العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الهوية العربية الإسلامية : التباس الهوية والثقافة

الهوية العربية الإسلامية : التباس الهوية والثقافة

Islamo-Arabic Identity

لؤي خليل

Loui Ali Khalil

الملخّص

تشير هذه الدراسة إلى مفهومين للهوية يعكسان وجهتَي نظرٍ مختلفتين تجاهها، أحدهما مرتبط بالنسق الثقافي الغربي، والآخر مرتبط بالنسق الثقافي العربي الإسلامي. وتتساءل الدراسة عن جدوى تعميم مفهوم واحد للهوية على أنساق ثقافية مختلفة ومتباينة.

Abstract

Abstract: This study attempts to differentiate between two identity concepts or points of view, the first based within Western culture and the other within Arab culture. It questions the feasibility of the concept of mainstreaming of one concept of identity on the different and varied cultural formats.

الكلمات المفتاحية:
  • الثقافة
  • النظام المعياري
  • الثابت والمتحول
  • العولمة
  • الهوية
Keywords:
  • Culture
  • Globalization
  • Arab Culture
  • Identity

التباس الهوية والثقافة

Confusion between Culture and Identity

تمهيد

يحسُن التفريق، ابتداءً، بين مفهومين للهوية أو وجهتي نظر تجاهها؛ تؤسّس الأولى داخل

الثقافة الغربية، ويجري التفكير فيها بوساطة أدوات الثقافة الغربية نفسها. وتُؤسس الأخرى داخل الثقافة العربية؛ ويجري التفكير فيها بوساطة أدوات الثقافة العربية نفسها. والفارق بين وجهتَي

النظر المذكورتين هو فارق بين الثقافتين، أو هو فارق بين طريقتَي حياة، أو وجهتَي نظرٍ تجاه العلاقة

بالعالم تميز كلًّ منهما.

(((إنّ التفكير بوساطة الثقافة يعني «التفكير من خ لاا منظومة مرجعية تتشكّل إحداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها، وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي والنظرة إلى المستقبل، بل والنظرة إلى العالم، إلى الكون والإنسان،

كما تحددها مكونات تلك الثقافة». انظر: محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 9881)، ص.13

الهوية السيالة

في الاتجاه الذي يفكر بأدوات الثقافة الغربية، يبدو مفهوم الهوية متحركًا، سيالً، متغيرًا، تاريخيًا،

أو «تاريخانيًا»، تفرضه لحظة سياسية محددة، وتحركه العلاقات بين الأنساق الثقافية المسيطرة والقوى

المهيمنة؛ ولذلك يبدو المفهوم نفعيًا براغماتيًا، يسعى نحو المصلحة التي تقتضيها المرحلة التاريخية،

ويتستر بمظلة «الخطط الإستراتيجية» لسياسة الدول والحضارات. وبسببٍ من ذلك، تبدو الهوية داخل هذا الاتجاه وجهًا من وجوه الثقافة، ويغلب على التعريفات المنوط بها الجمع بينها وبين مفهوم الثقافة على صعيد واحد، كأنهما وجهان لعملة واحدة. فأغلب الدراسات التي ناقشت تأثير العولمة في إلغاء التمايزات بين الأمم والحضارات كانت تهتم بالثقافة المهددة على أنها الهوية نفسها، كما هي الحال في كتاب جان بايار أوهام الهوية، إذ يدور أغلب النقاش حول الثقافة، لا الهوية، ويشير المؤلف في أكثر من موضع داخل الكتاب إلى أنهما بمعنى واحد. وغير بعيد عن ذلك أيضًا كتاب نظرية الثقافة الذي يلاحَظ فيه تداخل واضح بين المفهومين، والحال نفسها نجدها عند هارالد موللر

في كتابه تعايش الثقافات، وإن كان موللر قد سارع إلى الإشارة في أول كتابه، إلى التباينات القائمة في معنى الثقافة، وهي ذاتها التباينات التي سيستثمرها ليبني عليها مخالفته لمشروع هنتنغتون الخاص بصراع الثقافات، لا صراع الحضارات. ولسنا نعدم وجود التداخل نفسه عند كتّاب آخرين، مع ضرورة الإشارة إلى أنّ كثيرين منهم يميلون إلى

تغليب أحد المفهومين على الآخر على سبيل المجاز؛ وإن كانوا يرَون فرقًا معرفيًا بينهما. غير أنّ ارتباط الهوية بالثقافة لا يساعد، في الحقيقة، على تقريب مفهوم الهوية من الأذهان؛ لأنّ مفهوم الثقافة نفسه غير قارٍّ، وغير واضح أيضًا. وحتى عندما لا نجد تجاورًا بين مصطلَحي الثقافة

والهوية، يمكن أن نلمح تداخلً بين المفهومين في التعريف. فالهويات عند ستيوارت هول «لا تكتمل ولا تنتهي أبدًا، فهي دومًا كالذاتية نفسها في تطور وتغير [...] فالهوية هي دومًا في طورٍ من التشكل

الدائم». وفي إطار من التعاقب لمعنى الدوام والاستقرار، ومعنى الجدة والابتكار في الهوية، يرى جان بايار في معرض كلامه على تحديد معنى الهوية أنّ الثقافة (وهي عنده مساوية للهوية) «من ناحية

(((انظر: جان فرانسوا بايار، أوهام الهوية، ترجمة: وفيق فائق كريشات (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 0092)، ص 88، (((مجموعة باحثين، نظرية الثقافة، ترجمة علي سيد الصاوي، مراجعة الفاروق زكي يونس، سلسلة عالم المعرفة 223 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 9971)، ص.60-29 (((هارالد موللر، تعايش الثقافات: مشروع مضاد لهنتنغتون، ترجمة مروان محمد الشعار (بيروت: دار النفائس، 0052)، ص.84-53 (((يتبنى هذا الرأي كلٌّ من عالمَي الأنثربولوجيا ألفرد كروبر، ورادكليف براون. انظر: محمود الذوادي، الثقافة: بين تأصيل الرؤية

