العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الليبرالية والديمقراطية في فكر جون رولز

الليبرالية والديمقراطية في فكر جون رولز

Liberalism and Democracy in the Thought of John Rawls

ثائر ديب

Thaer Deeb

الملخّص

* باحث ومترجم سوري، ونائب مدير وحدة ترجمان في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ** Syrian researcher and translator; Vice Director of Torjuman Book Translation Unit in ACRPS. *** قراءة في كتاب: صموئيل فريمان، اتجاهات معاصرة في فلسفة العدالة: جون رولز نموذجًا، ترجمة: فاضل جتكر، مراجعة: معين رومية (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، 656 ص.

Abstract

This book is of interest to all those concerned with moral and political philosophy in general and in the works of John Rawls in particular. The book comprises an introduction by the editor and 14 articles by a group of distinguished philosophers who deal with various aspects of Rawls' work. Thomas Nagel deals with the "special status" of Rawls in the liberal tradition. Burton Dreben deals with Rawls' Political Liberalism. Joshua Cohen, Amy Gutmann, and Norman Daniels discuss Rawls' contribution to democracy theory and its relationship with liberalism, a topic that is supplemented by the contribution of Frank Michelman in "Rawls on Constitutionalism and Constitutional Law" and the role of the judicial authority in liberal democracies. Philippe Van Parijs clarifies the meaning of social and economic justice for Rawls in his completion of Daniels' explanation of Rawls's thought on "Democratic Equality."

الكلمات المفتاحية:
  • جون رولز
  • الليبرالية السياسية
  • الديمقراطية
Keywords:
  • Political Liberalism
  • Democracy
  • John Rawls

وهو العنوان الذي اختارته الترجمة العربية لكتاب The Cambridge Companion to Rawls، على موضوعتي الليبرالية والديمقراطية في فكر جون رولز، وهو واحد من أبرز ف سفة الأخلاق والسياسة في القرن العشرين، تركت أعماله أعمق الأثر في النقاشات المعاصرة حول العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، سواء في الفلسفة أو القانون أو العلوم السياسية أو الاقتصاد، أو سوى ذلك من الفروع العلمية الاجتماعية. يضمّ الكتاب مجموعة لافتة من الدراسات، كتبها عدد من المنظ رين الأخلاقيين والسياسيين

العالميين البارزين، وناقشوا فيها مساهمات رولز المتعلقة بمفاهيم العدالة السياسية والاقتصادية، والديمقراطية، والليبرالية، والدستورية، ع وااة على تقوييهم علاقات رولز التي

هي محلّ جدال بكل من النسوية، والنفعية، والجماعوية.

* باحث ومترجم سوري، ونائب مدير وحدة ترجمان في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ** Syrian researcher and translator; Vice Director of Torjuman Book Translation Unit in ACRPS. *** قراءة في كتاب: صموئيل فريمان، اتجاهات معاصرة في فلسفة العدالة: جون رولز نموذجًا، ترجمة: فاضل جتكر، مراجعة:

معين رومية (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، 656 ص.

يهمّ هذا الكتاب كلّ معنيّ بالفلسفة الأخ قااية والسياسية عمومًا وبأعمال جون رولز على

وجه الخصوص. وهو يشتمل، ع وااة على مقدّمة المحرر، أربعة عشر بحثًا لثلّة من الفلاسفة المميزين تتناول الجوانب المختلفة من عمل رولز. يتناول توماس ناغل (Nagel Th.) ما يحتله رولز من «مكانة خاصة» في التراث الليبرالي. ويتناول بورتن دريبن (Dreben B.) كتاب رولز الليبرالية السياسية. ويناقش جوشوا كوهن (Cohen J.) وآمي غوتمان (Gutman A.) ونورمان دانيالز (N. Daniels) مساهمة رولز في النظرية الديمقراطية وع قااتها بالليبرالية، الأمر الذي يكتمل بمساهمة فرانك أ. ميتشلمان (Michelman F.A.) عن رولز والدستور والدستورية ودور المراجعة القضائية في الديمقراطيات الليبرالية. ويوضح فيليب فان بارييس (Parjis Van Ph.) ما تعنيه العدالة الاجتماعية والاقتصادية عند رولز في استكمال لشرح دانيالز فكرة رولز عن «المساواة الديمقراطية». ويكتب ت. م. سكانلون (Scanlon T.M.) عن أفكار رولز المتعلقة بالتبرير، في حين يتناول تشارلز لارمور (Larmore Ch.) فكرة العقل العمومي. وتبيّن أونورا أونيل (O'nell O.) الفروق بين البنائية الكانطية

