛ فأطروحة هابرماس مثً حول المجتمع الما- بعد علماني تأخذ على عاتقها مراجعة المواقف العلمانوية (Secularist) على أساس فتح الفضاء العمومي السياسي أمام المواقف الدينية، ولكن في ظل مبدأ حياد سلطة الدولة ممثّلة في أجهزتها التنفيذية والتشريعية والقضائية إزاء جميع التصورات الدينية والأخلاقية، أي إن مجتمعًا
ما - بعد علماني هو مجتمع قادر على تهيئة فضاء للتواصل بين الخطاب الديني والخطاب العلماني عبر استعداد المتدينين لترجمة مواقفهم إلى لغة علمانية، واستعداد العلمانيين ل عااتراف بما يمكن أن يمثّله خطاب الآخر من إثراء وإضافة. ولئن كان هابرماس يعتبر أن المرور إلى هذا المجتمع الما- بعد علماني هو خاصية مميزة للمجتمعات العلمانية دون سواها، فإن هذا الحصر، الذي لم يتخلص نهائيًا من آثار المركزية الأوروبية، ربما يكون قابل للمراجعة في ضوء خصوصية المجتمعات العربية
وفي ضوء اجتهاد بعض المفكرين منذ علي عبد الرازق في إعادة تركيب الع قااة إس ماايًا بين الديني
والسياسي. في الحقيقة، إن المصادر التراثية تمدنا دونما شك بأسس متينة لرفض كل مأسسة للدين، ولوضع مقاربة جديدة للتسامح والتعايش بين المجموعات الثقافية والدينية. هكذا فقط يمكن العقل العمومي أن يستوعب العقل الديني كقوة حجاج قادرة على التعبير عن ذاتها في لغة علمانية مشتركة، وبالتالي أن يدفعه، إبستيميًا، إلى التخلي عن ادعائه احتكار الحقيقة، وسياسيًا إلى تجاوز اختزاله
الأداتي والوظيفي. تقوم هذه الاعتبارات إذًا على ضرورة النظر إلى العلمانية جزءًا من بناء مؤسسي شامل في إطار
تصور عام للدولة العادلة - وهو تصور لا يسعفنا المجال لضبط مقوماته – وعلى النظر إلى العلمانية باعتبارها حاجة نابعة من واقع المجتمعات نفسها وتتحدد معالمها في ضوء النقاشات العامة بشأن المؤسسات والقيم المشتركة. إن معايير المشروعية وآليات تدبير العيش المشترك وقيمه ينتجها كلها عقل عمومي قطع نهائيًا مع احتكار الحقيقة والسلطة، وهي القطيعة التي تجعل الحرية ممكنة،
فيتحدد هذا العقل من حيث هو عقل تداولي يصوغ أطروحاته بلغة علمانية، مساهمًا بذلك في إنتاج
ما أسميناه العقل المعياري، ويكسر احتكار خاصة الخاصة للتفكير في الشأن السياسي. ومن المؤكد أن هذه النقاشات، التي تأخذ شك قانونيًا ضمن نصوص الدستور خاصة، لن تكون بمعزل عن
التصور الذي تحدده المجموعة لنفسها ولخيرها العام؛ فالنص الدستوري النابع من إرادة الأفراد
(43) Emmanuel Todd, Qui est Charlie? Sociologie d’une crise religieuse , (Paris: Editions du Seuil, 2015), 58. (44) Jürgen Habermas, «Qu’est-ce qu’une société «post-séculière»?,» Le Débat , 152 (Novembre - Décembre 2008): 14.
يحمل بالضرورة مضمونًا إيتيقيًا، أي تصورًا ما للخير. وهذا يعني أن التفكير في الحرية لن يكون
ضد التفكير في الهوية أو قبله، بل هو يتحقق معه جدليًا. على أن هذا المضمون الإيتيقي ينبغي
أن يظل في حدود ما تتيحه القيم الدستورية من حريات ومن تقييد للسلطة، وإلا تناقض مع فكرة الدستور نفسها.
