أفكار ضدّ التيار، مساهمة للرفع من مستوى التعليم
Against the Currrent: A Contribution to Improving Standards of Teaching
الملخّص
يمكن أن نعتبر صدور هذا كتاب استجابة إلى الحاجة إلى نظرة عالمة خبيرة ومتروّية في المنظومة التعليمية التونسية في مراحلها الثلاثة الأساسي والثانوي والعالي من حيث غاياتها وأهدافها ونجاعتها وتاريخها ومظاهر الوهن التي تعتورها وكذلك من حيث سبل إصلاحها والنهوض بها حتى تكون ملائمة للتطورات التي عرفتها البلاد وعلى وجه خاص بعد الثورة وصياغة الدستور الجديد في جانفي 2014.
Abstract
The publication of this book can be seen as a response to the need for a learned, expert, and thoughtful examination of the Tunisian educational system. Looking at education in its three basic stages, then secondary, and higher, the work considers the objectives, goals, success, history, and weakness afflicting the education system. It further considers pathways to reform and revival, suggesting ways that it might become suitable for the developments seen by the country, especially after the revolution and the laying down of the new constitution in January 2014.
- المنظومة التعليمية
- تونس
- أفكار ضد التيار
- Education
- Tunisia
- Revolution
لأحمد بوعزّي
عنوان الكتاب: أفكار ضدّ التيار، مساهمة للرفع من مستوى التعليم. المؤلف
: أحمد بوعزّي. الناشر
: المؤلف نفسه. عدد الصفحات: 931 من القطع المتوسّط.
الدكتور أحمد بوعزي هو أستاذ جامعي مختص بفيزياء الخ يااا الشمسية، وبالطاقات المتجدّدة. درّس بالمدرسة الوطنية
للمهندسين بجامعة المنار بتونس مدة 31 سنة، حصل على الدكتوراه سنة 9771 من جامعة السوربون، وشغَل أيضًا منصب أستاذ زائر بجامعات أميركية وكندية وأفريقية. وقد عمل خبيرًا لدى وزارة التربية التونسية مدّة التفاوض
مع البنك الدولي سنة 990 1، حول إص ح المنظومة التعليمية في تونس، وأحرز جوائز عالمية مهمة على بحوثه العلمية.
قراءة في كتاب: أفكار ضدّ التيار، مساهمة للرفع من مستوى التعليم
by Ahmad Bouazzi
يمكن أن نعدّ صدور هذا الكتاب استجابة
للحاجة إلى نظرة عالمة خبيرة ومتروّية، في
المنظومة التعليمية التونسية في مراحلها الثلاث؛ الأساسي، والثانوي، والعالي؛ من حيث غاياتها وأهدافها وفاعليتها وتاريخها ومظاهر الوهن فيها، ومن حيث سبل إص حها. فتونس تحتاج في رأي الكاتب بعد ثورة 011 2 إلى إص ح جذري للمنظومة التعليمية والتربوية؛ لتكون في مستوى
تطلعات الشباب التونسي. ولئن تعذّر الإص ح الحقيقي للنظام التعليمي زمن الاستبداد الذي لم يكن يسمح فيه بالجدل العام في الشأن التربوي
والتعليمي، وكانت تفرض فيه رؤية ل صإإ ح التربوي تولّى إعدادها مجموعة من الإداريين والخبراء المحليين الموالين له، بالتعاون مع خبراء دوليين؛ فإن الديمقراطية الناشئة في تونس تتيح إمكانات كبيرة لتدارك أخطاء الماضي، والشروع في إص ح جديّ لمنظومتي التعليم
والتكوين. ولهذا الكتاب الفضل في تقديم الخطوط العريضة لبرنامج إص حي للتعليم، يفعّل الحقوق والحريات الواردة في الدستور
التونسي الجديد، ويقدّم تصوّرًا للهوية الثقافية،
قوامها المواطنة والحرية والمساواة، والانتساب إلى إرث حضاري وتاريخي مشترك. لذلك ينبّه الكاتب إلى ضرورة أن نستفيد من الوضع
الحالي، حتى نحقق أوسع وفاق ممكن على أهداف التعليم، يتجاوز الانقسامات السياسية والأيديولوجية؛ لأنه «إذا لم تكن أهداف التعليم مكتوبة واضحة، ومتفقًا عليها وطنيًا في إطار
وفاق واسع، فإن أي إصلاح لن ينجح» (ص. 31) وفي هذا السياق، يقترح الكاتب ما يمكن أن
نعدّه هدفًا إستراتيجيًا، وفي الوقت نفسه، مبدأً
لتقييم المنظومة التعليمية، من حيث أداؤها وجودة مخرجاتها، وهو أن تهدف المنظومة التعليمية لدولة ديمقراطية إلى تكوين المواطن القادر على الاستق لاا الذاتي، وعلى الاختيار الرشيد المنسجم مع مصالحه وتوجهاته الفكرية والقيميّة، وعلى التكيّف مع عالم متغيّر بفعل
التطوّر المتسارع للعلم والتكنولوجيا، وعلى
التفاعل مع غيره من أبناء مجتمعه ومع سلطات ب 8 دااه (ص. 2) فالاستق لااية الذاتية والفردية تفترضان المواطنة والانخراط في الشأن العام، وتغليب المصلحة العامة. وينبغي للمدرسة أن تنزع عن الت ماايذ عادات الخمول والتواكل؛ لتبعث فيهم روح المبادرة والريادة والاستنباط.