والبنائية الرولزية في النظرية الأخلاقية والسياسية. ويسلّط صموئيل شفلر (Scheffler S.) الضوء على بعض أوجه التشابه الجوهرية بين نظرية رولز عن العدالة والنظريات النفعية. ويردّ ستيفن مولهال

(Mulhall S.) وآدم سويفت (Swift A.) عن رولز أبرز الاتهامات التي وجهتها إليه الجماعوية وليس كلّها. وتتقصّى مارتا ك. نوسباوم (Nussbaum M.C.) ما يمكن أن يكون من علاقة لرولز بالحركة النسوية.

ويساهم المحرر صمويل فريمان (Freeman S.)، علاوة على المقدمة، ببحث عن تطابق الحق والخير.

يشغل عمل رولز مكانة خاصة في التقليد الليبرالي بين تقاليد الفكر السياسي، وهو تقليد يعود إلى

لوك وكانط ومِل؛ فرولز يساهم في كتابيه نظرية في العدالة والليبرالية السياسية في إحياء التفكير الليبرالي إنّما مع تغيير عميق في تصورنا لليبرالية ومبادئها اليوم. وكما يشير ناغل، طوّر رولز الأسس الفلسفية

والمنهجية لليبرالية ووسّع مطامحها «بقدر غير مسبوق من العمق» (ص. 88). ولعل أهمّ تجديدين جاء

بهما على هذا الصعيد هما دمج مبادئ المساواة الاجتماعية والاقتصادية في نظرية العدالة الليبرالية وتقديم ليبرالية «سياسية» مميّزة لم تعد تعتمد على قيم الاستق لاا الشخصي والازدهار الفردي بل

على فكرة أعمّ هي احترام الأشخاص وطرائق عيشهم. وهذان التجديدان يمضيان بالليبرالية الرولزية

أبعد ممّا فعل أسلاف رولز الكلاسيكيون، ويفسّران قَدْرًا كبيرًا من الجدل الذي أثاره كتابا رولز نظرية

العدالة والليبرالية السياسية. يمكن وصف الليبرالية السياسية بأنها محاولة لتبرير مبادئ العدالة السياسية والشرعية على أساس مقدمات أو منطلقات لا يمكن رفضها على نحوٍ معقول. وهذا يعني إيجاد أساس مشترك من القيم

والمبادئ يقوم عليه النقاش السياسي العام وصنع القرار، ويكون مقبول على الأقل لجميع الناس المعقولين في مجتمع حرّ، بغضّ النظر عمّا إذا كانت وجهات نظرهم الخاصة ليبرالية أو غير ليبرالية،

دينية أو غير دينية، كون الشرط الوحيد هو تحقق معايير «المعقولية» في حدّها الأدنى. والهدف هو التوصل إلى ما يدعوه رولز ب«العقل العمومي» لمجتمع ليبرالي وديمقراطي.

لكن كثيرًا من الليبراليين لم تقنعهم بعدُ ليبراليةٌ لا تقتصر على التوافق مع مجموعة معيّنة من المواقف

الليبرالية العريضة، بل تتعدّى ذلك إلى جميع وجهات النظر غير الليبرالية، بما فيها «الأرثوذكسية الدينية»، كما يقول ناغل. ويبدو، من جهة أخرى، أن كثيرًا من غير الليبراليين ينأون بأنفسهم عن

«الليبرالية السياسية» بوصفها مجرد محاولة أخرى لمتابعة السياسة الحزبية الليبرالية تحت ستار من الشمول الذي يزعم الجميع احتضانه. لكن من الصعب إنكار أن فكرة الليبرالية عن شرعية الحكم تفترض على الأقل موافقة معقولة من جانب المحكومين، وهذا الطلب لقيام موافقة معقولة «لا يأتي من دون دفع الثمن»، كما يقول ميتشلمان (ص. 508)، وهو عدم إثارة التصورات عن الخير (والحق) التي هي محلّ نزاع معقول، سواء كانت ليبرالية أو غير ليبرالية، لدى التبرير العام للمعايير التي تنطبق على جميع المواطنين أيا تكن وجهات نظرهم ومذاهبهم الأخلاقية أو الدينية. من وجهة نظر ليبرالية تقليدية، ربما يبدو مبدأ رولز الثاني الخاص بالعدالة (مبدأ المساواة المنصفة في الفرص للجميع وبمزايا اجتماعية واقتصادية قصوى ل قأألّ تميّزًا بين أعضاء المجتمع)، بتركيزه

