في نقد بداهات الوحي: هشام جعيط أنموذجا
Djait’s Criticising the Obviousness of Oracle (al-Wahy)
الملخّص
نروم في هذه المقالة إلى تبين أهمية قراءة هشام جعيط للوحي، إذ نزعم أنه قدم انفتاحات جديدة بصدده، تتعلق أساسا بتجاوز رؤى "الفقه التقليدي" حوله من ناحية، ومراجعة حسابات المستشرقين بشأنه من ناحية ثانية. وفي محاولته هذه، نلفي جعيط، متوغلا في أرض "المقدس"، متأنيا في صياغة مقدماته، ومترددا في إعلان استنتاجاته، وبالأخص لما يتناول الصلة بين القرآن والسيرة، في نظراتهما إلى مفاهيم القرآن والنبوة والرؤيا والتجلي والإعجاز، وما ينجم عن ذلك من تمزق للذات جراء التداخل بين التاريخي والأسطوري وبين المحايث والمتعالي. وما ذلك بمستغرب لطبيعة الموضوع المبحوث فيه أولا، ولأثره على "النفسية الإيمانية" ثانيا، ولما يترتب عن ذلك من اختيارات مجتمعية ثالثا، فالتفكير في بعض "البداهات الدينية"، يمكن أن يشكل مدخلا من مداخل الحداثة والتنوير، خاصة من حيث الجرأة على معاودة النظر في احتكار "الفقه التقليدي" لحقائق الدين والإيمان. لن نقصر بحثنا على التحليل والإشادة بفهم جعيط للوحي، لكننا سنسعى إلى الوقوف على حدوده كذلك، من خلال محاورته بخصوص بعض مقدماته البحثية، وما ترتب عنها من خلاصات، بدا لنا فيها بعض الانزياح عن طريق جعيط نحو التاريخ والعقل والتنوير. ونحن في ذلك ما نأتي بجديد غير مواجهة القول بالقول والخلاصات بالمقدمات انطلاقا من كتابات الكاتب نفسه.
Abstract
Abstract: This article examines the significance of Hichem Djait’s reading of revelation. It suggests that Djait has put forward new avenues to approach the question of revelation that are linked to an effort to go beyond traditional views and review thinking of the orientalists. Djait is shown to be deeply involved in the realm of the «sacred,» taking great pains to formulate his premises, and reluctantance to declare his conclusions. This is especially the case when Djait deals with the link between the Quran and the biography of the Prophet, and how the concepts of the Quran, prophecy, visions (ru’ya), revelation (tajalli), and inimicability (i’jaz) are perceived. He examines the rupture of the self that arises from this as a result of the interpenetration of the historical and the mythic, and of the immanent and the transcendent.
- الوحي
- القرآن
- النبوة
- التنوير
- التاريخ
- Revelation
- Religion
- History
- Hichem Djait
- Axioms of Revelation
مدخل استشكالي: نحو الانفلات من رؤية «بادئ الرأي» إلى «الوحي»
للمستقبل البعيد، سؤال حول الذاكرة واالنخطاف: «هل نعلم دون أن نعلم أننا نعلم ما نعلم؟» العروي، السنّة والإصلاح
التفكير في الوحي هو تفكير في إشكالية تتداخل فيها خلفيات ووجهات النظر، ومن ثمة صعوبة تناولها من دون تحديد منطلقات بحثها، على اعتبار أنها من الإشكاليات التي تندرج في إطار ما يسمّيه محمد موهوب «إسلام البدايات»، وما يطرحه هذا الأخير من مفارقات لها صلة
ب«الانسياب التاريخي» للدين المحمدي من جهة، وبطبيعة الوحي في علاقته بالمقدس والمدنس من جهة ثانية. الأكثر من ذلك هو أن من شأن البحث في الوحي أن يعرّض «الباحث الجاد» المحسوب على الثقافة
العربية الإس مااية لغربة وجودية داخل المخيال الجماعي ل مأأة، في حالة قرر مساءلة تاريخه في
بداهاته ومسبقاته، ولعل الوحي إحداها؛ إذ ما الذي يمكن أن يقوله الإنسان بصدده، وهو الذي قُت لِ قرآنًا وحديثًا وفقهًا؟ ألا تعني إعادة طرحه سقوطًا في «التكرار -» ليس بالمعنى الدولوزي، وإنما بمعنى
اجترار الاجترار – وتطاولً على ما اعتقد الفقهاء أنه «خاصتهم»؟ من العبارات التي درجت «الإحالات البحثية» على نسبتها إلى الألماني مارتن هايدغر، قوله إنه يجب التفكير في ما نعتقد أننا نعرفه بداهةً؛ ففي البداهات تضيع التفصي ت الأكثر أهمية. ومن هنا تُطرح أهمية الدراسات المغايرة لما دأب عليه الفقه التقليدي بصدد الوحي، والتي تهتدي بهدي علم التاريخ والأنثربولوجيا والفلسفة وعلم الأديان المقارن، وغير ذلك كثير. فمن شأن هذه الدراسات رفع كثير من الالتباسات بشأن ما علق بمفهوم الوحي من غموض وأسطرة ولبوس خارقة غير غريبة عن «الدين»، ما دام أنه ارتبط بسنّة «الإعجاز» والإتيان بما لا يستطيع الآدميون الإتيان به. من الجلي، والحالة هذه، أن اهتمامنا بمفهوم الوحي في هذا السياق هو محاولة للانفلات من بادئ الرأي الذي يقتضي، من جملة مقتضياته، التفكير في المفهوم، وهو خلْو ممّا تطبَع به من «سمات
متعددة»، أدى فيها وجدان العرب – والغرب كذلك – دورًا مؤثّرًا. ربما يبدو الأمر صعبًا، بل مستحيلً،
لكن يكفي المرء أن يكون على وعي بهذه التأثيرات، ومحيطًا بقدرتها على مأسسة فهم معيَّن للوحي،
لاجتراح سبيل جديد قادر على وضع المفهوم في «سياقاته التاريخية»، وفي حدوده أيضًا، والتطلع إلى بحث إفرازاته في علاقتها بالإسلام ككل، خاصة أننا نتحرك في تخوم ما أسميناه في مفتتح هذا الاستهلال «إسلام البدايات.»
(((انظر: محمد موهوب، ترجمان الفلسفة (مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية، 2011)، خاصة المقالة الموسومة ب«التاريخ حضوره وغيابه: قراءة في ‹رب القبائل: إس ماا محمد›»، وهي المقالة التي خصصها محمد موهوب لمراجعة منهجية جاكلين الشابي في
اشتغالها على قضايا الإسلام والقرآن في كتابها المعلَن أعلاه.