أهداف المنظومة التعليمية
يحدّد الكاتب أهداف التعليم المنبثقة من هذه
الغاية الإستراتيجية، في مختلف مراحله، مشدّدًا
على أن لكلّ مرحلة من مراحل التعليم أهدافها، فإذا كان التعليم العالي يهدف إلى تكوين الإطارات للاقتصاد والإدارة؛ فإن الثانوي الذي يعتني بثلثي المجتمع تقريبًا، يحضّر لدخول
الجامعة، ويكوّن المواطن الواعي والمثقف، أما
الإعدادي فهو إجباري، ومن ثمّ فأهدافه تعني كلّ
التونسييّن دون استثناء ويبقى الابتدائي للاهتمام
بالصغار، وتعليمهم اليقظة والتركيز، زيادة على التعبير والقراءة والكتابة، وتهيئتهم لمزاولة بقيّة
المراحل (ص. 32) وعلى نحو عام، يجب أن ترمي منظومة التعليم والتكوين إلى تمكين المتخرّج في كل مرحلة من جملة من الكفاءات
العامة، تفيده في الاندماج في وسطه المهني. وقد ضبط الخبراء، وفق الكاتب، هذه الكفاءات
في كفاءة حلّ المشاكل، والتدرّب، والقدرة على
استيعاب معلومات جديدة، وكفاءة الاتّصال والتعبير المنطقي باللغة الأمّ، والمعرفة باللغات
الأجنبية، وكفاءة التدبير وأخذ القرار، وجملة من الكفاءات الاجتماعيّة؛ مثل القدرة على العمل
مع فريق، وعلى القيادة وعلى المشاركة في الشبكات الاجتماعيّة (ص. 33-34) ويرى الكاتب أن الهدف الرئيس للتعليم
الابتدائي ينبغي أن يكون تمكين المتعلّم من جملة من الكفايات الأساسية تتمثل في القراءة والفهم والتعبير عن الأفكار على نحو سليم، بلسان عربي، وبلغة منطقيّة ومفهومة، والكتابة
والحساب للقيام بمجموع العمليات التي
يكون المتعلّم في حاجة إليها في حياته اليومية، والقدرة على التفكير السليم، وعلى التخطيط للمستقبل. كما ينبغي أن يعمل التعليم في هذه المرحلة على تهذيب الذوق لدى الناشئة،
وتهيئتهم للابتكار وتربيتهم على المواطنة، أي المعرفة بالحقوق والواجبات وتنمية الحسّ
المدنيّ لديهم، والوعي بأهمية التعايش مع
الغير، واحترام القانون والمِلك المشترك، والتراث الوطني، والأخ ق العامة، وتقدير الشخصيّة الوطنية، واحترام المحيط، والقيم
الحضارية، ومعاني الوطنيّة، واحترام العمل،
وحقوق الإنسان، وقيم التضامن، ومبادئ حفظ الصحّة والس مااة البدنيّة، والإلمام بالمبادئ
العامّة لعلوم الطبيعة، وتعلّم الانضباط والدقّة،
إضافة إلى معرفة أوّلية باللغات الأجنبيّة،
وتحديدًا اللغتين الإنكليزية والفرنسية، مع
المبادئ الأوليّة في استعمال الحاسوب. أما على مستوى التعليم الإعدادي، فيرى
الكاتب أن هدفه الرئيس هو تحضير المتعلّم للدخول إلى التعليم الثانوي. وهو ما يقتضي اكتساب جملة من المهارات يضبطها الكاتب
في المطالعة والاستعداد للتعلّم المتواصل، والقدرة على التحرير والتعبير باللغة العربية، والرقن السريع بالعربية وال تااينية، ومعرفة
بقانون الطرقات، وبمبادئ القانون، والتمكّن من اللغتين الأجنبيتين الرئيستين، بحيث يكون قادرًا
على الترجمة منهما إلى العربية ومن العربية إليهما، والإلمام بمبادئ علوم الرياضيات، والمعرفة بالفنون وبالتاريخ الوطني، والتربية التقنية، والمعرفة بمبادئ البرمجة الإع مااية، وطرق الإنتاج، والحرف والمهن، ومبادئ التقنيات المتداولة من كهرباء وأجهزة رقمية وميكانيك وبيولوجيا. أما التكوين التقني فينبغي أن يهدف، في رأيه، إلى تكوين حرفيين مهرة، بحسب الطلب، لمصلحة مؤسّسات اقتصادية
(ص. 6)3 وبخصوص مرحلة التعليم الثانوي العام، ي حظ الكاتب أنها لم تعد إجبارية، لوجود التكوين التقني، وهدفها هو التحضير للدخول إلى التعليم العالي.
