مراجعات نقدية لكتاب دراسات نيوتونية لألكسندر كويريه
Review of Newtonian Studies by Alexandre Koyré
الملخّص
يعد كتاب دراسات نيوتنية آخر عنوان ألّفه ألكسندر كوريه (1892-1964)، واحد من كبار مؤرخي الفكر العلمي في القرن العشرين، ويتكون من مجموعة من المقالات، كُتبت كل واحدة على حدة وعلى فترات متباعدة، تدور على وجه من وجوه الفكر العلمي لمؤسس الفيزياء الحديثة إسحاق نيوتن(1643-1727). وقد تولت دار نشر تشابمان وهال نشر هذا الكتاب في نسخته الإنجليزية الأصلية في لندن سنة 1965. ولا يخفى على القارئ أن في هذا العنوان إيجازا بليغا ودلالة عميقة. فوصف هذه الدراسات بالنيوتنية وصف بليغ لأنه أوجز بأسلوب النسبة النحوي (أي النسبة في دلالتها النحوية) مرحلة فكرية علمية حاسمة هي مرحلة اكتمال العلم الحديث واتساقه وقيّدها بشخصية علمية لها دالّة على الفكر العلمي الحديث.
Abstract
Newtonian Studies was the last book by Alexandre Koyré (1892-1964), one of the great twentieth-century historians of scientific thought. The book is made up of a number of independent articles that revolve around some aspects of the scientific thinking of the founder of modern physics Isaac Newton (1643-1727). The original English edition of this work was published in 1965 by Chapman and Hall in London. The reader will not fail to notice the deep rhetorical significance of the title. In describing these studies as Newtonian, he encapsulates a decisive period of scientific thought—the period of modern science—with a name signifying modern scientific thought.
- نيوتن
- الفكر العلمي
- العلم الحديث
- Scientific Thought
- Modern Science
- Newton
الكاتب
: ألكسندر كويريه الكتاب
: دراسات نيوتنية
العنوان الأصلي: Newtonian Studies
ترجمة وتقديم: يوسف بن عثمان الناشر
: دار سيناترا، المركز الوطني للترجمة مكان النشر
: تونس تاريخ النشر عدد الصفحات 516:
«إن الأغرب في الواقع هو تمشّي الفكر، أعني التمشّي الذي يسلكه الفكر البشري في بحثه عن الحقيقة؛ فمسار الفكر في البحث عن الحقيقة ليس مسارًا مستقيمًا» (ص
211). هذه عبارة دالة وجامعة ختم بها ألكسندر كويريه (Koyré. A) فصله الثالث، أطول فصول كتابه دراسات نيوتنية، وأبعدها غورًا في التحليل
والنقد. أمّا كونها دالة، فأنها تُطلعنا على فكر
بشري لا يتحرّك نحو الحقيقة حركة منتظمة
ومطّردة ومستقيمة، بل يتحرك إليها على أنحاء شتى متناقضة ومتضادة؛ فهو يتقدّم في مسعاه
طورًا ويحجم طورًا آخر، وينجح مرة ويفشل
مرّات، ويقتدر على اجتياز العوائق في لحظة
صفاء ذهني واعتدال مزاجي، ويكبو في لحظة أخرى تعقبها، حيث يستغلق عليه الأمر عند «مفهوم عصيّ القبول على العقل» فيستدرك
الخطأ بالصواب ويراجع دلالات الاصطلاحات المعلومة مثل (العطالة) والعبارات المشهورة، مثل قول نيوتن «لا أصطنع فرضيات». وأما كونها جامعة، فأنها عبارة تستغرق الكتاب كلّه وإن صيغت مقالته على نحو متناثر وعلى فترات متباعدة.
لعل هذه العبارة تكون لنا أفضل استه لاا لمراجعة هذا الكتاب مراجعة نقدية، وذلك على اعتبار أن المفيد للقارئ في هذا الضرب من المراجعات هو دفعه إلى الاطّعاا على الكتاب والوقوف على كيفية استبدال الفكر الحديث «لغز الفكر ذاته» ب«حل لغز الكون» (ص. 84)؛ إذ معلوم أن الفضل في «حل لغز الكون» كان يرجع إلى اهتداء الفكر العلمي الحديث إلى طريق العلم الآمنة الجامعة بين التجريب والترييض (أي استعمال الرياضيات في فهم الطبيعة) منهجًا، والمُفضية إلى إنتاج أول
القوانين الميكانيكية لقوى الطبيعة. ولكن ما يبدو غير معلوم، أو قل ما يَندّ عن التعقل
والمنطق، هو لغز الفكر ذاته: كيف ومتى تنقدح
الفكرة العبقرية عند العالم من ظلمة المفارقات وفشل المحاولات وعميق الحوارات فتزيده اقتدارًا على حل المشك ت؟ وكيف ومتى
ينطفئ عنده هاجس الإبداع فتتلبس عنده الروح العلمية من جديد برأي يتأرجح بين الطموح العلمي والنزوع الميتافيزيقي؟ يُعَدّ كتاب دراسات نيوتنية آخر عنوان ألّفه