الإسلامية واغتراب منظور العلوم الاجتماعية (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 0062)، ص.73-72 (((ستيوارت هول، «هويات قديمة وجديدة: إثنيات قديمة وجديدة»، في: أنطوني كينج (محرر)، الثقافة والعولمة والنظام العالمي، ترجمة شهرت العالم وهالة فؤاد ومحمد يحيى، المجلس الأعلى للثقافة، سلسلة المشروع القومي للترجمة 872 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 001)، ص 2.79

[هي] ما يدوم، ومن ناحية أخرى ما يبتكر»، ثمّ يشير إلى أنه يرى في المعنى الأول «ما يدوم» ضربًا

من النقل والنسخ والبلادة، وهو ما يؤكد ترجيحه للمعنى الثاني «ما يبتكر» على المعنى الأول. تكاد تنطبق تلك المعاني على الثقافة أكثر من انطباقها على الهوية. فالثقافة مظهر إنساني ذو طابع اجتماعي ومعرفي معًا، وهو متغير بتغير الشرط الإنساني نفسه؛ تاريخيًا واقتصاديًا ومعرفيًا وسياسيًا؛

فهو لذلك في طورٍ دائم من التشكل، ذلك أنّ «الثقافة ليست مجموعة مكونات ثابتة، ساكنة، جامدة، مطلقة، منغلقة، تصلح لكل زمان ومكان، أو لكل مجتمع وبيئة، بل هي متطورة باستمرار، متغيّرة مغيّرة،

مرنة، نسبية، منفتحة، متحولة نتيجةً لأحوالٍ وأوضاعٍ داخلية وخارجية». إنّ الثقافة وجهٌ من وجوه الهوية، أو هي التمثيل الحسّي للهوية: «فمفهوم الثقافة في مجتمع ما يعني إحساس هذا المجتمع

بهويته، وإحساسه تجاه ما يجمع بين أفراده، ويجعل منهم هذا المجتمع، بالإضافة إلى أساليب التعبير والمحافظة على هذه الهوية». لذا، فإنّ هوية أيّ أمّ ة تظهر في ثقافتها، وفي أدبها، وأنماط عمرانها، وموسيقاها، وغير ذلك من

مظاهر ثقافية، و«هي المعبّر الأصيل عن الخصوصية التاريخية لأمّة من الأمم، عن نظرة هذه الأمّة

إلى الكون والحياة والموت والإنسان ومهامه وقدراته وحدوده، وما ينبغي أن يعمل وما لا ينبغي أن يأمل»، وهذا ما أكدته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم حين عرّفت الثقافة بأنها «مجموع

النشاط الفكري والفني بمعناه الواسع، وما يتصل به من المهارات، أو يعين عليه من الوسائل، وهي تنظيم جميع السمات المميزة لأمّة: الروحية والفكرية والفنية والوجدانية». ويمكن لهذه المظاهر

الثقافية أن تنتقل من ثقافة أمّة إلى ثقافة أمّة أخرى، ويمكن أن تتعلم وتدرس أيضًا، ويمكن أن تتغير

داخل الأمة نفسها، من دون أن يشكّل ذلك مساسًا بالهوية، إلا عند من لا يميز بين مظهر الهوية

الثقافي والهوية نفسها. فانتقال الناس في كثير من البلدان العربية من ارتداء الثوب إلى ارتداء البدلة والقميص وربطة العنق لا يمسّ جوهر الهوية، بقدر ما يمثّل تغييرًا في الذوق الثقافي، على أن يراعى

الظرفان التاريخي والاجتماعي لهذا الانتقال، ودرجة التحيز الثقافي الذي يمثّله. وإنّ بعض التغييرات تكون مشبعةً بالتحيزات إلى الحدّ الذي يجعل من فعلها خرقًا حقيقيًا للهوية. أمّ ا الهوية، فالأصل فيها الثبات؛ وإن شابها غير قليل من المرونة التي تقتضيها بعض التحولات

الكبرى المرتبطة بإعادة مساءلة جوهر الهوية الذي تمارسه الحضارات عند الإحساس بخطر داهمٍ.

(((بايار، ص.66 (((حليم بركات، الهوية: أزمة الحداثة والوعي التقليدي (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 0042)، ص 7.22 ولعبد الإله

بلقزيز رأيٌ مماثل؛ إذ يرى أنّ الثقافة تنهل «من مصادر مرجعية اجتماعية متجددة المخزون». انظر: أمين الخولي (محرر)، العولمة

والهوية الثقافية (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 0002)، ص.311 (((كين روبنسون، صناعة العقل: دور الثقافة والتعليم في تشكيل عقلك المبدع، ترجمة رامة موصللي، سلسلة القراءة للجميع (عمّان: مكتبة الأسرة الأردنية، 0092)، ص.179 (1((الخولي، ص.298 (((1 المرجع نفسه، ص.226

وكان ستيوارت هول نفسه قد أشار إلى هذا المعنى شبه القارّ للهوية في مقالة أخرى من الكتاب نفسه،

إذ قال: «ينبغي للهويات أن تكون بمنزلة نقاط مرجعية مستقرة، وكما كانت في الماضي فإنها لا تزال

الآن - وسوف تكون دائمًا - نقاطًا في عالم متقلب». وهذا الفهم لمعنى الهوية هو ما نجده داخل «الثقافة العربية - الإس مااية»، عند الك ماا على الهوية العربية الإس مااية نفسها، ولا سيما بسبب البعد الديني المقدس فيها؛ فهنا تبدو الهوية أكثر ثباتًا ورسوخًا، وذات جذور تاريخية ونصية، مرتبطة ببنية تفكير، وبمنهج، وبمعايير وقيم، لا بمظاهر

وعناصر شكلانية عرضية زائلة، وهي حين تكون منهجًا، أو بنية تفكير، تمتنع عن أن تكون تاريخيةً؛

أيْ إنها ليست متحولةً، أو متطورةً، أو متغيرةً تاريخيًا، بتحول النشاط الإنساني، أو تطوره، أو تغيره.

