العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ألان باديو:

ألان باديو:

Our Evil Has Deeper Roots

عبد الرحمن بو علي

Abdel Rahman Bouali

الملخّص

كتاب "شرنا يأتينا من بعيد" Notre mal vient de plus loin كتاب عاصف كتب في سياق عاصف من الأحداث المتسارعة، خاصة منها تلك الأحداث المتسمة بطابع الإرهاب ونمو الحركات الجهادية العنيفة من جهة، وأحداث الربيع العربي التي هزت بلدان المشرق والمغرب هزا عنيفا، وفي ظل تمدد الحركات العنصرية الغربية لليمين المتطرف في ألمانيا وفرنسا، وغيرها من البلدان الغربية كرد طبيعي أو غير طبيعي على الأحداث. في مثل هذه الظروف كتب باديو كتابه المميز هذا ليعلن للجميع أن ما وقع من أحداث في باريس يوم الجمعة 13 نوفمبر من عام 2016 ليس وليد الإسلام كما ذهب إلى ذلك طائفة من مدعي هذه الأطروحة المعلبة والفرية المشروخة التي تتناقلها وسائل الإعلام الغربية في كل يوم وحين، وإنما هو وليد البيئة الغربية المتشققة والمليئة بالتهميش الفاضح واللامبالاة البلهاء واللاعدالة الماكرة تجاه فئات من الشعب الفرنسي تقتات على الفتات من الخيرات أو لا تجد شيئا تقتات منه.

Abstract

The book "Notre mal vient de plus loin" is a book written in a stormy context of rapid events, ones characterized by terrorism and the growth of violent jihadi movements on the one hand, the events of the Arab Spring that shook the Arab East and West on the other, and the extension of Western racist movements of the far right in Germany and France and other Western nations as a natural or unnatural response to events. In this context, Alain Badiou has written this distinctive book to make clear that the events that occurred in Paris on Friday November 13, 2015 were not the product of Islam, as suggested by those who claim this pre-packaged thesis and the broken daily record of the Western media, but the product of the fragmented Western context replete with vile marginalization, blithe indifference, and cunning inequality towards sections of the French people who live off the crumbs of charity or who are completely destitute.

الكلمات المفتاحية:
  • الإسلام
  • الحركات الجهادية
  • الربيع العربي
Keywords:
  • Jihadist Movements,
  • Arab Spring
  • Islam

الكاتب

: ألان باديو الكتاب

: شرّنا يأتينا من بعيد

Notre Mal Vient de Plus Loin: العنوان الأصلي

الناشر

Editeur Fayard:

مكان النشر

: باريس/ فرنسا تاريخ النشر عدد الصفحات: 85

مدخل

يُعَدّ الفيلسوف الفرنسي ألان باديو A. Badiou)) (1937 -) من أبرز فلاسفة فرنسا في العالم المعاصر بفضل كتاباته في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وفي العقدين الماضيين. وما يميزه هو أنه أحدث ضجة مرات عدة في الفكر الفرنسي والعالمي، كانت نتيجةَ جرأته في طرح القضايا الكبرى ومناقشتها، بل في وجهة (أو وجهات) النظر

التفكير في مجازر 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016

Reflections on the November 13, 2016 Massacres

التي ارتضاها لنفسه ضد جميع الإكراهات المحيطة به. وهذا ما جعله يحتل مكانة لائقة بالفلاسفة الطليعيين والمؤثرين تأثيرًا كبيرًا في

صوغ القضايا الكبرى والمحرجة. كان باديو من أكبر المعارضين لاتجاهات الفلسفات المعاصرة، منها فلسفة البنيوية. وقد ناضل ضد الاتجاهات هذه وناقشها بعق نااية الف سفة الكبار. إضافة إلى ذلك، وجّه معوله

نحو هدم ما ادعته فلسفة ما بعد الحداثة من أنها تقوم على القاعدة الهرمونيطقية واللغوية للوجود، رافضًا كل ما نحا إليه هذا الفكر، ومناقضًا أطروحات ف سفته من أمثال دولوز وفوكو ودريدا. لقد رأى – نقيضًا لأفكار أولئك – أن الفكر الحقيقي يجب أن يرتكز - بالضرورة - على الوجود في بُعده الأنطولوجي، وأن هذا

البُعد يجب أن يُربَط بالرياضيات. إن أهمية باديو الكبيرة وقوّته الأخاذة تتجسدان

– بالأساس – في قوله إن للحقيقة مستويات أربعة: الحقيقة الكلية والحقيقة الذاتية والحقيقة على مستوى الحب والحقيقة الرياضية، أي المستندة إلى الرياضيات. والحقيقة ترتبط بهذه المستويات كحدث لا كماهية. وقد وضع أسس هذه الفكرة القوية في كتابه المهم L’Être et l’Événement (الكينونة والحدث)، وهو كتابه المركزي الذي وضعه في مواجهة الأفكار البسيطة والسطحية – في نظره - لأولئك الف سفة الذين زيفوا الحقائق واستمرأوا التحليلات الفقيرة والسطحية والسريعة.