ألكسندر كويريه (1892 - 1964)، أحد كبار مؤرخي الفكر العلمي في القرن العشرين. وهو يتكون من مجموعة من المقالات، كُتبت كل واحدة على حدة وعلى فترات متباعدة، تدور على وجه من وجوه الفكر العلمي لمؤسس الفيزياء الحديثة إسحاق نيوتن (-1643727.)1 وقد تولت دار نشر تشابمان وهال نشر هذا الكتاب في نسخته الإنكليزية الأصلية في لندن سنة 1965. ولا يخفى على القارئ أن في هذا العنوان إيجازًا بليغًا ودلالة عميقة. فوصف هذه الدراسات بالنيوتنية وصف بليغ، لأنه أوجز بأسلوب النسبة النحوي (أي النسبة في دلالتها
النحوية) مرحلة فكرية علمية حاسمة هي مرحلة اكتمال العلم الحديث واتساقه، وقيّدها بشخصية
علمية لها دالّة على الفكر العلمي الحديث. وهو وصف عميق الدلالة أيضًا، لأنه يُطلعنا
على حركية الفكر العلمي الناتجة من خصام أو حوار بين علماء العصر. فلا ينظر «مؤرخ الفكر في تاريخ الاكتشافات العلمية الكبرى» باعتبارها
سلسلة من النجاحات تخص علَمًا من علماء
الفكر الحديث فحسب، بل عليه أن يتجاوز ذلك إلى فهم تعقيداتها الواقعية وتأرجحها بين النجاح والفشل، وكيف نما الفكر الإبداعي لدى العلماء وتطور العلم من خلال محاوراتهم وخصوماتهم العلمية. ومن ثم يكون كويريه قد أصاب بهذا العنوان المعاني التالية: أولها أن هذه المجموعة من المقالات المزيدة والمنقّحة، التي استحالت
في هذا الكتاب فصولً ثمانية (مع إضافة الفصل التمهيدي الأول) تتخللها ث ث عشرة ضميمة، تلمع إلى أن تجربة نيوتن العلمية تتنزل في الفكر العلمي الحديث في طور استكماله ونضجه منزلة النواة والمبحث الأساسي، فلا يمكن رائدًا في الإبستيمولوجيا التاريخية أن يتنكب عنها ويجحد فضلها. والثانيأن فهم هذه التجربة لا يستقيم إلا بالولوج إليها من باب اقتفاء السيرة العلمية
لنيوتن الشاب اليافع والعالم الناضج في كتبه ومخطوطاته ومراس تااه وحواراته مع علماء عصره (مثل كوبرنيكوس وغاليلي وديكارت وهوك وكوت ولايبنتز وغيرهم)، وتمحصيها بمقارنة نصوصها بعضها ببعض في جل طبعاتها المختلفة وبغيرها من النصوص ذات الصلة، للوقوف على مواضع معاني التأثير والتأثر بينهم، والحكم لمن فاز بقصب السبق العلمي من غير تحيز أو تقوّل.
والثالث، وهو الأعمق عندنا لأنه خلاصة المعنيين السابقين، مفاده أن اشتغال كويريه بالشخصية العلمية النيوتنية المحورية وع قااتها الحوارية
والخصامية بعلماء عصرها مَ كّنه من تقديم
استيضاح واف حول تحولّات الفكر العلمي
الحديث الحاسمة في مبدأه وفي منتهاه (واللحظة النيوتنية هي لحظة اكتمال ونضج)، ثم تفصيل القول فيها من حيث العطاء العلمي للشخصيات العلمية المنازعة للنيوتنية: ما هو نصيبها في تطوير الصياغة العلمية؟ وكيف تعثّرت وما علة تعثّرها؟ وكيف أحكم نيوتن ذكاءه الثاقب في هذا النصيب المتعثر ليصطفي منه ما به تستقيم العق نااية العلمية وتتعزز؟ (نيوتن/ ديكارت وغاسندي). غرضنا من هذه المراجعة النقدية هو أن نلمع إلى نقاط أربع يهتدي بها القارئ في قراءة هذا الكتاب، وهي على التوالي: المشكل والمنهج والأطروحة والقيمة الإبستيمولوجية. فليسمح لنا القارئ بأن نبسطها له تباعًا: أما المشكل، فقد جعل كويريه من مقالاته تنعقد في ظاهرها على مسألة مركزية في الفكر العلمي الحديث هي مسألة الجاذبية، أو ما يُعرف
اصطلاحًا بالثقالة الكونية، وتنحل في تحليلاتها
وتشقيقاتها عند زمرة من المفاهيم الأساسية التي حفلت بها تصانيف الفيزياء الحديثة، كالقوة الفيزيائية والقوة الرياضية والمادة والامتداد والمكان والموضع وحالة الحركة وحالة السكون والفعل عن بُعد والخ ءاا والم ءاا وال مااتناهي
واللامحدّد والأثير والحضور الأبدي لإلهي... ولئن بدت هذه المفاهيم، عند المتعجّل، متنافرة
في الظاهر وملتبسة الصلة بمسألة الجاذبية أو الثقالة الكونية، فإن من يمعن النظر فيها ويقتفي أثر التحليل المفهومي الذي توسّل به كويريه
في بسطها وتفكيك دلالتها، يستبين له أن هذه
المفاهيم ما كان ليذكرها كويريه ويفصّل القول
فيها لو لم تحتّمها طبيعة مسألة الجاذبية ذاتها
والخصومات العلمية الدائرة حولها بين النيوتنية وعلماء العصر على حدّ سواء. لذلك، كان مُراد
كويريه منها التنبيه إلى أننا لا نستطيع أن نتمثّل
مسألة الجاذبية كما طُرحت في العصر الحديث من غير الوقوف على تشابك أبعاد أربعة في صياغتها وهي: البُعد العلمي والبُعد الفلسفي
والبُعد الكوسمولوجي والبُعد الميتافيزيقي.