خاتمة
تدل بعض التجارب الدستورية العربية المعاصرة على اعتراف متزايد بالحرية، بما في ذلك حرية الضمير (تونس)، وبوعي بقيمة سياسات الاختلاف (المغرب)، ولكن مع ذلك، وضعت هذه التجارب صياغات هي أقرب إلى الترضيات وإلى ميثاق التعايش السلمي منها إلى الاقتناع المشترك بالحاجة إلى التحرر الفردي سبيً وشرطًا في الآن ذاته ل ناادماج الاجتماعي الطوعي. يعود هذا الأمر في الأغلب إلى تواصل فعالية العقل الأداتي رغم التغيرات التي مست شكل الممارسة السياسية في هذه الدول، وإلى فعالية الوهم بأن الحريات الفردية تمثّل خطرًا على الهوية الجماعية، وبأن التنوع يمثّل
خطرًا على وحدة الدولة. إن تفكيك هذه الأوهام هو اليوم من مسؤولية الباحث والمفكر العربي. حاول هذا البحث أن يضع ملاحظات برنامجية حول أهم القضايا التي ينبغي لعقل يتصدى للتفكير في الحرية أن يواجهها ويثيرها؛ فأن نفكر عربيًا في الحرية لا يترتب عنه فقط مقتضى مضموني: ما نموذج
الحرية الأمثل بالنسبة إلى مجتمعاتنا؟ وما حدود الحرية؟ إذ ليست الإجابة عن هذين السؤالين حكرًا
على الباحث أو المفكر، بل هي من صميم اهتمام العقل العمومي إجمال. أن نفكر عربيًا في الحرية
هو مسألة يترتب عنها مقتضى منهجي: كيف نفكر عربيًا في الحرية؟ ما هي ملامح العقل القادر على
جعل الحرية مصلحة عليا بالنسبة إليه؟ عن طريق أي وسائط، وفي إطار أي شروط معرفية ومؤسسية؟ وهذا هو الجانب الذي ركز عليه البحث. هل يمثّل هذا المرور إلى المقتضى المنهجي إيمانًا بأن الحرية كاستقلالية ذاتية للفرد، مع كل تبعاتها السياسية والاجتماعية، ممكنة في السياق العربي وفي ضوء انتكاسات الثورات العربية؟ إن هذه الأسئلة البرنامجية والمنهجية تعكس إيمانًا بأن الحرية ممكنة بالنسبة إلى من يناضل من أجلها ومن يسعى إلى توفير شروط إمكانها، وأمّا من رسخ عنده الاقتناع بأن الديمقراطية والحرية غير ممكنتين في
مجتمعاتنا، فإنه يتحول هو ذاته إلى أحد شروط الفشل. إن أسئلة من قبيل: هل يوجد «الشخص» أو «الفرد» في مجتمعاتنا حتى نتحدث عن إمكان الحرية كاستقلالية ذاتية للفرد؟ وهل عرفت مجتمعاتنا معنى الدولة حتى نتحدث عن الضمان المؤسسي للحرية وعن العلمانية؟ هي من دون شك أسئلة مشروعة، ولكنها لا تنفي أبدًا أن الحرية مشروع؛ إنها فقط تعبر ضمنًا عن شروط استكماله: ولادة «الشخص» أو «الفرد»، وترَسُّخَ مفهوم الدولة في الأذهان
والأعيان. ولأن الحرية مشروع، فإن لنا، وقد آن لنا، أن نفكر فيها؛ فأن نفكر في الحرية هو أن نفكر في هذا كله وأن نعمل من أجله.