سيرة باديو ومؤلفاته

ولد باديو في مدينة الرباط المغربية سنة 937.1 وفي سن مبكرة، انخرط في مجال السياسة، منتميًا إلى اليسار الفرنسي، حيث شارك في

تأسيس الحزب الاشتراكي الفرنسي. كما ظل من أقرب المفكرين إلى الشعوب المستعمَرة،

حيث وجدناه يرفض الاحتلال الفرنسي للجزائر ولأقطار المغرب العربي الأخرى. وفي سنة 1967، انضم، وهو في طور اكتماله الفكري، إلى الجماعة التي أسسها الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير، فتأثر به مثلما تأثر في الفترة ذاتها

بفكر العالم النفساني جاك لاكان. كما شارك في الانتفاضة الطلابية في فرنسا (أيار/ مايو 1968). في مقابل ذلك، عارض باديو معارضة شديدة كلًّ من جيل دولوز وجان فرنسوا ليوتار. نشر في سنة 9881 كتابه L’Être et l’Événement، الذي يُعتبر من أبرز كتاباته، ثم نشر في سنة

005 2 كتابه استعمالات كلمة «يهودي» الذي أثار ضجة كبيرة عادت عليه باتهامه بمعاداة السامية. كما نشر مؤلفات عدة، من بينها: بيان من أجل الفلسفة Manifeste pour la (

) philosophie، و Monde contemporain et

désir de philosophie (العالم المعاصر والرغبة

في الفلسفة)، و essai sur la L’éthique,

conscience du mal (علم الأخلاق: بحث فوعي

الشر)، و dutranscendantal Mathématiques

(رياضيات التعالي)، و Second manifeste pour la philosophie (البيان الثاني من أجل الفلسفة)، ومديح الحب (Éloge de l’Amour)، و Le Fini et l’Infini (المنتهي وال ماانتهي)،

(البحث عن À la recherche du réel perdu و الواقع المفقود)، و de Platon La République

(جمهورية أف طون)، والكتاب الذي هو موضع مراجعتنا له في ما يلي.

محتويات الكتاب ومقولاته الأساسية

يأتي هذا الكتاب في سياق عاصف من الأحداث المتسارعة، خاصة منها تلك المتسمة بطابع الإرهاب ونمو الحركات الجهادية العنيفة من جهة، وأحداث الربيع العربي التي هزت بلدان المشرق والمغرب العربية هزًا عنيفًا من جهة أخرى، وفي ظل تمدد الحركات العنصرية الغربية لليمين

المتطرف في ألمانيا وفرنسا، وغيرهما من البلدان الغربية، كرد طبيعي أو غير طبيعي على الأحداث. في هذه الظروف، وضع باديو كتابه المميز هذا ليعلن للجميع أن ما وقع من أحداث في باريس يوم 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2016 ليس وليد الإس ماا كما ذهب إلى ذلك طائفة من مدعي هذه الأطروحة المعلبة والفرية المشروخة التي تتناقلها وسائل الإع ماا الغربية في كل يوم وحين، وإنما هو وليد البيئة الغربية المتشققة، والمليئة بالتهميش الفاضح وال ماابالاة البلهاء وال عاادالة الماكرة تجاه فئات من الشعب الفرنسي تقتات على فتات الخيرات. يقع الكتاب في سبعة مقاطع، إضافة إلى المقدمة، وهي كالتالي: المقدمة: الأخطار الث ثااة المؤثرة؛ 1 - بنية العالم المعاصر؛ 2 - التأثيرات في السكان؛ 3 - الذوات المتفاعلة؛ 4  - الفاشية المعاصرة؛ 5 - من هم القتلة؟؛ 6  - رد فعل الدولة: «فرنسا» و«الحرب»؛ 7 - شروط العودة إلى سياسة تحرر مستقلة عن مخطط العالم المعاصر.

مقدمة الكتاب: الأخطار الثلاثة المؤثرة يتحدث باديو في المقدمة عمّا يسميه «الأخطار

الث ثااة» المؤثرة التي يتصورها، فيرى أن «الخطر الأولهو السماح للدولة بأن تتخذ تدابير لا لزوم لها وغير مقبولة، وهذه التدابير تخدم، في واقع الأمر، مصلحتها الخاصة». ويضيف: «فالدولة توضع فجأة على واجهة المسرح، وتجد نفسها من حين إلى آخر، وحيث تظن أن تجد، وظيفة التمثيل الرمزي، وضامنة وحدة الأمة، ومواقف أخرى مماثلة».

أما الخطر الثاني، فيكمن في تعزيز ما يسميه باديو الدوافع الهوياتية: «ويشكل هذا آلية طبيعية

جدًا هنا أيضًا. فمن الواضح أنه عندما يموت شخص ما بسبب حادث، في الأسرة، تجتمع الأسرة وتتعاضد، وتتقوى بمعنى من المعاني. وفي هذه الأيام يؤكَّ د لنا، ويقال لنا، ويكرَّر

لنا، والعلم [الراية] بأيدينا، أن مجزرة مروعة تحدث على الأراضي الفرنسية لا يمكن إلا أن تعزز الشعور الوطني. كما لو أن الصدمة تحيلنا تلقائيًا على الهوية». تبعًا لذلك، يرى باديو أن

«كلمتَي ‹فرنسي› و‹فرنسا› المنطوقتين في كل مكان، تصيران مكونًا واضحًا لهذه الوضعية».

يشير باديو هنا إلى أهمية الصدمة الفرنسية، وقد تعلق الأمر بمقتل مواطنين فرنسيين، لكنه يتساءل عن المواطنين الآخرين في بلدان أخرى مثل روسيا ومالي ونيجيريا والعراق وسورية... ويستنتج قائلً: «من الضروري ألا يغيب عن بالنا هذا التعقيد: فكلمتا ‹فرنسا› و‹فرنسي› ليس لهما اليوم أي دلالة تافهة وواضحة بشكل خاص. وعلاوة على ذلك، أعتقد أنه يجب بالخصوص بذل مزيد من الجهد، ضد هذا الدافع الهوياتي بالتحديد، الذي يحتوي على الحدث الرهيب في شكل من المظهر الزائف، وأن نتذكر أن هذا القتل الجماعي المروع يحدث يوميًا في

أمكنة أخرى. نعم، في كل يوم، يحدث هذا في نيجيريا ومالي، ومؤخرًا في العراق وباكستان

وسورية... ومن المهم أيضًا أن نتذكر أن منذ بضعة أيام، أكثر من مئتي روسي لقوا مصرعهم

في طائرتهم التي أُسقطت [في سيناء المصرية] من دون أن يصدر أي انفعال يُذكر في فرنسا.