ومن ثم لم يدّخر وسعًا في بسط القول في
وجوهها الأربعة المستشكلة، منطلقًا في ذلك من سؤال مركزيّ قدّر له الصياغة التالية: «هل
الجاذبية خاصية خفيّة ومعجزة أم قوّة جديرة
بالاعتبار وقانون للطبيعة؟» (ص. 257). ولمّا
كانت المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية لنيوتن تدحض - في تقدير كويريه - الإمكان الأوّل
لكي تثبت الإمكان الثاني، فإن وجوهها الأربعة المستشكلة تُردّ إلى طبيعة رياضية، أي إلى فهم
منزلة الرياضيات في العلم الفيزيائي والفلسفة والكوسمولوجيا والميتافيزيقيا. ومن ثم استرسل كويريه في مقالاته وضمائمه في صوغ أسئلتها
الأربعة، فخصّ الوجه العلمي المتشكّل في
مسألة الجاذبية بالصراع القائم بين الوجه الرياضي من جهة والسحريّ والفيزيائي من
جهة أخرى، وقدّر صوغه الجامع على النحو التالي: كيف تُردّ الجاذبيّة في التصور النيوتوني
إلى قوّة رياضية؟ ثم فرّعها إلى نقاط ثلاث: أ- كيف تقوم هذه القوة الرياضية على دحض القوى السحرية (الجاذبية قوّة خفيّة) وتتجاوز
القوى الفيزيائية (الجاذبية نزوع داخلي لأجسام)؟ ب- كيف تقتضي إعادة تعريف الحركة بما هي حالة (status) حركة عطالية تجري على الاستقامة؟ (ص.-142143)
ج –كيف يكون، أخيرًا، من الممكن صوغ قانون
الفعل التجاذبي الكوني بصورة كميّة قائمة على
التناسب التربيعي العكسيّ مع المسافة الفاصلة
بين الأجسام المتجاذبة أو المتنابذة؟ إذا نظرنا إلى علاقة الرياضيات بالفلسفة، ألفينا أن الوجه المستشكل فيها أجراه كويريه على صراع قائم بين الفرضية الخيالية والفرضية القاعدة، أو المبادئ المبرهن عليها خبريًا، فيكون مدار
السؤال هو كيف تروم النيوتنية تأسيس فلسفة
جديدة خِبريّة ورياضية في آن، تحصر نفسها
في معرفة سطح الأشياء (ص. 831) وتُقوّض
كل نزعة قبليّة مغرقة في اصطناع الافتراضات
الخياليّة وحبك الاستنتاجات الشمولية؟ وأما إذا نظرنا إلى مسألة الجاذبية في بُعدها
الكوسمولوجي، أوقفنا كويريه على أن الوجه المستشكل فيها قائم على صراع بين تصورات تخمينية وافتراضية للعالم والكون تُخضع العلم للميتافيزيقيا (نظرية الدوامات الديكارتية والمدافعين عنها أمثال هويغانز ولايبنتز، وخصومة الخ ءاا بين هذا الأخير وك رااك)، وتصورات للكون تُحتّمها التعريفات العلمية
(تعريف الحركة العطالية على الاستقامة بما هي «ضرب من القوة المقاومة (insita vis (تبقي الجسم على حاله إن كان ساكنًا أو متحركًا حركة منتظمة وعلى خط مستقيم» (ص 147 - 814)، والقوانين الفلكية الجديدة (قوانين كب راا)، فيكون السؤال هو التالي: كيف تقتضي الطبيعة الرياضية للجاذبية في تقدير النيوتنية
ردّ العالم إلى عناصر ث ثااة (بدلً من عنصرَي
الامتداد والحركة الديكارتيين): المادة الجسمية ال مااتناهية العدد والحركة بوصفها الحالة العطالية المستقيمة والخ ءاا بوصفه المكان ال مااتناهي والمتجانس، حتى يكون تطبيق
الديناميكا الرياضية على الظواهر الطبيعية جمعاء (من حركة التفاحة إلى حركة الكواكب التي تدور حول الشمس) أمرًا ممكنًا علميًا؟ ويترتب على هذا التصور الكوسمولوجي للجاذبية وجه مستشكل رابع من طبيعة
ميتافيزيقية لاهوتية قِوامه صراع بين ما هو علمي وما هو ميتافيزيقي ولاهوتي، أي بين ردّ
الفيزياء إلى الميتافيزيقا وال هااوت أو انفتاح المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية على فروض ميتافيزيقية ألوهية أو ربوبية، وهو موجه لا مندوحة إلى ديكارت، صاحب كتاب المبادئ الرياضية، فيكون سؤاله هو التالي: إذا كان قانون الجاذبية النيوتني الذي يَنُصّ على أن قوّة
التجاذب بين الأجسام بما هي واقعة متناسبة عكسًا مع مربع المسافة الفاصلة بينها هو
القانون الوحيد الذي يُطبق على الأجسام كافة،
ويتّخذه الإله أيضًا قانونًا للخلق، فكيف تتوصل
الأجسام إلى اجتياز هوّة الخ ءاا التي تفصلها
وتعزلها بعضها عن بعض بشكل جذري؟ ألا يحتاج العالم النيوتني إلى قناعات ميتافيزيقية
(لا افتراضات ميتافيزيقية مستحيلة عقلً كفرضية الفعل عن بُعد (ص. 73) توجهه من غير أن
تعيق عمله (كالأثير والزمان والمكان المطلقين والحضور الأبدي لإلهي في كل مكان)؟ وإن شئت، فقل كيف نفسر خاصية الجاذبية، بما هي العنصر الرابع الذي يضيفه نيوتن إلى العناصر الث ثااة (المادة والحركة والمكان) من غير أن نعتبرها إحدى الخصائص الجوهرية والأساسية لأجسام مثل الامتداد والحركية وال ناافاذية والكتلة؟ ألا يعني ذلك أن هذا العنصر، إذ هو عنصر لا يدخل في تركيب العالم النيوتني، فإنه