الضيق على الحرية الشخصية والمساواة السياسية، أقرب إلى الاشتراكية الأوروبية منه إلى الليبرالية الك سيكية. كما أن قيام ذلك النوع من إعادة التوزيع ال زاام لتحقيق العدالة الاجتماعية بالمعنى الرولزي لا يمكن أن يكون إلا من خ لاا دولة أكثر تطورًا وقوة ممّا يبدو مقبولً لأولئك الليبراليين

الذين يرون، على غرار الليبراليين الكلاسيكيين، أسبابًا وجيهة لرسم حدود صارمة لنطاق عمل الدولة الشرعي. وإزاء تحدي الليبرالية الكلاسيكية، تتمثّل قوة الموقف الرولزي، كما يشير ناغل، في أنه لا يكتفي بالجمع بين فكرة الحرية الفردية، من التراث الليبرالي، وفكرة المساواة الاجتماعية، من التراث الاشتراكي، بطريقة جديدة نوعًا ما، بل يبني نقاشه (المتمثّل في بناء نموذج لما يدعوه «الوضع الأصلي») بطرائق تُشتَق فيها مقتضيات المساواة الاجتماعية والاقتصادية من مجموعة المقدمات أو المنطلقات ذاتها (فكرة الفاعلية الأخ قااية وفكرة المساواة بين الأشخاص) التي تُستمَد منها

الحريات الشخصية والسياسية في الليبرالية الكلاسيكية الأشد ضيقًا.

بعد الليبرالية، يوفّر تراث الفكر الديمقراطي خلفية طبيعية لتقويم فلسفة رولز الأخلاقية والسياسية. ويرى كوهن وغوتمان في مقالتيهما أن على الرغم من أن رولز لا يقول الكثير عن المؤسسات الديمقراطية المخصوصة في كتابيه نظرية في العدالة والليبرالية السياسية، فإنهما يشتم ن على مساهمات مهمة في النظرية الديمقراطية؛ فالكتاب الأول يقدم نظرية في العدالة لا تقتصر مبادئها على فرض نظام ديمقراطي دستوري، بل تسفر أيضًا عن مجموعة من المعايير المحددة لتقييم المؤسسات والبرامج السياسية القائمة. ويؤكّد كلّ من غوتمان وكوهن أن الديمقراطية في نهاية المطاف ليست حكم الأغلبية بل هي المساواة السياسية التي تقوم بدورها على الفكرة الأساسية التي مفادها أن المواطن شخص اعتباري لديه القدرات اللازمة لحياة مستقلة وتعاون اجتماعي منصف.

إن فكرة المواطن كشخص اعتباري له حقوق متساوية في المشاركة في العمليات السياسية المتعلقة بصنع القرار الجمعي هي ما يطرح مشكلة التبرير العام التي تناولها رولز في كتابه الليبرالية السياسية

وكانت وراء تصوره عن «العقل العمومي»؛ فوفقًا لرولز، كلما وُضِعت «الأساسيات الدستورية »

أو قضايا العدالة الأساسية على المحك، يكون استخدام السلطة السياسية بحاجة إلى تبرير بأسباب أو موجبات يمكن أن يعترف بها علنًا المواطنون الذين يحملون وجهات نظر شاملة متوافقة على الأهداف النهائية والقيم الحياتية. تساور الشكوك كلًّ من غوتمان وكوهن بشأن ما إذا كان رولز قد أولى اهتماما كافيًا لحقيقة أن الخلاف

المعقول موجود في كلّ مكان وليس مقصورًا على مجال العقائد الدينية أو الفلسفية الشاملة؛ فلا أحد

ينكر أن الخلاف المعقول يتخلل المجال السياسي أيضًا، كما تدلل المناقشات العامة في الديمقراطيات الليبرالية حول مقتضيات العدالة الاجتماعية المحددة وحول الأنظمة الدستورية المتعلقة بالإباحية أو الإجهاض أو الزواج المثلي. لكن ما من سبب يجعلنا نفترض أن رولز قصد إلى إنكار ما هو واضح عندما طوّر تصوره عن العقل العمومي وأشار إلى أن القضايا الدستورية المهمة تقوم على قاعدة من

الأسباب مقبولة لدى جميع المواطنين مهما تكن وجهات نظرهم الدينية أو الفلسفية الأشمل. يرى رولز في كتابه الليبرالية السياسية أن إحدى الصعوبات تتمثّل في أن العقل العمومي كثيرًا ما يسمح