فالمتغير أو المتحول هو مظاهرها، وهي إذ توصف بالمرونة وبالقدرة على مواكبة المستجدات، فإنّ القصد من ذلك يكون أنّ نظامها المعياري يستوعب التغييرات والتطورات من دون أن يمسّ ذلك

جوهره البنائي. فابن الثقافة العربية الإس مااية في أواخر القرن التاسع عشر - وقد يبدو هذا الرأي مستفزًا ومثيرًا - هو ابن الثقافة العربية الإسلامية في القرن الحادي والعشرين، والفرق بينهما هو فرق

بين من يلبس الطربوش ومن لا يلبسه، بين من يركب الخيل والبغال ومن يركب السيارات والطائرات، بين من يلجأ إلى السفر ليبحث عن خبر أو معلومة ومن يستعمل الإنترنت. أمّا الجوهر، فلا يزال هو

ذاته. فالهوية لا تتعلق بملبس أو بمأكل أو بمشرب أو بمسكن، بقدر ما تتعلق بالموقف من ذلك كلّه، لا تتعلق بأدوات تقنية بقدر ما تتعلق بكيفية استعمالها (الكيفية المتعلقة بالغاية والهدف، لا الكيفية المتعلقة بالآليات). إنّ الهوية نظام للحياة وبنية تفكير، وهذا ما يجعل ممثّل الهوية العربية الإسلامية في أيّ قرن من القرون

السالفة هو ذاته ممثل الهوية العربية الإس مااية في القرن الحالي. فكلاهما يستعمل المعايير ذاتها، كلاهما يعتمد القرآن والسُنة مصدرًا للمعايير، والخلاف بينهما - إن اختلفا - يتعلق بتطور أدوات فهم

النص. غير أنّ هذا التطور مهما كانت درجته لن يُصحّح ما كان يُعَدّ خطأً، ولن يخطِّئ ما كان يُعَدّ

صحيحًا، لن يحرّم ما كان حلالً ولن يحلّ ما كان حرامًا، إلا في احتمال واحد ووحيد؛ أن يكون قد

حصل انحراف جماعي في فهم النص يقتضي التصحيح. وكل الأمثلة التاريخية الدالة على تغييرات

من هذا النوع هي من باب الضرورات المؤقتة، أو من باب انعدام العلة الموجبة (حدّ السرقة، ملْك اليمين... إلخ). وما دامت كذلك، فهي إذن تغييرات تمّت بمعايير من داخل النظام، لا من خارجه،

ولا تمثل شذوذًا أو خرقًا للنظام. وقد يميل بعضهم إلى القول بتغييرات شملت جوهر الهوية العربية الإس مااية، في الأمثلة الزمنية السالفة الممثّل بها، بسبب ما قد يبدو انحرافًا في الموقف من التراث، أو الموقف من الذات أو

الآخر، أو حتى الدين، وما قد يُبنى على ذلك من اختلافٍ في الموقف من العالم. ولكنها في الحقيقة

ليست تغييرات تمسّ الجوهر، بل هي تغييرات تتعلق بالوعي بحقيقة الهوية الذي كان يشوبه شيء

من اللّبس؛ بسبب تراكمات تاريخية طويلة. وإنّ الرجوع عن التوهم المتعلق بجوهر الهوية ليس

(((1 المرجع نفسه، ص.48

تغييرًا في بنية الهوية بقدر ما هو رجوعٌ من الجوهر الزائف إلى الجوهر الحقيقي، كما أنّ القول

بتلك التغييرات لا يراعي بعض أشكال التوحيد التي كانت قائمةً بين الجوهر والمظاهر الحسّية التي

يتجلى من خلالها. ومع ذلك، فإنّ هذا الكلام قد يوقع في إشكالية الدّور، ومن ثمّ يتمّ التخلي عن

فهمٍ ما للهوية كلَّ حينٍ بحجةِ أنه تبيَّن بالتجربة أنه جوهر زائف؛ ولذلك لا مناص من القول بوجود

جوهر ذي طابعٍ منهجي للهوية العربية الإس مااية، لا جوهر في شكل صندوق ممتلئ من المبادئ والأركان والعناصر. والعلة في ذلك تعود إلى أنّ الهوية العربية الإسلامية ليست مجموعةً من المظاهر والعناصر والذكريات ينبغي الحفاظ عليها، بل هي أصلٌ كامن داخل الجماعة العربية الإسلامية، وداخل نظام الثقافة العربية الإس مااية. ولعل تجاهل هذا الأمر كثيرًا ما عرّض الهوية لمساءلات تاريخية؛ بسبب آليات التوحيد

التي يمارسها بعض منتسبيها بين المعايير والمظاهر، وبسبب آخر يتعلق بتوهّم بعضهم جوهرًا لهذه

الثقافة غير جوهرها الحقيقي - وغالبًا ما يكون ذا طابعٍ حسّي - وهو ما يعرّضها لهزات وانتكاسات

كبيرة. وبناءً على ذلك، لا بدّ من التمييز داخل هذه الثقافة بين الهوية والثقافة، على أساس أنّ الموارد

الثقافية هي النوافذ التي تطل بها الهوية على الواقع، وهي وحدها الإطار الحسّي الذي ينقل الهوية من

حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل. ولذلك يمكن أن نرى لدى المشتغلين بمفهوم «الهوية» أو «الثقافة» داخل الثقافة العربية الإسلامية - وإن استعمل بعضهم مصطلح الثقافة بديً من الهوية - إلحاحًا على البعد القيمي لمعنى الهوية

أو الثقافة، كما هي الحال عند طه عبد الرحمن الذي يراها قيمًا ومعايير، لا جملةً من المعارف

والذكريات، منهجًا بنائيًا مفصلً، لا مضمونًا شاملً. يبدو أنّ اخت ف المجال التطبيقي ساعد، أيضًا، على وجود مفهومَين للهوية أو وجهتي نظر منها.