لا يعدو أن يكون «إما قوة فيزيائية عالية - فعلً
إلهيًا- أو بنية رياضية تضع قانون نَظْم الك ماا
في كتاب الطبيعة الإلهي، أو أن يكون في واقع
الأمر هذا وذاك في آن: قوة فيزيائية عالية تمارس فعلها وفقًا لقانون رياضي دقيق؟» (ص. 69) فالمتمعّن في هذه الوجوه الأربعة المستشكلة
لمسألة الجاذبية يقف على أن الخيط الناظم بينها يعود إلى الأساس الرياضي الذي تُردّ إليه
جميع هذه الوجوه وتنبني عليها فلسفة نيوتن
الخِبرية الجديدة. وما عنوان كتابه: المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية إلا دليل ظاهر على هذا الأساس وتَعْرِيض باطنٌ بكتاب ديكارت
الموسوم ب مبادئ الفلسفة. وأما المنهجالذي سلكه كويريه، فيعتمد التحليل المفهومي «لبيان كيف تتّصل الأفكار العلمية
الأساسية بأهم تيارات الفكر الفلسفي وكيف تتحقق تجرييًا». وإذا كانت مجموعة الدراسات
النيوتنية قد كشفت لنا عن تاريخ شيّق صرف فيه
الفكر البشري جهوده كلها لصوغ أفكار وصنع أدوات ونماذج جديدة للتفكير والفهم، فكللت بالنجاح تارة وآلت إلى الفشل تارة أخرى، فإن الأسلوب الذي توسّل به كويريه في بسط
مقالاتها لا يقلّ عنه عذوبة وجزالة، ومردّ ذلك
في تقديرنا إلى صفات امتاز بها صاحب هذه الدراسات، وهي صفات ذاتية وموضوعية. أما الصفات الذاتية، فتخصّ ثقافة الرجل
العلمية والفلسفية الواسعة وترجماته البارعة، بحيث أمكنه أن يشقّق دلالات المفاهيم الملتبسة ويدقّق في معانيها المستحسنة والمستهجنة. فهو يدقق في الترجمات الشائعة للعبارة ال تااينية الملتبسة التي يكرّرها نيوتن
غير مرة: fingo non Hypotheses، فيبادر إلى وضع ترجمة جديدة هي: «أنا لا أصطنع
فرضيات» (ص. 99). بدلً من «أنا لا أضع
فرضيات» أو «أنا لا أتخيل فرضيات»، مميزًا أولً بين وضع الفرضية واصطناع التخمينات، والفعل
الأول يرجع - في نظره - إلى المجال العلمي أو
إلى الفلسفة الخِبرية الرياضية الجديدة، بينما ينتسب الفعل الثاني إلى مجال البناء الخيالي الميتافيزيقي. ثم يستفيض كذلك في الحديث
أولً عن المعاني الممكنة للفرضية، متوسًّ
في ذلك بالآثار العلمية القديمة والحديثة (ص. 95)، ثم يعمد، ثانيًا، إلى أعمال نيوتن العلمية
فيبسطها على محكّ النقد والمراجعة، ناظرًا في
طبعاتها المتتالية ومقارنًا بين عباراتها المزيدة ها هنا والمحذوفة هناك، ف يتوقّف عن التحليل
إلا وقد خَلُص إلى ترجيح الموقف الذي يظنّه
على قدر كبير من الحياد والموضوعية، فيَرد
إلى النيوتنية والديكارتية ما لها وما عليها. وبهذا
يكون كويريه قد خلّص القارئ من الخلط الشائع بين معاني «الفرضية» المختلفة والمتناقضة بعد أن كشف له عن السياق الذي يَرد فيه لفظ
الفرضية في معنى القضية الأساسية التي تقوم عليها نظرية معينة، والسياق الذي يحمل فيه هذا اللفظ على معنى التخيل الخاطئ أو غير المثبت، والسياق الذي يتنزل فيه لفظ الفرضية
بما هي خيال صرف قَدّها العقل التأملي على نحو قبلي ولم يستنبطها من واقعة كلية كونية. ومن ثم أوقفه على تأوي تااها السيئة الرائجة وأكسبه اطلاعًا عميقًا على المساهمات العلمية
في العصر الحديث، وساعده على استخلاص رأيٍّ نيوتنيٍّ مُصَفّى يجعل من مدلول الفرضية
في العلم الفيزيائي يتقلّب بين الظواهر والقواعد والقوانين والأوّليات. وإذا أجال القارئ البصر في المصادر والمراجع التي اشتغل بها كويريه في بسط هذه الدراسات النيوتنية، ودقق النظر في الهوامش التي صاحبت
هذه الدراسات، أدرك أن الرجل مؤرخ ثَبْتٌ
وبحاثة ضليع في تاريخ العلم الحديث وفكره، له اقتدار عجيب على تشقيق القول في المسائل
الخصامية الدقيقة بين علماء أفذاذ نازعوا نيوتن قصب السبق في صوغ قانون الجاذبية. فيبدأ
بمناقشة دلالات مفهومه مسترسً في تتبّع
تاريخه خطوة خطوة ومتوقّفًا عند اللحظات
الحاسمة متعجبًا ومتأسفًا على إحجام الفكر
المبدع واليقظ عن المضيّ قُدمًا في مسار
استكمال صوغ النسق العلمي الحديث (ديكارت وإفراطه الهندسي، ونزعة غاسندي
الديكارتية مثً، فالأول أهمل التجربة وجنح إلى التخيّل، فكان صوغه الفيزيائي صوغًا
عقليًا قبليًا خالصًا، والثاني وقع سجين المذهب
الديكارتي، فكان خطابه العلمي دفاعيًا أكثر
من كونه إبداعيا (ص 137 والضميمة خاء). ثم يختم بصوغ قانونه صوغًا كليًّا وبإبراز حدوده
الميتافيزيقية التي تدور على منزلة حضور الإله في العالم وع قااته بالزمان والفضاء المطلقين.