أما التعليم العالي فيرى الكاتب أن هدفه الرئيس هو تكوين الإطارات العليا والباحثين والمسيّرين
للاقتصاد والإدارة، وينبغي في نظره أن نحتاط من
نزعة التخصّص المفرط؛ إذ يظلّ التدريب والتكوين
في أي ميدان تخصّصي وقتيًّا في عصر يتّسم
بالتحوّل والتجديد السريع، وباندثار صناعات
ومهن واختصاصات وظهور أخرى. ينبغي أن يظل الهدف الدائم لمنظومة التعليم العالي، في رأي الكاتب، هو التكوين القاعديّ والأساسيّ
الذي يمكّن من اكتساب المهارات التي يقتضيها التكوين الخصوصّي اللاحق (ص. 132).
تشخيص واقع منظومة التربية والتعليم والتكوين في تونس
وفق هذه الرؤية لإص ح المنظومة التربوية والتعليمية، يقوم الكاتب بقراءة واقع المنظومة
التعليمية في ب دااه. في حظ أوّلً، أن تونس
تعدُّ من بلدان العالم التي تنفق أكبر نسبة من
ميزانيتها على التعليم؛ ففي سنة 0142 خصصت الحكومة التونسية 5122 مليون دينار (أي ما يزيد على 5602 مليون دولار) من ميزانيتها (ما يعادل 18.2 في المئة من حجمها و 6.8 في المئة من الناتج الداخلي الخام) للتعليم بمراحله الثلاث. غير أن النتائج لم تكن في حجم التضحيات المبذولة. فالمتخرّج التونسي تعوزه الكفاءات
المطلوبة من أي متخرّج في أي مرحلة من
مراحل التعليم في منظومة تعليمية سليمة. فهو لا يقدر على القراءة والمطالعة بيسر ليتمكن من تحسين مستواه بمفرده أوفي مركز تكوين، وهو ضعيف في التعبير الكتابي والشفوي، وتنقصه المعرفة الدقيقة والثقافة العامّة. وهو
غير متمكن من الأسس الضرورية للمعرفة في ميدان اختصاصه، على الرغم من نجاحه
في الامتحان، فضً عن تدنّي حسّ المواطنة
لديه، وثقافة التمديُن واحترام قوانين الب داا.
وبطبيعة الحال؛ يشمل هذا التشخيص جميع المتخرّجين، من الأساسي إلى الجامعي. ويؤكد
هذا الأمر، في نظره، الاختبارات العالمية لقياس مستوى التعليم «بيسا» والتصنيف العالمي للجامعات. فتصنيف بيسا (PISA) Program
for International Student Assessment؛
البرنامج الدولي لمراقبة جدوى التدريس في المدارس الابتدائية والإعدادية، والذي تتولى إعداده كل ثلاث سنوات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، لسنة 0122، يُظهر تدنّي مستوى
المتعلمين التونسيين في مادة الرياضيات وفي العلوم وفي القراءة (ص. 42) أما الجامعات، فلم تحتل أي جامعة تونسية مرتبة من ضمن الخمسمئة جامعة في ترتيب أفضل جامعات العالم الذي تقوم به جامعة شنغهاي. ويعتمد هذا الترتيب، كما يبيّن الكاتب، خمسة
معايير، وهي نسبة نجاح الطلبة في الدراسة، وقدرتهم على الحصول على شغل في الأشهر الث ثااة الأولى بعد التخرّج، وهيئة التدريس
والتمويل، بما فيها دخول البحث العلمي وبراءات الاختراع، ثم إشعاع الأساتذة والباحثين، بما فيها الجوائز التي يُحصَل عليها، وخاصة
جائزة نوبل وميدالية فيلدس للرياضيات، وأخيرًا
عدد الاستشهادات للمنشورات وعدد المقالات المنشورة في مجلتي نيتشر Nature وسينس Science (ص. 162) تفيد كل هذه المعطيات في قراءة واقع التعليم في تونس، والذي بات في نظر الكاتب تعليمًا
باليًا تقليديًا، غير مواكب للعصر، يقوم على
الحفظ والتلقين وتنمية الذاكرة بدل التحفيز على التفكير وتنمية روح النقد والابتكار. كما
ظلّ نخبويًّا وانتقائيًا يعمّق الفوارق الاجتماعية،
ويحرم شرائح واسعة من المجتمع في الحواضر الكبرى وفي الجهات الداخلية للب داا، من
الترقّي الاجتماعي، ومن الحظّ في اندماج جيّد
في سوق الشغل وفي معترك الحياة.