ربما لأن ‹الفرنسيين› المفترضين يتخيلون أن الروس كلهم هم بوتين الشرير!». أخيرًا، هناكالخطر الثالثالذي يذكره باديو،

وهو ما يمكن أن ينتج من مثل هذه الأحداث من كوننا - كرد فعل عليها- نصير نحن بمثابة

القتلة. إننا نقوم بتقليدهم وتقليد أفعالهم. يقول باديو: «إن هذا الخطر الثالث هو أن نفعل بالضبط ما يرغب في فعله القتلة، أي الحصول على تأثير غير متناسب، واحت لاا المشهد باستمرار وبشكل فوضى وعنيف، وفي النهاية إثارة في محيط الضحايا عاطفة ما، بحيث لا نكون قادرين، في نهاية المطاف، على التمييز بين أولئك الذين يبدأون الجريمة وأولئك الذين يتلقونها؛ ذلك لأن الهدف من هذا النوع من المجازر، وهذا النوع من العنف المفرط،

هو أن نغرس في الضحايا وأسرهم وجيرانهم، ومواطنيهم، نوعًا من الموضوع الغامض، هو في الوقت نفسه مكتئب وانتقامي، يتكون لديهم بسبب طابع الضرب العنيف وغير المبرر تقريبًا للجريمة، لكن الذي لا ينسجم أيضًا مع

استراتيجية رعاته».

بنية العالم المعاصر

يتعرض باديو في هذا الجزء الأولمن تحليله لتوصيف ما نعته ببنية العالم المعاصر كما يراها، فيقوم بتحليلها تحليلً دقيقًا، جاعلً هذا التحليل يتحدد في ثلاثة موضوعات متشابكة ومختلطة، وهي انتصار الرأسمالية المعولمة، وإضعاف الدولة، والممارسات الإمبريالية الجديدة. في النقطة الأولىالمتعلقة بانتصار الرأسمالية المعولمة، يلفت باديو الانتباه إلى العدوانية التي رافقت تمدد الرأسمالية ودمرت جميع المحاولات السابقة التي كانت تسعى إلى إدخال تدابير أخرى على رأس المال، أو تحقيق توازن بين منطق رأس المال وأنواع أخرى من المنطق، أو ما يسمّيه أيضًا «توافقات

الماضي»؛ هذه الأنواع التي «تتجلى في نوع منطق رقابة الدولة، ومنطق التنازلات المقدمة

للنقابات، ومنطق عدم قبول المراكز الصناعية والمصرفية، ومنطق التأميم الجزئي، ومنطق تدابير المراقبة على تجاوزات معينة من الملكية الخاصة، ومنطق مكافحة الاحتكار... ». ويرى باديو أن هذا كله يُدمَّ ر بطرق منهجية،

حتى في البلدان التي يمكن اعتبارها نموذجية. ويخلص إلى القول: «يجب أن نرى بوضوح أن الانتصار الموضوعي للرأسمالية المعولمة هو ممارسة تدميرية وممارسة عدوانية. هي ليست مجرد نوع من التوسع العق نااي أو المعقلن لنظام معين من الإنتاج. ولا يمكننا نحن إلا أن نشعر بالقلق إزاء ضعف المقاومة أمام هذه الأعمال المتكررة من التدمير. هذه المقاومة هي في واقع الحال تراجعات مستمرة، وهي تكون في أماكن محدودة، ومتفرقة، وفي كثير من الأحيان خاصة أو قطاعية، ف رؤية شاملة تجمعها. وفي الواقع، هذا التراجع يحدث من دون انقطاع منذ ثلاثين سنة». في النقطة الثانية، يرى باديو أن إضعاف الدولة ليس سوى نتيجة حتمية لوضع قائم؛ فالدول « ليست في نهاية المطاف... سوى المديرين المحليين لهذا البنية العالمية الواسعة. وهي نوع من الوساطة، غير المستقرة مع ذلك، بين المنطق العام الذي سبق أن وصفته والوضعيات التي تحددها البلدان، أو التحالفات أو الاتحادات أو الدول... وذلك بحسب الحالات». أما سبب ضعف الدولة، فيعود إلى جبروت المؤسسات والشركات الكبرى؛ «فهناك شركات كبرى لديها حجم الدول المتوسطة. ومن ال فاات للنظر أن البنوك نفسها أصبحت تشكل مجموعات كبرى، ونحن نعترف، وببداهة، أن سقوطها أمر مستحيل، هي أكبر من أن تسقط، كما يقال في غالب الأحيان عن البنوك الأميركية الكبيرة. وهذا

يعني أن الماكروسكوبي الاقتصادي يتغلب على قدرة الدولة. وهذا ما أسميه إضعاف الدول». يقود هذا التحليل باديو إلىالنقطة الثالثة المتعلقة بالممارسات الإمبريالية الجديدة، حيث يشرح لنا كيف أن الإمبريالة القديمة، إمبريالية القرن التاسع عشر، كانت تستظل سيطرة فكرة القومية للدولة - الأمة. وبعد أحداث جسام، من قبيل أحداث تقطيع العالم الضعيف مثل ما تقطع الكعكة بين القوات العظمى، وأحداث الحربين العالميتين، لم تتوقف التدخ ت الإمبريالية على الإطلاق، بل الجديد فيها هو أن تدخلاتها

غيرت طرقها. ويعطي باديو مثالً لذلك فيقول إن التدخل الفرنسي في مالي هو لحماية مصالح فرنسا، وقد قسم البلد إلى بلدين، وجسّد ما يرى باديو أنه تدمير للدول، والنتيجة

هي القضاء على الدولة: «لا توجد هناك أي دولة، وحيث، بالنتيجة، لا يعود ممكنًا النقاش مع هذا الوحش المخيف الذي هو الدولة، حتى وإن كان ضعيفًا». كنتيجة حتمية لهذا كله، يرى باديو أن خصائص بنية العالم المعاصر تتلخص في قوله: « لدينا بنية للعالم المعاصر يهيمن عليها انتصار الرأسمالية المعولم. ولدينا إضعاف استراتيجي للدول، بل حتى عملية مستمرة من النخر الرأسمالي للدول. وثالثًا، لدينا ممارسات إمبريالية جديدة تتسامح، بل وتشجع في بعض الظروف، على ذبح الدول أو تدميرها».