بأكثر من إجابة واحدة معقولة لأيّ سؤال محدد، ولا يطالبنا بأن نقبل مبادئ العدالة ذاتها. ويتعيّن

علينا أن نفكر بصدق في ما إذا كان رأينا في قضية يقوم على القيم السياسية التي يمكن بشكل معقول أن نتوقع من الجميع تأييدها. ويمكن عقد تصويت على أيّ مسألة أساسية شأنها شأن سواها؛ فإذا ما

جرت مناقشة هذه المسألة باللجوء إلى القيم السياسية وصوّت المواطنون على رأيهم الصادق، فإن

المثال يتعزز. وما يلفت الانتباه هنا هو قلّة ميل غوتمان وكوهن إلى توضيح عواقب الخلاف المعقول في السياسة في ما يتعلق بالعلاقة بين الديمقراطية والعدالة. فبحث كوهن ينتهي ببساطة بملاحظة غامضة وسؤال مفتوح: «... لا نستطيع أن نتوقع كون المجتمع الديمقراطي الأكثر معقولية مستندًا إلى أساس نوع من التوافق على العدالة. فما سبيل التوصل إلى التصور الأكثر معقولية للعدالة [أي العدالة بوصفها إنصافًا] في ظل الصيغة الأكثر معقولية للديمقراطية؟ (ص. 175) تقدّم غوتمان عددًا من المقترحات بشأن كيفية التعامل مع الخلاف المعقول في السياسة: مثل احترام

المرء من يعارضون آراءه السياسية على نحوٍ معقول، وإبداء الصداقة المدنية، والاستعداد للتلاقي في

منتصف الطريق. وهي مقترحات لها ما يبررها وتشير إلى فضائل مهمة في المواط نة الديمقراطية. لكن وصايا غوتمان المدنية تغفل أمرًا مهمًا؛ فمن المتفَق عليه أن الخلاف المعقول في السياسة غالبًا ما

يكون خلافًا حول كيفية توضيح مقتضيات العدالة السياسية أو الاجتماعية في حالة معيّنة. ومن وجهة

نظر تعاقدية، يعني الخلاف المعقول في شأن العدالة قَدْرًا من عدم تحديد مضمون العدالة يوازي قَدْر

الخلاف. وحين ننظر إلى مبادئ العدالة بوصفها مبادئ لا يمكن رفضها على نحوٍ معقول، فإن هذا الاستنتاج - المتعلق بعدم تحديد مضمون العدالة - لا يكاد يمكن تجنبه. ويترتب على ذلك أنه كلّما واجهَنا خلاف معقول، لا تكون هناك مقتضيات محددة للعدالة، وتكفّ هذه الأخيرة عن تبيان السبيل

الذي يجب اتّخاذه، لكننا قد نحتاج إلى قرار ملزم على نحوٍ جمعي. ومن بدهيات الفكر السياسي أن الحاجة إلى أنظمة ملزمة لا تزال تفوق إلى الآن ما يمكن تحقيقه بالتوافق، الأمر الذي يصحّ حتى

حين نتكلم على التوافق المثالي أو الافتراضي أو حين نقتصر على الأساسيات الدستورية وقضايا العدالة الأساسية. الخلاف المعقول، في النظرية المثالية، هو خلاف لا يمكن أن يعرّض أيّ طرف من الأطراف المنخرطة

فيه لنقد عقلاني أو أخلاقي؛ فمزاعم هذه الأطراف لا تقوم على أساس معلومات زائفة أو ناقصة، أو على منطق غير سليم، ولا تنتهك بشكل فاضح مقتضيات المعاملة بالمثل وعدم التحيز. وفي مثل هذه الحالة لن يبدو مفيدًا تبادل مزيد من الحجج ما دمنا نفترض أن الحجج الفعالة تنطوي دائمًا على

نوع من النقد العقلاني أو الأخ قااي. ومع ذلك، ربما يكون تواصل المداولات العامة جديرًا ببذل

الجهد. وقد تجد الأطراف تسويةً أو ترتيبًا يدفع نزاعهم إلى الاستقرار موقّتًا على الأقل. لكننا نعلم أن

التوصل إلى اتفاق أو تسوية ليس ممكنًا على الدوام. وفي بعض الأحيان، يجري تبادل الحجج كلّها، وتُعقد جميع الصفقات، وتُجرَّب جميع التسويات، من دون التوصل إلى اتفاق في شأن كيفية المضي