لقد أمسى «إس ماا البدايات» أكثر إغراء للباحثين والدارسين بمشاربهم وانتماءاتهم المختلفة، لما يتيحه ذلك من انفتاح على حكايا «الأصول» الأولى للدين الإسلامي، وتبيُّن ملامح تشك لها، خاصة ما
اتصل منها بالنص القرآني في علاقته بالنبي محمد، على اعتبار أنه لم يعد مستغرَبًا أن تطاول الشكوك
التاريخ السيروي، فكان الانكباب على النص القرآني ودراسة الشخصية المحمدية مدخل من مداخل التعرف إلى مستغلقات النشأة والتطور. وقد أدى اكتشاف مخطوطات وآثار جديدة ذات صلة بهذه الاهتمامات البحثية إلى زيادة حدة الجدل بصدد بعض الموضوعات التي سنعنى بدراستها في هذه المقالة، كالعلاقة بين الوحي والقرآن، والقرآن والسيرة، والتأثيرات الجغرافية والتاريخية واللغوية في النص القرآني، ومنه مراوحة الدراسات المعاصرة للقرآن بين التناولات التاريخية النقدية والالتفاتات الأدبية الأسلوبية، بغاية استشكال لحظات البداية ومستتبعاتها. لعل ذلك يمكّننا من بعضه الباحث التونسي جعيط؛ إذ إننا سنروم في محاولتنا هذه الوقوف على بعض عناصر فهم جعيط للوحي وتاريخيته، والتطرق من خلاله إلى ما لمّحْنا إليه من إشكالات ذات
صلة بالدين المحمدي، ومدى علاقتها بمفهوم الوحي من قبيل: الأسطورة والإعجاز والنبوة وغيرها من المفاهيم. ولعل ذلك ما يتبدى لنا من خلال النظر في العنوان المنتقى للكتاب الأساسي لجعيط والمتعلق بموضوعة الوحي. فما العلاقة بين هذه المفاهيم – الوحي والقرآن والنبوة والتجلي...
إلخ؟ أَليس كل «وحي قرآنًا»، وكل «قرآن وحيًا »، أم إننا بصدد مفهومين متمايزين؟ وما الإشكالات
التي يطرحها مفهوم الوحي بالنظر إلى «قدسية» مقدسات الإسلام: الكتاب وشخص محمد (سيرته)؟ هل يتعلق الأمر فعً بكتابة سيرة جديدة كما قال جعيط نفسه، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد «مبالغة فكرية»، أو بالأحرى مجرد رد فعل على القراءات «التراثوية» للوحي من جهة، وعلى القراءات الاستشراقية من جهة ثانية؛ رد فعل قد لا يوازي الفعل كما قال علي حرب ذات مرة، وهو ينتقد ردود البعض على مقولة «نهاية التاريخ» لفوكوياما!!!
(((ونحيل في هذا السياق إلى الكتاب الجماعي القرآن: مقاربات جديدة Le Coran, Nouvelles approches، الذي أشرف عليه مهدي عزايز - الباحث المختص بالدراسات القرآنية - وشارك فيه نخبة من الباحثين الألمعيين كجاكلين الشابي وأنجيليكا نويفرت وجونياف جوبيلو... إلخ:
Mehdi Azaiez, dir., Le Coran: Nouvelles approches , avec la collaboration de Sabrina Mervin (Paris: CNRS éd., 2013).
انظر أيضًا ترجمة عبد العزيز بومسهولي لمقدمة الكتاب التي حبّرها مهدي عزيز: مهدي عزايز، «القرآن: مقاربات جديدة،» ترجمة
عبد العزيز بومسهولي، ألباب، العدد.)2015(6 (((المقصود: هشام جعيط، في السيرة النبوية، مج 1: الوحي والقرآن والنبوة (بيروت: دار الطليعة، 1999). ونشير في هذا الصدد إلى وجود ما يمكن أن نسمّيه «استراتيجيا كتابية» لجعيط حول بعض مناطق العتمة في التاريخ الإس مااي، وعناوين
مؤلفاته ع مااة بيّنة على ذلك، ونحيل إلى أبرزها: الشخصية العربية الإس مااية والمصير العربي (1974)؛ أوروبا والإس: ماا
صدام الثّقافة والحداثة (1978)؛ الكوفة: نشأة المدينة العربية الإس مااية (1986)؛ الفتنة: جدليّة الدّين والسّياسة في الإس ماا
المبكّر (1989)؛ أزمة الثقافة الإس مااية (2001)؛ في السيرة النبوية، مج:1 الوحي والقرآن والنبوّة (1999)؛ في السيرة النبوية،
مج:2 تاريخية الدعوة المحمدية (2006)، وفي السيرة النبوية، مج:3 حياة محمد، سيرة النبي في المدينة وانتصار الإس ماا (نشر بالفرنسية سنة.)2012 (((بالرجوع إلى بعض الأعمال الفكرية الإسلامية المعاصرة، يتبين أنها تميز بين «القرآن» و«الوحي»، بين محمدية الأول وربانية الثاني. ويعود الفضل في هذا الاجتهاد أساسًا إلى محمد مجتهد الشبستري وعبد الكريم سروش. وللاختصار، تكفي الإحالة إلى
الإصدار الأخير للباحث المغربي سعيد ناشيد: سعيد ناشيد، الحداثة والقرآن (بيروت: دار التنوير،.)2015
منهجية الكتابة حول الوحي لدى جعيط
يُعَدّ جعيط أحد الباحثين الذين أخذوا على عاتقهم منذ بداية تكوينهم الأكاديمي التنقيب في التاريخ
الإسلامي. وقد أصدر عددًا كبيرًا من المؤلفات المتفردة في هذا الصدد؛ مؤلفات رام من خلالها الحفر
في الماضي الإس مااي، بالجرأة على طرح بعض الأسئلة التاريخية حول «الأصل الأول»، والبحث في تبعاتها على الحضارة بشكل عام، معتمدًا على مستجدات البحث العلمي، خاصة على مستوى التاريخ المقارن للأديان. وما يترجاه جعيط لا يتجاوز «خروج العرب والمسلمين من تقوقعهم وضيق أفقهم الفكري»، فما المنهج الذي اتبعه لتحقيق هذه الغاية؟ في مقدمة الجزء الأول من في السيرة النبوية، يصرح الباحث التونسي بالقول: «حاولنا في هذا الكتاب الاعتماد على المعرفة واستنباط منهج عقلاني- تفهمي لم نجده لا عند المسلمين القدامى من أهل السير والتاريخ والحديث، ولا عند المسلمين المعاصرين. وأكثر من ذلك، إن المستشرقين على سعة اط عااهم، لم يأتوا ببحث يذكر في هذا الميدان. وتبقى دراساتهم هزيلة، مقارنة بفحول الفكر والتاريخ في الغرب». غايتنا من إيراد هذا الاقتباس المطوَّل هو تقديم الطريقة التي قدّم
بها جعيط لطريقه نحو تناول إشكالية الوحي والقرآن والنبوّة، ولعل من الواضح أنها وصفه لها