التأثيرات في السكان

يتحدث باديو في هذا الجزء الثاني عن التأثيرات المباشرة في الساكنة، ويرى «أنالتأثير الأول والبين... هو أن التنمية غير المتكافئة لم يسبق

لها مثيل». وللتدليل على ذلك، يقدم أرقامًا

أساسية يرى أن على «الجميع أن يعرفها، وعلى الجميع أن يضعها في جيبه، فهي أرقام تخفي ما يجب أن نطلق عليه منطق الطبقة، صارم للغاية، ودقيق للغاية». هذه الأرقام تبين بشكل فاضح التناقضات الصارخة بين الفقراء والأغنياء، كما تبين نسب كل طبقة، حيث تبلغ نسبة الأوليغارشية 01 في المئة والطبقة الفقيرة 60 في المئة والطبقة المتوسطة 03 في المئة. ويخلص باديو إلى القول: «إنها رؤية منظمة ودالة: فلدينا كتلة من الفقراء تمثل نصف سكان العالم، ولدينا أوليغارشية أرستقراطية، إذا جاز لي القول، من حيث عددها. ثم لدينا الطبقة المتوسطة، وهي دعامة الديمقراطية، والتي تمثل 40 في المئة من السكان، تتقاسم حصة 14 في المئة من الموارد العالمية». ع وااة على هذا، يرى باديو أن هذه الطبقة المتوسطة، وبالنظر إلى موقعها وعدم إلحاقها بطبقة الفقراء، هي «في المجموع، أقرب إلى العنصرية، وكراهية الأجانب، وكراهية الفقراء. هذه هي الأوصاف الخاصة المهددة لهذه الكتلة المتوسطة، والتي تحدد الغرب بالمعنى الواسع، أو التمثل التي تتملكه عن نفسه، وهي أوصاف تقوم بتأجيج الشعور بالتفوق. ونحن نعرف جيدًا أن الطبقة المتوسطة في الغرب هي الموجِّه للقناعة بأن الغرب، في نهاية المطاف، هو مكان الناس المتحضرين». هذا الشعور بتفوق الغرب هو ما يجعل الطبقة الوسطى أقرب إلى حب القتل والتقتيل. يقول باديو: «هو ذا أحد الأسباب الذي يجعل من القتل الجماعي الذي نتحدث عنه هذه الليلة دالً وصادمًا. إنه يضرب في

الواقع، أوروبا هذه، التي هي بالنسبة إلى بعض

الناس نقطة ضعف الرأسمالية المعولمة، إنه يضرب قلب الكتلة المتوسطة». لئن كان هذا هو الأثر الأول الذي يستهدف سكان البنية الرأسمالية المعولمة، كما يرى

باديو، فإن الأثر الثاني المهم والخطِر هو ذلك الشعور بالعدم لدى الطبقات الفقيرة. يقول باديو موضحًا: «يوجد هناك شيء مهم جدًا

أيضًا لفهم ما يحدث. ففي عالم اليوم، هناك أكثر من مليارين من الأشخاص الذين يمكن أن نقول عنهم إنهم لا شيء. هم ليسوا حتى جزءًا، كما هو واضح، من كتلة 05 في المئة

الفقيرة. بل أسوأ من ذلك: فهم لا شيء في رأس المال، وهو ما يعني أنهم، في ظل التطور البنيوي للعالم، لا شيء، وبالنتيجة، وبكل دقة، ينبغي ألّ يوجدوا أصً. وينبغي ألّ يكونوا هنا. سيكون هذا من الأفضل. لكنهم يوجدون هنا على الرغم من ذلك». وهؤلاء في تحليل باديو « ليسوا لا مستهلكين ولا قوة عمل»، وهُم « لا يجدون المنفذ لا إلى هذا ولا إلى ذاك. ليس لهم منفذ إلى العمل، وليسوا ط بااًا أو

متقاعدين، وبالنتيجة ليس لهم منفذ إلى السوق كذلك. من وجهة نظر المنطق العام للعالم، وللعولمة الرأسمالية المتجبرة والكاملة الرضا، فهم كما لو أنهم لم يكونوا موجودين»؛ إنهم بالنتيجة لا يعنون أي شيء. ويطرح باديو سؤاله ويجيب عنه: « ما الذي يعنيه أنهم لا يعنون أي شيء؟ يعني هذا أنهم ليسوا لا مستهلكين ولا قوة عمل. ذلك لأن الوجود يكون بطريقتين فقط بالنسبة إلى رأس المال، إذا كنت لا تنتمي إلى الأوليغارشية، يجب أن تكون موظفًا من جانب، وأن تكسب بعض المال، ثم يجب أن تستهلك هذا المال عن طريق استه ك المنتجات التي

يصنعها رأس المال هذا نفسه. إن هويتك في نظر الحركة المهيمنة في عالم اليوم هوية مزدوجة، كما يبيتها مال الموظف والمستهلك». ويحاول باديو أن يعرف أسباب وجود هذه الفئات التي ليس لها أي وزن. ثم يستعرض حالات وجودها والآثار الناتجة منها، بحيث يرى أن وراء وجودها تسليم مناطق بأكملها إلى عصابات مسلحة أو عصابات سياسية فاشية، أو إلى شركات رأسمالية مسلحة وهمجية تحتل الأماكن الشاغرة التي أخلتها الدولة. ويضرب مثلً فيذكر تنظيم «داعش» وغيره من العصابات المسلحة الفاشية ذات الطابع الديني. ويرى أيضًا أن هؤلاء يمثلون من يسمّيهم كارهين

لإسلام. يقول: «إنهم الكارهون لإسلام. نعم، نعم، وسوف أعود إلى هذه النقطة. لكني أقول لكم من الآن، إن الدين كان دائمًا بمثابة الذريعة،

والغطاء الخطابي، فالذين يكرهون الإس ماا هم المت عاابون والمت عااب بهم، من جانب العصابات الفاشية. ولم تكن حتى المسيحية بمنأى عن ذلك».