الأسباب وسبل التدارك
يقدّم الكاتب جملة من الأسباب المتداخلة، تفسّر
فشل السياسة التعليمية في تونس، التي تحاول الاعتماد على مواكبة العصر. وقد فشلت في هذا، على الرغم من النجاحات النسبيّة التي حققتها
في مرحلة ما بعد الاستقلال، إلى حدود منتصف
سبعينيات القرن الماضي، والمتمثلة بخاصةٍ في تعميم التعليم، وتكوين كوادر عليا للب داا؛ ما
مكّنها من تحقيق نسب لا يستهان بها في النمو. ويعود السبب الأول لهذا الفشل، في نظر
الكاتب، إلى غياب سياسة وطنية تشتغل وفقًا
لخطّة تنموية شاملة وإدماجية، يكون عمادها مدرسة تربّي النشء على قيم الجمهورية، وعلى
التعلّق بالوطن وبسيادته، وتجعل المصلحة العليا للب داا تغلب على المصالح الشخصيّة
والحزبيّة والفئويّة والجهويّة. فتونس فوّتت
على نفسها، في نظره، فرصة بناء منظومة تعليمية بهذه المواصفات منذ استق لاا الب داا
عن فرنسا سنة 956.1 ولم تُجدِ نفعًا محاولات
التدارك فيما بعد، على الرغم من قيمة بعض
الإص حات التي أُدخِلت في المنظومة التعليمية، وارتبطت بأسماء بعض الوزراء مثل الوزير محمد الشرفي بداية التسعينيات. فقد استقلت تونس سياسيًا سنة 9561، واستكملت
استقلالها السياسي والعسكري والف حي سنة 9641، غير أن الاستقلال الثقافي تأجّل؛ إذ تقرّر
إبقاء اللغة الفرنسية لغةً ل دإإارة التونسية، ولغة لتدريس العلوم الصحيحة والإنسانية، في كل مراحل التعليم (ص. 8)13 وقد قامت دولة الاستق لاا بجهد كبير في سبيل تعميم التعليم (من دون جعله إجباريًا)، وبعث مدارس في
الأرياف وفي أقاصي الب داا، واستفادت من
برامج التعاون الدولي الفرنسية، وخصوصًا
في تدريس اللغة الفرنسية إلى جانب اللغة
العربية، واستقدام معلّمين وأساتذة تعليم ثانوي من فرنسا لتدريس العلوم الصحيحة والعلوم الإنسانية واللغة الفرنسية لشرائح واسعة من
أبناء الأوساط الاجتماعية الفقيرة؛ ما مكّن هذه الفئات من الارتقاء الاجتماعي، وخاصة في الستينيات والسبعينيات من القرن المنقضي. غير أن ذلك لم يمنع التدهور والانحدار في مستوى التعليم في منتصف الثمانينيات. فقد تراجعت في هذه المدّة على نحو بيّن، قدرة
الطالب التونسي، في مستوى التعليم الأساسي أو الجامعي، على التمكن من اللغتين العربية
والفرنسية كتابةً وتخاطبًا وقراءةً، عمّا كان عليه
الأمر للجيلين الأوّل والثاني، بعد الاستق لاا.