فأغلب التعريفات التي ربطت بين الهوية والثقافة، من جهة المفهوم، كانت تتكلم سياسيًا على هوية

دولٍ محددة موجودة ومتعيّنة، في حين يتعلق الك ماا على الهوية المعيارية داخل الثقافة العربية

الإسلامية بكيان متعالٍغير متعيّن سياسيًا، كيان مفترض هو الثقافة العربية الإسلامية التي لا تجد تمثلً

حقيقيًا لها في أيّ بلدٍ عربي أو إسلامي موجود حاليًا، إلى الحدّ الذي دفع بعضهم إلى التساؤل:

(((1 لا يتعلق هذا الأمر بالثقافة العربية فحسب، فهو موجود أيضًا في الثقافة الغربية؛ إذ أشار توملينسون إلى التداخل القائم لدى

بعض الباحثين بين الحديث عن الثقافة والحديث عن تقنياتها. انظر: جون توملينسون، العولمة والثقافة: تجربتنا الاجتماعية عبر الزمان

والمكان، ترجمة إيهاب عبد الرحيم محمد، سلسلة عالم المعرفة 543 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 0082)، ص.34 والثقافة والهوية عنده بمعنى واحد، ويظهر ذلك في إشارته إلى أنّ الثقافة «كانت تمتلك دومًا دلالات تربطها بفكرة وجود

ناحية ثابتة»، ص.43 (((1 طه عبد الرحمن، الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري (بيروت: المركز الثقافي العربي، 0052)، ص.87-86 1(((يمكن أن يُعدّ كتاب أوهام الهوية لجان فرنسوا بيار أبرز مثالٍعلى ذلك. (1((رأى طه عبد الرحمن أنه ينبغي أن ننظر إلى الأمة المسلمة «لا على أنها واقع متحقق، وإنما على أنها واجب ينبغي القيام به في ظروف الواقع المتحقق [...] لا على أنها مجموعة أحداث نشهدها متحيزة ومتحينة، وإنما على أنها مجموعة قيم تسعى لأنْ تساهم في توجيه الأحداث المشهودة». انظر: عبد الرحمن، ص.16

«هل هناك - فعلً- كيان متماسك متعالٍيمكن إدراكه يسمى اسم «الثقافة العربية الإس مااية؟»، وهذا الفارق هو الذي منح مفهوم الهوية داخل الثقافة الغربية صفة الحركة والسيولة وعدم الاستقرار؛ بسبب النفعية - البراغماتية السياسية التي تتبع حركة القوى السياسية الكبرى المهيمنة، وهو نفسه السبب الذي منح الهوية داخل الثقافة العربية الإسلامية صفة الثبات وخاصية البنية والمنهج؛ لأنه يهتم بفكرة لا تحدّها حدود سياسية، بقدر ما تجد تمثّلها في بنية التفكير الجماعي لمنتسبي الثقافة العربية الإسلامية. ولأنها متعالية، فهي تتصف بصفات القواعد المثالية. غير أنّ هذا الفارق بين المفهومين حسمته تهديدات العولمة لمصلحة المفهوم البنيوي؛ لأنّ اعتماد مفهومٍ حركي سيّال للهوية يجعلها في ضوْء تغير القوى المهيمنة كيانًا غير واضح

الملامح، بل كيانًا دائم التغير لا ثباتَ له، لأنّه تبعٌ للمتغيرات السياسية، إذ ليست له أُسس جوهرية

قائمة في ذاته تمنعه من التحول والذوبان، فهو ينظر إلى الهوية على أنها حاصل جمْع مجموعة

من المظاهر الثقافية القابلة للتغيير والتعديل والإقصاء كلما كان ذلك شرطًا للبقاء، ولذلك لا مناص من المناداة بمفهومٍ للهوية أكثر ثباتًا؛ مفهوم يتعلق بالجوهر، لا بالعرض، يتعلق بمنهج

حياة، لا بردّات فعلٍ تفرضها الأنساق المسيطرة، سياسيًا واجتماعيًا ومعرفيًا، كلما تغير الظرف

التاريخي. وعلى هذا الأساس، يبدو من الضروري، بل من الواجب، الكشف عن جوهر الهوية العربية الإس مااية الذي يحكم بنيتها الداخلية، ويحوّلها إلى منهج، لا إلى إطارٍ يضمّ عددًا من

العناصر والمظاهر.

