الحكمة والمدينة: جدل الأصل والفصل
Wisdom and City: Dialectic of Genealogy
الملخّص
أكد بعض الفلاسفة أن "الفلسفة والديمقراطية لا تشتركان فحسب في أصلهما، ولكن وجودهما ذاته وجود مشترك". لهذا ذاع التفسير السياسي لنشأة الفلسفة التي طالما طرحت مسألة ظهورها في إغريقيا القرن السادس، بالنظر إلى الإصلاحات السياسية التي انطلقت من تعديلات سو لون وأثمرت، في فترة حكم بريكليس. ولئن قبلنا هذه الأطروحة، لأنها تحوي كثيرًا من الصدق والتاريخ، فإن مشكلات كثيرة أُخرى ستظهر بسبب القلاقل التي طفت على السطح بين الحكمة والمدينة، أو بين الفلسفة والديمقراطية. ومن أجل هذا تناولنا، بالتحليل والفحص والمقارنة والنقد والاستنتاج، عددًا كبيرًا من النصوص الفلسفية التي درست المشكلة. وهذا كلّه أُدرج تحت المشكلة التالية: كيف تمظهرت، عبر التاريخ الإغريقي بصورة خاصة، مسألة العلاقة بين الفلسفة والديمقراطية ؟ وما هي امتدادات هذه العلاقة القلقة في العصور اللاحقة؟
Abstract
Abstract: Some philosophers have asserted, not only the corollary but also, the existential relationship between philosophy and democracy. This is why political interpretation of the genesis of philosophy is widespread, bearing in mind that its emergence had been marked in Greece in the sixth century BC, given the political reforms that started from the wise Solon’s amendments, and which then stretched all over the reign of Pericles. While we may accept this thesis, for its considerable veracity and historical bearing, many other problems will appear because of the rivalries and unrest resurfacing between wisdom and the city, or between philosophy and democracy. All these themes are addressed under the fundamental question: How did the relationship between philosophy and democracy form throughout Greek history? And what was the impact, ramification and extension of such unstable relationship in subsequent eras?
- الفلسفة
- الديمقراطية
- المواطنة
- حكم الفلاسفة
- Citizenship
- the State
- Law
- Democracy
- Philosophy
من الصدق والتاريخ، فإن مشكلات كثيرة أُخرى ستظهر بسبب القلاقل التي طفت على السطح بين الحكمة والمدينة، أو بين الفلسفة والديمقراطية. ومن أجل هذا تناولنا، بالتحليل والفحص والمقارنة والنقد والاستنتاج، عددًا كبيرًا من النصوص الفلسفية التي درست المشكلة. وهذا
كلّه أُدرج تحت المشكلة التالية: كيف تمظهرت، عبر التاريخ الإغريقي بصورة خاصة، مسألة العلاقة بين الفلسفة والديمقراطية؟ وما هي امتدادات هذه العلاقة القلقة في العصور اللاحقة؟
مقدمة
إن المُسلّمة الفلسفية الأكثر قبولً عند متوسط الدارسين في الفلسفة وتاريخ الفكر السياسي،
هي أن المدوّنات الفلسفية التأسيسية في موضوع المواطنة وعلم الأخ ق كفرع فلسفي،
ارتبطت بنصوص أفلاطون وأرسطو بالتوالي؛ نصوص اعتُبرت تأسيسية بالنظر إلى أنها أول المدوّنات
التي وصلت إلينا مكتوبة ومنتظمة في نسق فلسفي متقن ومتسلسل الغاية. اشتغل كثير من الفلاسفة ومؤرّخي الفكر بمعضلة الأصول، ولو أنها باتت مرهقة للفكر، وهو ما دفع
ببعض من هؤلاء إلى الدعوة إلى إسقاطها من اهتمامات الفلسفة ككلّ، نظرًا إلى خلوصها إلى إحالة أو
استحالة. ومشكلة الأصل، في هذا السياق الذي نحن بصدد تفكيره، تصبح مزدوجة ومُركّبة لدرجة أنها
تجعل العقل يدخل في دور منطقي لا مخرج منه: فهل نموّ مبدأ المواطنة ونضجه لدى الإغريق هما
اللذان أوجدا الفلسفة، أم أن ذيوع التفلسف في المجتمع الأثيني هو الذي دفع بفكرة المواطنة إلى الدرجة الراقية التي بلغتها؟ ولئن كنا نطرح هذا السؤال، على منوال هيغل وجان بيار فيرنان وإدوارد تسيلر...
إلخ، فمن أجل إجراء تحقيق منطقي- تاريخي بشأن حيثيات تشكّل العنصرين معًا: الفلسفة والمواطنة.
وهي معضلة تقترب كثيرًا من مثيلتها المرتبطة بعلاقة المنطق (عند أرسطوطاليس) بالرياضيات (عند
أوقليدس)، أي أيهما أوجد الآخر: علم المنطق أم الهندسة؟ أيهما أوجد الآخر: الفلسفة أم المواطنة؟ ليس الأمر، كما يبدو، دورًا منطقيًا يدخل ضمن المغالطات المعروفة التي تموّه البرهان وتفسد الفلسفة
كحكمة وكحقيقة، بل هو أمر مرتبط بتفصيلات تطوّر المجتمع الإغريقي من النواحي الحضارية كافة،
الاقتصادية منها والتجارية والحربية والدينية والأدبية والسياسية والفلسفية والأخلاقية. ونحن نعتقد أن
في إمكاننا مقاربة المشكلة من خلال النصوص التأسيسية التي أشرنا إليها أعلاه، ولن نتوقّف عند ما قرره أفلاطون الذي نادى بحُكم الفلاسفة (السفوقراطية)، وأرسطو الذي وسّع الأخلاق الفردية لتتعمّم
على المجتمع كي تكون السياسة أخ قااًا جماعية والأخ ق سياسة فردية، بل سنعمل على الكشف عن غير المنطوق به وغير المصرّح به علانية، من أجل محاولة تفكيك معضلة أسبقية الفلسفي على
السياسي أو العكس، من خ لاا الاستعانة بكبرى المدوّنات الإغريقية التي لها شأن بالموضوع:
المسرحيات التراجيدية (أسخيليوس، سوفوكليس، يوربيديس)؛ الأدب الملحمي الهوميري والتربوي
الاجتماعي الهوزيودي؛ كبرى المدوّنات التاريخية عند كلّ من هيرودوتوس وثيوسيديديس (توقديد). لذا، فإن مشكلة المقالة التي نحن بصدد التقديم لها تتشكّل على الصورة التالية: كيف يمكننا، من خ لاا النصوص الإغريقية، أن نتبين ع قااة المواطنة بالفلسفة من حيث الأولوية في التأسيس ومن
خ لاا التعالُق الموجود والممكن أن يوجد بينهما؟ ولئن كان نصّ أف طون الموسوم ب «أقريطون»
Criton)) يُعتبر من النصوص الأكثر أهمية في هذا الموضوع، على اعتبار أنه أسّس مبدأ المواطنة على
أساس أن «الإصغاء لصوت القوانين أرقى من الاستماع إلى صوت الأصدقاء والنفس»، فإننا سنعمل على تحرير دراسة نقدية لهذه المحاورة المؤسّسة لواجب المواطن، من خ لاا السؤال عن مدى
تاريخية الفكرة وواقعيتها بالنظر إلى طبيعة الإنسان المتجذرة فيه؛ فهل محاورة «أقريطون» تأسّست
على أخ ق الطبيعة أم أخ ق المثال؟ وما هي النتائج السياسية المترتّبة عن السّير في نسق تفكير
أف طون السقراطي؟ ثم ننتقل إلى نصّين من نصوص أرسطو هما علم الأخ ق، إلى نيقوماخوس
(وحتّى الإيطيقا الأوديمية) والسياسيات (وحتّى دستور الأثينيين)، بالنظر إلى كونهما التعبير الدقيق
عن نظرية ترابط المواطنة بالأخ ق، وذلك من خ لاا طرح السؤال المفصلي: ما هي الموضوعات التي تجاوز فيها المعلم الأول نظرية السوفوقراطية عند أف طون؟ مع العلم أن أرسطو في أخ قااه
النيقوماخية أعلن تفضيله الحقيقة على الأشخاص والخلاّن: amicus plato, magis amica véritas. وفي هذه المقاربات النقدية لكبرى المدوّنات الفلسفية – السياسية - الأخ قااية عند ف سفة أثينا
الكبار، سنستعين بكثير من الدراسات النقدية المعاصرة التي استطاعت بحقّ تفكيك هذه النصوص
التي اعتبرناها تأسيسية، من خلال فحص أُسسها وخلفياتها الظاهرة والباطنية، والتي ربما لا يتنبّه إليها
الدارس المبتدئ لنصوص تسلّطت على العقول قرونًا، حتى كادت أن تصبح أساطير الأولين الفلسفية.
تاريخية الفلسفة والسياسة عند الإغريق: بحث في جدلية المواطنة والحكمة أو تقاطع البوليس والسّوفوس
إن الأبحاث التي توجّهت إلى الإجابة عن سؤال أصل الفلسفة، وهو من أعقد مشك ت الجينيالوجيا
التاريخية، اصطدمت بجدلية الفكري والسياسي، وهو ما أدى إلى صعوبة حقيقية في حسم الأولوية والعلاقة الدقيقة بين الفلسفي كدرس نظري والسياسي كتنظيم واقعي أو فعلي مرتبط بالمجتمع، ذلك المجتمع الذي لا تنفصل فيه فعاليات الإنسان المختلفة، مثل الأدب والفلسفة والشّعر والاقتصاد والأسطورة والميتافيزيقي
والفيزيقي والسياسي واللّغوي، أيضًا... إلخ. ومن بين الآراء الأكثر جدية في محاولة كشف أصول الفلسفة الإغريقية في علاقتها بالمجتمع المدني الذي أسّس لمبدأ المواطنة نجد، على التوالي التاريخي:
رأي هيغل
قدم هيغل عبارته المشهورة «كلّ ما هو عقلي واقعي، وكلّ ما هو واقعي عقلي»، أو مثلما وردت في
تصدير مؤلّفه الذي يجمع الفلسفة بالسياسة والمسمّى ب: cipes de la philosophie du droit n pri في
العبارة التالية: «إن ما هو عقلي متحقّق بالفعل، وما هو متحقّق بالفعل عقلي، عند هذا الاقتناع يلتقي الرجل البسيط مثله مثل الفيلسوف سواء بسواء. ومنه تبدأ الفلسفة دراستها لعالم الروح ولعالم الطبيعة على حد سواء». وبعيدًا عن التأويلات الكثيرة لهذه العبارة، بل بعيدًا عن القدح فيها وفي مدلولها
الباطن والمستُور، يمكن أن نكشف من خلالها عن مدى ترابط الفلسفة بما هي خطاب عقلاني مع
الواقع الاجتماعي لإنسان متجسّدًا في السياسة. فالتنظيم السياسي، بما هو شأن واقعي، هو الظّرف
الوحيد الذي يجعل التفكير ممكنًا. لذا، فإننا نجد كتب التاريخ الإغريقي تتحدث عن القرن السابع
قبل الميلاد، كتاريخ لبداية استقرار العالم اليوناني، وهو ما يدل على خفّة فورة الاضطرابات والفوضى التي استتبعها الغزو الدوري) Dorian invasion) لها. وتأسيس نظام الدولة المدينة كان انطلاقة متميزة في تطور الحاضرة الإغريقية، من خلال توفير المناخ العام الأدنى لنشوء التفكير النظري. وعند البحث عن التطور الاجتماعي والسياسي والثقافي عند الإغريق، من القرن ال 12 إلى القرن ال 8 قبل المي داا، فإننا نجد الاقتران بين العصبية أو ال genos والمدينة - الدولة أوال polis، التي بدورها
(((جورج فيلهلم فريدريك هيجل، أصول فلسفة الحق، ترجمة وتقديم وتعليق إمام عبد الفتاح إمام، ج 1 (القاهرة: دار الثقافة، 9811)، ص 81-80. (((مصطفى العبادي، العصر الهلينستي: مصر (بيروت: دار النهضة العربية، 9811)، ص.9
(3) Robert Cohen, La Grèce et l’hellénisation du monde antique , 3ème éd. (Paris: Presses universitaires de France, 1948), p. 46.