الخصوصيات الذاتية التي تنبثق عن ردود الفعل

يعني باديو ب «الخصوصية الذاتية النموذجية» تلك «الأشكال النفسية، وأشكال الاقتناع والتأثيرات التي هي نتاج العالم الذي يتحدث عنه». وفي هذا الصدد، يتحدث عن ث ث خصوصيات وهي: «الخصوصية الذاتية الغربية، والخصوصية الذاتية لرغبة الغرب التي ليست هي نفسها، والخصوصية الذاتية التي يدعوها ‹العدمية›». وفي ما يرى باديو، فإن «هذه الخصوصيات الذاتية الث ث هي الإبداعات النموذجية للدولة المعاصرة في العالم».

في المقام الأول، توجد الخصوصية الذاتية الغربية، «وهي الخصوصية الذاتية لأولئك الذين يتقاسمون 14 في المئة المتبقية من الأوليغارشية المهيمنة. هذه هي الخصوصية الذاتية للطبقة المتوسطة، وهي مركزة إلى حد كبير في البلدان الأكثر تقدمًا. هذا هو المكان الذي يمكن أن

يوزَّع فيه الفتات. وهذه الخصوصية الذاتية، كما نراها تشتغل، هي مبنية، في رأيي، على تناقض. العنصر الأول هو الارتياح الذاتي العظيم عن الذات، فالغربيون مرتاحون جدًا لأنفسهم، إنهم حقًا يقدرون بعضهم بعضًا. فهنا توجد غطرسة تاريخية وراء هذا، وبطبيعة الحال، لم يمض وقت طويل على الفترة التي كان فيها الغربيون هم قادة العالم. في ذلك الوقت، كانوا يجمعون الممتلكات كلها، المنزوعة عن طريق العنف الخالص، وكان الفرنسيون والإنكليز يمتلكون خريطة العالم غير الأوروبي كلها. وما بقي من هذه القوة الإمبريالية المباشرة والضخمة، هو التمثل لها بصفتها، بطريقة أو بأخرى، التمثل للعالم المعاصر، وبصفته المخترع والمدافع عن نمط الحياة الحديثة». والخصوصية الثانية هي التي يسمّيها باديو

الخصوصية الذاتية لرغبة الغرب، وهي في رأيه « الخصوصية الذاتية التي تأتي في المقام الأول، وما أسميها أنا رغبة الغرب: الرغبة في امت ك وتشارك ما يتم تمثله ويوصف بأنه الثراء الغربي كله. يتعلق الأمر إذًا بمحاولة التكيف مع سلوك الطبقة المتوسطة واستهلاكها، من دون أن تكون لدينا الوسيلة. لذلك، فإن النتيجة ستكون، بطبيعة الحال، نشوء ظواهر مثل تدفقات الهجرة؛ ذلك أن الشكل البسيط للرغبة في الغرب هو ببساطة الرغبة في ترك المناطق المنكوبة ل نااضمام

إلى هذا العالم الغربي العجيب، لأن كل شيء هناك على ما يرام، ولأن الجميع يشعر بالسعادة وغارق في السهولة الحديثة والجميلة. وإذا كنا لا نستطيع أن نذهب هناك، يمكننا الاستس ماا للاستلابات المحلية، أي لأنماط نسخ، بوسائل بائسة، تشكيلات وأساليب الحياة الغربية. يمكن أن نتحدث طويلً عن موضوع رغبة الغرب هذا، الذي هو أمر أساسي في عالم اليوم، والذي له آثار كبيرة، كلها كارثية». أما الخصوصية الثالثة والأخيرة، فهي «العدمية، وهي رغبة في الانتقام والتدمير تقترن، بطبيعة الحال، بالرغبة في الرحيل والتقليد المستلب. هذه الرغبة القوية في الانتقام والتدمير، من الطبيعي أن يتم، في غالب الأحيان، التعبير عنها وترسيمها في الأساطير التفاعلية، وفي العادات التقليدية التي نمجدها ونعلن الدفاع عنها، حتى بالأسلحة، ضد نمط الحياة الغربية، وضد رغبات الغرب». والأمر هنا «يتعلق بعدمية من لا تُعَدّ حياته

شيئًا. وتنشأ هذه العدمية في ظاهرها ضد رغبة الغرب، ولكنها تنشأ بسبب رغبة الغرب التي هي شبحها المخفي. وإذا لم يكن العدمي يفعل غريزة الموت، وإذا لم يكن يحرر عدوانيته القاتلة بطبيعة الحال، فإنه يعلم، في الواقع، أنه هو أيضًا سيستسلم لرغبة الغرب الموجودة بالفعل فيه». ويصل باديو إلى الخلاصة التالية: «يجب أن نفهم أن هاتين الخصوصيتين الذاتيتين النموذجيتين – الخصوصية الذاتية لرغبة الغرب والخصوصية الذاتية العدمية في الانتقام والتدمير– تشكلان زوجين، إيجابي وسلبي، يدوران حول السحر الذي تشكله الهيمنة الغربية.