فلا يجد حرجًا في أن يُخَطّئ لايبنتز ويشنّع عليه
في ادعائه التوفيق بين نظرية الدوامات الديكارتية والجاذبية النيوتنية في مقاله «محاولة في معرفة علل حركات الأجرام السماوية»، ويُنصف نيوتن
من غير تحيّز ولا تقوّل في ما ذهب إليه من قول
لا لبس فيه بأن الجاذبية ليست سوى قوة رياضية ندرك كيفيتها ونجهل حقيقتها. وأما صفاته الموضوعية، فمفادها أن التحليل المفهومي الذي ينهض - في تقدير كويريه - بمهمة الوصل بين الأفكار العلمية والتيارات الفلسفية ما كان له ليثمر مقاربة إبستيمولوجية تاريخية للفكر العلمي الحديث لو لم يكن صاحبه قد عزّزه بأسلوب المقارنة والترجيح
والحجاج بالمفارقات. ف تجده يكتفي -
عند تعذّر وجود الدليل الصريح على السبق العلمي النيوتني- بالنصوص المطبوعة المعلومة، بل تجده يتقصّى الرسائل والنصوص
المجهولة، ويفحص الطبعات الجديدة، فيجمع
من خ لااها القرائن الدالة ويقارن بينها ويفسّر
بعضها ببعض (كتفسير نصوص نيوتن بعضها ببعض)، ثم يخلص إلى استنتاج تأويلي أو يترك
المجال مفتوحًا للقارئ للتفكّر فيه على نحو ما
نلمسه عند فحصه النقدي لأعمال نيوتن الشاب
والعالم الناضج وطبعات كتابه المبادئ الرياضية المزيدة والمنقّحة خاصة، وهو ما يعني أن كتابة تاريخ الفكر العلمي الحديث لم تعد عند كويريه مقصورة على المتعارف عليه من الآثار العلميّة، بل صارت تُعنى بالتفصي ت الدقيقة
المتعلقة بسيرة العلماء المبثوثة في مراسلاتهم ومسودّاتهم ومخطوطاتهم (مخطوطات نيوتن)
وفي الكتب المعنيّة بالشأن العلميّ على وجه
العموم، كرسائل فولتير الفلسفية مثً، وغيرها. فلا تجد صاحب هذه الدراسات يرسل أحكامه على عواهنها بل تجده مدقّقًا في العبارة والمفهوم، مشيدًا بعمل العالم في نقطة علميّة،
مستدركًا له في نقطة علمية أخرى. ف يتوقف بالتحليل المفهومي عند استعراض دلالات المفاهيم العلمية وكيف تطوّرت، بل يمضي
إلى تنزيلها في سياق مناقشة بعض التصورات
والترجمات، مستصوبًا بعضًا منها ومخطّئًا
بعضها الآخر. ومن ثم يأخذ كويريه بيد القارئ لكي يغوص في تفصيلات الخصومات العلمية، وينظر في مدوّناتها المختلفة من غير أن يسيء
الفهم أو من غير أن تُنتقص حياديّته (ص. 160)؛
إذ نراه مثلً يحفظ لنيوتن السبق العلمي ويخطّئ ديكارت في قوانين الاصطدام، ثم يستدرك في قوله، فيذكر تأثر الأول بالثاني تأثرًا مباشرًا...