ساهمت في نشوء النظام الاجتماعي الذي مهّد لظهور الديمقراطية نظامًا سياسيًا والفلسفة نظامًا فكريًا
أو شكلً مستجدًا من أشكال التفكير البشري، الذي لم يظهر بصورته المعروفة إلا عند الإغريق، سواء في التسمية أو في المنهج أو الصورة. نعلم جيدًا بأن بداية الفلسفة، بحسب تقدير جميع مؤرّخي الفلسفة الإغريقية من دون استثناء، كان في
بداية القرن السادس قبل المي داا. وهذا يجعلنا نستنتج الاستنتاج المنطقي بأن بداية نشوء النظريات الفلسفية استتبع مباشرة، وفي مدة ليست بالطويلة، ظهور الحواضر أو المدائن المستقرة التي مهّدت
للاستقرار السياسي ونشوء مؤسسات اجتماعية ثابتة. وقد ذكر البلجيكي المختص بالإغريقيات مارسيل ديتيان (enne ti é D. M) (ولد سنة 9351) في كتابه الذي يحمل عنوان: l’invention de la mythologie،
والذي ألّفه مع كبار مفكّري الحضارة الإغريقية الفرنسّيين أمثال فيرنان وناكييه، أن تدوين القوانين ساهم
في نقل العقلية الإغريقية المتوسطة (أو العامة) من الفضاء الميطيقي إلى الفضاء المديني؛ فقد كان «صولون– وهو أكبر مشرّع أثيني أسّس ومهّد للديمقراطية من خلال إصلاحات تدريجية- يقول إنه دوَّن
القوانين لكي تكون في متناول الصالح والطالح. وهكذا تكون مرئية للجميع (...) وقد كان بيركليس– كما يقال – أول من قرأ خطابًا مكتوبًا، ثمّ جاء ثوقيديدس ليحاول، عبر كتابة التاريخ السياسي، إيجاد
أُسس فعل متخلّص بالكامل من ربقة المصادفات». وهذا القول يُفهم من زوايا عدة، أهمّها أن الدولة
نقلت الحضارة الإغريقية من المشافهة إلى الكتابة، ثمّ من الفردانية إلى الجماعية، ومن الحركة التاريخية
التابعة للمصادفة والاحتمال إلى الحركة الاجتماعية المؤسّسة على القانون والضرورة. فالقانون المديني
المكتوب والمشترك نقل الثقافة الإغريقية من النظام القديم، المتمثّل في النظام الميطيقي الشفهي، إلى النظام الجديد الذي ساهم في نشوء الفلسفة. وإن سألنا عن علاقة الفلسفة بهذا النظام الجديد، نجد من دون صعوبة كبيرة «الخيط الرابط» على الشكل التالي: الفلسفة هي ذلك النظام من الفكر الذي يستبدل
تدريجيًا ونسبيًا اللّوغوس بالميثوس، على الرغم من أن الأسطورة لم تمت أو لم تنتهِكليًا عن طريق
الفلسفة، إلا أن الأسطورة طُوِّعت لتقترب من القانون الواقعي. وفي هذا نوافق ديتيان تمامًا اعتقاده بأن
«معرفة الفلاسفة، منذ كزينوفانيس نحو 053، وحتى أمبيدوكليس نحو 0 45، تفرض تكذيبًا متواصلً على
مقولة معاصرينا التي تنسب إلى ‹الفكر العق نااي› مشروع إلغاء شكل آخر للفكر قد تكون أداته هي ‹الأسطورة› بمعنى القصة المقدسة أو الخطاب عن الآلهة. عندما ألف كزينوفانيس مرثاته الموسومة ب
‹الوليمة› ضمّنها نمطًا من الابتهالات للآلهة، ونصح ذوي الفكر السليم أن يغنوا بكلمات thoi û m تجلب
الخير وبعبارات goi ó l نقية». ونحن نضيف أن أف طون، وهو أكبر معلمي العقل تمسّكًا بالمنطق
المتسلسل، لم يتوقّف ولو مرّة واحدة في محاوراته عن «اختلاق الأساطير»، بل إن أكبر الأساطير على
الإطلاق خرجت من قلمه الفلسفي، ولو أردنا إحصاءها، فإننا نجد صعوبة في التوقّف، وما أسطورة أهل الكهف وأسطورة الجندي آر ابن أرمينيوس وأسطورة بورياس وأسطورة الجزيرة أتلانتيدس... إلخ إلا
أمثلة على ترابط العقل الفلسفي بالأسطورة الأدبية، أو الميثوس مع اللّوغوس. وحتى المدوّنة الفلسفية
الأرسطية التي تُعتبر بحقّ النواة الأولى القوية للفكر الوضعي الطبيعي، لم تتخلّص من الغائية كليًا، أو كما
(((مارسيل ديتيان، اخت قاا الميثولوجيا، ترجمة مصباح الصمد؛ مراجعة بسام بركة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص 01.105-1041 و (((المرجع نفسه، ص.138
يسمّيها هو تسمية مركّبة يصعب علينا اليوم تقبّلها بسهولة تامة ب «العلّة الغائية» أو التيلوس، على اعتبار
أن الفيزياء لا تنفصل عن السبب، والسبب الغائي الموجّه، لا يمكن إغفاله، لأنه متوجّه إليه، والتي
تُعتبر أساس الفكر الديني – الأسطوري عند الإغريق وغير الإغريق. لذا، فإن موقفنا من مسألة الفلسفة مؤسّس على تقاربها مع السياسة أكثر ممّا هو مؤسّس على انفصالها عن الأسطورة. وهو الموقف الذي
وضّحه أكثر ممّا سبق المؤرّخُ والمفكّر فرنان؛ فالاستقرار السياسي ونشوء الدولة – المدينة (البوليس)
وتوسيع المساهمة الشعبية في الدولة عن طريق إص حات سولون النوعية، كلّها ساهمت في توجيه العقل الإغريقي، بما فيه العقل الأسطوري، وجهة واقعية سياسية، فجّرت إمكانات الفكر الإغريقي
في ميدان الفلسفة. ولو سُئلنا عمّن تفلسف عند الإغريق؟ لكانت إجابتنا: المواطن الإغريقي هو الذي
تفلسف. ومن المعلوم أن نظرية هيغل في التطابق بين العقلي والواقعي، لم تكن منفصلة عن نظرية الحرية في فينومينولجية الروح، ومفادها أن تطوّر العقل الإنساني لم ينفصل عن اتّساع نطاق الحرية،
من حرية الملك في الشرق إلى حرية المواطن (فقط من خلال استبعاد العبيد والأجانب) عند الإغريق،
إلى حرية الكلّ عند الجرمان. وفي هذا السياق يقول في دراسته حول «العقل في التاريخ»: «إن تاريخ العالم يتّجه من الشرق إلى الغرب، لأن أوروبا هي نهاية التاريخ على نحو مطلق، كما أن آسيا هي بدايته
(...) فالشرق لم يعرف ولا يزال حتى اليوم لا يعرف سوى أن شخصًا واحدًا هو الحرّ (حكم استبدادي)،
أما العالم اليوناني والروماني، فقد عرف أن البعض أحرار (حكم ديمقراطي أرستقراطي)، على حين أن
العالم الجرماني، عرف أن الكلّ أحرار (حكم ملكي)». ولئن كان الشكل الجديد للوعي الحالي يتمثّل
في «الحرية المطلقة» للرّوح، فإن ذلك لم يتحقّق دفعة واحدة، إنما عبر مراحل سبق ذكرها، وأهمّ مرحلة
هي الحرية النسبية للوعي متجسدةً في الإصلاح السياسي الإغريقي حينما تمّ تأسيس الديمقراطية التي
حرّرت الوعي من خ لاا انتقاء الأفضل من بين العقول على الإط ق. وهذا لا يتمّ إلا بأفعال الدولة
وقوانينها، وليست المسألة الفردية خالصة. لهذا، لا يمكن فصل تطوّر الرّوح، مجسّدًا في الفلسفة
عن تطوّر السياسة مجسّدة في ميلاد مفهوم المواطن. وهو المفهوم الذي لم يكن في العصور السابقة
عن تأسس الدولة، ولهذا أيضًا يقول هيغل بأنه «ما إن تتأسّس الدولة، فلا يمكن أن يعد هناك أية [كذا]
أبطال»، ومفهوم البطولة إمّا نجده في الإمبراطوريات، حيث الملك هو الكائن الحرّ والوحيد، ومن
ثمّ هو الكائن البطل الخارق أو المؤلّه، وإمّا نجده في التفكير التراجيدي أو الميثولوجي، حيث التاريخ
من خلق الآلهة أو أنصاف الآلهة.
رأي جان بيار فرنان
قدّم فرنان دراسة قيّمة عن ع قااة الفلسفة بالسياسة عند الإغريق، تحت عنوان la e d s ne origi s e l
e cqu e Gr ée s en p. وهي دراسة تنطلق في أساسها من النقطة المفصلية التي أشرنا إليها أعلاه، المتمثّلة
(6) Aristote, Physique d’Aristote, ou Leçons sur les principes généraux de la nature , traduite en français pour la première fois et accompagnée d’une paraphrase et de notes par J. Barthélemy-Saint-Hilaire, tome 2 (Paris: A. Durand, Ladrange, 1862), livre II, chap. 8, para. 16, p. 60.
(((جورج فيلهلم فريدريك هيجل، محاضرات في فلسفة التاريخ، ج 1: العقل في التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، ط 2 (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 0052)، ص.189-188
(8) Georg Wilhelm Friedrich Hegel, Phénoménologie de l’esprit , traduction, présentation, notes, chronologie, bibliographie et annexes par Jean-Pierre Lefebvre, GF; 1493 (Paris: Flammarion, 2012), pp. 523- 537.
(((هيجل، أصول فلسفة الحق، ص.312
في انهيار النظام الملكّي كما أسّس له العصر المينيسي بداية من القرن 12 ق. م، وهذا الانق ب
السياسي أدى بالضرورة إلى انق ب فكري تمثّل في الانتقال من نمط شخصية الملك الإلهي،
صاحب الحقيقة والسلطة المركّزة، إلى نمط أكثر تفتّحًا وتشذّرًا من خ لاا الاعتقاد بإمكان تحصيل
الحقيقة لدى جميع الأفراد في ظلّ النظام الجديد، وهو البوليس أو الدولة المدينة. ولعلّ من المفيد التنبيه إلى أن كلمة بوليطيقي (e politiqu) الإغريقية تشترك في الجذر اللفظي نفسه مع بوليس (polis) أي نظام الدولة المدينة، وكأن التخطيط لأمور الجماعة لا يكون مستقيمًا إلا في ظل وجود تفكير حرّ
ومشترك وموسّع إلى أكبر درجة ممكنة بين أفراد المدن، بما هم مواطنون لا عبيد أو خدم بلا حقوق. وعندما نتحدث عن الظهور التلقائي للفلسفة الإغريقية، مثلما يقول ذلك جون برنيه، في مواجهة
النظرية التي تقول بالأصول الشرقية الخالصة للفلسفة الإغريقية، فإن هذا لا يدلّ على التأسيس
لنظرية المعجزة الإغريقية التي راجت بين الباحثين إقبالً وإدبارًا. ولئن كان هناك فعلًانتقال لبعض
المعتقدات الدينية والأفكار الرياضية الفرعونية والفلكيات البابلية، فإن تبلور الفكر العق نااي والعلمي في اليونان لا يمكن فصله عن الظروف السياسية التي أتاحت المجال لانهيار التصوّر
التقليدي للعالم، وإح لاا التصوّر الجديد الذي لا ينفصل عن التفكير الواقعي والموضوعي، وهذا
بالتحديد ما يمكن اعتباره بداية التفكير العقلاني أو الفلسفي؛ فنظام الدولة – المدينة، الذي يصعب
أصً تفسير ظروف نشوئه وأصوله، حيث إن كثيرًا من الدارسين وجد أصوله في الدول الآسيوية
الشرقية القديمة، قد ساهم قيامه في تكوين «الفضاء العمومي». ولئن كان هذا المصطلح قد ارتبط
بالفكر المعاصر مع مدرسة فرانكفورت، ومع هابرماس على التخصيص، فإن مفهوم، أو قُل ظاهرة «ساحة الأغورا») agora ’ l) التي مثّلت في أثينا، بل في جميع المدن – الدول الإغريقية، الساحة العامة لمناقشة الأمور السياسية والاجتماعية بعامة، ساهمت في فتح التفكير في الأمور العامة والمشتركة، وهذا الفتح لا يستبعد أن يكون قد حرض على التعدد والعقلنة والمباحثة والاخت ف. ولا يخفى
على أحد أن التعيينات السابقة شكّلت، بل ما زالت تشكّل أوليات التفكير الفلسفي. إن طرح الأمور السياسية للمناقشة العامّة، بعدما كانت مقتصرة على الملك فقط، أي بعدما كانت مغلقة ومسجونة
في القصور والق عاا، ساهم في عملية علمنة الفكر السياسي. ومصطلح العلمنة هنا يفهم في سياقه الأوّلي، أي جعل الأمور السياسية معلومة أو قابلة للعلم من طرف مواطني المدينة. وتحرّر الكلام
والتفكير، مع العصر الدوري الذي أنشأ نظام البوليس، ساهم في تحرّر الكتابة أيضًا، فبعدما كانت
وسيلة للسجلاّت الملكية، أصبحت «عنصرًا لثقافة عامة، ولها وظيفة إعلامية تسمح بنشر مختلف
مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية، ووضعها تحت أنظار الجميع»؛ فبعد أن أصبحت السياسة
شأن الكلّ، أصبح الفكر أولً، ثمّ اللغة والكتابة ثانيًا أمرًا عاديًا أو مألوفًا ذائعًا يحقّ للديموس، أي
العامة، استعماله بكلّ حرية. وعند الحديث عن الديموس، من الضروري الحديث عن الديمقراطية
1(((جان بيار فرنان، أصول الفكر اليوناني، ترجمة سليم حداد (بيروت: مجد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 9871)، ص.6
(11) Charles Werner, La Philosophie grecque , petite bibliothèque Payot; 14 (Paris: Payot, 1962), p. 7. (12) John Burnet, L’Aurore de la philosophie grecque , édition française par Aug. Reymond, collection d’Etudes grecques (Paris: Payot, 1919), pp. 22- 25.