الهوية المعيارية

لعل أهمّ ما يميز الهوية العربية الإس مااية أنها تقوم على ركنين أساسيين: العروبة؛ وهي مظهر

قومي -  عرقي ولغوي، والإس ماا؛ وهو مظهر ديني، ما يعني أنّ هوية هذه الثقافة ليست ذات منشأ

بشري صرفٍ، كغيرها من الهويات- ولعل هذا ما يكسبها صفة الثبات - بل هي ذات منشأ إلهي أيضًا، على أساس أنّ الإسلام أحد الأديان السماوية الثلاثة الكبرى، وهذا ما منحها أيضًا صفة التعالي والديمومة. فإذا أضفنا إلى ذلك أنّ المرجعية الإسلامية ترتبط بنصي القرآن الكريم ومدونة الحديث النبوي الشريف، وك هااما نص عربي اعتمد اللغة العربية مظهرًا له، أدركنا سرّ الع قااة المتلاحمة

المتداخلة بين العربية والإس ماا. فالقياس المنطقي، تبعًا لأدوات الثقافة العربية الإسلامية، يقول: إنّ

الخالق إذا أراد أن ينزّل نصًا لخلْقه يفصّل فيه الطريق التي توصل إلى الحقيقة، وتُحقق السعادة للإنسان

على الأرض وحُسن مآل الآخرة، فسيختار لغةً تلائم في بنيتها بنية النص الذي سينزله، من جهة شكْل

الخطاب، ومن جهة بنيته الفكرية. وما دام الأمر قد تمّ بالعربية، فقد منح الأداة «العربية» قيمةً مستقاةً

من قيمة الخطاب نفسه تقريبًا. وهذا ما يؤكد اعتبار العربية والإسلام معًا ركنين أساسيين في بلورة

مفهوم الهوية.

1(((تركي الحمد، الثقافة العربية في عصر العولمة (بيروت: دار الساقي، 0012)، ص.96 1(((لعل في هذا ما يفسر طابع القداسة الذي يُضفيه بعض أبناء العربية عليها، إلى حدّ أنّهم يتجنبون الكلام بالعربية في الأماكن

غير الطاهرة (كالحمامات مثلً.)

وإذا بدأنا بالإس ماا، أمكننا القول إنه- كغيره من الأديان السماوية التي تقول بمنطق الخلْق والخالق وبمعاد أخروي، وحياة ثانية بعد الموت - قائمٌ على بنية تفكير اشتراطية، تجعل احتياز السعادة

الأخروية الأبدية - وكذلك الدنيوية العرضية الزائلة- مشروطًا باتباع القوانين التي أقرها وجعلها دستورًا ومرجعيةً للمؤمنين به، وهي المتمثلة بالقرآن الكريم والسُنة النبوية، وبهذا يكون النظام الذي

يحكم الثقافة الإسلامية نظامًا معياريًا قياسًا على آلية تعامل المؤمنين به مع ركنيه الأساسيين: القرآن

والسُنة، ذلك أنّ هذين النصين - وما بُني عليهما من تفسيرات وشروح واجتهادات فقهية لا تتعارض

مع أهداف النظام نفسه - يمث ن مرجعيةً أساسيةً تحكم موقف المؤمنين من أنفسهم ومن العالم ومن الله، وهو أيضًا نظام معياري في مقاصد الخطاب التي تربط سعادة الدنيا والآخرة بالفلاح في تحقيق المراد من الخطاب في الحياة الدنيا، وهو كذلك نظام معياري بالنظر إلى آلية التفكير القيمية التي تحكم المؤمنين به. فملاك أيّ سلوك يسلكه الفرد في الثقافة الإسلامية مرهون بين قيمتين: فإمّا

الحسنة أو السيئة، وإمّا الصواب أو الخطأ، ويقابلهما الح لاا والحرام بالمعنى الديني. والبتّ في

موقع السلوك بين هذه الأقطاب محكوم بالمرجعية الأساسية التي يمثلها القرآن والسُنة؛ إذ يُقيّم كلّ

فعلٍ أو قولٍأو نيّةٍ بحسب القرب أو البعد من تمثيل هذين النصّين، ومن ثمّ يكون عندنا فعلٌ واجب،

وفعلٌ مباح، وفعلٌ مندوب، وفعلٌ مكروه، وفعلٌ محرم. والقول إنّ سلوكًا ما قد يُعَدّ سيئةً لا يعني أنه يُخرج صاحبه - بالضرورة - عن النظام المعياري للإسلام؛

لأنّ هذا النظام يُقرّ بأنّ المسلم يفعل الحسنات ويفعل السيئات؛ أيْ إنّه يتْبع القواعد ويخرقها أيضًا،

من غير أن يُخرجه ذلك عن أنْ يكون فردًا منتميًا إلى النظام الكلّي، على ألَّ يُقوض هذا الخرق القواعد

العامة للنظام، وهذا يدل دلالةً واضحةً على أنّ النظام المعياري الكلّي للإسلام يستوعب الخروقات داخل النظام نفسه، فلا يُخرج الفرد عن أنْ يكون منتميًا إلى النظام إلا في حالات الخرْق التي تقوّض

النظام ولا تعترف بقواعده الأساسية؛ كالكفر بالله. وحتى هذا الخرق قابلٌ للتجاوز عند التوبة وعدم الإصرار على الذنب، ما يؤكد من جديد أنّ طبيعة المعيارية التي يتصف بها النظام الإس مااي هي طبيعة مرنة - ولا يكون النظام نظامًا إلا بذلك - تقول بالقاعدة وتعترف بإمكانية خرْقها، ولذلك أوجدت

سُبلً مختلفةً لاستيعاب الخروقات الممكنة، كمبدأ صغائر الذنوب والكفارات والتوبة، وغير ذلك.