ب«المستحدثة» و«المبتدعة»، ويبدو الباحث واثقًا من ذلك، خاصة أنه يقرن كتابه بمنهج وصفَه ب«التفهمي والعق نااي». فهل نجح جعيط، في تحقيق وعود المقدمة، أم أن الوعود كانت أكبر من الكتاب نفسه؟ أَيتعلق الأمر بكتاب فلسفي عن مفهوم الوحي؟ الأمر ليس كذلك لدى جعيط، فهو ينفي عن سيرته النفَس الفلسفي، بعد أن يذكّ رنا بمحاولته القيام بذلك في كتاب سابق، لكنه يربط
(((جعيط، في السيرة النبوية، مج 1، ص 12 -.13 (((المصدر نفسه، ص 12-.13 (((ولو أن ما خطّه جعيط بشأن الوحي بالخصوص يتضمن أثرًا فلسفيًا واضحًا، فإننا لا نعلم سبب تحفّظه عن الاعتراف به
جهرًا، ولربما ذلك ما دفع أحد الباحثين إلى اعتبار كتاب جعيط كتابًا فلسفيًا في سياق دراسته المقارنة بينه وبين سيرتيْ معروف
الرصافي وعلي الدشتي، حيث يقول صاحب الدراسة في هذا الصدد: «قد جاء الكتاب الأول (الوحي والقرآن والنبوة) نظرًا تاريخيًا
وفلسفيًا في قضايا تتصل بماهية القرآن وخصائص نبوّة محمد بين سائر النبوات السابقة». انظر: حسن بزاينية، « السيرة النبوية
في ضوء النقد الجديد: قراءة في أعمال معروف الرصافي وعلي الدشتي، هشام جعيط،» نزوى، العدد 75 (تموز/ يوليو 2013)،
على الموقع الإلكتروني: file:///D:/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9%20%D8%A7%D9% 84%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%8A%D8%A9%20%D9%81%D9%8A%20%D8%B6%D9%88%D8%A1%20 %D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A% D8%AF%20%20%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9%20%D9%81%D9%80%D9%8A%20 %D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84%20%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%81%20 % D 8 % A 7 % D 9 % 8 4 % D 8 % B 1 % D 9 % 8 F % D 9 % 9 1 % D 8 % B 5 % D 8 % A 7 % D 9 % 8 1 % D 9 % 8 0 % D 9 % 8A%20%D9%88%D8%B9%D9%84%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8E%D9%9 1%D8%B4%D8%AA%D9%8A%D8%8C%20%D9%87%D8%B4%D8%A7%D9%85%20%D8%AC%D8% B9%D9%8E%D9%8A%D9%92%D8%B7%20%E2%80%93%20%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9%20 %D9%86%D8%B2%D9%88%D9%89.htm
(((والمقصود بذلك كتابه الذي حمل عنوان الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي.
كتابه هذا ب«العلم»، من خ لاا النظر في إشكال الوحي والقرآن والنبوة، كمعطى، واعتماد مقاربة يصفها حينًا ب«التاريخية» وأحيانًا ب«الظواهرية». وبعد أن ينفي عن «تاريخيته» تأثير الظروف الخارجية والشروط الموضوعية في فهم شكل نزول الوحي، يرجع إلى تأكيد أن مصدر بحثه لن يخرج عن إطار القرآن واستقرائه «بمنهج ظاهري (...) فالقرآن ليس فقط وثيقة تاريخية بالنسبة للمؤرخ والك ماا المقدس الحق بالنسبة للمؤمن، بل هو ما - يجب - أن - ينصت - إليه في الأساس والجوهري». يبدو غريبًا أن يستبعد مفكر متخصص بالتاريخ (هشام جعيط) الشروط التاريخية في فهم تشكّل الوحي.
ومن الغريب أيضًا هذا التوجس من البحث الفلسفي في ملابساته ومبهماته. والأغرب أن ينزاح جعيط أحيانًا عن منهجه العقلاني التفهمي من خلال كثير من «المواقف والأحكام» التي ظهر الباحث مغيَّبًا فيها،
و«الأيديولوجي المثخن بعذابات الذات» حاضرًا بقوة، خاصة من حيث مواقفه من التناول الاستشراقي
للظاهرة القرآنية، والإحالة أحيانًا إلى «سلطة النص»، كمرجح حجاجي في الدين المحمدي وإشكالاته، فقد أنساه انتصاره للأنا وهلوساتها جنونَها وحدودَها. وكأني به - في نظر نقاد جعيط - لا يخرج عن سياق كتابات «عبقريات محمد». وإذا كان مرد هذا الاستغراب إلى محكوميته بخلفية لا تحتكم إلا إلى
العقل النقدي كمنطلق واحد ووحيد، فلا محلَّ للعجب بشأن «جَلد» جعيط كتبة السيرة الأ ول، واصفًا
بعض أحاديثهم ب«الخرافات«، ومشككًا في بعض بداهاتهم من قبيل «غار حراء» و«أمّية محمد «...،
كما سنبيّن لاحقًا. إن الجرأة على نقد البداهات في زمن تسلسل القداسات ليس أمرًا هينًا. وما يُحسب لجعيط هو عينه
ما يؤاخذ على طرفين نقيضين قصيين له: طرف بالغ في حجم سلب محمد «وحيانيته»، وطرف أغرق شخصية النبي بالعجائب والغرائب، حتى أمسى الحديث عن إسلام محمد يفوق الحديث عن إسلام الله. لكن ذلك لا يخفي سقوط جعيط في «وحل الغيب» بصدد محمد ورؤاه، مطمئنًا إلى الوثيقة (القرآنية)
(((نشير في هذا الصدد إلى إغراق هشام جعيط حد الإطناب في التذكير بمنهجه في متن مؤلفه، مصرًا على تذكير القارئ بأنه
«ليس منهجًا فلسفيًا»، ولا يهدف إلى إثارة أي مشكلات لاهوتية أو ميتافيزيقة، بقدر ما يرمي إلى النظر في القرآن كظاهرة دينية. انظر:
جعيط، في السيرة النبوية، مج 1، ص 8-7، 10، 12، 18، 27، 92 و 94... إلخ. (((1 المصدر نفسه، ص.27 ((1(نقد جعيط للمستشرقين معروف لاعتبارات شتى، لعل أهمها اعتباره أن تركيزهم على قراءة اللحظة المحمدية من خ لاا سياقاتها التاريخية والسياسية أنساهم «عبقرية محمد» وقابليته للانخطاف قصد ترجمة الوحي. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، يعتبر جعيط أبحاث المستشرقين محكومة ب «متخيل ما» حول محمد، تجعل أحكامهم حوله مختلطة بالمسبقات، كما هو الشأن لدراسة جاكلين الشابي الموسومة برب القبائل: إس ماا محمد (وفق ترجمة محمد موهوب). يمكن الرجوع إلى: Jacqueline Chabbi,
Le Seigneur des tribus: L’Islam de Mahomet , préf. d’André Caquot (Paris: Ed. Noêsis, 1997).