(((1 فرنان، ص.30
القائمة على اختيار القادة. وقد قدم لنا أرسطو في مؤلّفه عن «دستور الأثينيين» لمحة دقيقة عن المناصب التي تُنال بالانتخاب والاقتراع، وهي الأثلوثيستين، وهم القائمون على الأعمال الإدارية
(عددهم عشرة من كلّ قبيلة)، والأركون الذين يهتمّون باستخراج الزّيت المقدس... إلخ. ومدلول
هذا التطوّر النوعي في تسيير أمور المدينة مدلول إنسي في جوهره، أي إن الإنسان هو المسؤول عن
مدينته، وبذكائه في الاختيار والتعيين ربما يحسن أو يسيء في أموره العامة. بل إن «القيادة تفّوض كلّ
سنة بقرار بشري وباختيار يفترض مواجهة ونقاشًا»، وهذا بالتحديد ما كان غائبًا في الإغريق قبل
العصر الدوري في القرن السابع قبل الميلاد، وفي الإمبراطوريات الشرقية، حيث النقاش في الأمور
العامة لم يكن من حقّ العامة أو الديموس. ولئن كانت البداية تدلّ على النهاية، ولا يمكن الفصل
بينهما مثلما لاحظ ذلك غادمير، فإنه يمكن التقرير أن بداية الفلسفة، أي الفكر الإغريقي، لم ترتبط بنهاية الفكر الأسطوري أو العقلانية الدينية النهاية الكلية، بقدر ما ارتبطت بنهاية طريقة الحكم
وتسيير شؤون المجتمع، وهي الطريقة الملكية الشمولية التي جعلت الكلّ عبيدًا ما عدا الملك،
والكلّ مسيرًا ما عدا الحاكم المخير، كما قرّر ذلك هيغل في ظواهرية الفكر. والأكيد أنه عندما يقول
أحدهم إن الإغريق أثبتوا «انتصار العقل»، فهذا لا يجعلنا نعتقد بانتهاء الأسطورة، بل انتهاء اللاعقل السياسي، أي أصبح من الممكن عقلنة أمور المجتمع في مضامينها وأشكالها وأسبابها ونتائجها. على الرغم من الاتصال بين اللاعقل الأنطولوجي (الأسطورة والخرافة) مع اللاعقل البوليطيقي (الطغيان والاستبداد)، فإن الظهور التدريجي للديمقراطية الأثينية فصل الجدل في تأكيد الدور السياسي لظهور الفلسفة. إن العقل (logos) لا يدل فقط على ما يناهض الأسطورة من خلال التفكير المنظم المترابط،
بل يدلّ أيضًا على الك ماا واللغة والمنهج والحقيقة، أو قول الحقيقة s) é th é al logos)؛ قول ناتج من تحرير العقول من سجون الأنظمة السياسية الطاغية. وقد اختتم فيرنان دراسته عن جينيالوحيا الفكر الإغريقي بتقريره أن «الروابط وثيقة جدًا بين نوعين من الظاهرات هما ظهور المدينة ونشوء الفلسفة»، وأن «العقل اليوناني لم يُصنع في الع قااة البشرية مع الأشياء بمقدار ما صنعته ع قااات
الناس فيما بينهم». ومن هنا نستخلص أن هناك تقاطعًا جوهريًا بين البوليس، وهو النظام السياسي
الإغريقي الذي ظهر بداية من القرن السابع، والسوفوس أو الحكيم، وهو «تيبوس»، أو نمط الإنسان الذي يسعى إلى المعرفة غير المقيدة وغير الناجزة، فالعقل الفلسفي هو العقل الوحيد، من بين أنماط مغايرة من العقلانية، الذي لم يضع تجاوز ذاته موضع الهدف والغاية القصوى. ولئن قال كثير من المفكرين إن العقل وليد المدينة أو إن الفلسفة بنت الحاضرة، فإنه يجب إضافة المدينة – الدولة أو الحاضرة الإغريقية المميزة من الناحية السياسية كونها قائمة على تفكير شؤون الإنسان من طرف العامة. لكن يجب أن ننبّه إلى أن ليس هناك انفصال تام بين تأسس الدولة - المدينة كمجتمع
(((1 أرسطوطاليس، نظام الأثينيين، ترجمه وشرحه طه حسين (القاهرة: دار المعارف، 1961)، ص.167-165 (((1 فرنان، ص.34 (1((هانز جورج غادامير، بداية الفلسفة، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 0022)، ص.19-16 (((1 ديتيان، ص.289 (1((فرنان، ص.119-117 1(((أندريه لالاند، العقل والمعايير، ترجمة نظمي لوقا (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 9791)، ص.141-27
مواطني وتفتّق القدرات العقلية المنطقية، لأن الذهنية الأسطورية والسحرية وقبل المنطقية تت ءاام
وخصائص المجتمع السياسي السلطاني، وهو ما يجعل العقلنة المتفتحة لا تنمو إلا في مجتمع
منفتح على الاخت ف. لذا، يمكن أن نقرّر أن تولّد اللّوغوس أو العقل المنطقي من رحم العقل
الميطيقي، مثله كمثل تولّد المجتمع الديمقراطي من المجتمع الثيوقراطية (الحكومة الدينية أو الإلهية) والجيرونتوقراطية (حكومة المسنين أو الكبار). لذا، فإن انفتاح الديمقراطية متأتّ من كونها تسمح
بالاختلاف وبزوغ ذكاء الطبقات الجديدة من المجتمع، أي الصغار والشباب، وليس مرتبطًا بالحرية المطلقة مثلما شاع عند البعض.
رأي كارل بوبر
بوبر هو صاحب الأطروحة المميزة عن المجتمع المفتوح والمجتمع المغلق، وما يهمّنا من هذه
النظرية هو ارتباطها بنشأة الفلسفة؛ فهو يعتقد أن هناك نمطين من المجتمعات البشرية، مجتمعات مغلقة ومجتمعات مفتوحة، وهناك من استطاع إحداث النقلة من الأولى إلى الثانية، من خلال الاقتناع
بالصعود الاجتماعي الذي يتيح حركية متواترة. ولعلّ الإغريق هم أوّل من حقّق هذه النقلة الثورية،
في حين أن بعض المجتمعات لا يزال مغلقًا على نظامه الصارم البيولوجي، أو العصبي، بعبارة ابن خلدون، وعقلانيتها السحرية العجائبية. ويقول - بوبر - في أصل الفلسفة بالنظر إلى القسمة السابقة للمجتمع ما يلي: «ربما يعود انهيار العصبية القبلية، والمجتمعات الإغريقية المغلقة، إلى العصر
الذي بدأ فيه نموّ السكان يضغط على الطبقة الحاكمة لملّك الأرض. (...) وظهر للعيان، في بادئ
الأمر، أن ثمّة شيئًا ما كحلّ ‹عضوي› لهذه المشكلة، خلق المدن الوليدة [إرسال المستعمرين]. لكن
هذا أوجد مخاطر جديدة على المجتمع المغلق نتيجة الاتصالات الثقافية الناتجة عنها: التجارة...
إلخ. أدى هذا التطوّر في القرن ال 6 ق. م إلى حلّ جزئي لطرق الحياة القديمة، وسلسلة من الثورات
السياسية، وابتداع المناقشة النقدية، وبالتالي التفكير المتحرّر من الهواجس السحرية». إن الانفتاح في المجتمع، يدل في ما يدل، على إمكانية العيش من دون قيادة، أي من دون نموذج ينغلق له أفق التفكير وحدود النقد. وقد أشار بوبر إلى أن افلاطون حدد معالم المجتمع المغلق في أثينا من
خلال تربيته السياسية التي قدمها في مشروعه الفلسفي – وسنعمل على فحص مدى صحة مسلّمة بوبر عند حديثنا عن المدوّنة السياسية للمواطنة عند أفلاطون، وهي محاورة أقريطون - فأفلاطون بعد ثمانين
عامًا من نموذج بركليس في أثينا اعتقد أن «المبدأ الأعظم بالنسبة للجميع (...) لا ينبغي عليه أن يحيا
بلا قائد (...) عليه ألا يستيقظ، أو يتحرّك، أو يغتسل، أو يتناول وجباته، إلا إذا أُمر أن يفعل ذلك».
هذا هو نموذج المواطن الذي يعيش في مجتمع مغلق ومنمذج وميكانيكي. ومن الأمور الواضحة أن
أف طون غلّب نظام المجتمع في مقابل حرية الفرد، الأمر الذي يجعله ذا نزعة مضادة للفردانية، التي هي أساس التغيير والتفكير الذي يؤدي إلى الارتقاء والنموّ والاختلاف. وهذا التقسيم الذي قال به بوبر
يذكّرنا بأطروحة برغسون الشهيرة حول وجود نمطين من الأخ ق: أخ ق مغلقة غريزية آلية وأخ ق
2(((جان بياجيه، الحكم الخلقي عند الأطفال، ترجمة محمد خيري حربي؛ مراجعة محمد ثابت الفندي (القاهرة: مكتبة مصر، 1956)، ص.53 (((2 كارل بوبر، المجتمع المفتوح وأعداؤه، ج 1: أحاجي أفلاطون، ترجمة السيد نفادي (بيروت: دار التنوير، 9981)، ص.175 (((2 المرجع نفسه، ص.15
مفتوحة إنسانية صوفية، إلى جانب وجود نمطين من الدين أيضًا: سكوني (e statiqu) وتحت عقلي ودوراني وهُوَّوي وتقليدي، ودين ديناميكي تطوري سهمي نقدي. والحقيقة أن برغسون استعمل
عبارة المجتمع المفتوح والمغلق، في سياق مشابه جدًا لسياق بوبر، عندما قال في مقالته الأخيرة (الفصل الرابع) من Les Deux de la morale et de la religion (منبعا الأخ ق والدين)، تحت عنوان «ملاحظات أخيرة في الآلية والصوفية»، إن «المجتمع المغلق هو المجتمع الذي يميل أفراده إلى التماسك والاتحاد بعضهم مع بعض، متجاهلين بقية المجتمعات، متحفّزين دائما للهجوم والدفاع، وهو ما يجعلهم مهتمّين بالحرب والقتال، على ضرورة التجمّع البشري البدائي أو الأولي. لذا فإنه يمكن
أن نلاحظ أن المجتمع - المغلق - صوّر أفراده وخلقهم، بالكيفية نفسها التي خُلقت النملة كفرد لمجتمع
النمل». إن الآلية هي خاصية المجتمع المغلق، ولا تدلّ الآلية في هذا السياق إلا على الجمود
والدورانية المطلقة في التفكير، أو قُل النجازة (غلق أبواب التفكير والاجتهاد) والنهاية، وهذا لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن ينتج فكرًا فلسفيًا، في حين أن الانفتاح، كفعل تجاوز للغريزية الدورية نحو
العقلية التراكمية، هو ما يميز المجتمع الإنساني الذي لا يكون كذلك إلا إذا كان تكوّره حلزونيًا، أي
له القدرة على عدم العودة إلى نقطة الانطلاق تكراريًا؛ إنه المجتمع الذي يخرج من الدورة كلّما تطوّر،
نحو دورة جديدة لم تكن معروفة لدى الأوائل. ورأي دوركهايم في تقسيم العمل لا ينفصل عن تحليل
برغسون وبوبر، على اعتبار أنه ركّز على مسألة استقلال الشخصية الفردية المتولّد من تقسيم العمل الاجتماعي كشرط للنموّ والتغيير وتوسّع الأفق العقلي. وما الفلسفة سوى هذا النموّ والاخت ف
والتوسّع والمغايرة، وفي المجتمع المحدد أو المغلق لا يمكن أن يتولّد إلا الدورانية والنجازة والتماهي
والمماثلة. يقول دوركهايم مبيّنًا أسس هذا التحوّل المهمّ في بنية المجتمعات، وهو ما يؤثّر إيجابًا
في قدرات الفرد الفكرية: «إن المجتمع، بقدر ما يتوسّع ويتمركز، يقلّ تضييقه للفرد، وتقلّ بالتالي
إحاطته إحاطة تامة بالميول المتناقضة التي تأخذ بالظهور»؛ ففي المجتمعات المقطعية (أي البدائية)، لا يمكن أن نتصور إلا رسوخ ظاهرة الاقتداء والتقليد والهوية، بل إن أقصى درجة للهوية نجدها في هذا النمط من المجتمعات المغلقة، فلا فارق بين الأفراد من حيث بنيتهم الذهنية، ولا فارق بينهم إلا
مستويات السن المتفاوتة، أمّا ما عدا ذلك فهو تماهمطلق، ولا يمكن العثور على شخصية بالمعنى
الحقيقي للكلمة في المجتمع المغلق - البدائي. ولن تبدأ ظاهرة الهروب من رقابة المجتمع إلا عندما يبلغ المجتمع درجة معينة من النمو في الكثافة والحجم، وهو ما يفرض تقسيمًا في العمل الاجتماعي،
واستق لا فكريًا بين الأفراد والطبقات والوظائف. ومن هذا التحليل يمكن أن نتفهّم جيدًا واقع أن
الفلسفة لم تظهر في المجتمعات المغلقة والصغيرة والبدائية القائمة على نمط تنظيمي بسيط، بل ظهرت في المجتمعات المعقّدة التي تتيح فرصة للمغايرة والمخالفة والمناقشة التي تنمّي العقل شيئًا فشيئًا.
إن شرط الفلسفة هو الاختلاف، وهذا الاختلاف مؤسّس على وجود هوّة مفهومية بين الذات والغير.
(23) Henri Bergson, Les Deux Sources de la morale et de la religion , bibliothèque de philosophie contemporaine (Paris: Libr. Félix Alcan, 1932), p. 197. (24) Ibid., p. 287.