وترتّب على هذا التراجع في حذق اللغة
الثانية، تدنٍّ في التمكن من العلوم والمعارف التي تُدرسُ بها في مرحلتي التعليم الأساسي
والثانوي. وكذلك تراجع على مستوى التعليم الجامعي من حيث إن لغة التدريس أي الفرنسية أصبحت تعيق تلقي العلوم واستيعابها. شمل هذا التراجع أيضًا البحث العلمي الذي يقتضي إلى جانب إتقان اللغة الفرنسية تمكينًا من لغة
ثالثة وهي الإنكليزية، وهو غير متوافر لدى الطلبة التونسيين؛ لأن الإصرار على التدريس
وتقديم البحوث العلمية بالفرنسية، خلّف إهمالً
للّغة الإنكليزية ولدورها. وعلى الرغم من أن البنك الدولي وضع سنة 9891، ضمن شروط منح قروض مُيسّرة لتونس، تعريب لغة التدريس
في المرحلة الإجبارية من التعليم، أي حتى سنّ
السادسة عشرة لتحسين البيداغوجيا، وتسهيل استيعاب الت ماايذ المعرفة، فإن «التعريب لم
يدم طويً، فقد استطاع اللوبي [الفرنكوفوني] التأثير في الوزارة، والرجوع إلى اللغة الفرنسية لتدريس العلوم في المرحلة الإعدادية من خلال
الإعداديات النموذجية» (ص 8 1). ويشير الكاتب إلى فشل سياسة دعم اللغة الفرنسية؛ ما أدى إلى تدنّي مستوى التعليم، وازدياد
نسب الانقطاع المبكّر عن الدراسة، الذي بات ضمن نسب عالية تقدّر بنحو مئة ألف منقطع
كل سنة، وارتفاع نسب الأميّة، على الرغم من
إلزامية التعليم، وارتفاع نسب الإقصاء والتهميش الاجتماعي. في حين أنه في مدّة السبعينيات
من القرن الماضي، عندما وقع تعريب الحساب «نتج عن ذلك ارتفاع نسبة النجاح في مناظرة الدخول إلى (التعليم) الثانوي من 25 % إلى
% 50 مما مكّن أبناء الطبقات الشعبيّة من دخول
التعليم الثانوي، وتناقصت نسبة الانقطاع عن التعليم في الابتدائي، وبقيت على حالها في الثانوي، لأن التعليم الإعدادي بقي يُدرّس
الرياضيات باللغة الفرنسية (في تلك المدّة)
وكانت وما زالت لغة التدريس هي السبب الرئيسي للانقطاع عن الدراسة» (ص. 0)2 وقد أبدت سياسة تدريس المواد العلمية للمتفوقين بالفرنسية عقمًا كذلك. فبالمقارنة بالبلدان
السبعة التي احتلت المراتب الأولى في اختبار «بيسا»، كان تقييم النوابغ في المعاهد الإعدادية النموذجية التونسية مخيّبًا ل مآآال؛ إذ لم يحظ
بمستوى 5 أو 6 وهي الأعلى إلا 0.8 في المئة منهم، وبقي 67.7 منهم في مستوى 2 فما دون. وعلى مستوى ترتيب الجامعات في العالم، تبرز في رأي الكاتب أهمية تدريس العلوم باللغة الوطنية، فلو نظرنا في تصنيف 012 2، ن حظ بحسب الكاتب أن ال 501 جامعة الأولى، هي جامعات تستخدم الإنكليزية لغة تدريس وبحث ونشر، تليها الجامعات التي تستعمل الصينية وعددها 44، ثم التي تستعمل الألمانية وعددها 04، ثم التي تستعمل الفرنسية وعددها نحو 52، ثم الإيطالية، فاليابانية، فالكورية،
فالعبرية. وهو ما يكذّب، في نظره، ما يدّعيه
اللوبي الفرنكوفوني في تونس، من أن اللغات الوطنية ليست أداة لتحسين جودة تدريس البحث العلمي وتطويره، بل اللغات العالمية مثل الإنكليزية والفرنسية فحسب (ص. 66) واليوم، وقد نص دستور تونس لسنة 0142، في الفصل 93، على أن الدولة التونسية «تعمل على تأصيل الناشئة في هويتها العربية والإس مااية، وانتمائها الوطني، وعلى ترسيخ اللغة العربية ودعمها، وتعميم استخدامها، والانفتاح على اللغات الأجنبية والحضارات الإنسانية، ونشر ثقافة حقوق الإنسان»؛ لا بُدّ من أن تعمل