أو انظر: ريجيس ب، شااير القرآن: نزوله، تدوينه، ترجمته وتأثيره، ترجمة رضا سعادة؛ أشرف على الترجمة فريد جبر؛ حققه وراجعه محمد علي الزعبي (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1974). وعلى الرغم من هذه الانتقادات كلها، فإن بزاينية يلفت النظر في دراسته المشار إليها آنفًا إلى إشادة جعيط بالمستشرق أندريه تور، لمّا اعتمده مرجعًا لتبيان التأثر بين المسيحية
والإس ماا في الجزء الثاني من سيرته، وفي هامش له في الجزء الأول، يشير إلى المستشرق نفسه، ليدفع عن الوحي تهمة «الهذيان.»
وغير عابئ بما قد يتسلل إليها من زلات وهنات بفعل أثر الزمن وتجاذب الصراعات السياسية والدينية، التي أعقبت موت النبي. الظاهر أن تريّث الباحث وحذره ونشدانه الحياد بصدد موضوعة تتشابك بشأنها الأسئلة وتتعالق،
دفعته إلى «الاطمئنان» (الهروب) إلى النص، مخلفًا الكثير من علامات الاستغراب. ويبدو أن رغبته في التخفيف من وقعها سبب رئيسي لتعمّده التصريح بمقدمات بحثه بدايةً، ولنذكّر بها من جديد
وقْف فهم «الوحي» وتعقّله على القرآن حصرًا، تفاديًا لكل ما من شأنه أن يشوش على «واقعة الوحي»
نتيجة التهويل النقدوي والتضخيم السِّيروي. والظاهر أيضًا أن رغبته في تشييد بنيان «سبيل ثالث» لفهم التراث جرّت عليه انتقادات الطرفين المومأ
إليهما أع هاا؛ فموقفه الإيجابي من محمد كانت له تبعات نقدية على مستوى تلقّي الفكر النقدي التنويري العربي، في حين أن تشكيكه في بعض ثوابت «التراثيين» كقصة غار حراء وأمّية النبي كان
سببًا في استهدافه من طرف المحسوبين على الطرف المحافظ. على الرغم من المآخذ السالفة الذكر، يبدو جعيط – في ضيافة الوحي- مفكرًا تجرأ على النظر في
«المحظور المقدس»، بمحاولة تخليص ظاهرة الوحي من مظاهر الأسطورة فيها بحياد وتجرد؛ فهو ما فتئ يؤكد أنه لا يهدف إلى تصفية حسابات مع أي كان، و«موضوع محمد – لديه - يمس قبل كل حساب العرب والمسلمين (...) وقد يختلط هنا التاريخ، لدى المثقفين بالإيديولوجيا من مثل الإس مااية أو العلمانية اليوم ». يحاول جعيط إذ ا دفع التهمة المزدوجة عن نفسه، الولاء لمحمد والتهجم على دينه، ويذكّر بحرصه على الحياد والموضوعية في أبحاثه؛ ففي الجزء الثاني من السيرة النبوية، يردّ بشكل ضمني على منتقديه، مبينًا لهم أن هدفه الأسمى هو تعميق المعرفة وإغناؤها بعيدًا
(((1 ويبدو أن ما عجز عنه أهل الدار سيقوم به الباحثون الأوروبيون، أعني الانتقال من نقد مرويات السيرة النبوية إلى مراجعة القرآن نفسه، لإخراج «طبعة نقدية» له ولو «بمبالغة استشراقية» أحيانًا. للتوسع بشأن هذه الانفتاحات الجديدة في الدراسات القرآنية،.Azaiez, dir., Le Coran تكفي الإحالة إلى: (((1 في الحقيقة، يطرح الكتاب محط النظر العديد من المفارقات في ذهن القارئ، ولذلك، كان محط نقد من طرف «الحداثيين»
و«التراثيين» على حد سواء، نحيل بهذا الصدد إلى: فريد العليبي، « قراءة نقدية في كتاب هشام جعيط الوحي والقرآن والنبوة »،
(الأوان (موقع الإلكتروني)، 30 كانون الثاني/يناير:)2008 http://bit.ly/2bhutEj؛ محمد المزوغي، « نقد التاريخ المقدس عند
هشام جعيط،» (منتدى حصاد، 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2009)، على الموقع الإلكتروني: http://bit.ly/2bqhY9Q، ورضوان
السيد،« الوحي والقرآن والنبوة: قراءة في كتاب هشام جعيط،» التسامح (الإلكترونية)، العدد 3 (2003)، على الموقع الإلكتروني:
http://bit.ly/2aZMjuM.