(((2 بياجيه، ص.90-89 (2((إميل دوركايم، في تقسيم العمل الإجتماعي، ترجمه من الفرنسية إلى العربية حافظ الجمالي، ط 2 (بيروت: اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، 9821)، ص.337
من هذه النماذج الثلاثة، هيغل وفرنان وبوبر، يمكن أن نلاحظ الترابط الكبير بين ظهور الفلسفة وطبيعة التنظيم الاجتماعي – السياسي. ولا يمكن، والحال كذلك، أن نفصل بين تصوّر المواطنة، الذي هو
وليد المجتمع المفتوح والديمقراطي، وتفتّق الأفكار العقلية والنظرية التي تؤسّس للاختلاف والتنوّع
من جهة، وللبحث والكشف من جهة أُخرى. لكن هذه الوجهة من النظر، والتي تجعل الفلسفة وليدة السياسة المفتوحة والتنظيم المتطوّر، لم تلق القبول في الأزمنة الحديثة والمعاصرة؛ إذ نجد كثيرًا من
الفلاسفة الألمان، خاصة شوبنهاور ونيتشه، فصل بين الفلسفة الصحيحة والعميقة أو الفكر الخطر، أو حتى الفلسفة الجذرية الحقّة، والجامعة التي تتأسّس بصورة مباشرة أو غير مباشرة في كنف النظام
السياسي. فكيف حدث أن رفض شوبنهاور ونيتشه أن تكون الدولة والجامعة سببًا أو شرطًا للتفلسف؟
سنرجئ البحث في هذا السؤال، نظرًا إلى تشعّباته الكثيرة ومشكلاته الخفية، ونظرًا إلى وجود فارق
بين الفلسفة والسياسة في لحظة الظهور ولحظة التطوّر. وسنحاول مقاربته نقديًا في الخاتمة، بدل
شرحه وتفصيله نظريًا.
مقارنة المدوّنة الأفلاطونية والأرسطية في المواطنة والأخلاق في ضوء الفلسفة
«المواطن المفكّر» هو ما يمكن أن نعبّر به عن الحالة الإغريقية في التفلسف، أي إن التفكير في ضوء
النظام السياسي الجديد هو الذي ولّد أعظم ظاهرة إنسانية في القدامة antiquité) (، وهي الفلسفة، وبالتالي، فإن المواطنة لا تنفصل عن الفلسفة بأي حال من الأحوال. وقد أشار أحد الشعراء التراجيديين في نص من نصوصه إلى أن ميزة الإغريقي هي أنه مواطن حرّ، يدافع عن وطنه احترامًا للقانون وحبًّا
به، ولا يدافع عن رجل بمفرده، أو يقاتل من أجل قائد بعينه. إن الجنود الإغريق، كما جاء على لسان رئيس الخورس الذي يخاطب ملكة الفرس أرملة داريوس في المسرحية، ليسوا عبيدًا ولا خدمًا تابعين،
وليسوا موالي لأحد مهما يكن (nne rso e p e d , ts e suj i , n s e sclav e dits e tr ê t en uv e p ne ils)، بل هم جنود أحرار في سبيل الوطن الذي يملكه الجميع، فالمواطنون كلهم يساهمون في تشكيل مفهوم الوطن والتنظيم السياسي وشرعية القانون الذي يمكن تغييره في إطار شرعي من دون تأثيم أو تعنيف.
وهذا عكس الإمبراطوريات الشرقية التي تعتبر كلّ شيء، ب دااًا وعبادًا ومؤسّسات، مملوكة للسلطان
الذي لا يعترف إلا برغبته قانونًا للمجتمع، فهو فقط الرجل الحرّ، وهذا ما قال به هيغل أع هاا. ولعلّ
عنوْنة أسخيليوس هذه المسرحية التراجيدية باسم «الفرس») s e rs e p s e l) لدليل على الصورة الحقيقية
للنظام الشرقي عمومًا، مجسّدًا في المملكة الفارسية التي لم تصمد أمام قوّة الجيوش الإغريقية، لأنها
تأسّست على مفهوم المواطنة لا على تقاليد العبودية. ويمكن أن ن حظ أن عددًا كبيرًا من الدول
الشرقية ما زال يعتبر حتّى اليوم أن النظام المغلق هم أحسن الأنظمة السياسية قاطبة، وتعمل جاهدة
على استمرار هذا النمط من الحكم رغم جميع التغييرات التي طرأت على العالم. ولا يختلف اثنان ممّن درسوا الفلسفة الإغريقية في أن أف طون هو أكبر من فلسف ع قااة الفلسفة
بالمواطنة، وممّن وصلت إلينا نصوصه كاملة منسجمة في نسق مرتّب؛ فعلى الرغم من وجود نصوص
(27) Eschyle, Les Perses , chronologie, présentation, dossier, bibliogr. par Danielle Sonnier; trad., notes par Danielle Sonnier et Boris Donné, GF; 1127 (Paris: Flammarion, 2000), paras. 237-248, p. 107.
قبل سقراطية تتناول السياسة والفكر، فإن هاتيك النصوص شذرات منفصله لم ترتق إلى مستوى تشكيل نظرية نسقية متكاملة. كما أن قلق الموقف في عناصره الجزئية يجعل هذه النصوص مبهمة ومبتورة؛ فعندما نجد هيراقليطس يقرّر أن على المواطن أن يدافع عن القانون كما يدافع عن الأسوار التي تحمي
المدينة من الأعداء، فإن هذا يدل على قبوله حكم القانون على الرغم من كونه من أعداء النظام الديمقراطي. فالأرستقراطية المتفرّدة بالسلطة لا تخرج عن القانون من خ لاا عدم التحكيم به، بل
ترفض فقط أن يساهم الغوغاء في سن القوانين وتطبيقها، ذلك أن القانون في النهاية يحمي المواطن من التعسّف، وهو، أي التعسّف، أكبر من يهدد استمرارية المجتمع السياسي. وهذا لا يختلف عن
موقف أف طون في النهاية، لذا نجد المفكّر الألماني بوبر يجمعهما في موقف واحد هو التأسيس لمفهوم المجتمع المغلق الذي لا يفتح المجال لنموّ القدرات وانتقالها من طبقة إلى أخرى. تصنَّف محاورة أقريطون (أو واجب المواطن) لأفلاطون ضمن محاورات الشباب، وهي المحاورات
التي تتميز بالطابع الدحضي أو التفنيدي، على اعتبار أنها لا تؤسّس لنتيجة وضعية أو إيجابية، بل
تبقى المشكلات الكبرى المطروحة في البداية معلّقة من دون حلّ مُرض. لذا، فإن أفلاطون في هذه
المحاورة، مثلها مثل محاورتي هيبياس الصغرى والكبرى، ودفاع سقراط، ومينون... إلخ. لم تتخلّص
كليًا من روح الأّ درية السقراطية، فسميت بالمحاورات السقراطية في النهاية. ولئن وقع اختيارنا
على محاورة أقريطون، فإن ذلك ليس بمحض عشوائية، بقدر ما هو اختيار مقصود لغاية محددة، لأن أف طون يقدم في هذا النص المهم تصوّر «المواطنة» الذي هو تصوّر نابع من روح المجتمع
الديمقراطي أو المجتمع المفتوح، مع التنبيه إلى الصعوبات المنجرّة عنه. وبغضّ النظر عن موقف
أف طون من الديمقراطية، وهو موقف سلبي نسبيًا، فإننا سنعمل على استخ ص ع قااة الفلسفة
بالمواطنة في التصوّر الأف طوني – السقراطي. ثم ننتقل إلى دراسة مفهوم المواطنة في التصوّر
الأرسطوطاليسي القريب من روح الأكاديمية، على الرغم من القطيعة المنهجية التي قامت بين المعلّم
والتلميذ وأثارت حفيظة المعلّم غيظًا ولومًا، والذي كان يسمّيه أفلاطون بالقَرّاء والعقل تميزًا وتقديرًا. تقع محاورة أقريطون بين سلسلة من المحاورات المتتابعة زمانيًا ومضمونًا، بحسب تقديم أفلاطون،
والمخصوصة لتأريخ محنة سقراط مع الحكم الديمقراطي والقضاء الأثيني. تبدأ هذه السلسلة بمحاورة أوطيفرون (n uthyphro e) التي دارت في دهليز دار القضاء) royal e portiqu)، حيث التقى
أوطيفرون، الذي قدِم ليتهم أباه بقتل أحد خدمه عقابًا له في مزرعة ناكسوس، والتقى بسقراط الذي
قدّم للمحكمة لتبيّن واستكشاف تهمة مليتيس له (رفقه أنيتوس الذي ظهر في محاورة مينون وليقيون)
بإفساد الشباب والكفر بالآلهة القومية الإغريقية القديمة. وكانت مشكلة المحاورة ككلّ هي ماهية التقوى وماهية الفجور والعدل بين التصوّر الميتافيزيقي والتصوّر المدني أو السياسي. والمحاورة
2(((هيرقليطس، جدل الحب والحرب، ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد (بيروت: دار التنوير، [د. ت.])، ص
63، وثيوكاريس كيسيديس، هيراقليطس: جذور المادية الديالكتيكية، ترجمة حاتم سلمان، ط 2 (الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار؛ بيروت: دار الفارابي، 0012)، ص.66 (2((بوبر، ص.187
(30) Platon, « Euthyphron ,» dans: Platon, Second Alcibiade, Hippias Mineur, Premier Alcibiade, Euthyphron, Lachès, Charmide, Lysis, Hippias Majeur, Ion , traduction et notices et notes par Emile Chambry, Garnier-Flammarion. Texte intégral; 129 (Paris: Garnier-Flammarion, 1967), paras. 2b-3e, pp. 186-187.
الثانية هي دفاع سقراط e) Socrat e d e apologi) المخصصة لدفاع سقراط عن نفسه بعد صدور حكم الإعدام ضده، وهنا يقدم أفلاطون صورة تراجيدية لسقراط مناقضة تمامًا لصورة أرسطوفانيس الهزلية،
أي بين صورة سقراط نموذجًا للحكمة على حد تعبير عرّافة معبد دلفي، وصورته معلّقًا في قفّة
لدراسة الفلك. ثمّ تأتي محاورة أقريطون وبعدها محاورة فيدون في خلود النفس والتي حدد فيها
أف طون نظرية الجسد والروح، والأدلة الث ثااة المشهورة على خلوده في مقابل فناء الجسد بسبب حسّيته وأرضيته. ومن المعلوم أن هذه الأدلة تنسجم تمامًا مع نسق أف طون الأنطولوجي وحتى
السياسي، على اعتبار أن خلود الروح هو الذي يضمن سموّ العقل الذي يؤسّس للعودة إلى العالم
الحقيقي، أو ما يسمّى الجدل الصاعد. أما مضمون محاورة أقريطون، فهو أيضًا لا ينفصل عن نسق الفلسفة الأفلاطونية ككلّ. وقد دار الحوار بينه وبين سقراط القابع في السجن، بعد صدور حكم الإعدام، وقبل تنفيذه بقليل. ومن المعلوم أن تدابير الحجز بالنسبة إلى المسجونين السياسيين أو الفكريين، وهو حال سقراط، لم تكن بالصرامة التي نتصوّرها اليوم، إذ يمكن الهروب بسهولة تامة عن طريق رشوة الحراس أو تدخّل وسائط لتهريبه،
وخصوصًا عندما يتعلّق الأمر بتهمة دينية تتمثّل في الكفر أو الإلحاد وما شابه ذلك. وقد كانت تهمة
سقراط شبيهة بتهمة السوفسطائي بروتاغوراس (0/48041 ق. م) الذي مات غرقًا في إثر هروبه من أثينا بعد تهمة الإلحاد التي وُجّهت إليه عندما أعلن في مقدمة كتابه «عن الآلهة» لاأدريته بخصوص
ماهيتها وحقيقتها. ومن قبله أيضًا اتُّهم الفيلسوف الطبيعي أناكساغوراس، صديق الحاكم الأثيني بركليس والشاعر التراجيدي يوربيديس أيضًا، بالكفر والهرطقة عندما قال أن الشمس ليست إلا كتلة كبيرة من الأحجار، وأن القمر لا يعدو أن يكون ترابًا. ولكنه، أي أناكساغوراس، لم يستسلم بعد
محاكمته وإدانته، بل هرب إلى آسيا الصغرى، وهي منشؤه الأصلي قبل المجيء إلى أثينا. وأفلاطون ذاته أرّخ لهذه الحوادث التي كانت معروفة في زمانه، والمسألة التي يمكن أن تُطرح هنا مرتبطة
بمكانة الدين في الدولة – المدينة؛ من كان يدافع عن المعتقد الإغريقي؟ تقول الباحثة الأميركية
ذات الأصول الألمانية إيديث هاملتون، التي كرّست جهودها لدراسة الظاهرة اليونانية أو قُل المعجزة
الإغريقية، ونالت في سنة 9571 الصليب الذهبي من ملك اليونان بول، إن الديانة الإغريقية القديمة لم تكن ديانة مركزية في يد طائفة رجال الدين، مثلما حصل بعد ذلك في المسيحية أو غيرها، بل كانت
ديانة الشعراء والأدباء والفنانين. لذا، فإن «كلًّ من الدولة والدين تركا الأثيني يفكّر كما يريد. فالعبد هو من لا يستطيع أن يقول رأيه بصراحة كما قال يوربيديس. وسقراط قال في حياته كل ما يريد أن يقوله.