علَهُمْكلَِّينَآمَنُوا وعَمِلوا الصَُّالَِاتِ سوَاءً مَّْيَاهُمْوممَاتهُمْ

1(((يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿ أ مْحَسِبَ الَِّينَاجْتَ حُوا السَيِّئَاتِ أ

ن ن

سَاءَ مَا يَكْمُونَ﴾، (الجاثية:.)21 فحياة الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليست كحياة الذين اجترحوا السيئات. وواضح من مبدأ

المقارنة في النص أنّ حياة الذين آمنوا وعملوا الصالحات أسعدُ حالً وأهدأ بالً. 2(((الفرق بين النظام المعياري والفكر المعياري أنّ هذا الفكر ذو بُعدٍ واحد فقط، وذو طبيعة متعارضة مع الفكر النفعي

البراغماتي، فلا يلتقي مع أيّ نمط آخر من التفكير، في حين أنّ النظام المعياري يعتمد التفكير المعياري إطارًا عامًا، ولكنه لا يكون

نظامًا إلالإيمانه بحتمية الخرْق (خرق قواعده المعيارية)، ولقدرته على استيعاب كل الخروقات المحتملة، ما دامت لا تتعارض مع

التوجه العامّ للنظام نفسه. فمن أجل ذلك، جُعلت الكفارات في الإس ماا وجُعلت التوبة، بل من أجل ذلك، أيضًا، يتجاوز الله عز

وجل عن صغائر الذنوب التي هي في حقيقتها خروج عن القاعدة. ولعل من أمثلة إيمان النظام المعياري للإسلام بحتمية الخروقات قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله ليعجب من الشاب ليست له صبوة»، أخرجه أحمد (51/41، رقم 74091)، والطبرانى (09/173،

رقم 853). والصبوة إشارة إلى الميْل إلى الهوى. فَفِعل التعجب في الحديث يدلّعلى الإعجاب والثناء. وهذا يحمل في داخله

إقرارًا بأنّ العُرف العامّ بين الشباب أنْ يكون لهم صبوات، من غير أن يُخرجهم ذلك عن كونهم مسلمين.

وبناءً على ذلك نخلص إلى المقولة الأساسية المتعلقة بالهوية الإس مااية؛ فهي هوية معيارية،

ضمن نظام معياري كلّي، بيد أننا نقصد من ذلك أنها منهجٌ وقِيَمٌ، لا حاصل جمعٍ لمجموعة من

العناصر والمظاهر الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل. وحين تكون المعيارية منهجًا، نفترض أنّ لها

علتين؛ علةً غائيةً تهتم بالسؤال «لماذا؟»، وعلةً صوريةً فاعلةً تهتم بالسؤال «كيف؟»، وفي هذا الأمر

إجابةٌ عن السؤال: لماذا لا يبدو مقبولً، داخل بنية الفكر الإس مااي، وجود فعلٍ إنساني بلا هدف، أو قول ب قصْد أو معنى؟ فانتفاء الهدف أو المعنى أو القصد يُخرج الفعل عن شرط النظام، أو

منطق النظام الذي يهتم بالقصد «النية السابقة»، والهدف، وطرائق الأداء «الأخذ بالأسباب». ومن ثمّ، فإنّ القول بهوية معيارية ضمن نظام معياري غير القول بهوية معيارية تعبّر عن فكرٍ معياري.

إنّ النظام كلّي، يتسم بالاتساق، والانسجام المنطقي، والانضباط، والقدرة على التعميم لاحتواء أكبر قدر ممكن من التجارب المتعددة والغنية، وهو يقوم على بنية ترتبط عناصرها بعلاقات خاصة تفرضها الهوية الأساسية للنظام، ولذلك لا يقبل منطق النظام البنية العبثية، أو الع قااات الخالية من القصْد (النية) والهدف ومراعاة الأسباب، إلا إذا كان النظام نفسه عبثيًا، وعند ذلك يبْطل أنْ

يكون نظامًا. وبناءً على ذلك، فإنّ المعنى المُراد بمعيارية الهوية هو اشتراط وجود معايير وقيم وقواعد لأيّ فعل

مصدره الإنسان؛ لأنّ من شأن وجود هذه القواعد أن تمنع عن هذا السلوك الدخول في دائرة العبث، ومن ثمّ الانحراف عن بنية النظام؛ ولذلك ليست المعيارية إصدار أحكام قيمية أخلاقية، أو اجتماعية،

أو دينية على الفعل الإنساني- وإنْ كان الحكمان الأخ قااي والديني موجودَين فيها بسبب طابعها

الديني - ولكنها هي نفسها التي تقول بضرورة وجود مرجعيات تمثّل ضوابط لكل مسلكٍ؛ ليغدو

مسلكًا إنسانيًا من جهة، ولينسجم مع بنية النظام من جهة أخرى. لكنّ غياب هذه الضوابط (القصد والهدف ومراعاة الأسباب) يُخرج الفعل من شرطه الإنساني؛ لأنّ

الإنسان، بالنظر إلى الفكر الإسلامي، هو خليفة الله الذي نفخ فيه من روحه وخلقه على صورته.

فكيف لهذا الإنسان الخليفة أن يخلوَ فعلُه أو قولُه من أن يكون ذا قصدٍ أو أن يكون ذا هدفٍ حتى

إنْ كان هدفًا سلبيًا؟ وإلّ ما الفرق الذي سيبقى بينه وبين الحيوان؟ إنّ ما يميز الإنسان من غيره من

المخلوقات داخل هذا الفكر هو اتصافه بالوعي والقدرة اللازمَين لبناء نظام عادل؛ يكفل له تحقيق

حاجاته ورغباته وتطلعاته نحو إعمار الأرض، من دون أن يمسّ الع قااة الفاعلة التي تربط الفرد

بالجماعة أو بالله. وفي نصٍّ دالٍّ للراغب الأصفهاني يقول: «الإنسان وإنْ كان هو - بكونه إنسانًا -

أفضل موجود، فذلك بشرط أن يراعي ما به صار إنسانًا، وهو العلم الحق والعمل المحكم، فبقدر وجود ذلك المعنى فيه يفضلُ، ولهذا قيل: الناس أبناء ما يحسنون؛ أي ما يعرفون ويعملون من العلوم والأعمال الحسنة. يقال: أحسن فلان، إذا علم وإذا عمل حسنًا [...] أمّا الإنسان من حيث ما يتغذى