وكلها قراءات هاجمت الجزء الأول من سيرة جعيط، سواء بخلفية حداثية علمانية أو بخلفية تراثية دفاعية. ولذلك مشروعيته بالنظر
إلى أن جعيط جمع المتناقضات فعً، وكأني به يجري على أفكاره ما قاله عن القرآن، عندما أكد «أن احتواء القرآن على قانون
وأخلاقية وحتى على تناقضات أكسبه تأثيرًا عظيمًا ومعنى مطلقًا؛ فالتناقضات موجودة في كل الأديان الكبرى، وهي التي تجعلها
تجيب على كل تساؤل وتتجه إلى كل الأفراد والجماعات بتعدد حاجاتهم ورؤاهم، ومع تناقض عقولهم وأهوائهم»، فهل كانت غاية جعيط هي نفسها غاية القرآن: الإجابة عن الكل والتوجه نحو الكل، وهي غاية قد لا يدركها المرء أبدًا إلا ووقع في «الخبط
المنهجي» كما حدث لمفكرنا. للاطلاع على التباسات تلقّي النقاد للكتاب، نحيل إلى: عفيف رزق، مراجعة، « هشام جعيط والنقاد،»
المستقبل، 2015/1/22، على الموقع الإلكتروني: http://bit.ly/2bqi3dt. (((1 هشام جعيط، في السيرة النبوية، مج 2: تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، ط 2 (بيروت: دار الطليعة، 2008)، ص.7
عن أي رغبة، سواء في «نسف الإس ماا في ينابيعه» أو في إحيائه في «وجاهة مقاصده الأولى ». أكان جعيط صادقًا في «نواياه» و«تبريراته»؟ لنتبيّنْ حقيقة ذلك. وربما يكون من المفيد اتّباع المنهج
الذي قال جعيط أنه سلكه بصدد دراسته لمفهوم الوحي، وهو العودة إلى النص، ونحن خُل ص من جميع المؤاخذات السابقة لأوانها، ومساءلته كمعطى، لمعرفة مدى صدق صاحبه في ادعاء «السبق» إلى نتائجه. قبل ذلك، يجب الاعتراف بوجاهة وتفرد نظر جعيط للتاريخ الإس مااي، وهذا ما مكّنه من تبوُّء
مكانة خاصة في دراسة الإس ماا المبكر، وما أفرزه من إشكالات نظرية وعملية على حاضر الذات المسلمة، ولا سيما من حيث التداخ ت بين الدين والسياسة، التي كان الفضاء الإس مااي مسرحًا
لها وما زال. ولربما تعود هذه الفرادة كذلك إلى حرص جعيط على تنقية السير القديمة والكتابات التقليدية ممّا شابها من عناصر غير تاريخية، فاتحًا بذلك الطريق نحو عقلنة التراث الديني، بنقد
«خرافات» الأ ول من كتّاب السيرة وواضعي تاريخ الإس ماا. والنقد لا يستقيم إلا بتوضيح ملابسات
بعض المفاهيم، التي ما كانت لتشك ل همًّا تاريخيًا لدى المفكرين والباحثين، اعتقادًا منهم أن
الفقه التقليدي استنفد توضيح مبهماتها واستج ءاا غموضها من قبيل مفاهيم: الوحي ذاته والرؤيا والقرآن والتجلي.
الوحي والرؤيا والقرآن: علاقات ملتبسة
أول ما يعترض قارئ الكتاب - كتاب الوحي، والقرآن، والنبوة - عقبة أسماء ومسميات وعقبة التمييز بين مفاهيم عدة. وربما يبدو أول وهلة أن لها الدلالة نفسها، لكن جعيط يرى أنها ليست كذلك. وأول هذه المفاهيم تلك الثنائيةُ المكوّنة لعنوان جزئه الأول من السيرة: «الوحي والقرآن.» فمن خلال دراسته التي قد لا نجد حرجًا في وصفها بالمتأنية، ومقارنته القرآن ببقية الكتب السماوية الأخرى،
وإشارته إلى اختلاف كلمة «تنزيل» عن كلمة «وحي»، من حيث دلالة الأولى على «التزمن الإنساني»
وتنزيه الثانية عن ذلك، يخلص جعيط إلى استبعاد بقية المفاهيم الأخرى ك«حكمة» و«ذِكْر» و«كتاب » عن إطار الوحي، باعتبارها مجرد «صفات» للقرآن. لكن اللافت للنظر أن جعيط يجهد عند دراسته هذه العلاقات المفاهيمية لدفع «تهمة» دراسة إشكالية الوحي بواسطة استخدام العقل، حيث يؤكد استحالة ذلك. وهو إذ يقيل العقل، يستنطق القرآن نفسه للحديث عن هذه التجربة المحمدية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. والم حَظ هو الج لاا
الذي يحيط به جعيط القرآن، واعتباره كتابًا مقدسًا مهيمنًا على غيره، ف يكاد يتعب من تكرار هذا
القول، حتى ليظن الباحث أن الأمر لم يعد يتعلق بذلك الباحث التاريخي الذي خبر تاريخ المقدس وطرق تشكّله. لكن للأمر مبرره، كما أسلفنا، ما دام صاحبنا صرح بمنطلقات نظره منذ البداية، وهي القرآن ككتاب مقدس. وقد دفعه ذلك أحيانًا إلى «أحكام غير فلسفية» ربما تكون محط نقد ومساءلة
(((1 المصدر نفسه.
تاريخية وفلسفية، خاصة من حيث حديثه عن خُل وِّ آيِ القرآن والدين المحمدي من جميع مظاهر
ال عااق نااية. والأكيد أن هذا ما كان ليغيب عن باحث مقتدر، شأن جعيط، لكن رغم ذلك، يبقى السؤال معلقًا حول عدم تعليق - الإيبوخي - جعيط لسابق حكمه حول «مقدس المسلمين»، وغايته من وراء ذلك!!! يحكي ابن إسحاق/ ابن هشام، في سيرته أن محمدًا كان يجاور في حراء شهرًا من كل سنة متحنثًا،
حتى إذا كان الشهر (وهو شهر رمضان)، الذي قدر فيه الله أن «يكرمه برسالته» - على حد تعبير سيرة ابن هشام - كان ما كان من تلك المقابلة المشهودة بين محمد وجبريل، وما دار فيها من «صراع ونزاع» بينهما حول القراءة (سورة العلق)، وشدة جبريل على محمد في ذلك، ثم خروجه (محمد) من الغار، بعد انكتاب المقروء في قلبه وسماعه ذلك الصوت من وسط الجبل، فإذا به جبريل «صافًا قدميه في أفق السماء»، ليعود «النبي» إلى خديجة، ويجلس على فخدها الأيمن ثم الأيسر ثم حجرها، وتُلقي
خديجة بعدها بخمارها، لتبين حقيقة «ما يراه محمد» أ هو شيطان أم ملَك؟. القصة بالنسبة إلى جعيط مجرد افتراء، محض اختلاق كما يقول، وسنده في ذلك أن القرآن، وهو الذي تحدث عن أبرز محطات الرسول، لا يورد قصة الغار بهذا الوصف الدقيق الذي وُص فَت به في سيرة
ابن هشام. يقول جعيط: «ولئن كانت الأسانيد لا تعتمد بالنسبة للمؤرخ، بل فقط متن الرواية، فقصة الغار ثم رؤية الملك فيما بعد وإن كانت غير مستحيلة (...)، فإني شخصيًا أرفضها لأن لحظة التلاقي
والتجلي والوحي حصلت كما ورد في سورتي النجم والتكوير واضحة مفصلة». في هذا السياق، يخصص جعيط جهدًا محمودًا في مقارنة «قصة الغار» بالقرآن وبتاريخيْ الطبري وابن
سعد، ملاحظًا أن حكاية ابن إسحاق مختلفة تمامًا عن الوحي كما هو وارد في سورتي النجم والتكوير،
وأن التدقيق في وصف «قصة الغار» كان حكرًا على سيرة ابن إسحاق دون غيرها، وهو ما يفقدها
حجيتها، نظرًا إلى ما يشوبها من غموض ولبس، خاصة أنها تصوِّر لقاء محمد ب«الماورائي» – ما دام
جعيط لم يحسم أمر هويته إن كان جبريلً أم الله نفسه- بأنه لقاء شدة وصراع، في حين أن القرآن يقول إنه لحظة همس وتقبُّل، رغم انخطاف محمد في البداية نتيجة مباغتته من طرف «الرسول الكريم»،
ملمحًا إلى إمكانية التأثر بقصة صراع يعقوب مع «إيل»، الإله الذي تصارع مع يعقوب جسديًا،
ومع تشذيب الديانة اليهودية، حل المل ك (ملك يهوه) محل الإله. ومن هنا انتباه جعيط إلى دلالة آية «شديد القوى»(سورة النجم)، إلى جبر/إيل بمعنى قوة إيل (الله)، وهو (أي جبرائيل) «ليس فقط أداة الله، بل روحه، أي من ذاته (الله) المنفصلة عنها، مع الإبقاء قسرًا على شيء
من التطابق. ولعل كل هذا التحليل يفسر غموض رؤيا سورة النجم، لأن الذي تجلى فع
(((1 أبو محمد عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، تقديم وتحقيق أبو عبد الرحمن مصطفى عبد الحليم ([د. م.]: فضاء الفن والثقافة، [د. ت.])، ص.127-125 (((1 جعيط، في السيرة النبوية، مج 1، ص 35، وبالنسبة إلى الأسانيد، فإنه سيكتب في الصفحة 94: «... كل ما دوّن بعد مئة سنة
من الحدوث فاقد لثقة المؤرخ.»