وقد تابع أف طون تعاليمه باسمه فلم يزعجه أحد». ويواصل جول بارتلمي سانت هيلير، العالم
الفرنسي المميز باليونانيات، ومترجم كلّ أعمال أرسطو من الإغريقية إلى الفرنسية، بأنه لو كانت
(31) Platon, « Apologie de Socrate ,» dans: Platon, Apologie de Socrate; Criton; Phédon , trad., notices et notes par Emile Chambry, Garnier-Flammarion. Texte intégral; 75 (Paris: Garnier-Flammarion, 1965), paras. 20d-21c, p. 31. (32) Aristophane, Théâtre complet, 1. Les Acharniens. Les Cavaliers. Les Nuées. Les Guêpes. La Paix , traduction, introduction, notices et notes par Marc-Jean Alfonsi (Paris: Garnier-Flammarion, 1966), p. 161. (33) Platon, « Phédon ,» dans: Platon, Apologie de Socrate; Criton; Phédon , paras. 106d-107c, p. 168. (34) Platon, « Apologie de Socrate ,» paras. 26d-27c, p. 38.
(((3 أديث هاملتون، الأسلوب اليوناني في الأدب والفن والحياة، ترجمة حنا عبود (دمشق: وزارة الثقافة، 1996)، ص.37-36
اليونان «تحت وصاية ديانة حسنة النظام، أفكانت تظهر قواعدها بهذه السهولة؟ أو كانت تحيا تلك
الحياة الطيبة القوية؟ أو كانت تلد للعالم تلك الملح من التأليف وتؤتي ذلك الثمر اللّذيذ؟ لو كانت
ديانة الهلينيين أكثر جدية ممّا كانت عليه لأوشكت فلسفتهم وعلومهم أن تكون أقلّ في الجد ممّا
كانت عليه بكثير». إذًا، تلح هذه النصوص على أن هناك ضربًا من الحرية من جانب الدولة وجانب
الدين، وهو ما سمح بالتفكير الحرّ، ولو أن هناك من يذود عن الدين، إلا أنهم ليسوا رجال الدين
ذاتهم، بل إن الذين اتهموا سقراط هم رجال دولة، الأمر الذي يدل على فرضية الصراعات السياسية بين الديمقراطيين والأرستقراطيين التي لم تنته إلى زمن أفلاطون ذاته. ولعل محاكمة سقراط في أواخر
حياته لدليل على أن هناك هامشًا من التسامح وإلّ لكانت المضايقات قبل ذلك التاريخ بزمن طويل،
أي لكان إعدام سقراط في شبابه مثلً. إن كون الإغريق ليسوا أصحاب كتاب مقدس موحى به، مثلهم
من بقية الديانات المعاصرة في الشرق، أو اللّحقة في الغرب كالمسيحية، قد ساهم في تكوين جوّ
فكري حرّ ومن دون نموذج كامل ونهائي؛ إذ إن وجود كتب مقدسة يساهم في تقديم باراديغم للتفكير،
أو الإطار العام الكلي والمغلق، أي نموذج مثالي يلتزم به المؤمن كلّ الالتزام، على الرغم من أنه لا
يمكن الانسياق وراء أطروحة سانت هيلر وغيره التي تروِّج للرأي القائل إن الكتب المقدسة تشكّل
حاجزًا يحول وحرية التفكير والتعبير واختراق النماذج المألوفة. إلا أنه يلُاحظ، حقيقة، اختلاف نمط
التفكير بين «مجتمعات الكتاب المقدس» والمجتمعات التي لا تتوفر على الكتاب أصً، ويمكن تأويل كثير من الآيات القرآنية التي تتحدث عن «أهل الكتاب» و«الأمّية» وفق هذا المنظور بالذات.
صحيح أن لإغريق آلهة قومية خالصة، ولهم شعائر دينية وطقوس موسمية... إلخ تمّ تناقلها من جيل
إلى آخر، إلا أنها أقرب إلى العادات والأعراف غير المفروضة منها إلى الإلزاميات الدينية المعروفة.
ثم إن هوميروس وهوزيود، وهما مهندسا الدين الإغريقي في تسمياته وتجلّياته، لم يكونا إلا شاعرين، وليسا نبيين أو رجلي دين بالمعنى المألوف للكلمة. من هو المواطن الصالح في نظر أف طون السقراطي؟ هذا التحديد المشخّص معلّل بالنظر إلى أن مواقف أفلاطون بعد استقلاله عن سقراط طرأ عليها بعض التغييرات التي يقتضيها النضج المفهومي عنده؛ لأننا سوف نجد تطوّرًا في هذا الموقف من أقريطون، حيث كان يعتقد بقداسة القانون، أي
دوامه أمام زوال المواطن وفنائه، إلى محاورة رجل الدولة (البوليتيكوس) إلى محاورة ألسيبيادس الأول، إلى محاورة الجمهورية ثم أخيرًا نصّ النواميس. لقد تحدث أقريطون وهو في السجن إلى
معلّمه سقراط قائً بحرارة: «دعني يا سقراط أتوسّل إليك مرّة أخرى، بأن تأخذ بنصيحتي فتلجأ
للهروب من السجن (...) فإن كلّ أموالي وثروتي رهن إرادتك، كما أن أحد الأصدقاء، وهو سيمياس من طيبة جلب معه المال من أجل هروبك أو تهريبك، وكذلك سيسيبيس وكثير غيرهم مستعدون لدفع المال من أجلك. وقد هيأنا لك ملجأ في تسالي e ssali e th، وفيه يستقبلك أصدقائي، حماية وتقديرًا،
وهناك لن يصيبك أحد بالأذى مثلما أصابك في أثينا».... ولمّا كان تلاميذ سقراط، يعرفون مدى
(3((بارتلمي سانتهلير، أصول الفلسفة الإغريقية، مقدمة الترجمة الفرنسية، في: أرسطوطاليس، الكون والفساد، ترجمة أحمد لطفي السيد (القاهرة: الدار القومية، [د. ت.])، ص.74 (((3 ثيوكاريس كيسيديس، سقراط: مسألة الجدل، ترجمة طلال السهيل، ط 2 (الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر، 0012)، ص 227 وما بعدها.
(38) Platon, « Criton ,» dans: Platon, Apologie de Socrate; Criton; Phédon , paras. 44e-46a, pp. 66-67.
خطورة ما حكم به قضاة أثينا وفق قانون المدينة - الدولة، فإنهم عملوا قدر الإمكان على تجنيب سقراط الموت، وهو الأستاذ الذي كوّن كثيرًا من الفلاسفة الأثينيين، من بينهم أفلاطون وأرسطو ذاته،
وهذا الأخير قال قولته بعد موت الإسكندر وضعف حزبه في أثينا استنادًا إلى ما حدث لسقراط: «لن
أسمح بارتكاب الجريمة ثانية في حقّ الفلسفة». ثمّ أنه كان من الأمور المألوفة جدًا هروب المسجون
وفراره من أثينا، فلماذا لا يسعون لذاك، والمعني هذه المرّة هو سقراط الفيلسوف الكبير؟ هل من
النافع فقدان مثل هذا الأستاذ الذي لم يكن همّه سوى الحقيقة فقط دون المنافع الأخرى؟ لكن موقف
سقراط كان مغايرًا تمامًا لرغبة تلاميذه، لذا نجده يجيب أقريطون قائلً: «لا تذكر لي مرّة ثانية أنه يجب
عليّ أن ألوذ بالفرار رغم إرادة الأثينيين، لأن هذا التصرّف ليس إلا مقابلة الشر بالشر، وهذا التصرّف
يمثّل أخلاقية الغوغاء وتصرفات الرعاع... تصوّر أني هربت من السجن، على الرغم من أن الحكم أو
القانون قرّر أن أموت، فكيف سيكون رد فعل القوانين؟ إنها ستقول: إعلم يا سقراط إنك إن أقدمت
على الهرب، فإنك بهذه المحاولة إنما تسيء إلينا (أي القوانين)، وتجعل نفسك موضوع سخرية، لذا أصغ إلينا بدل أن تصغي إلى أقريطون». ونحن نفهم مسألة واحدة هنا وهي أن سقراط أقر بأن من واجب المواطن، بل الواجب الوحيد للمواطن، هو طاعة القوانين، وكان في إمكانه أن يلجأ إلى الهرب
قبل محاكمته أصلً، لكنه قرّر أن يموت كما تشتهي القوانين. لكن ألم يثبت هو ذاته، بما لا يدعو
للشّك، أنه بريء من جميع التهم التي توجّه بها أصحاب الحزب الديمقراطي ضده، أي أنيتوس وزمرته
الحاقدة؟ أم أنه كان فعلً يفسد الشباب وينكر الآلهة القديمة من خلال ابتكار آلهة جديدة؟ الحقيقة أن هناك كثيرًا ممّا يمكن أن يُقال في هذه المسألة، ونخصّ بالذكر النقاط التالية، وهي النقاط التي ربما
تقلب القصة السقراطية كما قدمها لنا أفلاطون: • نقد سقراط فعلًالتصوّرَ الأدبي والميثولوجي للآلهة، وهو في هذا صاحب نزعة عقلية صارمة لا تقبل
بأساطير الأوّلين. وقد رافقه في نقد التصوّر الميطيقي لألوهية الشاعر التراجيدي المعروف والمعاصر
له يوربيديس. فنجد على سبيل المثال سقراط يقرّر في فايدروس أنه لا يصدق الأساطير مثل بقية الناس،
لأنه يفكّر بطريقة العلماء، أي أن لكلّ حادثة سببًا طبيعيًا أحدثها؛ فأسطورة قيام الرياح الشمالية المسمّاة
بورياس باختطاف أوريثيا بنت ملك أتيكا أريخيون مثلً ليست حقيقية، ويمكن أن نعثر على تفسير عقلي لنشوء مثل هذه القصة الخيالية. كما أننا نجد يوربيديس وقد تفحّص الصفات الأنثربومورفية التي
اتصفت بها الآلهة الإغريقية بحسب المأثور الأدبي الذي وصل إليهم، وهو ما جعله لا يعتقد بإمكانية صدق هذه الأوصاف، إذ نجده يقول في مسرحية هيبولوتوس، معبّرًا عن سخطه على تصوّر الألوهية
المألوف والمنتشر: «ماذا أقول يا زوس؟ أأقول إنك تنظر إلى الخلق؟ أم إلى قولنا إن هناك جيلً من الآلهة
ليس إلّ وهمًا وخداعًا كاذبًا نتمسّك به ولا يجدينا نفعًا، وإن المصادفة دون غيرها هي التي تسيطر على
الجميع في مصائرهم. هل هناك من يقول إن في السماء آلهة، كلّ ليس فيها آلهة... أي زيوس، إن كان ثمّة زيوس...». ويواصل بروح انتقامية: «ليت الجنس البشري الفاني يستطيع الانتقام واستنزال اللعنة
(39) Ibid., paras. 50c-51b, p. 75. (40) Platon, « Apologie de Socrate ,» para. 17d, p. 28.
(((4 أفلاطون، محاورة فايدروس لأفلاطون، أو، عن الجمال، ترجمة وتقديم أميرة حلمي مطر (القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، 0002)، ص.36-35
على الآلهة الخالدة». ولم يتوان سقراط أيضًا عن التشكّك في مدى فعالية الصلوات التي تقدَّم
للآلهة عندما استفسر عن سبب رفض الآلهة الدعوات الموجّهة إليها... إلخ. والحقيقة أن مساءلة
الاعتقادات اليونانية كانت قديمًا، قبل ظهور الفلسفة في أثينا ذاتها، تعود إلى العقلانية الإلياتية القديمة
مجسّدةً في أفكار الشاعر المتجوّل إكزانوفانيس وقصائده. والسؤال الذي يُطرح هنا: ما سبب
اتهام سقراط دون يوربيديس؟ الأكيد أن التشكّك في الآلهة واتهام الثيولوجيا التقليدية ليسا السببين الوحيدين، وإلا لكان مصير الشاعر التراجيدي مشابهًا لمصير سقراط، لأنه لم يتوان في نقد الآلهة
كما يتصوّرها عامة الناس، لذا فإننا نفترض أسبابًا سياسية مرتبطة بموقفه، أي سقراط، من نظام الدولة
المدينة في زمانه. • كان سقراط أيضًا يمارس ضربًا من التهكّم على الكبار في أفكارهم ومعتقداتهم. يقول ثيوكاريس
كيسيديس، الفيلسوف الإغريقي المعاصر، في هذا الشأن ما يلي: «يذكر لنا أف طون أن الشباب، خصوصًا أبناء الأثرياء، كانوا يستمتعون معتنقين أسلوب سقراط في اختيار الأكبر سنًا منهم وإيقاعهم
بالحرج والإرباك. ومن الطبيعي جدًا أن يرى ضحايا هذه الاختيارات في سقراط مفسدًا للشباب».