كل هذا يحدث في سياق، حيث لا يتم اقتراح

أي شيء من شأنه أن يكون تنازلً جماعيًا يؤكد

استشرافًا لبنية عالم أخرى وينظمه، وبشكل تكون فيه جميع هذه الخصوصيات الذاتية النموذجية الث ث، في واقع الأمر، داخل بنية العالم كما سبق لي أن وصفته. وانط قااًا من هذا الباطن، سأقوم بوصف ما أسميه الفاشية المعاصرة».

الفاشية المعاصرة

يتحدث باديو عن الفاشية بصفتها تلك الخصوصية الذاتية الشعبية التي تنشئها الرأسمالية، ويحدد أسبابها إما في «وجود أزمة

شاملة خطِرة – وهي الحال في الثلاثينيات – وإما ربما، وبشكل أعمق، بسبب الآثار التي تنشأ عن الحدود البنيوية للرأسمالية التي أبرزتها العولمة». وفي إطار آخر، يتحدث باديو عن ع قااة الدين بالفاشية، فيقول: «من حيث الشكل، يمكن أن نعرّف هذه الفاشية الحديثة كمحرك لموت

معلن بلغة الهوية. والدين يكون عنصرًا مزينًا

تمامًا في هذا الإعلان: كانت الكاثوليكية بالنسبة

إلى الفاشية الإسبانية خ لاا الحرب الأهلية هذا العنصر المزين، مثلما هو الإس ماا اليوم هذا العنصر المزين في الشرق الأوسط، وبشكل خاص هناك حيث يكون التقسيم الإمبريالي قد دمر كل الدول. ولكن الدين ليس سوى اللباس، وليس هو أساس المشكلة، إنه شكل الخصوصية الذاتية، وليس المحتوى الفعلي للشيء. المحتوى الفعلي الذي يصنع حطام الخرافة الدينية التي تمثل هويته مستمد من الحضور الكلي (في كل مكان) لرغبة الغرب في شكلها الجازم والصريح، أوفي شكلها المكبوت والقاتل». ولئن كانت الفاشية «هي الوجه الآخر لرغبة الغرب المحبطة، المنظمة عسكريًا – بهذا

القدر أو ذاك - وفق النموذج المرن للعصابة المافيوية، والحاملة أصباغًا أيديولوجية متباينة، حيث تكون المكانة التي يحتلها الدين محض شكلية»، فإن أصحابها هم من فئات الشباب العريضة، « إنهم شباب. وبالنتيجة، فقتلة كانون الثاني/يناير شباب، مثلهم مثل قتلة تشرين الثاني/ نوفمبر، وهم شباب من هنا. هم شباب من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين العشرين والث ثااين سنة، ومعظمهم من أصول الهجرة العمالية، من الجيل الثاني أو الثالث. هؤلاء الشباب يعتبرون أنفسهم من دون منظور، وليس لهم مكان يمكن أن يشغلوه. وحتى أولئك الذين تعلموا قليلً، الحاصلون على شهادة البكالوريا، هم من هذه الفئة: لا مكان لهم، ولا مكان يوافق رغبتهم. هؤلاء الشباب يرون أنفسهم، في ذات الوقت، على هامش، المأجورين، وعلى هامش الاسته ك والمستقبل. ومن ثم يقترح عليهم أن يكونوا من الفاشية (نسمّي ذلك، بغباء في

الدعاية، ‹تطرفًا›، في حين يشكل ذلك، بدقة وبساطة، ‹تراجعًا›) التي هي خليط من بطولة

التضحية بالنفس والإجرام والرضا ‹الغربي›. من ناحية أولى، فإن الشاب سيصبح شخصًا مثل

المافيوي يفتخر بكونه كذلك، وبأنه قادر على القيام ببطولة التضحية بالنفس والإجرام: قتل الغربيين، وهزيمة قتلة العصابات أخرى، وتنفيذ القسوة المذهلة، وغزو الأراضي... إلخ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، بعض اللمسات من ‹الحياة الجميلة›، ومظاهر الرضا المختلفة. إن تنظيم ‹داعش› يدفع بشكل جيد لمجموع رجاله ما هو أفضل كثيرًا مما يمكن أن يكسبه ‹عادة›

ساكنو المناطق التي يعيشون فيها. هناك بعض المال، وهناك النساء، وهناك السيارات... إلخ. إنهخليط من المقترحات البطولية القاتلة، وفي

الوقت نفسه، من الفساد الغربي الناتج عن المنتجات. وهذا هو الخليط المنسجم الذي كان دائمًا يوجد في العمق، وهو واحد من

خصائص العصابات الفاشية».

من هم القتلة؟

لإجابة عن أسئلة كثيرة ومقلقة، يتساءل باديو: من هم قتلة تشرين الثاني/نوفمبر في هذه الوضعيات؟ وماذا نقول عن أفعالهم؟ ويجيب عن سؤاله كما يلي: « دعونا نقُل إن القتلة هم شباب فاشيون، بالمعنى الذي جئت به للتو. والمقارنة التي أقوم بها، عن طيب خاطر، هي بينهم وبين بعض الميليشيات الفاشية في فرنسا في الحرب الأخيرة. فضمن هذه العصابات من شباب الميليشيات والمتعاونين مع الألمان، كان ›!هناك أيضًا جانب من شعار ‹يحيا الموت Viva muerte la!، وفي هذا الجانب، كان الشباب يفعلون كل شيء، فهم مسلحون، ويمكنهم أن يقتلوا الناس، أن يعذبوهم. كانت القسوة معلنة. ثم كان هناك أيضًا كثير من الامتيازات الصغيرة، من قبيل الحياة الجميلة، والجولات في الحانات، والسيارات الجميلة، والمال، والفتيات... كان هناك خليط من المكونات. فمن كان أفراد هذه الميليشيات؟ كانوا فرنسيين، فرنسيي الحرب الأهلية، ضد المصالح الوطنية الأكثر وضوحًا، ذلك لأنهم كانوا يتعاونون مع