هو الله وليس الله لأنه منفصل عن الذات الإلهية في هويتها الكاملة الصميمة، لكنه يبقى في العالم السماوي». حلَّ جعيط غموض رؤيا سورة النجم بغموض جديد؛ فكثيرة هي أشكال البلبلة المفاهيمية التي نصطدم بها، في أثناء محاولة التخلص من الالتباسات الحاصلة بصدد الوحي وشكل تجلي
الموحِي للموحَى إليه، ولعل أشد تلك الأشكال العبارة الملغزة التي يصف فيها جعيط الصلة بين
الله وجبريل، بكون الوسيط بين المُوح ي والموحَى إليه «إله وليس بإله»، وهي عبارة أقرب إلى «نبرة
الصوفي» منها إلى «دقة التاريخي». وقد يكون مرد ذلك إلى انشغاله بإثبات أن «ما حدث» (والأصح ما حُكي أنه حدث) في الغار قصة مختلَقة وليست حادثة واقعة، لانتفاء المنطق والعقل بصددها.
وجعيط نفسه يؤكد في كتابه أن القرآن محل لهما دون سواه من مصادر الدين!لذلك سيعمل على معاودة النظر في قصة أمّية محمد كذلك، منتهجًا النهج نفسه، حيث العودة إلى تقصّي حقيقة تشك ل
الألفاظ والمفاهيم. محمد ليس أمّيًا، والأرجح أنه كان يقرأ ويكتب. ولأن الإنسان ميّال إلى الإيمان بالمعجز، بما يبدو له
غير منطقي وغير عقلاني، فقد دأبت السيَر على وسم محمد بكل ما هو خارق، بكل ما لا يستطيعه
الإنسان العادي، رغم أن محمدًا كان يردد مقولة «ما أنا إلا بشر...». وحتى لا يمتد شك أحد إلى المصدر الإلهي لآي القرآن، كما حدث فعل مع مجايلي النبي، رُسِّخت أمّية محمد تكريسًا لوجود
«عناية إلهية» انتقت المنتقى/المصطفى، ليكون رسولً للعالمين. الأمر يبقى مجرد فرضية، ولجعيط مسلكه الخاص في تحليلها، حيث يرى أن لفظ «أمّ ي» لم يكن
يعني «الجهل بالقراءة والكتابة»، كما هو شأن «أمّية اليوم»، بقدر ما كان يعني النبي المبعوث من
غير بني إسرائيل. و«لكلمة ‹أمّي› و‹أمّيين› مقابل بالعبرية وهو ‹أمم ع ماا›، أي أمم العالمين من غير
بني إسرائيل». كما أن آية «ما أنا بقارئ»، لا تخبرنا، وفق جعيط، بجهل النبي محمد للقراءة، بل هو رفض لأمر. والتناقض يصل أوجه عند تصوير تعنيف مبعوث الله لرسوله محمد بسبب رفضه ل«إقرأ»، فإن كان محمد جاهً، ألم يكن جبريل على علم بذلك؟ وإذا كان جاهً بجهل محمد،
فلِمَ الإلحاح والإصرار على قراءة شيء غير قادر على قراءته، متعذر عليه ت وااته؟ ثم كيف يستقيم
الحديث عن قراءة «شيء ما» والأمر يتعلق، بحسب جعيط، ب «وحي قلبي»، المطلوب ت وااته بعد تلقّيه قلبيًا، في حين اعتقدت السيرة أن الأمر يتعلق بقراءة «مصحف من ديباج». وربما لم يدُر في
خلد صاحبها ما سيطرحه اختلاق قصة كهذه من أسئلة تتعلق بكتابة الوحي وحفظه وتدوينه وجمعه، وإلى غير ذلك.