(((2 إشارةً إلى قوله تعالى: ﴿ِإَوذ قَالَ رَبُّكَ لِلمْلَئِكَةِ إِنِّ جَاعِلٌ فِ الَْرضِ خَْلِيفَةً﴾ (البقرة: 0 ا سوَّيْتهُ ونفَخْت 3)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَ

فِيهمِن رُّوحِي فقَعُوا لَهُ سَاجدِينَ﴾ (الحجر: 92)، وإشارةً إلى الحديث النبوي «إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإنّ الله خلق

آدم على صورته ». انظر: أبو الحسن مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، ج 4، ص 7.21 كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن

ضرب الوجه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ج 4، ص 7-11611 (بيروت: دار إحياء التراث، 1).972

وينسل فنباتٌ، ومن حيث ما يحسّ ويتحرك فحيوان، ومن حيث الصورة التخطيطية فكصورة في

الجدار [...] فمن صرف همّته كلّها إلى تربية الفكر بالعلم والعمل فخليقٌ أن يلحق بأفق الملك،

فيسمى ملكًا ربانيًا، كما قال تعالى: ﴿ إِنْهَ ٰذَا إِلَّ مَلكٌَ كَرِيمٌ﴾ (يوسف: 31). لقد اشترط الراغب الأصفهاني لمعنى «الإنسانية» في الإنسان «العلم الحق والعمل المحكم»، ولم يقُل العلم والعمل، بل جعل لكل منهما اشتراطًا. فشرط الحقيقة منوط بالعلم، وشرط الإحكام منوط بالعمل، وهذان لا يكونان بغير معايير تميز العلم الحق من العلم الذي يجانب الحق، ومعايير تبيّن

العمل المحكم من غير المحكم. وتأسيسًا على ذلك، يمكن أن نفهم السبب الذي يحول دون قبول عدّ

مفاهيم؛ من قبيل «الفن للفن» داخل النظرية الأدبية في الفكر الإسلامي، أو مبدأ «الفوضى الخلاقة» في سياسة التعامل مع الشعوب، أو «التفكيكية» في المناهج النقدية والفكرية. فهذه المفاهيم كلّها تكاد تخلو من نظام قاعدي معياري، ثمّ إنّها لا تحترم في تصورها العامّ فكرة الهدف والقصد والمعنى،

ومن ثمّ لا تحترم فكرة النظام والمعيارية. وقد يلقى القول بثباتمفهوم الهوية الإسلامية اعتراضًا ممّن يرى ضرورةَ أنْ «ننظر إلى الهوية - في

إطار عملية التغيير - على أنها في حالة دائمة من التطور والتكون أو التحول، إنها كينونة مستمرة شكلً ومضمونًا، ومن حيث علاقتها بذاتها وبالآخر [ومن يرى] أنّ بين نقاط الضعف الأساسية في النظرة السائدة بين العرب حول الذات والآخر الميل إلى التمسك بفهم مثالي ثابت للهوية على أنها تكوّنت واكتملت سلفًا بدلً من أنها مشروع تاريخي نكافح لإنجازه». بيد أنّ مثل هذا الاعتراض

لا يستقيم إلا إذا كان مفهوم الهوية مطابقًا لمفهوم الثقافة (مجموعة من المظاهر التي تعبّر عن النشاط

الإنساني الحرّ؛ الفكري والعلمي والإبداعي)؛ لأنّ هذه المظاهر ليست ذات طبيعة ثابتة. فالتحول،

أو التبدل، أو التغير، شرط بنيوي فيها. أمّا حين تكون الهوية منهجًا ورؤيا، فإنّ الأمر يكون بخلاف

ذلك، لأنّ المنهج حركة دؤوب ذات رؤيا، وليس تعينًا موضوعيًا، شأن المظاهر الثقافية، أضفْ إلى

ذلك أنّ الهوية الإسلامية ذات بعد «فوق - بشري» بمنظار الفكر الإسلامي، لأنها تقوم على مرجعيات نصية قدسية، إلهية؛ كالقرآن الكريم، أو تكون بإيحاء ورعاية إلهيَّين كالحديث النبوي الشريف، وهذا

ما يمنحها صفتَي الثبات والإطلاق؛ قياسًا على مصدرها. ولو أنها كانت ذات مصدر بشري، لاقتضى

الأمر أن تكون متغيرةً نسبيةً، بالنظر إلى مصدرها البشري. وبناءً على ذلك، فإنّ الهوية ليست «مشروعًا

تاريخيًا نكافح لإنجازه»، بل هي مشروع إنساني نكافح لتحقيق تعيّنه، ونقله من الوجود بالقوة إلى

الوجود بالفعل. أمّا بشأن ما يتعلق بمعيارية الهوية، فإنّ الجابري كان قد أوضح - في مشروعه المتعلق بنقد العقل

العربي- أنّ «العقل العربي تحكمه النظرة المعيارية إلى الأشياء [وهي] ذلك الاتجاه في التفكير الذي

(((2 الراغب الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، نقلً عن: يوسف القرضاوي، السنة مصدرًا للمعرفة (القاهرة: دار الشروق،

0052)، ص.239-238 (((2 بركات، ص.236

يبحث للأشياء عن مكانها وموقعها في منظومة القيم التي يتخذها ذلك التفكير مرجعًا له ومرتكزًا».