الحكومة، في نظر الكاتب، على تكريس ما ورد في الدستور، وتعريب تدريس العلوم، وأن تعيد النظر في تدريس اللغات الأجنبية في اتجاه يحافظ على سيادة الب داا واستق لااها الثقافي، وهو ما يعني أن تدريس اللغات الأجنبية ينبغي أن يندرج ضمن مشروع وطني، يهدف إلى دعم الثقافة الوطنية والبحث العلمي باللغة العربية، من خلال الترجمة إلى العربية ومنها إلى اللغات الأخرى (ص. 43) أما السبب الثاني الذي يؤكد الكاتب أهميته في تدهور المنظومة التعليمية في تونس، فيتعلق بطرق انتداب المدرّسين وتكوينهم. فتناقص
عدد الخرّيجين من المدارس العليا لتكوين
المعلمين، بفعل عزوف التلاميذ عن التوجّه إليها
بسبب تدهور الوضع المادي للمدرسين؛ فرض على وزارة التربية والتعليم انتداب المدرّسين
في الابتدائي من ضمن الطلبة المطرودين من التعليم العالي لعدم نجاحهم في الدراسة. وعلى الرغم من محاولة المشرفين على وزارة
التربية، بعثَ معاهد عليا لتكوين المعلّمين على صعيد الجامعات، عدنا من جديد في العشرية الأخيرة إلى انتداب الراسبين في التعليم العالي أو من فشلوا في مناظرة الانتداب، للتدريس في
التعليم الثانوي للتدريس في الابتدائي، من دون تكوين إضافي (ص. 66) الشيء نفسه يُحظ أيضًا على صعيد التعليم
الثانوي، فعلى الرغم من بعث مدارس عليا لتكوين مدّرسي التعليم الثانوي العام والتقني،
فإن عددها ظلّ محدودًا، وبقي عدد المتخرّجين
فيها ضئيً، مقارنة بحاجات التعليم الثانوي. وهو ما جعل الانتداب للتعليم الثانوي يتمّ أساسًا
من ضمن المتخرجين في الجامعات، الحاصلين على الأستاذية، والذين لم يتلقوا تكوينًا بيداغوجيًا
ونفسيًّا يؤهّلهم ل ضط عاا بمهمات المدرّس،
وخدمة الرسالة التي تقتضيها هذه الحرفة. لذلك، من الضروري أن تكون للدولة سياسة واضحة فيما يخصّ تكوين المدرّسين عمومًا في مختلف
المستويات، من التعليم الابتدائي إلى التعليم العالي، وهو ما يحتاج إلى بعث كليات للتربية في جميع جهات البلاد (ص. 8)11 كما ينبغي أيضًا،
في رأي الكاتب، إعطاء التعلّميّة Didactics
الأهمية التي تستحقها في التدريس بجميع مراحله، وفي تكوين المدرّسين. فعلى الرغم من
تطوّر الدراسات في هذا المجال، وما عرفته هذه
العلوم من تطوير ومن ابتكار طرق حديثة في نقل المعرفة وتبليغها، وعلى الرغم من أن تونس دفعت المال الكثير في تكوين مختصين في هذا المجال في معظم الاختصاصات، من خ لاا برنامج مشترك تونسي فرنسي، فإننا نرى وللأسف
أن الذين حصلوا على تكوين في التعلّميّة لا
يشتغلون في الوظيفة التي تكوّنوا لأجلها، ولا
نرى تطوّرًا في البيداغوجيا، ولا بحوثًا ودراسات
إمبريقية حول معوّقات التعلّم وكيفية تطوير
أساليب التدريس. أما السبب الثالث، فيراه بوعزي في تفشي ظاهرة الدروس الخصوصية إلى حدّ أنها أصبحت
شرط نجاح الت ماايذ في جميع الصفوف، وفي
جميع مراحل التعليم حتى العالي منه. ويرى أن ضعف الت ماايذ والمدرّسين في اللغة الفرنسية،
التي هي اللغة المعتمدة في تدريس العلوم في
تونس بدايةً، قد زاد من صعوبة سيطرة التلاميذ على المفاهيم. ونتيجة لذلك، زاد من صعوبة التحكم في محتوى الامتحان ومفرداته وأسئلته. وعلى الرغم من محاولات وزارة التربية والتعليم التونسية الحدّ من تفاقم الظاهرة، فإنها استفحلت،
وباتت تهدّد المبدأ الذي قامت عليه المدرسة
العمومية، وهو مجانية التعليم وضرورته، وسيلةً للترقي الاجتماعي، وتحقيق تكافؤ عادل في الحظوظ بين المواطنين (ص. 83). والأخطر في الأمر، أن ظاهرة الدروس الخصوصية امتدت إلى التعليم الابتدائي؛ ما يعني أن أبناء الفئات الضعيفة اجتماعيًا، سيضطرون إلى مغادرة أقسام
الدراسة، ولن يحصلوا بهذا على الحدّ الأدنى من