(((1 المصدر نفسه، ص.65 (((1 المصدر نفسه، ص.42 ((2(انظر أيضًا: محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، الجزء الأول: في التعريف بالقرآن (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2006)، وخاصة ص 82 -.84
ليواصل جعيط تقليب المواجع، متسائل: أكان كل العرب أمّيين حتى تنزل فيهم آية «بعث في الأمّيين
رسولً»؟ (سورة الجمعة)، مستنتجًا أن الأمّية تعني من ضمن ما تعنيه الجهل بالكتاب المقدس، ومن
ثمة نعت العرب بها، في مقابل اليهود والمسيحيين الذين هم أهل الكتاب. يبدو أن الإصرار على «الجانب الإعجازي» لمحمد جعل الأ ول يبالغون في ربط «النبوّة» بخرق
العادة والمألوف، ومن ذلك اخت ق قصتي «الغار والأمية»، في حين لا يرى جعيط أي تعارض بين «الوحي المحمدي» وعبقرية النبي الدنيوية، خاصة مع وجودشح غريبحول سيرة محمد في صباه ومراهقته. بناء عليه، واعتمادًا على النبش في المفاهيم وتقليب صفحات التاريخ، بالإنصات – استنطاق – لوثيقة القرآن، من خ لاا سورتي التكوير والنجم أساسًا، يرفع جعيط الكلفة عن مفهوم الوحي وما
علق به من دنس «الأسطرة» والتفخيم، ليستنتج أن الوحي لم يكن بتلك «الشدة» التي صوّرتها سيرة
ابن هشام، بل إن محمدًا تلقّاه بشوق ولهفة وبتواضع، كما سبق القول بذلك. يقول جعيط مدافعًا
عن خ صته: «إن ما تذكره السيرة من أن محمدًا خاف على نفسه الجنون بالمعنى المتطور إبان تجلّي جبريل له وأنه فكر في الانتحار، كل ذلك لا يمكن قبوله (...) فالتقبل كان هادئًا في أول رؤية (رؤيا)، وانبهاجًا عميقًا في الحالة الثانية أمام ‹آيات ربه»›. وقد وصل هشام جعيط إلى هذا بعد
تحليله عددًا كبيرًا من الصلات التي تربط مفهوم الوحي بالرؤيا والتجلي من جهة، والوحي بالقرآن
من جهة ثانية. بالنسبة إلى الصلة الأولى (الوحي والرؤيا)، فإن الكاتب يرى أن ما يسمّيه «الوسط الشكوكي»
للبيئة المحمدية دفع إلى تأويل كل ما كان صعبًا إدراكه (حراء والإسراء) على أنه رؤيا، «وتكون رؤى
النبي صادقة لأن الله وراءها. فهو وحي بالصورة والمشهد (...) والرؤيا في القرآن هي حقيقة أرقى من حقيقة اليقظة العادية، إذ هي تلمس حقائق عالية». وهكذا يطلق جعيط العنان لتحليلاته القرآنية للوحي، من خ لاا اعتباره الرؤيا وحيًا في المنام، وهذا لا يعني أن الوحي محصور في لحظات
المنام، بحسب سيرة جعيط، بل إنه لحظة تجلٍّ بين محمد والله بوساطة جبريل (مع ل بْس ما يحيل
إليه جبريل)، ف يمكن أن يتجلى الله لنبيه، بل إن ما يتجلى هو جبريل لا غير، وقد دفع ذلك
(((2 في هامش في الكتاب نفسه (الوحي والقرآن والنبوة)، يشير جعيط إلى أن الطبري قدّم تأويلً مختلفًا ل«الأمّية» عن معنى الجهل
بالقراءة والكتابة، حيث يعتبر الأميين «قومًا لم يصدقوا رسولً أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، فكتبوا كتابًا بأيديهم». انظر: جعيط،
في السيرة النبوية، مج 1، ص.117-116 (((2 المصدر نفسه، ص.91-90 (((2 وهذا ممّا لا ينتبه له كثير من قرّاء التاريخ الإسلامي، حيث إن الشك كان عاديًا وطبيعيًا في ذلك الزمن، وما كان ليثير العجب
والاستغراب والتكفير كما هي الحال اليوم. وكمثال على ذلك - من ضمن أمثلة كثيرة- عدم تصديق أبي بكر لمحمد في حادثة الإسراء والمعراج، ومجادلة القوم لمحمد بشأن ذلك من دون أن يكون ذلك مدعاة للشعور بغضب السماء. وقد يكون البحث
في النزوع الشكوكي للإسلام المبكر مدخلً من مداخل الإصلاح الديني، من أجل الاعتراف بمشروعية «الشك والنقد والمساءلة » في الفضاء الإسلامي المعاصر. (((2 المصدر نفسه، ص.31-30
عائشة – وفق ما يُنسب إليها - إلى تكفير كل قائل برؤية النبي لله، كما لاحظ المستشرق الألماني تيودور نولدكه. فالقول/ الوحي، كما هو وارد في سورة التكوير، هو قول «رسول كريم»، وليس قول الله بشكل مباشر، بحسب جعيط. والتجلي هنا رؤية لجبريل وليست رؤيا، يعني رؤية بصرية، «رؤية بعين الرأس» يقول الكاتب! ويبقى الأمر ملتبسًا مرة أخرى حول المقصود ب«عين الرأس» هذه! لكن ما يبدو واضحًا هو
تسليم جعيط بالوجود الواقعي لجبريل، بل ولواقعة الوحي العياني ككل، رغم استدراكه أن هذه الرؤيا ليست مثل الرؤية العادية، حتى وإن جرت في اليقظة، وبكامل الوعي والهدوء النفسي، فهي رؤيا بمعنى إدراك ما لا يُدرَك عامة وعادة، أي إننا في هذا المقام ندخل في واقع لاإنساني، وحقيقة تفوق
الإنسانية. وهكذا يحل جعيط «الغامض» بتحليل أكثر غموضًا من تحليل الصلة بين جبريل والله، كما أسلفنا الذكر. أمّا من حيث صلة الوحي بالقرآن، فإن جعيط يرفض القول بتطابقهما وتماهيهما؛ فالقرآن لاحق على
الوحي كما الوحي لاحق على التجلي. إن القرآن متن الوحي، «فالله أوحى القرآن، لكن القرآن هو نتيجة الوحي»، وقد حدث ذلك من خلال الصوت حينًا والإلقاء داخل القلب حينًا آخر. وعندما يلامس
الوحيُ الواقعَ الموضوعي، كآيات تعرِف بالله وتتخذ من محمد رسولً للتبليغ، آنئذ فقط يصير الوحي قرآنًا،
بحسب جعيط. طبعًا، لا يخلو الربط من أسئلة طرح بعضها الكلاميون المتقدمون حول لفظ القرآن
ومعناه، وعلاقتها بفكرة الألوهية والبشرية المحمدية، وما زال بعضها الآخر معتملً إلى حدود اليوم.
على سبيل الختم: أفقنا المأمول
ليس من السهل على المفكر أن يفكر في مقدسات الجموع ويكسر بداهاتهم ويعري أصنامهم، وهُم
الذين لم يوفروا جهدًا للفّها بلفائف التقديس والتقنيم. ومن البين بنفسه أهمية هذا التفكير في فتح الطريق أمام الجرأة على استخدام العقل ومساءلة الماضي وثوابته. في هذا السياق تتجلى راهنية محاولة جعيط، رغم المؤاخذات الكثيرة التي يمكن تبيّنها من غير كبير جهد، خاصة على مستوى
«هجرانه» أرضية التاريخ وارتمائه في أحضان «الغيب الغائب» في أحايين كثيرة، وهو ما يجعل بحثه في شأن الوحي والقرآن والنبوة محط مساءلة ونقد، كما حاولنا تبيان ذلك في ما تقدّم.