غير أنه بهذا التعريف قصَر المعيارية على التقييم فحسب، ومن ثمّ بدَت معياريته معياريةً تقييميةً. فكأنّ

همّ الفرد داخل الثقافة الإسلامية ودوره الأساسي في الحياة يكمنان في إعطاء أحكام قيمية للعالم،

وتوزيع صكوك غفرانٍأو إدانةٍ لكل ما يحيط بالفرد وبالجماعة، وهذه نظرة خاصة جدًا للمعيارية ولبنية التفكير الإسلامي. ولعل هذا ما دفعه إلى عَدِّ المعيارية «نظرة اختزالية؛ تختصر الشيء في قيمته، ومن ثمّ في المعنى الذي يضفيه عليه الشخص [والمجتمع والثقافة] صاحب تلك النظرة». وجعل

الجابري في مقابل هذه النظرةِ النظرةَ الموضوعية التي «تحلّل الشيء إلى عناصره الأساسية لتعيد بناءه بشكل يبرز ما هو جوهري فيه». ويبدو أنّ يحيى محمد قد تابع الجابري في تبنّي هذا الوجه من معنى المعيارية، وإن اختلفت ألفاظه ومصطلحاته؛ فقد رأى أنّ «النظرة المعيارية تترصد النظر إلى الفعل الإرادي ودوافعه النفسية، وما ينطوي عليه أو يقتضيه من صفات وعلاقات إنشائية أخلاقية لاكينونية»، وذلك في مقابل النظرة الوجودية التي «ترى الأشياء من حيث ذواتها وكذلك صفاتها وعلاقاتها الكينونية». لكنّ المعيارية التي نراها ونقصدها ليست محصورةً في الأحكام التقييمية ذات البعد الأخ قااي أو

الاجتماعي أو حتى الديني، وإنْ كانت متضمنةً فيها، أو هي جزء من مقتضياتها. فالمعيارية التي نقصد هي منهجُ تفكيرٍ، لا حُكم قيمة في ذاتها وبنيتها، نريد بها ضرورة احتكام كل ما يصدر عن الإنسان

إلى قواعد وأُسس من شأنها أن تكفل له أن يتسم بسمة الإنسانية، وسمة النظام الذي يمثله وينتمي إليه. أمّا أحكام القيمة، فهي تُبنى بعد ذلك على طبيعة المعايير نفسها. فحُكم القصد مرتبط بصفاء

النية، وحُكم الهدف مرتبط بمراعاة المصالح الإنسانية، وحُكم الأسباب والأدوات مرتبط بقوانين

الأنساق الثقافية التي تؤطر الفعل. فالقيمة، إذن، جزء لا يجتزأ من معيارية الهوية؛ لأنها ضمانٌ لئلّ تضيع أفعال الإنسان في مرجعيات ذات طابعٍ غير إنساني؛ كأن يصير الموضوع - أيّ موضوع -

مرجعيةً لذاته بعيدًا عن الإنسان، ولعل هذا ما تدل عليه حركة «الفن للفن» بمعناها الحرفي، ولعل هذا، أيضًا، ما يفسر الخوف الذي يسري بين بعض العلماء من التجارب العلمية التي لا تضع الإنسان في صميم مرجعياتها. فإذا كان مفهوم الهوية العربية الإسلامية ذا طابعٍ «بنيوي معياري» على هذا النحو، وجب بالضرورة إعادة النظر في كثير من المشاريع الثقافية الفردية أو المؤسساتية، وكذلك النظر في خرائط الطريق التي تنتهجها الدول، والمنظمات ذات الصلة بتعزيز الهوية العربية الإسلامية أيضًا.

(((2 الجابري، ص.32-31 (2((المرجع نفسه، ص.32 (2((المرجع نفسه. 2(((يحيى محمد، مدخل إلى فهم الإس ماا، الفكر الإس مااي: نظمه.. أدواته.. أصوله (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 1999)، ص.76 (2((المرجع نفسه.

References

المراجع

بايار، جان فرانسوا. أوهام الهوية. ترجمة: وفيق فائق كريشات. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب،.2009 بركات، حليم. الهوية: أزمة الحداثة والوعي التقليدي. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2004 توملينسون، جون. العولمة والثقافة: تجربتنا الاجتماعية عبر الزمان والمكان. ترجمة إيهاب عبد الرحيم محمد. سلسلة عالم المعرفة 54.3 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2008 الجابري، محمد عابد. تكوين العقل العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1988 الحمد، تركي. الثقافة العربية في عصر العولمة. بيروت: دار الساقي،.2001 الخولي، أمين (محرر). العولمة والهوية الثقافية. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،.2000 الذوادي، محمود. الثقافة: بين تأصيل الرؤية الإسلامية واغتراب منظور العلوم الاجتماعية. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2006 روبنسون، كين. صناعة العقل: دور الثقافة والتعليم في تشكيل عقلك المبدع. ترجمة رامة موصللي. سلسلة القراءة للجميع. عمان: مكتبة الأسرة الأردنية،.2009 عبد الرحمن، طه. الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2005 القرضاوي، يوسف. السنة مصدرًا للمعرفة. القاهرة، دار الشروق،.2005 مجموعة باحثين، نظرية الثقافة. ترجمة علي سيد الصاوي. مراجعة الفاروق زكي يونس. سلسلة عالم المعرفة.223 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1997 محمد، يحيى. مدخل إلى فهم الإس ماا، الفكر الإس مااي: نظمه.. أدواته.. أصوله. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي،.1999 موللر، هارالد. تعايش الثقافات: مشروع مضاد لهنتنغتون. ترجمة مروان محمد الشعار. بيروت: دار النفائس،.2005 أنطوني كينج (محرر). الثقافة والعولمة والنظام العالمي. ترجمة شهرت العالم وهالة فؤاد ومحمد يحيى. المجلس الأعلى للثقافة. سلسلة المشروع القومي للترجمة 87.2 القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2001