References
المصادر والمراجع
العربية
ابن باجة، أبو بكر محمد بن يحيى. تدبير المتوحد. تونس: سراس للنشر،.1994 ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد. الضروري في السياسة: مختصر كتاب السياسة لأفلاطون. نقله عن العبرية إلى العربية أحمد شح ن؛ مع مدخل ومقدمة تحليلية وشروح لمحمد عابد الجابري. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998. (سلسلة التراث الفلسفي العربي. مؤلفات ابن رشد؛ 4) ابن عبد ربه، أبو عمر أحمد بن محمد. العقد الفريد. درس ومنتخبات بقلم فؤاد أفرام البستاني. ج.1 بيروت: المطبعة الكاثوليكية،.1927 أركون، محمد. تاريخية الفكر العربي الإس مااي. ترجمة هاشم صالح. ط 2. بيروت: مركز الإنماء القومي؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1996 أركون، محمد. العلمنة والدين: الإس ماا، المسيحية، الغرب. ترجمة هاشم صالح. ط 3. بيروت: دار الساقي،.1996 برلين، إيزايا.حدود الحرية. ترجمة جمانا طالب. بيروت: دار الساقي، 1992. (الفكر الغربي الحديث) الجابري، محمد عابد. العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته. ط.4 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000. (نقد العقل العربي؛ 3) جدعان، فهمي. المقدس والحرية وأبحاث ومقالات أخرى من أطياف الحداثة ومقاصد التحديث. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2009 جعيط، هشام. الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي. نقله إلى العربية المنجي الصيادي. ط.2 بيروت: دار الطليعة، 1990. (سلسلة السياسة والمجتمع) الحبابي، محمد عزيز. من الحريات الى التحرر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2014 روزنتال، فرانتز. مفهوم الحرية في الإس ماا: دراسة في مشك ت المصطلح وأبعاده في التراث العربي الإس مااي. ترجمة وتقديم معن زيادة ورضوان السيد. ط 2. بيروت: دار المدار الإس مااي،
السيد، أحمد لطفي. مبادئ في السياسة والأدب والاجتماع. تقديم وتعليق طاهر الطناحي. القاهرة: دار الهلال،.1963
سيف الدولة، عصمت. الشباب العربي والهوية: مشكلة الإنتماء. تونس: دار البراق للنشر،.1991 الشرفي، محمد. الإس ماا والحرية: سوء التفاهم التاريخي. طبعة جديدة منقحة. دمشق: بتراء للنشر والتوزيع،.2008 عبد اللطيف، كمال. التفكير في العلمانية: إعادة بناء المجال السياسي في الفكر العربي. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2007.______ في تشريح أصول الاستبداد: قراءة في نظام الآداب السلطانية. بيروت: دار الطليعة الجديدة،
العروي، عبد الله. مفهوم الحرية. ط 5. بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1993 الفارابي، أبو نصر محمد بن محمد. كتاب السياسة المدنية الملقب بمبادئ الموجودات. حققه وقدم له وعلق عليه فوزي متري نجار. بيروت: المطبعة الكاثوليكية،.1964 قرم، جورج. شرق وغرب: الشرخ الأسطوري. ترجمة ماري طوق. بيروت: دار الساقي،.2003 المسكيني، فتحي. الهوية والحرية. نحو أنوار جديدة. بيروت: جداول للنشر والتوزيع،.2011 نصار، ناصيف. باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل. بيروت: دار الطليعة،.2003 وناس، المنصف. الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية. تونس: الدار المتوسطية للنشر،.2011
الأجنبية
Constant, Benjamin. «De la liberté des anciens comparée à celle des modernes,» dans Oeuvres politiques de Benjamin Constant , par Benjamin Constant. Avec introduction, notes et index par Charles Louandre. Paris: Charpentier, 1874. Habermas, Jürgen. «Qu’est-ce qu’une société «post-séculière»?.» Le Débat , 152 (Novembre- Décembre 2008): 4-15. Honneth, Axel. Le Droit de la liberté: Esquisse d’une éthicité démocratique. Traduit de l’allemand par Frédéric Joly et Pierre Rusch. Paris: Gallimard, 2015. (NRF essais) Honneth, Axel. La Société du mépris: Vers une nouvelle théorie critique. Edition établie par Olivier Voirol; textes traduits par Olivier Voirol, Pierre Rusch et Alexandre Dupeyrix. Paris: La Découverte, 2006. (Armillaire)
Jean-Jacques Rousseau, « Lettres écrites de la montagne ,» dans Oeuvres Completes de J. J. Rousseau , par Jean-Jacques Rousseau. 22 vols. Paris: P. Dupont, 1823. Maclure, Jocelyn, et Charles Taylor. Laïcité et liberté de conscience. Paris: La Découverte, 2010. Salamé, Ghassan. «Sur la causalité d’un manque: Pourquoi le monde arabe n’est-il donc pas démocratique?.» Revue française de science politique , 41, no. 3 (1991): 307-
Taylor, Charles. «La Politique de reconnaissance,» dans Multiculturalisme: Différence et démocratie , par Charles Taylor. Avec des commentaires de Amy Gutmann [et al.]; traduit de l’américain par Denis-Armand Canal. Paris: Flammarion, 2009. (Champs. Essais; 372) Todd, Emmanuel. Qui est Charlie? Sociologie d’une crise religieuse. Paris: Editions du Seuil, 2015.