(ص. 161). ونراه كذلك في الفصل الخامس من الكتاب يفصّل القول، ويدقّق التحليل في
شخصيتين فذّتين وغريبتي الأطوار: روبرت هوك وإسحاق نيوتن؛ فمن خلال رسالة غير منشورة، يقوم بتحليل نقدي يفكك فيه هذه الخصومة
القائمة بين الرجلين ويبحث عن أسبابها الظاهرة والباطنة، ف يبخل على القارئ في تقديم المادة العلمية الدقيقة والتحليل النفسي العميق للدافع المزاجي الذي يوجّه هذه الخصومة، ثم
يردف ذلك بتمحيص موقفَي الرجلين العلميين، مراوحًا بين الانتصار لهذا العالم أو لخصيمه. كل
ذلك يتم بالحجة والدليل، سواء بمقارنة محاولة هوك (03-1635 71) بمحاولات معاصريه وأس فااه المباشرين، مثل محاولات بورلي (1697-1608) «أو بالكشف عن تهافت موقف نيوتن في عدم اعترافه بالخصوبة المذهلة لفكر هوك الوقّاد» بالبحث في رسائله إلى هالي (1608 - 1697). وزيادة على هذا، لا يسعنا إلا أن نلفت انتباه القارئ إلى أهمية الاستطرادات والاستدراكات والنقاشات التي أودعها كويريه في هوامش هذا الفصل حتى يزيد البحث في الخصومة بين الرجلين إغناء وإحاطة. وأما الأطروحة التي يدافع عنها كويريه في هذه الدراسات، فهي على وجهين، علمي وإبستيمولوجي. أما الوجه العلمي، فيتعلق بانتصار النيوتنية على خصومها (ديكارت والديكارتيين ولايبنتز...) في تفكيرها العلمي في مسألة الجاذبية، حيث استبان له أن النضال الطويل المدى من أجل نصرة ديكارت أو نيوتن قد حمل في الحقيقة صراعًا بين حركة
تقدميّة للمثل الأعلى للعلم الحديث جسّمها
كتاب المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية من خ لاا اشتراطه الجمع بين الخبريّ والرياضيّ
لكي يمضي قدمًا في اكتشاف قوانين الطبيعة
وحركة أخرى ارتكاسية وخاطئة رفع لواءها كتاب ديكارت مبادئ الفلسفة من خلال إصرار صاحبه على إخضاع العلم لفرضيات خيالية ميتافيزيقية، فكانت النيوتنية تمثّل الحقيقة بينما كانت الديكارتية تمثل الخطأ ذاتيًا (ص. 127).
وأما الوجه الإبستيمولوجي، فيدور حول أن هذا الانتصار العلمي الذي حققته النيوتنية يستبطن حركة الفكر البشري ذاته، وهو يقاوم جميع أشكال الجمود الفكري والتعصب المذهبي لكي يرسي نظامًا جديدًا في المعرفة هو نظام
المعرفة العلمية، بما هو نتاج عبقريتين: عبقرية تجريبية وعبقرية رياضية. بيد أن هذا النظام العقلاني العلمي لا يخلو من مفارقة فحواها أنه نظام لا يجري - في نظر كويريه - على الاستقامة وفي وضح النهار، بل يحتكم إلى طابع خصامي
محفوف بظلمة التعصّب المذهبي والتقلّب
المزاجيّ ويتغذّى من النفي (ص. 014) والفشل،
فتكون، عندئذ، «حالات الفشل والاكتشافات الخائبة والأخطاء المرتكبة والمحاولات التي
لم تُكلّل بالنجاح [عند مؤرّخ الفكر العلميّ]
أكثر إفادة من النجاح لأن تلك الكبوات وحدها هي التي تسمح لنا بإدراك وجود قوة أشكال من المقاومة (العقلية) كان لا بد من
قهرها ومن إدراك عوائق كان لا بدّ من التغلّب عليها للوصول إلى وضوح الحقيقة المكتشفة» (ص. 8)3 ومن ثم وجد كويريه في أسلوب الحجاج بالمفارقات ضالته للكشف عن كيفية تأليف الفكر العلمي الك سيكي بين التناقضات وإعادة بناء مفاهيمه الأساسية، مثل المادة والحركة والمادة والامتداد الجاذبية والقوة... إلخ. فما يشتغل به كويريه في كتاباته الإبستيمولوجية على وجه الخصوص ليس التحليل المفهومي للمنجز العلمي فقط، بل النفاذ إلى عمق التفكير البشري ذاته لفهم الطبيعة الإنسانية وكيف يتداخل عندها العلمي والفلسفي الميتافيزيقي ال هااوتي وكيف قُدّر للفكر الحديث أن يفتح المجال واسعًا ل ستعاضة عن لغز الكون بلغز
الفكر ذاته.