التعليم الذي يمكنهم من الاندماج الاجتماعي. ويرى الكاتب أن مقاومة هذه الظاهرة لا تكون فقط بالزجر، وإنما بمراجعة نظام الضوارب بين المواد، وكذلك منظومة الامتحانات، والتخلي عن المنظومة الحالية، وإعادة الاعتبار إلى الثقافة العامة في التكوين الأساسي والثانوي والجامعي. أما السبب الأخير الذي يراه الكاتب مسؤولً عن أزمة المدرسة وضعف مساهمة التعليم في خلق الثروة الوطنية وتنميتها، فهو الفصل بين التعليم العام والتعليم التقني، وتردّي صورة
الثقافة التكنولوجية لدى المتعلمين التونسيين. ويشير الكاتب إلى أن التعليم في تونس اتّخذ
منذ عدّة سنوات توجّهًا «نظريًّا»، وهو ما ترتّبت
عليه قطيعة منذ المرحلة الابتدائية بين التلميذ والواقع والأشياء العملية والمادية. فأحيانًا يختم التلميذ المرحلة الأساسيّة من التعليم «دون أن
يزور ورشة حدّاد أو نجّار، ودون أن يعرف كيف
يُصنع الخبز في المخبزة، ودون أن يزور متحفًا
يظهر له كيف كان يعيش أجدادنا» (ص. 44)
وينجم عن هذا الوضع احتقار للعمل اليدوي، وسوء معرفة بالمهن ووسائل الإنتاج، وجهل بعالم النباتات والأشجار والحدائق العمومية،
وقلة اكتراث بالملك العمومي وتخلّف للحسّ
المدني. ولا يقتصر الأمر على مستوى التعليم الأساسي فقط، بل يتعدّاه إلى التعليم الثانوي
والتعليم العالي، حتى إنه يكاد يكون الطريقة الوحيدة في التدريس في الجامعات. وهو ما يترتب عليه أن «يتخرج لدينا عشرات الآلاف
من المجازين كلّ سنة، لا يعرفون الع قااة بين محتوى ما دَرسُوا في الفصل والواقع المعيش
في ميدان اختصاصهم» (ص. 5)4 ولتدارك هذا الخطأ لا بُدّ، في نظر الكاتب، من إعادة الاعتبار
إلى المهن اليدوية في التعليم، وربط الدروس النظرية بالدروس التطبيقية، وتهيئة المختبرات، وتزويدها بالتجهيزات ال زاامة وكذلك وضع إستراتيجية للنهوض بالثقافة التكنولوجية، بوصفها شرط التطوّر الصناعي. ويؤكد الكاتب
أن التحكّم في التكنولوجيا غير ممكن إذا انعدم التواصل بين ثقافة الباحث أو المهندس وثقافة التقني السامي والعامل المختصّ، وإذا انعدم
التواصل أيضًا بين هؤلاء وأفراد الشعب عمومًا.
وهذا الأمر يطرح بإلحاح مرّة أخرى ضرورة
وجود لغة مشتركة تشكّل إطارًا للتخاطب
والتواصل والتفاعل بين جميع هذه الأطراف. ويقتضي ذلك، في رأيه، تعريبًا للمصطلحات
التكنولوجية، وسهولة التداول والتخاطب بها. ويرى الكاتب أن إص ح التعليم، وجعله في خدمة التنمية، يقتضي إعادة الاعتبار إلى التعليم التقني، وإعطائه المكانة التي يستحقّها في
التكوين، وهو ما سيُخفّف من الضغط على
التعليم العام، ويمكّن المتخرّجين في المرحلة
الثانوية من التعليم، والذين لا يرغبون في مواصلة التعليم بالجامعة، من الاندماج بيُسر في سوق
الشغل. وسيمكّن ذلك أيضًا من تخفيف الضغط
على التعليم العالي، ومن إتاحة الفرصة له حتى يقوم بالإصلاحات الجوهرية التي يقتضيها وضعه الآن. غير أنه لا يمكن للتعليم التقني أن يؤدّي
هذه المهمّة إلا إذا كان ذا جودة عالية تمكن
المتخرجين فيه بعد الحصول على البكالوريا التقنية من الالتحاق بالجامعات، ومن الحصول على شغل في أمد معقول. ويقدّم الكاتب
التجربة الألمانية مثالً لتعليم تقني متطوّر؛ إذ إن
الملتحقين بالدراسات الهندسيّة العليا في ألمانيا
هم الطلبة القادمون إلى التعليم العالي من شعبة الرياضيات والتقنية في التعليم الثانوي، وليسوا الطلبة القادمين من شعبة الرياضيات فحسب، كما هو الأمر في تونس وفرنسا (ص. 151)
خاتمة
لكتاب الدكتور بوعزّي مآثر عديدة، لا يمكننا