وكأن سقراط خلق تقليدًا سيئًا في أثينا عندما وجّه آلته النقدية – العقلية لكلّ شيء، متغاضيًا عن
كثير من التقاليد المتوارثة عن الإغريق، وخصوصًا احترام الكبار وعبادة الأجداد. لقد كان سقراط
تقدميًا بدرجة كبيرة بالنسبة إلى عصره، نظرًا إلى اعتقاده أن الأعراف لا تقدم لنا الحقيقة، بل العقل
وحده، دون أي شيء آخر، هو الطريق إلى المعرفة الصحيحة. وفي هذا التقرير الجديد تأثير سلبي في
الشباب الذي تناسى التقاليد القديمة لمصلحة الجدل التهكّمي الجديد. • لو اعتقد سقراط لحظة أنه مظلوم، وسبب الظلم هو قوانين المدينة، وهو ذاته شارك في تسيير أمور
الدولة عندما عُين مرّة عضوًا في مجلس الدولة، «بل ترأس المجلس عند محاكمة القوّاد الذين لم
ينقذوا جثث القتلى بعد موقعة أوجينيس، لقبيلة أنتيوخس– وهي قبيلة سقراط ذاته – وقد حدث ذلك
(42) Euripide, Théâtre complet. 4, Les Légendes d’Athènes: Ion, Médée, Hippolyte, les Héraclides, les Suppliantes, fragments , traduction, introduction et notes par Henri Berguin et Georges Duclos, Garnier-Flammarion. Texte intégral; 122 (Paris: Garnier-Flammarion, 1966), paras. 1407-1430, p. 214. (43) Platon, « Second Alcibiade ,» dans: Platon, Second Alcibiade, Hippias Mineur, Premier Alcibiade, Euthyphron, paras. 138a-138b, p. 35.
(((4 والنص الذي وصلنا منه هو التالي: «عزا هوميروس وهزيود إلى الآلهة ما هو شائن وموضع لوم بين البشر: السرقة، الزنا، وخداع بعضهم بعضًا. يحسب الفانون أن الآلهة
تولد وتكتسي وتصيح وتتخذ أشكالً على مثالهم. ولكن لئن كان للثيران والجياد والسباع أياد أو كان بوسعها أن تصوّر بأيديها وأن
تبدع أعمالً كالبشر، لصوّرت الجياد على مثالها صورًا للآلهة والثيران على مثالها، ولصاغ كلّ منها أجسادًا تحاكي أبدانها. يجيب
الحباش أن الآلهة فطس الأنوف سود البشرة، ويحسبها التراقيون زرقاء العيون صهباء الشعر. الله واحد، وهو الأعظم بين كل الآلهة، والناس ليس كمثله بشر في البدن والعقل. يقول لحراكه بفكره كن فيكون بلا عناء. ما من إنسان يعرف أو سيعرف حقيقة الآلهة». لهذا، يصحّ القول بأن التوجه العقلي عند سقراط وأف طااون كان مستوحيًا من مدرسة إليا، سواء في فجرها الأدبي والديني عند
إكزانوفانيس أو في طورها الفلسفي عند بارمنيدس وتلامذته المباشرين. للتوسّع في هذا الموضوع، يمكن العودة إلى الكتب التالية: والتر كاوفمان، التراجيديا والفلسفة، ترجمة كامل يوسف حسين (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 9931)، ص -2627،
Eduard Zeller, La Philosophie des Grecs considérée dans son développement historique , traduite de l’allemand par و Émile Boutroux, tome 2 (Paris: Hachette, 1882), p. 24.
(((4 كيسيديس، سقراط، ص.228
في عهد الديمقراطية»، فكيف له أن يحترم قوانين ظالمة؟ إن منطق العقل ليقول يجب التنبيه إلى الأخطاء، وكم من أخطاء استخرجها سقراط من المجتمع الأثيني وغير الأثيني؟ • كان سقراط يتحدث بلسان النبي، وهذا ما يمكن أن يزعج القانون والعقل والمنطق معًا، وحتى
رجل السياسة الذي لا يؤمن إلا بالمعقول؛ فكم من مرّة تحدث عن «الصوت السماوي» الذي يخاطبه
ويساهم في اختياراته وقراراته؟ إذ نجده يقول إن كثيرًا ما يتحدث عن وحي يأتيه، وهو الأمر الذي يهزأ
منه ميلتوس في دعواه أمام المحكمة، لكن هذا الصوت الذي يوحى إليّ ليس جديدًا بل لازمني منذ
طفولتي، يحضرني كلّما أقدمت على فعل من الأفعال».... أوَليس من شأن ادعاء النبوّة أو الرسالة
أن يحدث قلاقل في المدينة - الدولة؟ • أوَليس - ثانية - من الممكن أن يكون سقراط قد «تنزّه عن الحياة»، أو قُل قرّر الموت بملء رغبته،
لذا تَأوّل نيتشه قضية موت سقراط على أنها انتحار لا إعدام؛ التنازل طواعية عن حبّ الحياة لمصلحة
حبّ العدم والموت، وهو ما يدلّ على أنه ضحية طغيان العقل على الحياة، والعقل يبرّر بسهولة تامة
أفضلية الموت على الحياة، وهذا ما قاله سقراط بالتحديد عندما أكّد خلود الرّوح، أي من المحتمل أن
الموت الذي يُقبل عليه الإنسان خير لا شرّ فيه؛ ذلك لأن الموت إما أن يكون نومًا طويلً وإما سياحة
إلى العالم الآخر حيث تحتشد أرواح الموتى في صعيد واحد، وعندئذ تسمح له الفرصة الجميلة بأن يلتقي بفحول الأبطال الذين توفّوا قبله. وممّا يحبّب في تلك الحياة أنها خالدة، فلن يكون ثمّة
موت يجزع منه الناس فيكتمون آراءهم في نفوسهم... «بل يجب على الفيلسوف أن يهيئ نفسه للقاء
الموتى». هذا، ويقول نيتشه في شأن موت سقراط في فصل يحمل عنوان «قضية سقراط»، قولً
مغايرًا لما تناقلته لنا أدبيات تاريخ الفلسفة متأثّرة بالرواية الأفلاطونية الجارفة: «أراد سقراط أن يقضي
نحبه: ليست أثينا، إنه هو نفسه الذي مد لنفسه كأس سمّ الشوكران، لقد أرغم أثينا على أن تمدها إياه
... سقراط ليس طبيبًا، همس لنفسه: وحده الموت هو الطبيب... أمّا سقراط فلم يكن إلا مريضًا فترة
طويلة من الزمن». إذن، لا يمكن نظرية أفلاطون في التضحية بالنفس الفردية ممثّلة في سقراط، من أجل تطبيق قوانين المدينة التي قد تكون ظالمة، أن تمر بنا مرورًا سليمًا تحت تأثير القصّة الكبرى (cit é r d n gra e l)
التي تناقلتها كتب تأريخ الفلسفة الإغريقية. إن سؤالنا، الذي نطرحه تحت تأثير قراءة الكتاب الكبير لكارل بوبر، أي المجتمع المفتوح وأعداؤه، لا يمكن إلا أن يكون موجّهًا لمدلول هذه
القصة الكبيرة؟ ما معنى أن يموت سقراط احترامًا للقانون؟ بعيدًا عن كلّ تأويلية مثالية مرتبطة
بنزاهة الأخ ق السقراطية، نعتقد أن المسألة مرتبطة بتمرير فكرة ما في ذهن أف طون ترسم لنا
العلاقة بين الفلسفة والمواطنة رسمًا قابلً للمراجعة في زمننا الحالي، وقابً أيضًا لمقاربتها بوضع
بعض البلدان العربية الراهن في مسألة الفكر والمواطن، أي الأنظمة العربية التي قرّرت التضحية
ب«جميع» مواطنيها من أجل استمرار الدولة. ممّ تتألف الدولة؟ أوَليس المواطن هو «ما صدق»
(46) Platon, « Apologie de Socrate ,» paras. 31d, 39e, 40d, p. 53. (47) Platon, « Phédon ,» paras. 60d-61c, p. 108. (48) Friedrich Nietzsche, « Crépuscule des idoles ,» dans: Friedrich Nietzsche, Oeuvres complètes de F. Nietzsche , traduit de l’allemand par Henri Albert (Paris: Flammarion, [s. d.]), le problème de Socrate, para. 12.
الدولة بالتحديد. إن مثل هذه الأنظمة الشمولية ليستمد شرعيته الفكرية من التصوّر الأف طوني
للمواطن والفلسفة. كنا قد طرحنا مسألة تطوّر آراء أف طون في المواطنة والفلسفة. ومن الأمور المعروفة جدًا أنه من
دعاة السوفوقراطية، أي حكم الفلاسفة أو حرفيًا «حكم الحكماء أو الحكمة». ولهذا الرأي كثير من
التعقيبات: ما معنى أن يكون الفلاسفة هم الحكّام؟ لماذا لم يدعُ أف طون إلى حكم المؤرّخين أي
الهيستور/قراطية؟ واليوم نسمع بهذه الدعوة من طرف المؤرّخين، معتقدين أن المؤرّخ هو المؤهّل
لتسيير أمور الدولة. بل نجد دعوة للّوغوس/قراطية، أي حكم العلم والعلماء... إلخ. يجب أن نقول
إن الجميع يعتقد أنه أهل للحكم، من رجل الدين («الثيوقراطية») ورجل الاقتصاد،... إلخ. فكلٌ ينظر من زاوية تخصّصه، ويعتقد أنه الأجدر والأكثر مسؤولية. ولئن كانت الفلسفة العلم الجامع
والشامل في أثينا القرن الرابع، فإن أف طون اعتقد أن الفيلسوف هو المؤهّل للحكم، بل إنه ذهب
في الجمهورية إلى الإقرار بأن ليس الفيلسوف فقط هو الذي يحكم، بل الفيلسوف الكبير. يقول
في الكتاب الثالثعندما أجاب عن سؤال «من هم الحكّام؟» يجب أن يحكم الشيوخُ، وما على. فماذا يستبطن) l e s vi e illards d e vro n t comma n d e r e t l e s j e u ne s ob é ir) الشباب إلا الطاعة هذا التقرير؟ يمثّل الشيوخ القديم، ذكرى الأجداد والأوّلين والسابقين، ويعملون على المحافظة على
الدولة من خ لاا منع التغيير، أو على الأقل «إزعاج التغيير»، وكبح جماح الانفتاح والتجديد. ولئن
كان نفع الدولة أهمّ من كلّ شيء وأسبق من أي شيء، فإن سعادة الأفراد، بل ووجودهم، لا قيمة
لهما أمام الهدف الأكبر وهو استمرار دولة الآباء. ومن هنا جاءت تسمية البطريركية «حبّ الآباء»
ك «حبّ الوطن»، ومن هنا نفهم أن موت سقراط كان من أجل قوانين الدولة، إنها حادثة تعبّر عن هذا
التصوّر الذي يفضّل الدولة على الفرد، الجماعة على الشخص، الظلم النافع على العدل الضار...
إلخ. والاستراتيجيا التي اتّبعها أفلاطون لتقوية شرعية الحاكم الفيلسوف الكبير في السن هي مطابقة
الدولة لأسرة، أي إن رجل الدولة والملك والسيد أو ربّ البيت، كلّهم شيء واحد. ولئن كانت طاعة
ربّ البيت في الأسرة، وهو عمومًا الأكبر سنًا وحكمة، أمرًا لا مفرّ منه، فإن طاعة الملك في الدولة
أمر ضروري أيضًا، فمن المشروع مقارنة الأسرة الكبيرة بالدولة الصغيرة. والأفراد المكوّنون لأسرة
لا بد لهم من أن يضحّوا بمصالحهم من أجل مصالح الأسرة الكبيرة، وبهذا يفنى الفرد في سياق
الأسرة والجماعة، ويموت الشخص من أجل قانون الأسرة، مثلما مات سقراط من أجل قانون المدينة. لهذا، فإن الحاكم الذي يمثّل الدولة ليس مواطنًا عاديًا كسائر المواطنين، بل هو الذي «يحكم فوق
الرجال الذين يمتلكون حقوق المواطنة المشتركة». ولم يتوان أف طون، من أجل سحق الفردية
في الدولة، من الإشارة إلى أن قوانين الدولة ذات طابع إلهي، وهو ما يدلّ على أن الدولة ذاتها إلهية
(49) Platon, La République , introduction, traduction et notes par Robert Baccou, Garnier-Flammarion. Texte intégral; 90 (Paris: Garnier-Flammarion, 1966), livre III, paras. 412a-413a, p. 164. (50) Ibid.
(((5 أف طااون، «محاورة بوليتيكوس (رجل الدولة)»، في: أف طااون، المحاورات الكاملة، نقلها إلى العربية شوقي داود تمراز
(بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 994 1)، مج.:2 محاورة بارمنيدس، محاورة بوليتكوس، محاورة السفسطائي، محاورة جورجياس،
محاورة كارمايديس، محاورة ليسيس، محاورة الأخيس، ص 211.-111
(52) Platon, « Premier Alcibiade ,» dans: Platon, Second Alcibiade, Hippias Mineur, Premier Alcibiade, Euthyphron, paras. 125c- 127c, pp. 148-152.