وأما القيمة الإبستيمولوجية لهذا الكتاب، فهي جلية لا تخطئها عين القارئ، وتقوم على الجمع بين مهمتين متعاضدتين: مهمة المؤرخ المدقق والمحقق والممحّص للنصوص العلمية
(كتابات نيوتن العلمية المطبوعة ومخطوطاته ومراس تااه المجهولة)، ومهمة الإبستيمولوجي الناقد المشتغل بالخصومات العلمية في مظانّها، يحلل نصوصها ويتتبع خطوات تشكلها بمقارنة بعض عباراتها ومفاهيمها ببعض. ومن ثم يخلص إلى عمق التجربة العلمية الإبداعية كما مارسها علماء العصر الحديث، فيكشف عن مواطن الفكر البشري الارتكاسية والارتدادية ومواطن المقاومة والإبداع، وهو ما يعني أن تاريخ العلم لا يحمل في ظاهره ثورة علمية فحسب، بل يحمل، كذلك، في عمقه ثورة في بنية تفكيرنا العق نااي، بل قل على وجه الدقة، نموذجًا جديدًا للتفكير. بناء
عليه، تكون محاولة صاحب هذه الدارسات من أولى المحاولات التي وصلت الإبستيمولوجيا بتاريخ العلوم لتأسيس ضرب جديد من المقاربة الإبستيمولوجية هي المقاربة «الإبستيمولوجية التاريخية» التي تنظر من وراء فعل فلسفي عق نااي نقدي تأويلي إلى الفتوحات العلمية خ لاا سياقها التاريخي لطرح الأسئلة التالية: كيف يولد المفهوم العلمي؟ وكيف تُصقل دلالاته العلمية وتنضج؟ وما الذي أعاق هذا العالم (ديكارت) أو ذاك (لايبنتز) إذا قورن بالدور النيوتني عن المضيّ قُدمًا في تأسيس
خطاب علميّ حديث مصفّى من التصورات
الإحيائية والفروض الخيالية، وهُوَ مَنْ هُوَ في
علمه وحسّه النقدي؟ وكيف يتغذّى الفكر
ال حق من نفيه للفكر السابق؟ وكيف يتوجّب
على الأفكار الجديدة في العلم أن تُحوّل
الأفكار القديمة إلى أخطاء؟(ص. 141). وإذا
كانت هذه المقاربة الإبستيمولوجية التاريخية تقر بالقطيعة والانفصال في تاريخ العلم بين العلم واللاعلم، فبأي معنى نحتفظ بهذا الإقرار في ضوء علم معاصر يبنى في نطاق الممكن؟ كل هذه الأسئلة وغيرها استحالت مدار التفكير الإبستيمولوجي المعاصر في التقليد الفرنسي على وجه الخصوص (كما نلمس ذلك عند الإبستيمولوجي غاستون باشلار 1884 - 1962) وجورج كونغي ماا (995-19051) والتقليد الإنكليزي - الأميركي على وجه العموم (كما نلمس ذلك عند توماس كون (1996-1922) وجيرالد هولتون (1922 -...)). ومما يزيد القارئ العربي حماسة للاطلاع على هذا الضرب من الدراسات الإبستيمولوجية للفكر العلمي الحديث هو، في رأينا، خروج طبعته المعرّبة إلى الناس في نسخة بذل فيها
المترجم، أستاذ الفلسفة الحديثة وتاريخ الفكر الفلسفي والعلمي في العصر الحديث، يوسف بن عثمان، الوسع في التعريب، فجاء عمله
وفيًا للسانين الإنكليزي والعربي، حافظًا لأول
معناه وللثاني مبناه، حتى لكأنّك تقرأ نصًا
كُتب بلسان عربي في صورته الأولى من غير تزيّد ولا نقصان. ولم يكتف المترجم بتعريب
الكتاب، بل بادر إلى وضع مقدمة له تنزله في سياق تاريخ الفكر العلمي الحديث، وتكشف عن وجاهة طرحه وآفاقه، وتُيسر للقارئ حسن القراءة. ف ترانا نبالغ إن قلنا إن أطروحة هذا الكتاب الدائرة حول كيفية كتابة تاريخ الفكر العلمي الحديث لا تزال تحتفظ بوجاهتها وراهنيتها على رغم انقضاء أكثر من نصف قرن على نشره، وأن نسخته العربية التي تكفّل المركز الوطني للترجمة في تونس بنشرها في طبعة
رائقة، تعدّ حدثًا في حد ذاته للقارئ العربي، الذي يروم فهم التنوير الأوروبي من خ لاا
حداثته الفلسفية والعلمية والتقنية. والأمل معقود اليوم على المختصين بالعلم إنتاجًا
وفهمًا لكي ينهضوا بمهمة تعريب الأعمال
الإبستيمولوجية الرائدة حتى تغتني مكتباتنا بها، ويجد فيها الباحث المختص ضالته، ويدرك ما يجب إدراكه من أن قوة الحدث العلمي تدور على إبداع النظرية العلمية وابتكار النموذج الفكري البشري في آن.