الاحت لاا النازي ويقتلون فرنسيين آخرين. كان هناك شيء ملصق هناك. كانوا مثل إمامهم بيتان، يدعون كثيرين من فرنسا، والعلم الوطني، ‹فرنسا! فرنسا!›، على الرغم من أنهم كانوا يعملون، في ظروف بائسة، ضد المصالح الوطنية الأساسية، التي هي عدم السقوط تحت احتلال أي قوة أجنبية. هذا هو ما أسميه الانقسام

الداخلي لهذه الخصوصية الذاتية الفاشية. قتلة اليوم هم، بمعنى من المعاني، منتجات نموذجية لرغبة الغرب المحبطة، وهم ناس تسكنهم رغبة مقموعة، ناس كونتهم هذه الرغبة. فهم يتصورون أنفسهم مأخوذين بالعاطفة المعادية للغرب، ولكنهم ليسوا سوى عرَض من أعراض

العدمية للفراغ الأعمى للرأسمالية المعولمة، وعدم أهليته، وعجزه عن عد جميع أبنائه في العالم كما يقوم بتشكيله». عندما يتحدث باديو عما جرى في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر فإنما يتحدث عبر خيط رابط بين الفاشيات في أوروبا قبل هذه المرحلة، كما يرتبط ذلك بالواقع الفرنسي/الغربي، حيث يقول: «وإذا نظرنا، في الواقع، إلى مجزرة يوم الجمعة 13 تشرين الثاني/نوفمبر كما حدثت، فلن نرى فيها مجزرة منظمة، ولا عسكرية، بل هي، في كلمة واحدة، قضية دموية، ولكن رديئة. يمكنها أن تكون كذلك، لأن الفاشيين الشباب قرروا أن حياتهم لا تعني شيئًا. هذا هو المصير المطلق لهذا النوع من الأعمال. فحياتهم لا تعني أي شيء. ولأن حياتهم لا تعني شيئًا، فإن حياة الآخرين كذلك لا تعني أي شيء. إنها حقًا العدمية التي هي أساس كل شيء. وأخيرًا فإننا سوف نحرق حياتنا في

إطار ‹بطولة› سخيفة ومصطنعة وإجرامية. أعتقد

أننا يجب أن نسمي ذلك ‹قتً جماعيًا› رهيبًا

يندمج فيه القاتل نفسه. هنا يوجد شكل الجريمة الانتحاري الذي يبلغ ذروته في غريزة الموت. فلا يوجد لا ضحايا ولا قتلة».

رد فعل الدولة: «فرنسا» و«الحرب»

يتحدث باديو في هذه النقطة المفصلية الأخيرة عن ردود فعل فرنسا تجاه ما جرى من أحداث دموية عصفت بالسلم الباريسي، لذلك فهو

يقول: «أعتقد أن الوظيفة الأساسية للدولة مثل دولة فرنسا، هي جعل الطبقة الوسطى تنضبط. وهذا هو العمل الذي يقوم به اليسار بشكل كبير. فاليسار عمله ممتاز عندما يتعلق الأمر بتأديب الطبقة الوسطى. أود أن أذكّر بأنه في فترة شبابي، وخ لاا حرب الجزائر، كان اليسار، الذي كان يحكم فرنسا مع غي موليه، حصل على ‹ص حيات خاصة › - مثلما هي الحال اليوم حيث حصل على شبه إجماع على ‹حالة الطوارئ› – من أجل شن حرب شاملة. ويبدو أنه لكي يتم ضبط الطبقة المتوسطة، بالقول ‹الحرب، الحرب›، الشيء الذي ليس من عادات هذه الطبقة، يجب أن يصدر ذلك عن جهة اشتراكية». ويحاول باديو أن يتناول ما يسمّيه الزوج فرنسا – الحرب، فيقول عن فرنسا:

«... فرنسا لم تعد ممثلة اليوم بشكل لائق

كمكان متميز من التقاليد الثورية. هي، بدلً من ذلك، متميزة بمجموعة فريدة من الهويات الثقافية والفكرية. وهي أيضًا مميزة بشيء لم يتحقق من قبل في أي مكان آخر: القوانين التمييزية علنًا والتي تتعلق بجزء من الفقراء الذين أوجدتهم. القوانين الخاصة بالحجاب الإس مااي، كل ذلك، ويؤسفني أن أقول ذلك، قوانين وصم وتمييز تخص من؟ تخص الفقراء، السكان الفقراء الذين لديهم دينهم، مثل خدم المنازل والعمال البروطون Bretons الذين كانوا كاثوليك في الماضي. إن الأمر يتعلق بتشويه صورتهم، رغم أن الرأسمالية الفرنسية هي التي جعلتهم فقراء». أما عن الحرب، فيقول: «هناك شيء واضح: فليس ‹البرابرة› هم من أعلنوا الحرب، ولكنها الدولة الفرنسية التي ذهبت، كمقطورة تجر الشركات وأحيانًا الأميركيين إلى حشر أنفها في

شؤون إمبراطورية موحلة، والمشاركة في تقسيم المناطق، وتدمير الدول، وانطلاقًا من ذلك، إلى تكوين وضعية أحاول الآن أن أصفها بانوراميًا.