المصدر، وأن أقرب الأفراد إلى العلم الإلهي هم الكبار في السن، في حين أن الصغار الذين لم تتم
تنقيتهم وترشيدهم، ليسوا مؤهّلين ل قااتراب من المصدر الإلهي؛ إذ نجد أف طون يقول في بداية
كتاب القوانينإن فضل تنظيم القوانين لا يُنسب إلى البشر بل إلى الإله، فبالنسبة إلى الكريتيين، فإن
الإله زيوس هو صانع قوانين الدولة، وبالنسبة إلى السيدوميين (أي الإسبرطيين)، فإنهم يعتمدون على الإله أبولو في التشريع. ولم يتردد في أن يؤكد في القوانينأن الدولة ذات طابع إلهي: «دولتنا الإلهية»، وهي الدولة المنحدرة من تراث الأجداد، لذا يجب أن يتكفل الكبار، وهم الأقرب إلى الأجداد، بتسيير شؤونها والحفاظ على صورتها. وفي هذا نجد أن أثر الاعتقاد الذي قال به هوزيود، في أن الإعصار معادن مثل الأجيال، والأقدم منها هو معدن الذهب نظرًا إلى قربه من عصر الآلهة،
قد أثّر في أف طون أيما تأثير؛ فالدولة الحقيقية والقوية والعادلة هي الدولة التي وضعها الأجداد، ولأنهم عاشوا في عصور الآلهة، فإنهم الأجدر بالتقليد والمحاكاة. والدولة يجب ألا تتعرّض للتغير
والتبدل، وهذا ما قام به الحزب الديمقراطي الذي انقلب على الأرستقراطية البطريركية لمصلحة الجيل الجديد، أي تدخّل الشباب في الدولة. وإعادة الاعتبار إلى الفرد كشخص يقتضي التحرّر
والاستقلال... الخ. إن نظرية أفلاطون الإبستيمولوجية التي تعتبر التغير والحركة علامة على الزيف والخطأ والوهم، قد طبّقها على التصوّر البوليطيقي القائل بأن الدولة التي تتعرّض للتغير والإصلاحات
ع مااة على الخطأ والظلم، لذا يجب أن تكون ثابتة ومتطابقة مع دولة الأجداد التي تغلِّب الإلهي الثابت الكلي والقديم على حساب البشري المتغير الشخصي والجديد. لذا، لا نستغرب أمر أن: «كارل بوبر قد وضع أفلاطون، تلميذ سقراط وصاحب كتاب القوانين، في زمرة هيغل وماركس وباقي أنصار المجتمع الكلوي المقفل» الذي لا يقبل التغير والتشخيص البشريين في مقابل تصوّره الثبات
والكلية الإلهيين. إن أفلاطون لم يتوقّف لحظة واحدة عن التفكير بين نموذجين متعارضين هما الإلهي
والبشري، ولم يستطع أن ينحاز ويحن على الوضع البشري، شأن وضعه هو شخصيًا، وكلّ هذا يعود
إلى «إفراط معقوليته» وسعيه وراء تصوّرات العقل التي لا تعرف الحدود في سياق تفكير المطلق، في
عالم كلّه حدود وشروط، والمطلق الوحيد الممكن هو المشروطية والنسبية. وفي هذا السياق يقول عبد الغفّار ميكاوي في شروحه وتعليقاته على كتاب أرسطو المسمّىدعوة للفلسفة: «كان ضعف
الإنسان بالقياس إلى الآلهة موضوعًا أثيرًا طرقه مفكّرو اليونان وكتّابهم وشعراؤهم منذ هوميروس
حتى عهد أرسطو». وهذا القول يماثل قولة أرسطو في ذات الكتاب: «إن الفيلسوف وحده من بين العاملين جميعًا هو الذي يتّصف بثبات قوانينه ونُبلها؛ ذلك لأنه الوحيد الذي يحيا وبصره مثبّت
على الطبيعة وعلى كلّ ما هو إلهي. إنه يشبه الملّح الجيد الذي يرسي سفينة حياته عند ما هو أبدي ودائم...». وبناءً على هذا كله، فإننا نعتقد أن نظرية أفلاطون لم تتغير، من محاورة أقريطون إلى
(((5 أفلاطون، القوانين، ترجمه من اليونانية إلى الإنجليزية د. تيلور؛ نقله إلى العربية محمد حسن ظاظا (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986)، الكتاب الأول، ص.83 (((5 أفلاطون، «النواميس»، في: أفلاطون، المحاورات الكاملة، مج. 6، الكتاب 12، ص: محاورة النواميس 5.07 (((5 عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، ج 2.: المفاهيم والأصول، ط 4 (بيروت؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0052)، ص.377 (5((عبد الغفار مكاوي، تعليقات وشروح على بروتريبتيقوس، في: أرسطوطاليس، دعوة للفلسفة (بروتريبتيقوس): كتاب مفقود
لأرسطو، قدمه للعربية مع تعليقات وشروح عبد الغفار مكاوي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 9871)، ص.94 (((5 أرسطوطاليس، دعوة للفلسفة (بروتريبتيقوس)، فقرة ب 50- ب 51، ص.59
الجمهورية إلى محاورة القوانين في شأن سطوة القوانين الجمعية على الحالات الفردية وغلبة الكلي على الجزئي، على خلاف تغيير بعض آرائه السياسية بين الجمهورية والنواميس. لذا، فإننا نكرّر قول
أرسطو الذي قيّم النظرية السياسية الأفلاطونية المتأخرة على النحو التالي: «إن لكتاب القوانين، الذي
ألفه أف طون بعد كتاب الجمهورية، نفس المواضيع تقريبًا، ولذا فضّلنا ألا نطيل النظر في المنهج
السياسي الذي عرضه هناك»، وهذا التقرير يجعلنا نتساءل عن مصير نظرية الفرد (كمواطن) والدولة كتجسدي لحكمة الإنسان السياسية (فلسفة سياسية) في نسق أرسطو الذي لم يتحرّر كلية من النسق
الجارف لأفلاطون. ولو عرجنا، على سبيل المقارنة البسيطة، نحو نصوص أرسطو، في موضوع الفلسفة والمواطنة أو الفرد والقانون في الدولة، وبحثنا في تصوّره للعلاقة بين الفرد والمجتمع والحقيقة، فإننا نجد مدخلين
أساسيين هما المدخل البوليطيقي والمدخل الإيطيقي؛ فهو يعتقد، وفي هذا كثير من الصحة، أن
الأخ ق تمثّل سياسة خاصة، والسياسة تمثّل أخ قااًا عامّة، وهو ما يدلّ على أن غرض السياسة هو
الخير الحقيقي والأعلى لإنسان، مثلما أن غرض الأخلاق هو السياسة المثلى للدولة، وهذا يؤكد مدى ترابط خير الفرد بخير الدولة في دائرة أخلاقية متينة. بداية، نقول إن أرسطو لم يتحرّر من نظرية السوفو/قراطية (حكم الف سفة) التي وجدناها عند
أفلاطون، بل واصل تأكيد أن «يجب علينا أن نصبح فلاسفة إذا أردنا أن نصرف شؤون الدولة بصورة
صحيحة ونشكّل حياتنا الخاصة بطريقة نافعة». وفي هذا التقرير، تواصل الاعتقاد بأن خير الدولة في ثبات مبادئها، كثبات مبادئ الفلسفة بما هي حقيقة أزلية. وهذا بالتحديد ما يحدث توترًا بين
المواطن والفلسفة السياسية، بين الفرد المتغير والسياسة الفلسفية التي تروم الثبات الإلهي، وفي النهاية بين الفرد والإله. وتعود نظرية التقابل بين الزائل والخالد، بين المتغير والثابت، إلى سطح
التفكير الإغريقي ككلّ، وليس الأرسطي فحسب. وعندما يحدد أرسطو الهدف من السياسة يقول إنه «الاهتمام بتنشئة نفوس المواطنين وتعليمهم الالتزام بجميع الفضائل الممكنة». هذا، وبطريقة معاكسة، يكون هدف الفضيلة غير منفصل عن المدينة، أو كما سمّاها هو الفضائل المدينية، مثل
الشجاعة السياسية أو المدنية e) civiqu e courag)، والتي يشرحها أرسطو شرحًا مهمًّا، بالنظر إلى ما
حلّلناه أع هاا بشأن موقف أف طون من الفرد والقانون، إذ نجد أرسطو يقول إن أهل المدينة ملزمون بمجابهة جميع الأخطار اتقاءً لجميع العقوبات أو الإهانات التي يتوعدهم بها القانون، أو من أجل
الحصول على الامتيازات التي يعهدهم بها. من هنا، نجد أن المواطنين الأكثر همّة ونشاطًا هم
المواطنون الشجعان الذين لا يعرف الجبن طريقًا إلى نفوسهم؛ فالشجاعة السياسية تقتضي رفع
5(((أرسطوطاليس، في السياسة، نقله من الأصل اليوناني إلى العربية وقدم له وعلق عليه أوغسطينس بربارة البولسي، ط 2 (بيروت: اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، 9801)، فقرة 1264 ب 0/3، ص.65
(59) Aristote, Éthique à Nicomaque , trad. de J. Barthélemy Saint-Hilaire; rev. par Alfredo Gomez-Muller; préf. et notes d’Alfredo Gomez-Muller, le livre de poche; 4611. Classiques de la philosophie (Paris: Librairie générale française, 1992), livre 1, chap. 1, para. 11, p. 37.
(6((أرسطوطاليس، دعوة للفلسفة (بروتريبتيقوس)، فقرة ب 9، ص.32
(61) Aristote, Éthique à Nicomaque, livre 1, chap. 7, para. 8, p. 61. (62) Ibid., livre 3, chap. 9, para. 1, pp. 134-135.
ظلم القانون بدل الاستسلام له، مثلما حدث في قصة سقراط. وبهذا النص نلتمس الفارق بين تصوّر
أرسطو وتصوّر أفلاطون للعلاقة الواجبة أن تكون بين المواطن والدولة.
استنتاج وتركيب
الدفاع عن القانون والمدينة بأي ثمن هو تغليب الجماعية والكُلاّنية e) totalitair) على حساب الفردية، تغليب القديم على الجديد. هذا هو تأويل بوبر لفلسفة المواطنة عند أفلاطون، وأساس نظريته يقوم على الاعتقاد بالصلاحية المطلقة للفلاسفة في تسيير أمور الدولة، ونحن نعلم أن الفيلسوف هو الذي
يتعلّق بأهداب الحقيقة الكلية الثابتة البعيدة عن تغيرات العالم المحسوس. ومن نواتج هذا المنطق الفكري نجد مفهوم العدالة كطبقية، أي كون العدالة في المجتمع تتأسّس على ضرورة امتياز طبقة
الحكّام، الذين هم الفلاسفة، على بقية الطبقات، وبالتالي لا تكون عدالة الدولة إلا إذا «حكم الحاكم،
وعمل العامل، واسترقّ العبد». وبهذا، فإن الطبقية تسحق الفرد سحقًا فيغدو بلا قيمة وبلا رأي، ولا يمكن أن يتحرّر من طبقته. على الرغم من أن الديمقراطية تحددت، في معناها الحقيقي عند بركليس
مثً وأرسطو أيضًا من بعده، على أنها التعامل مع القدرات لا الطبقات، مع الكفاءات لا الأصول الاجتماعية، فنجد مفهوم الديمقراطية في خطاب بركليس الشهير في إحدى مرثياته الجنائزية، والذي حفظه لها ثيوسيديديس الأثيني في كتابه المشهور War History of Peloponnesian (تاريخ الحرب البيلوبونيزية)، قائمًا على تحرير الفرد من قسوة الطبقية لدفع قدراته إلى أقصى ما يمكن: «إسمحوا
لي بأن أقول: إن النظام الذي نأخذ به في الحكم لا يقلّد مؤسّسات جيراننا (هنا يقصد الإسبرطيين
طبعًا)، فنحن أقرب أن نكون المثل الذي يُقتدى به، من أن نكون مقلّدين لأي كان. ودستورنا يعرف
بالديمقراطي؛ لأن السلطة فيها ليست بيد القلّة وإنما بيد الشعب كلّه. وإذا اتصل الأمر بحلّ النزاعات
الخاصة بين الأفراد، كان الجميع سواسية أمام القانون. وإذا تعلّق الأمر بتقديم شخص على آخر في مواقع المسؤولية العامة، فلا يوجد في الحسبان المنبت الطبقي، وإنما يكون التقدير للكفاءة الحقّة
لصاحب الموقع؛ فلا ينكر على امرئ يمتلك القدرة على خدمة الدولة أن يحتلّ موقعًا سياسيًا بسبب
فقره. وكما أن حياتنا السياسية حرّة ومفتوحة، كذلك هي علاقات كلّ فرد منا بالآخر في حياته اليومية
(...) إننا قوم أحرار ومتسامحون في حياتنا الخاصة، أمّا في القضايا العامة فإننا نلتزم بالقانون».
تداعيات هذا الخطاب نجدها في كتاب البوليطيقيلأرسطو، في صورة واضحة تدل على تأثّره العميق
في هذا التحديد الأوّلي والمدهش لمفهوم الحكم الديمقراطي المحرّر من ربقة الكلّنية والطبقية
القاتلة. يقول أرسطو في سياق فهمه الطابع التحريري للديمقراطية بصدد الإجابة عن السؤال المهم:
هل الحياة المثلى واحدة للفرد وللدولة؟ وهو السؤال الذي يشكّل جوهر مشكلة الصراع بين الشخصية
والكلية: «من الأمور الجلية أن السياسة المثلى هي التي يتيح نظامها لكلّ فرد، أن يبلغ غاية الفلاح وأن يحيا حياة سعيدة». وفي هذين التحديدين، يفترق منطق الديمقراطية التي تحرّر الفرد، ومنطق
العدالة الأفلاطوني الذي يسحق الفرد في طبقته المحددة اجتماعيًا لا طبيعيًا بصور كاملة.