(((2 تيودور نولدكه، تاريخ القرآن، نقله إلى العربية جورج تامر؛ بالتعاون مع عبلة معلوف- تامر، خير الدين عبد الهادي ونقولا أبو مراد، 3 ج في 1 مج (بيروت: مؤسسة كونراد، 2004)، ص.22 (((2 جعيط، في السيرة النبوية، مج 1، ص.57 (((2 المصدر نفسه، ص 55. وفي هذا الإطار ينبهنا نولدكه إلى الاختلاف البيّن بين القرآن والوحي، لمّا يقول إن ليس كل وحي
قرآنًا، كما إن القرآن ليس كل الوحي، ويقول في الصفحة السادسة، « إن محمدًا (...) لم يجمع كل ما أوحي إليه في القرآن، ولم يزعم
على الإطلاق أن أقواله كلها كانت وحيًا». ويؤكد في الصفحة 20 «أن المسلمين لا يصفون بكلمة ‹وحي› القرآن وحسب، بل أيضًا
كل إلهام تلقّاه النبي، وكل أمر إلهي وجّه إليه، حتى لو لم تعتبر كلماته قرآنًا، أكثر أنواع الوحي التي يعددونها تتناول بالفعل الوحي
غير القرآني». وقد أفرد نولدكه بابًا خاصًا ل«ما لا يتضمنه القرآن ممّا أوحي إلى محمد». للاستزادة والتوسع في الموضوع، انظر كتاب
تيودور نولدكه الآنف الذكر، بداية من الصفحة.210
وفي هذا الصدد، لا يمكن القارئ أن يتجاهل جرأة جعيط - في وسط لا يتحرج المرء من وصفه بالمغرق في التقليدانية والانغ ق والتراثوية - في كشف حجم الافتراء على محمد (وعلى التاريخ أيضًا) من خ لاا قصتَي الغار والأمّية، وقد يقود ذلك باحثين آخرين إلى مواصلة هذه الجرأة حتى
أقصاها، لإعادة كتابة تاريخ المسلمين والنبش في غبشِ نصوصهم ووثائقهم المقدسة. ولعل ما يشهده الفكر العربي المعاصر من محاولات جادة لتقليب رفوف التراث ونقده ليس إلا تجليًا من
تجليات فتح «جروح» الماضي وندوبه، للتحرر من خطابات الحجر على العقل التي تتغذى على موائد «الاستبداد بالنظر»، خاصة بعد «الانتقال التقديسي» من «القرآن» إلى «السنّة»، ومن هذه إلى
تقديس الإجماع وتابعيه وتابعي تابعيه، وصول إلى تقديس «عبث اليوم» كما هو متجلٍّ في تخاريف فقهائه وفتاويهم. إن عبث اليوم عنوان لأزمة فكرية ودينية تذكرنا بالحروب الدينية في أوروبا خ لاا قرون خلت. ولولا فتوحات العلم والفلسفة والتفكير النقدي عمومًا، لكانت تكلفة «الب دااة الدينية» باهظة أكثر من
المؤداة. ومن محاسن التاريخ أنه يخلّف آثارًا للتذكر والاستعبار، فالب دااة المضاعَفة أن يدفع المرء
الضريبة مرتين. ثمة بون شاسع بين كتابة جعيط كتابه حول الوحي والانتعاش الذي يعرفه التفكير في الدين حاليًا،
والبون يتمثّل في حجم الإف ت من قدَر الحجْر والوصاية الفقهية. بين ذاك الزمن وزمننا، هناك
مكاسب كثيرة لمصلحة معركة التنوير ضد التقليد، ولا سيما من حيث التخلص التدريجي من سطوة «بادئ الرأي» على الدين واحتكار الحديث فيه وعنه، عبر تجديد النظر في البداهات المؤسسة لزمن الماضي، والتي مهّد لها جعيط من خ لاا نقد بداهات الوحي. وفي ذلك تتجلى راهنية ارتجاجاته،
وتأخذ محاولتنا لاستعراض بعض ملامح هذه الارتجاجات مشروعيتها. References
المصادر والمراجع
العربية
ابن هشام، أبو محمد عبد الملك. السيرة النبوية. تقديم وتحقيق أبو عبد الرحمن مصطفى عبد الحليم. [د. م.]: فضاء الفن والثقافة، [د. ت.]. الجابري، محمد عابد.مدخل إلى القرآن الكريم. الجزء الأول، في التعريف بالقرآن. الدار البيضاء: دار النشر المغربية،.2006 جعيط، هشام. في السيرة النبوية، مج 1: الوحي والقرآن والنبوة. بيروت: دار الطليعة،.1999
(((2 فبالإضافة إلى هشام جعيط، نذكر من مجايليه الجابري والعروي وحنفي. ومن الكتابات الجادة حاليًا نذكر كتابات: جورج
طرابيشي وخليل عبد الكريم وسعيد ناشيد، وغيرهم من الكتّاب المحسوبين على الاجتهادات ذات الأفق الحداثي التنويري. بالإضافة
إلى الاجتهادات اللافتة للنظر، التي يعرفها الإصلاح الديني الإسلامي مع بعض المصلحين، كعبد الكريم سروش والقبانجي ومحمد مجتهد الشبستري... (((2 انظر في هذا الصدد: جورج طرابيشي، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة، ط 2 (بيروت: دار الساقي،.)2011
.______ في السيرة النبوية، مج 2: تاريخية الدعوة المحمدية في مكة. ط 2. بيروت: دار الطليعة،
طرابيشي، جورج.من إس ماا القرآن إلى إس ماا الحديث: النشأة المستأنفة. ط 2. بيروت: دار الساقي،.2011 عزايز، مهدي. «القرآن: مقاربات جديدة.» ترجمة عبد العزيز بومسهولي. ألباب، العدد.)2015(6 موهوب، محمد. ترجمان الفلسفة. مراكش: المطبعة والوراقة الوطنية،.2011 ناشيد، سعيد. الحداثة والقرآن. بيروت: دار التنوير،.2015 نولدكه، تيودور.تاريخ القرآن. نقله إلى العربية جورج تامر؛ بالتعاون مع عبلة معلوف - تامر، خير الدين عبد الهادي ونقولا أبو مراد. 3 ج في 1 مج. بيروت: مؤسسة كونراد،.2004
الأجنبية
Azaiez, Mehdi, dir. Le Coran: Nouvelles approches. Avec la collaboration de Sabrina Mervin. Paris: CNRS éd., 2013. Chabbi, Jacqueline. Le Seigneur des tribus: L’Islam de Mahomet. Préf. d’André Caquot. Paris: Ed. Noêsis, 1997.