إن هذه الحالة تشمل التكون الذاتي للشباب الفاشيين في المناطق الفاقدة للحياة الاجتماعية، وفي حقيقة كون جزء كله من سكان العالم يتم حسابه كلاشيء». يتحدث باديو أخيرًا عن شروط العودة إلى

سياسة للتحرر بعيدًا عن مخطط العالم المعاصر، وعن مخرج لفرنسا من هذا المأزق الذي دخلته وانحشرت فيه بسبب سياساتها الاستعمارية والاجتماعية الشديدة الرعونة، فيرى أن هذا الخروج كامن في ضرورة نشر فكر جديد محل الفكر الغربي القائم. ولذلك نجده يطرح أسئلة من قبيل: «كيف، في ظل هذه الظروف، سنحاول بناء فكر مختلف؟ كيف سنتخلص من هذا كله؟». يرى باديو أن غياب سياسة مناقضة للسياسة التي تنهجها الرأسمالية في العالم هو الشر الكامن في المجتمعات الغربية. يقول باديو: «إن ما نعانيه هو الغياب على المستوى العالمي لسياسة تكون منقطعة عن جميع بواطن الرأسمالية. إن غياب هذه السياسة على المستوى العالمي هو الذي يقوم بإظهار شباب فاشيين. لكن ليس الشباب الفاشيون أو العصابات أو الدين سببَ

غياب سياسة التحرر القادرة على بناء رؤيتنا الخاصة وتحديد ممارساتنا الخاصة. إن غياب هذه السياسة هو الذي يوفر إمكان وجود الفاشية والعصابات والهلوسات الدينية». يرى باديو أيضًا أن العمل الذي يتعين على المجتمعات الغربية القيام به هو عمل فكري وجذري ومهم وعالمي؛ ف« هناك حالة استعجال،

استعجال استراتيجي، مقترح للجميع. إنه عمل، وهو عمل للعالم كله. إنه عمل الفكر، هو أيضًا العمل، والمسافة، للذهاب لمعرفة ذلك الشيء الآخر الذي نتحدث لكم عنه، ما الذي يعنيه حقًا، لجمع أفكاره، ورؤيته لأشياء، ولتثبيته، هو وأنتم، ضمن رؤية استراتيجية لمصير البشرية، التي ستحاول أن تجعل من تاريخ الإنسانية المنحرف، يغير اتجاهه، وينتزع من الشر المبهم حيث تغرق في هذه الحظة فيه».

خاتمة

نخلص من هذا كله إلى وضع خ صة تتعلق بكتاب الفيلسوف باديو؛ هذا الكتاب الذي أثار جدلً واسعًا في الأوساط العالمية والأوروبية

والفرنسية. والأكيد هو أن لفهم رؤية باديو للعالم فهمًا صحيحًا مدخلين: الأولهو

طبيعة التفكير الذي ينهجه باديو بحكم تكوينه الاجتماعي والفكري ورؤيته السياسية؛ ذلك أنه محسوب منذ أن دخل المجال الفلسفي على اليسار الفرنسي الأكثر التزامًا، حيث تشرّب

الأفكار الأكثر ثورية وجذرية، وانضم إلى جماعات فكرية صارعت الأفكار الرأسمالية وناضلت ضدها بكل شراسة المناضلين، ونذكر بهذا الصدد انتماءه إلى جماعة ألتوسير الفكرية،

وانتماءه إلى جماعة ماويةٍ إبان أحداث أيار/ مايو 1968 التي خلخلت فرنسا. ونتذكر أيضًا محاججاته العنيفة ضد كلٍّ من الفيلسوفين الفرنسيين جيل دولوز وجان فرانسوا ليوتار، اللذين اعتبر أفكارهما انحرافًا عن أفكار ألتوسير بشأن الماركسية العلمية. أما المدخل الثاني، فهو طريقة اشتغاله الفلسفي الخاص به، حيث إنه أعاد، وهو يناهض النزعة ما بعد الحداثة، تأهيل

مفهوم الحقيقة، بناء على تصورات لها في القرن العشرين وما بعده، بالربط بين البُعد الأنطولوجي

وعلم الرياضيات. مثل هذا الفهم للحقيقة نجده في مؤلفاته، وخاصة في كتابه المهم «الكينونة والحدث»، حيث للحقيقة وجهان: الأول هو كونها تعبّر عمّا حدث ويحدث بالفعل، والثاني

لامحدودية أبعادها باعتبارها تحدث في العالم. من هنا، فإن الحقيقة ثابتة وأبدية ولا متغيرة، ثم إنها تتشكل عبر عمليات متواصلة في الزمن. ضمن هذا التوجه وضمن النقاش الواسع الذي عرفته فرنسا حول الإرهاب وربطه بالعالم الإسلامي وبالإسلام، ظهر كتاب «شرنا يأتينا من بعيد».

الهوامش

(1) Alain Badiou, L’Etre et l’événement , l’ordre philosophique (Paris: éd. du Seuil, 1988). (2) Alain Badiou, Manifeste pour la philosophie , l’ordre philosophique (Paris: éd. du Seuil, 1989). (3) Alain Badiou, Monde contemporain et désir de philosophie: Intervention au rendez-vous du 14 février 1992 au bar de la Comédie de Reims , cahier de Noria ; 1 (Reims: Noria, 1992). (4) Alain Badiou, L’Ethique: Essai sur la conscience du mal , optiques: philosophie; 204 (Paris: Hatier, 1993). Réédition: Caen: Nous, 2003. (5) Alain Badiou, Mathématiques du transcendantal (1998), publié en anglais in  Mathematics of the transcendental. (6) Alain Badiou, Second manifeste pour la philosophie , ouvertures (Paris: Fayard, 2008). Réédition: Champs. Essais (Paris: Flammarion, 2010). (7) Alain Badiou, Éloge de l’amour , entretien animé par Nicolas Truong, café Voltaire (Paris: Flammarion, 2009). (8) Alain Badiou, Le Fini et l’infini , les petites conférences (Montrouge: Bayard, 2010). (9) Alain Badiou, La Recherche du réel perdu , ouvertures (Paris: Fayard, 2015). (10) Alain Badiou,   «La République» de Platon: Dialogue en un prologue, seize chapitres et un épiloque , Ouvertures (Paris: Fayard, 2011). Réédition: pluriel (Paris: Pluriel, 2014).