الهوامش
لم يذكر كويريه هذه الأبعاد الأربعة لمسألة الجاذبية
بصريح العبارة، فضً عن تبويبها، وإنما بثها في مقالاته وضمائمه وألمح إليها بالتحليل متفردة، بحسب ما يقتضيه الوجه المستشكل من فكر نيوتن. ونحن إذ نحصيها ها هنا ونبوّبها ونكشف عن وجوهها الأربعة المستشكلة، فأجل
أن نساعد القارئ على تمثّلها. تعبّر نظرية الدوامات / tourbillons des théorie La (
) Theory Vortex The عن الكوسمولوجيا الديكارتية،
وتتأسس أولً على عنصرَي الامتداد والحركة اللذين يرجع
إليها العالم الجديد، وتتأسس ثانيًا على قانون الثبات أو
البقاء الذي يفيد أن ما خلقه الله يبقيه في الوجود ويحافظ عليه، وقواعد ث ث يحرك الإله بمقتضاه الطبيعة هي: -1 استمرار كل جزء من المادة على الحال نفسها ما لم يجبره اصطدامه بغيره على تغييرها؛ -2 «عندما يدفع جسم جسمًا
آخر، لا يسعه أن يمنحه أي حركة ما لم يفقد في الوقت نفسه ما يعادلها من حركته الذاتية»؛ -3 ينزع كل جزء من أجزاء جسم يتحرك في الغالب على خط منحن إلى مواصلة حركته على خط مستقيم على الدوام. ويترتب على هذا أن العالم الجديد إذ يتكون، في تقدير ديكارت، من الشمس والنجوم الثابتة المتكونة من عنصر النار والسماوات التي تتكون من عنصر الهواء والأرض والكواكب السيارة والمذنبات المتكونة من التراب، فإن الحركة الوحيدة الضرورية التي خلقها الله لما خلق المادة وحافظ على كميتها هي حركة نقلة، حيث ينتقل الجسم المتحرك من موضع إلى آخر. ولكن كيف تكون حركة النقلة ممكنة والعالم م ءاا لا خ ءاا فيه البتة؟ الجواب الديكارتي يفيد بأن: «يدفع كل جسم يتحرك على الاستقامة جسمًا آخر وهذا الأخير يدفع جسمًا ثالثًا. ولكن لمّا كان من
المحال أن تتحرك أجزاء المادة كلها في خط مستقيم لانعدام الخ ءاا في هذا العالم الديكارتي، ولمّا كان في وسعها أن
تبدل اتجاهها، وجب أن تتفق كلها معًا على بعض الحركات
الدائرية، «مثل عجلة تدور حول محورها حيث تمضي كل أجزائها في خط دائري لأنها حيث هي مجتمعة بعضها على بعض لا تستطيع المضي بصورة أخرى» حتى وإن كان ميلها
وهي متفردة هو المضي على خط مستقيم. ولمّا كان الله قد
حركها، كذلك، منذ البدء، على صور متنوعة، لزم من ذلك أن تتحرك حركة دائرية حول مراكز مختلفة. وبهذا تكون صورة حركات الأشياء في هذا العالم الجديد الديكارتي على شكل دوامات، حيث تحيط الدوامات الكبرى بالدوامات الصغرى، ولا يمكن تحديد العلاقة التفاعلية من فعل ورد فعل بين هذه الدوامات إلا بالقوى الجاذبة التي تشدّ الكواكب إلى مدارها،
وانعدام وجود الخ ءاا في الطبيعة، ومن ثم لا تخرج أجزاء الأجسام المتشكلة عن مسار تحركها ودورانها. تدور هذه الخصومة بين لايبنتز وك رااك حول ما إذا كان الخ ءاا موجودًا أم معدومًا. والأول إذ ينفي الحقيقة
الميتافيزيقية للمكان والزمان ويردهما إلى مجموعة من العلاقات في نظام التواجد والتعاقب، فإنه ينفي وجود الخلاء بمقتضى «مبدأ التمام» الذي يقر بأن القول بالملاء أليق بالإله
الكامل كمالً لامتناهيًا والذي يخلق المادة في أي مكان.
ومن ثم يكون الإقرار بوجود الخلاء استنقاصًا للقدرة الإلهية
وتشويهًا لصورة نظام للعالم ومناقضة لمبدأ العلة الكافية التي
تلزم بخلق المادة في كل مكان. أما الثاني، فهو يقر بالوجود الضروري للخ ءاا، وذلك بدليل أن التمييز بين المكان (أو/ والامتداد) ال مااتناهي والمادة المتناهية يؤدي بالضرورة إلى وجود الخ ءاا. أضف إليه أن رفض الخ ءاا يرجع إلى خطأ منطقي قائم على الخلط بين الخلاء والعدم «فالمكان الخالي من المادة لا يجعله هو ذاته لا شيء» (ص. 892)، ويفضي باستناده إلى المماهاة بين الامتداد والمادة إلى القول بأزلية المادة، وهو قول يخالف العقل ويربك تصورنا لقدرة الإله على الخلق (انظر الضميمة ثاء). ويعني ذلك أن التصور النيوتني للكون إذ يستند إلى التمييز
بين المادة والامتداد، فإنه ينتهي إلى القول بأن الطبيعة كُتبت بحروف وكلمات جسيمية، حيث تكون المادة متكونة من عدد لامتناه من الجزيئات منفصل ومنعزل بعضها عن بعض وتسبح في مكان لامتناه ومتجانس وفق حالة من الحركة العطالية. ومن ثم يمكن دراسة قوى التجاذب بينها وفق قواعد رياضية خالصة. قدم روبرت هوك تفسيرًا «في انعطاف حركة مستقيمة إلى
حركة منحنية بفعل مبدأ جاذبية يحدث لها»، رافضًا بذلك ضغط الأثير ومفترضًا «وجود خاصية جاذبة كامنة في مركز الجسم؛ خاصية يسعى بواسطتها الجسم على نحو مستمر إلى جذب الجسم الآخر أو جره إليه» (انظر ص 883، هامش 3)، وهذا ما يظهر لنا من خ لاا مثال النواس المخروطي، حيث تكون الحركة الدائرية متكونة من نزوعين: نزوع إلى الحركة المستقيمة عبر الخط المماس ونزوع نحو المركز (انظر الضميمة دال). يذهب بورلي إلى وجود نزوع أو غريزة طبيعية في الكواكب تجعلها تتحرك نحو الشمس. وقد استعاض عنها هوك بوجود قوة كامنة في الجسم المركزي تجذب إليه الكواكب والأقمار، وتتغير بحسب المسافة الفاصلة بينهما (ص. 388-389)