أن نأتي عليها في هذا العرض جميعها، لكننا حاولنا أن نقف عند ما بدا لنا الأهم فيها. بقي أن نشير إلى نقطتين إجرائيتين، نعتقد أنّهما مهمتان
في كل إص ح تربوي، يهدف إلى أن يكون
محلّ ثقة المجموعة الوطنية، وأن يجد طريقه إلى الإنجاز الفعلي. النقطة الأولى تتعلق ببعث مجلس أعلى للتربية، على غرار ما هو موجود في بلدان أخرى مثل المجلس الأعلى للبرامج في
فرنسا، يكون مستقلًّ عن وزارة التربية والتعليم،
وتكون ممثلة فيه الهياكلُ الإداريةُ المعنيّة
بالشأن التربوي، وكذلك منظمات المجتمع المدنيّ ذات الصلة بالتربية، ونقابات التعليم،
وكذلك شخصيات فكرية وخبراء في الشأن التربوي، تكون مستقلة عن الأحزاب السياسية، وتقع تسمية كل أعضاء هذا المجلس على يد مجلس النواب والحكومة ورئاسة الجمهورية، على شاكلة الهيئات المستقلة التي أقرّها دستور
تونس سنة 014.2 يتولى هذا المجلس بطبيعة الحال وضع خطة في الإصلاح، وضبط البرامج وصياغة المناهج وتحديد الإستراتيجية العامة
للدولة في مجالي التربية والتكوين، من دون أن ينفرد طرف بفرض رؤيته ل صإإ ح على المجتمع بأسره. أما الإجراء الثاني الضروري للإصلاح فيتمثل في إحداث هيكل مستقل عن وزارة التربية والتعليم، يتولى تقييم المنظومة التعليمية وأداء مجمل الهياكل التابعة لها، باعتماد الوسائل والتقنيات الحديثة؛ مثل تلك التي اعتمدتها اختبارات «بيسا». فمادام لم يقع الفصل بين التقييم والأداء، ومادامت هياكل الوزارة تشرف بنفسها على تقييم أداء مؤسّساتها
وإطاراتها التدريسية والإدارية، ف يمكن أن نأمل في تطوّر المنظومة التعليمية. ولا نخال
الدكتور بوعزي صاحب هذا الكتاب القيّم
يخالفنا الرأي في هاتين النقطتين، على الرغم من أنه لم يتعرّض لهما في كتابه.
الهوامش
الوزير الدكتور محمد الشرفي (008-19362)، أستاذ
قانون بجامعة تونس، ومناضل سياسي وناشط حقوقي،
رأس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان زمن الحكم
البورقيبي. وبعد انق 7« ب نوفمبر» الذي أزاح من خ لااه
الجنرال بن علي الرئيس بورقيبة سنة 9871، تولى سنة 9891
وزارة التربية والتعليم، حيث قام بجملة من الإص حااات، تم
من خ لااها إصدار قانون إلزامية التعليم حتى سنّ السادسة
عشرة، وهو ما وقع إقراره فيما بعد في الدستور التونسي لسنة
0142، في الفصل 9 3، وكذلك إص حاا تدريس مادة التربية
الإس مااية للط ب، وفق رؤية تقدمية ومنفتحة على العصر
وقيم الحداثة، وكذلك إص حاا برامج التعليم الديني بجامعة
الزيتونة، كما كان له الفضل أيضًا في تعريب لغة تدريس
المواد العلمية إلى حدود المرحلة الإعدادية، ووضع خطّة
لترجمة تدريس العلوم في المرحلة الثانوية، وهو ما لم يواصله
الوزراء الذين تولّوا وزارة التربية بعده. ومن أهم كتابات
محمد الشرفي كتاب الإسلام والحرية، سوء التفاهم التاريخي
999(1)، وكتاب كفاحي من أجل التنوير 2).009(أقرّت إجبارية التعليم في تونس سنة 9911، ضمن توصية
من البنك الدولي، وكانت شرطًا لإسداء قروض ميسّرة لتونس.
انظر: بوعزّي، ص.21 ينبغي التنبيه إلى أن المعاهد الإعدادية النموذجية قد
أ 007ُحدثت سنة 2، ويتوجّه إليها الت ماايذ الحاصلون على
أفضل مجموع في مناظرة تجرى في السنة السادسة من
التعليم، في حين يُوجه من لم يحصل على مجموع مرتفع
إلى التعليم الإعدادي العادي. وتُدرّس في المعاهد الإعدادية
النموذجية العلوم من رياضيات وفيزياء وعلوم طبيعة باللغة
الفرنسية. وهو ما يعدّه الكاتب التفافًا على إصلاحات محمد
الشرفي التي أقرت تعريب تدريس العلوم.