قُدمًا. في مثل هذه الحالة، قد يكون «صنع القرار الجمعي غير الحجاجيّ» هو السبيل الوحيد للتوصل

إلى قرار ملزم جمعي يمكن تبريره على الملأ ​ وإن تعذّر تبريره بأسباب أو حجج تحظى باستحسان الجميع. وغالبًا ما يتّخذ هذا في الديمقراطية شكل اقتراع وفقًا لقاعدة الأغلبية. والحال أن قاعدة

الأغلبية - بالنظر إلى مبدأ المساواة السياسية وإلى خصائص قاعدة الأغلبية المعروفة بوصفها إجراء

من إجراءات صنع القرار (إعطاء وزن متساو لجميع الأصوات، الحياد تجاه جميع الخيارات-) قد تكون ما نحتاج إليه بالضبط للتعامل بطريقة عادلة ومبررة عمومًا مع الخلافات المعقولة في السياسة.

لذلك، ونظرًا إلى حقيقة وجود الخ فااات المعقولة في المجال السياسي، يجب استكمال مبادئ

العدالة - مثل مبادئ العدالة بوصفها إنصافًا- بمبادئ إجرائية في صنع القرار قادرة على حلّ الخلافات التي لا يمكن حلّها عن طريق العقل العمومي. وما نحتاج إليه، إضافةً إلى نظرية متينة في العدالة السياسية، هو نظرية في الشرعية الإجرائية، تُلقي الضوء على السبل غير الحجاجية المناسبة لحل الخلافات المعقولة في مجتمع المواطنين الأحرار والمتساوين. تتخذ غوتمان نوعًا من الموقف النقدي تجاه قاعدة الأغلبية ومزاعمها، وذلك تمشيًا مع ما يقوله رولز

في كتابهنظرية في العدالة من أن هذه القاعدة، شأنها شأن قواعد صنع القرار الأخرى (الإجماع، أكثرية الأصوات)، ليس لها سوى قيمة أداتية بوصفها آلية من آليات عدالة إجرائية غير مكتملة بغية التوصل

إلى نتائج عادلة إذا ما حُكِمَ عليها وفقًا لمعايير مستقلة. لكن هذا لا يمكن أن يكون الكلام النهائي،

بالنظر إلى حقيقة وجود التعددية المعقولة في السياسة؛ ففي حالات الخلاف المعقول حول مسائل العدالة السياسية، ليس هناك معيار مستقل في شأن ما يجب أن تكون عليه النتيجة العادلة. وهذا ما يجعلنا بحاجة إلى قاعدة غير حجاجية في صنع القرار للخروج من المأزق الناجم عن هذه الحال من

عدم الحسم. وهنا يأتي دور شيء من الشرعية الإجرائية البحتة (بدلً من العدالة الإجرائية البحتة.) وربما تُثبت قاعدة الأغلبية، بوصفها قاعدة لصنع القرار الجمعي تعطي وزنًا متساويًا لجميع الأصوات

وتكون محايدة تجاه جميع الخيارات (بما في ذلك الوضع الراهن)، أنها السبيل الأفضل حين تصمت مبادئ العدالة. وبذلك تكون فكرة رولز عن ليبرالية سياسية مميزة تتصدر فيها فكرتا الشرعية الليبرالية والخلاف المعقول أشدّ احتفاءً بالتفكير الديمقراطي ممّا يحسب كوهن وغوتمان.

كما أوضحنا في البداية، لا تقتصر مواد هذا الكتاب التي كتبها زملاء بارزون وطلاب سابقون لرولز، على تناول الليبرالية السياسية والديمقراطية في ضوء نظرية العدالة الرولزية، بل تستكشف أيضًا فرقًا بين مرحلة باكرة وأخرى لاحقة في فكر رولز، ودوافع انعطافته السياسية، وتقدّم سلسلة من التحليلات والانتقادات المستنيرة لمناقب عمله ومثالبه على أصعدة عدة وفي مجالات شتّى. بهذا المعنى، فإن

هذا الكتاب الجماعي ينظر في عمل رولز تلك النظرة الارتجاعية والشاملة، ملحًّا في المقام الأول

على تعقيد طرائق رولز في التبرير وتداخلها وما أثارته وتثيره من مناظرات وجدال. وبذلك تلتقط هذه المجموعة الغنية من المقالات كًّ من أصالة مشروع رولز، مشروع العدالة بوصفها إنصافًا، وأهميته البالغة.