((6(بوبر، ص.94 (6((ثوسيديديس، تاريخ الحرب البيلوبونيزية، ترجمة دينا الم حاا وعمرو الم حاا (أبو ظبي: المجمع الثقافي، 0032)، الكتاب الثاني، الفصل الرابع: «خطاب بيريكليس التأبيني»، ص.157 (6((أرسطوطاليس، في السياسة، فقرة 1324 أ 24/، ص.356
الحقيقة أن الدراسة النقدية التي قدمها بوبر تحت عنوان «أحاجي أف طون»، لَتكشف عن الوجه الخفي للفكر السياسي الإغريقي. وإذ كنا نستعمل عبارة «جمهورية أف طون» من دون أي تساؤل، فإن بوبر اندهش لشيوع هذه التسمية المتناقضة؛ واندهاشه متأت من كوْن كتاب أف طون المسمّى
جمهورية لم يكن جمهوريًا على الإطلاق، فهو ضحّى بالفردية لمصلحة الجمعية، وجعل قوّة الدولة
أسبق من رفاهية المواطن وحريته واستقلاله ونموّه. بل جعل الأفراد حبيسي معادنهم، وهذا ما يشكّل
التوجه المعادي لجوهر الديمقراطية كما حددها بركليس مثلً أو حتى أرسطو رغم ميوله الأرستقراطية. كما أن انفتاح فكر أف طون أصبح موضع تساؤل في القراءة البوبرية لفلسفة التاريخ الإغريقية، لأن
أف طون ظهر، وفق هذا التأويل المتفرّد، رجعيًا مفرطًا في رجعيته، فلم يترك مجالً ل ناافتاح نحو
الجديد، وجعل مستقبل الدولة في الماضي، ماضي الآباء والأجداد. هذا كله يدين للفلسفة السياسية الأف طونية في كونها أغلقت المجتمع اليوناني من الناحية الفلسفية، الإغ ق الذي يجعل الأفراد مسجونين في جمهورية مزيفة. لذا، فإن تأويل بوبر لعلم الاجتماع والفلسفة السياسية الأفلاطونية
يضاهي في ثوريته تأويل نيتشه، الذي استطاع النيل فعلً من ألوهية أفلاطون الوهمية، وهي الألوهية التي وقع فيها فلاسفة كثر مثل أفلوطين والفارابي وديانات كثيرة، وخصوصًا الديانة المسيحية التي
أذاعت الأفلاطونية للكلّ بعدما كانت داخل أسوار الأكاديمية للخاصة. إن حادثة موت سقراط بدعوى واجب المواطنة تثير كثيرًا من الشكوك من خ لاا نصوص أفلاطون
التي أخذناها بالتحليل أع هاا، خاصة أوطيفرون وأقريطون والدفاع وفيدون؛ فسقراط إما سفسطائي بحيث أثبت أطروحة باطلة من خلال الجدل والمغالطة عن طريق مرافعته على براءته وبأنه غير مذنب
وهو في الحقيقة تنكّر ل لآآهة القديمة وادعى الوحي وألّب بعض الشباب الأثيني على الكبار من
خلال تعليمهم فن التهكّم والتضييق والإزعاج. وفي هذه الحالة يكون محتالً غير صادق، سواء أكان واقعيًا أو أدبيًا كما أورد لنا أفلاطون الرواية. وهنا نندهش من التفكير الملتوي عنده، حيث إنه استعمل
المغالاة وتحريف الحقائق، وهو الحكيم الذي يبحث عن الحقيقة المطلقة، أم أنه يُعتبر بريئًا فعلً من
جميع التهم التي أوردها خصومه السياسيون. وهنا نتساءل عن استسلامه لأحكام الجائرة في حقّه، على الرغم من قدرته الخارقة على صوغ الحجّة القوية والمفحمة. وفي هذه الحالة، عمل على إثبات
أطروحة كلّنية الدولة التي أشرنا إلى تأويلها القوي عند بوبر. وفي كلتا الحالتين، «شوّهت» رواية
أفلاطون العلاقة بين الفلسفة والمواطنة من خلال طمس المواطن بالدولة. أما في ما يخص اعتراض شوبنهاور ونيتشه، المتعلّق بقلق العلاقة بين الفلسفة والسلطة، أو بين الفكر والسياسة، في ضوء التحليل الذي قدمناه بشأن العالق الوثيق بين ظهور المجتمع المدني ومي داا الفلسفة عند الإغريق، فإننا نعتقد أن هذين الفيلسوفين وجميع من سار في نهجهما مبرّرون بصورة
جزئية فقط، فلا يمكن أن ننكر أن الدولة لا تقبل الأفكار التي تهدمها أو تشكّل خطرًا على مؤسّساتها
وس مااتها. لكن الدولة نفسها لا تقبل أيضًا التأسيس للركود الفكري والتميع المعرفي والتماهي المفهومي، لأن هذا يضر ببنيتها ذاتها ويمهد لزوالها في السياق التنافسي. وخطر زوال الدولة كما يقصده شوبنهاور، ومن بعده نيتشه الذي تأثر به أيما تأثر، خاصة في سنواته الأولى من التفكير، مرتبط ربما بمواقف شخصية وحالات فردية أكثر ممّا هو مرتبط بمشكلة موضوعية جدية؛ فنحن
ندري المشكلة التي تعرّض لها شوبنهاور في إلقاء محاضراته مقارنة بالنجاح الباهر الذي حققه
زميله هيغل، وربما استقالته من التدريس، وتفرغه للبحث المستقل والتفكير الحر، ومن ثم نبذه الفلسفة الجماعية أو الفكر التابع للدولة، ليس ذلك كله إلا رد فعل على هذا الحدث الذي أثّر فيه وجعله يحسّ بالنقص الفلسفي. ثمّ إن شوبنهاور ذاته لو لم يكن من أسرة ميسورة، بعد ميراثه الكبير
من أموال والده المصرفي، لما استقل عن التفكير عن كنف الجامعة الألمانية. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن نيتشه، فهو لم يتحصّل على الأتباع بالدرجة التي أرادها. ثم إن منحة الجامعة، بعد
عجزه الكلّي عن التدريس، هي التي سمحت له بأن يفكّر خارجها. إن تنكّر نيتشه للفكر المرتبط بالدولة هو تنكّر سلبي إلى أقصى الحدود. ثمّ إن الجامعة، وإن كانت تراقب الفكر، فإنها تراقبه في
الحدود التي تسمح بالسير العادي لمؤسستها وللمجتمع أيضًا. كما أن هناك علاقة جدلية بين الفلسفة والسلطة والجامعة، فكبار موظّفي الدولة في النهاية هم نتاج الفكر الجامعي. لذا، لا مفرّ من تصحيح
مسارات الدولة من خ لاا التفكير في الأُطر الجامعية والمساهمة في التغير من الداخل، أو التغيير العضوي الفعّال. References
المصادر والمراجع
العربية
أرسطوطاليس. دعوة للفلسفة (بروتريبتيقوس): كتاب مفقود لأرسطو. قدمه للعربية مع تعليقات وشروح عبد الغفار مكاوي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1987 ______. في السياسة. نقله من الأصل اليوناني إلى العربية وقدم له وعلق عليه أوغسطينس بربارة البولسي. ط.2 بيروت: اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، 980.1 ______. الكون والفساد. ترجمة أحمد لطفي السيد. القاهرة: الدار القومية، [د. ت.]. ______. نظام الأثينيين. ترجمه وشرحه طه حسين. القاهرة: دار المعارف،.1961 أفلاطون. القوانين. ترجمه من اليونانية إلى الإنجليزية د. تيلور؛ نقله إلى العربية محمد حسن ظاظا. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1986 ______. المحاورات الكاملة. نقلها إلى العربية شوقي داود تمراز. بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 994.1 مج.:2 محاورة بارمنيدس، محاورة بوليتكوس، محاورة السفسطائي، محاورة جورجياس، محاورة كارمايديس، محاورة ليسيس، محاورة الأخيس. مج. 6: محاورة النواميس. ______. محاورة فايدروس لأفلاطون، أو، عن الجمال. ترجمة وتقديم أميرة حلمي مطر. القاهرة: دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع،.2000 بوبر، كارل. المجتمع المفتوح وأعداؤه، ج 1: أحاجي أف طون. ترجمة السيد نفادي. بيروت: دار التنوير،.1998
القاهرة: مكتبة مصر،.1956 الثقافي،.2003 بيروت: اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع،.1982
العربية للترجمة،.2008 العبادي، مصطفى. العصر الهلينستي: مصر. بيروت: دار النهضة العربية،.1981 الثقافي العربي،.2005 الجديد المتحدة،.2002 للدراسات والنشر والتوزيع،.1987 والنشر،.1993 للاتصال والنشر،.2001 الوطنية للاتصال والنشر والإشهار؛ بيروت: دار الفارابي،.2001
.1 القاهرة: دار الثقافة،.1981 بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر،.2005 التنوير، [د. ت.].
بياجيه، جان. الحكم الخلقي عند الأطفال. ترجمة محمد خيري حربي؛ مراجعة محمد ثابت الفندي. ثوسيديديس. تاريخ الحرب البيلوبونيزية. ترجمة دينا الم ح وعمرو الم ح. أبو ظبي: المجمع دوركايم، إميل. في تقسيم العمل الإجتماعي. ترجمه من الفرنسية إلى العربية حافظ الجمالي. ط. 2 ديتيان، مارسيل. اخت ق الميثولوجيا. ترجمة مصباح الصمد؛ مراجعة بسام بركة. بيروت: المنظمة
العروي، عبد الله. مفهوم التاريخ، ج 2.: المفاهيم والأصول. ط.4 بيروت؛ الدار البيضاء: المركز غادامير، هانز جورج. بداية الفلسفة. ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح. بيروت: دار الكتاب فرنان، جان بيار. أصول الفكر اليوناني. ترجمة سليم حداد. بيروت: مجد، المؤسسة الجامعية كاوفمان، والتر. التراجيديا والفلسفة. ترجمة كامل يوسف حسين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات كيسيديس، ثيوكاريس. سقراط: مسألة الجدل. ترجمة طلال السهيل. ط.2 الجزائر: المؤسسة الوطنية ______. هيراقليطس: جذور المادية الديالكتيكية. ترجمة حاتم سلمان. ط.2 الجزائر: المؤسسة لالاند، أندريه. العقل والمعايير. ترجمة نظمي لوقا. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1979 هاملتون، أديث. الأسلوب اليوناني في الأدب والفن والحياة. ترجمة حنا عبود. دمشق: وزارة الثقافة،
هيجل، جورج فيلهلم فريدريك. أصول فلسفة الحق. ترجمة وتقديم وتعليق إمام عبد الفتاح إمام. ج _____. محاضرات في فلسفة التاريخ، ج 1: العقل في التاريخ. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. ط.2 هيرقليطس. جدل الحب والحرب. ترجمة وتقديم وتعليق مجاهد عبد المنعم مجاهد. بيروت: دار
الأجنبية
Aristophane. Théâtre complet, 1. Les Acharniens. Les Cavaliers. Les Nuées. Les Guêpes. La Paix. Traduction, introduction, notices et notes par Marc-Jean Alfonsi. Paris: Garnier-Flammarion, 1966. Aristote. Éthique à Nicomaque. Trad. de J. Barthélemy Saint-Hilaire; rev. par Alfredo Gomez-Muller; préf. et notes d’Alfredo Gomez-Muller. Le livre de poche; 4611. Classiques de la philosophie. Paris: Librairie générale française, 1992. ______. Physique d’Aristote, ou Leçons sur les principes généraux de la nature. Traduite en français pour la première fois et accompagnée d’une paraphrase et de notes par J. Barthélemy-Saint-Hilaire. Tome 2. Paris: A. Durand, Ladrange, 1862. Bergson, Henri. Les Deux Sources de la morale et de la religion. Bibliothèque de philosophie contemporaine. Paris: Libr. Félix Alcan, 1932. Burnet, John. L’Aurore de la philosophie grecque. Edition française par Aug. Reymond. Collection d’Etudes grecques. Paris: Payot, 1919. Cohen, Robert. La Grèce et l’hellénisation du monde antique. 3ème éd. Paris: Presses universitaires de France, 1948. Eschyle. Les Perses. Chronologie, présentation, dossier, bibliogr. par Danielle Sonnier; trad., notes par Danielle Sonnier et Boris Donné. GF; 1127. Paris: Flammarion, 2000. Euripide. Théâtre complet. 4, Les Légendes d’Athènes: Ion, Médée, Hippolyte, les Héraclides, les Suppliantes, fragments. Traduction, introduction et notes par Henri Berguin et Georges Duclos. Garnier-Flammarion. Texte intégral; 122. Paris: Garnier- Flammarion, 1966. Hegel, Georg Wilhelm Friedrich. Phénoménologie de l’esprit. Traduction, présentation, notes, chronologie, bibliographie et annexes par Jean-Pierre Lefebvre. GF; 1493. Paris: Flammarion, 2012. Nietzsche, Friedrich. Oeuvres complètes de F. Nietzsche. Traduit de l’allemand par Henri Albert. Paris: Flammarion, [s. d.]. Platon. Apologie de Socrate; Criton; Phédon. Trad., notices et notes par Emile Chambry. Garnier-Flammarion. Texte intégral; 75. Paris: Garnier-Flammarion, 1965. ______. La République. Introduction, traduction et notes par Robert Baccou. Garnier- Flammarion. Texte intégral; 90. Paris: Garnier-Flammarion, 1966. ______. Second Alcibiade, Hippias Mineur, Premier Alcibiade, Euthyphron, Lachès, Charmide, Lysis, Hippias Majeur, Ion. Traduction et notices et notes par Emile Chambry. Garnier-Flammarion. Texte intégral; 129. Paris: Garnier-Flammarion, 1967. Werner, Charles. La Philosophie grecque. Petite bibliothèque Payot ; 14. Paris: Payot, 1962. Zeller, Eduard. La Philosophie des Grecs considérée dans son développement historique. Traduite de l’allemand par Émile Boutroux. Tome 2. Paris: Hachette, 1882.