العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة في كتاب: عشرة مقترحات لتغيير المدرسة

قراءة في كتاب: عشرة مقترحات لتغيير المدرسة

Book Review: 10 Proposals for Changing the School

محرز الدريسي

Mehrez Drissi

الملخّص

* * باحث في الشأن التربوي والثقافي، تونس.

Abstract

The significance of this book lies in its demand that education be put first following a period of expansion of the political role. The demand comes as it has become clear to all that talk of comprehensive social reform without reform of the school is meaningless. François Dubet and Marie Duru-Bellat make their frank contribution over the problems of reform experienced by educational systems and deal in breadth and depth with the key issues of education. They advance a new vision and distinctive perspective that combines criticism with proposals while diagnosing, addressing, and investigating the state of education in France from various angles.

الكلمات المفتاحية:
  • التربية
  • الإصلاح
  • التعليم
  • المدرسة
Keywords:
  • School
  • Education
  • Reform
  • Learning

المؤلّفان: فرنسوا دوبي وماري دوري بلّ. تاريخ النشر الناشر عدد الصفحات

مقدمة

يُعدّ هذا الكتاب مساهمةً صريحةً في بناء جسور الثقة مع المدرسة وإعادة تفعيل دورها، بعد أن تمّ تجاهلها وكأنها ليست من بين الأولويات. ويستمد هذا الكتاب أهميته من أنّه يعيد التربية إلى الواجهة، بعد ما شهدناه من تضخم لدور السياسي، وقد تبين للجميع أنه لا معنى للحديث عن إص ح شامل للمجتمع ما لم يتّم إصلاح المدرسة. ويأتي كتاب فرنسوا دوبي وماري دوري بّ، عشرة مقترحات لتغيير المدرسة، في إطار مناقشة إشكاليات الإص ح التي تواجهها الأنظمة التربوية، ليتناول بتنوع، وعلى نحوٍ مكثّف، أهمّ المسائل الجوهرية في قضايا التربية والمدرسة برؤية جديدة ووجهة نظر مميزة، جامعًا بين النقد

والاقتراح، وتشخيص أوضاع التربية في فرنسا، ومعالجتها وفحصها من عدّة زوايا. يُعدّ اختيار المؤلفين لعنوان الكتاب ذا دلالة خاصة مفادها أنّ المنشود ليس ترميمًا جزئيًا، أو إصلاحًا لبعض الجوانب أو المظاهر السلبية، بشأن طريقة اشتغال المدرسة وتركيبتها، بل إنّ المنشود هو تغيير شامل يراجع الأسس التي بُنيت عليها مدرسة الجمهورية في فرنسا، ليجعلها مواكبةً للعصر، قادرةً على خدمة مقتضيات الديمقراطية والمساواة والمواطنة؛ لذلك ليس المطلوب إصلاحًا بالمعنى المتعاهد عليه للإصلاح التربوي فحسب، بل إنّ المطلوب هو تغيير جوهري، وقطيعة تجاه الحالة السابقة. لهذا الكتاب أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، وبالنسبة إلى سائر البلدان العربية أيضًا، يمكن

أن نجملها في عنصرين: الأول هو وجود ع قااة وثيقة بين المدرسة في بلداننا، وعلى وجه الخصوص في تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا؛ وهي التي استلهمت نموذج المدرسة الفرنسية، وقامت على الخبرات والكفاءات، وكذلك المناهج وطرائق التسيير الوافدة من فرنسا. ومن ثمّ، يهمنا هذا النقد والدعوة إلى القطيعة تجاه النموذج السائد الذي يدافع عنه المؤلفان دفاعًا كبيرًا. أمّا العنصر الثاني فيتمثل في أنّ موضوع الكتاب يتعلق بتغيير المدرسة في ظل نظام جمهوري ديمقراطي ينهض على قيم الحرية والمساواة والمواطنة والحداثة. وبطبيعة الحال لا يمكن تكوين مواطن معتز بانتمائه الوطني ومتفاعل مع محيطه وعصره، إلا إذا كان متعلمًا تعليمًا جيدًا، مستقلً برأيه متحصلً على العلم والمعرفة، قادرًا على النقد والتجديد. لذا، لا يكون بناء الديمقراطية في بلداننا العربية، وفي تونس تحديدًا وهي التي تخوض تجربةً متميزةً على هذا الصعيد، إلا بالقطع تجاه نموذج المدرسة التقليدية القائم على حفظ المعارف وترديدها، من دون نقدٍ وتمحيص، وعلى التراتبية المفرطة والتقليد بدلً من الإبداع. وبالنظر إلى هذه العوامل كلّها، يُعدّ هذا الكتاب مهمًّا جدًا بالنسبة إلينا، ونكون معنيّين بما فيه، على نحو يكاد يكون مباشرًا، على الرغم من أنّ موضوعه هو المدرسة الفرنسية.

يقف المؤلفان على حقيقة أساسية مجملها أنّ التربية مركّبة، وأنّها في حاجة إلى مراجعات تمسّ العمق. فالمدرسة بمشكلاتها وإيجابياتها موجودة في فناء كل بيت وكل أسرة. وقد تعرّض الكتاب للعديد من المسائل في صُلب المنظومة التعليمية والتربوية، وتناول إشكاليات وتفاصيل ذات أهمية، مثل: التقييم، والشهادات، والتوجيه، والانفتاح على المحيط، والمواطنة. ولئن كانت الأمثلة تخص فرنسا، فإنّ القضايا المطروحة ذات طابع يتجاوز الجغرافيا والسياقات الثقافية لملامسة قضية التربية - في جوهرها المشترك - كل المجتمعات.

يُبنى الكتاب على عشرة فصول تبدو منفصلةً ومتمايزةً في عناوينها ومضامينها، إلا أنّ الخيط الناظم بينها يتمثل في دفع نسق السؤال إلى أقصاه والمفارقات إلى أبعد نقطة فيها، لتبلور اتجاهات رؤية حديثة تتقاطع مع المقاربات التقليدية في معالجة مسائل التربية والتعليم. وسنركز في أهمّ العناصر الأساسية والمحورية، إذ يمكن تقسيم الكتاب إلى قسمين رئيسين؛ فالقسم الأول تُقارب فيه إشكالات المدرسة من الداخل، وهو يحتوي أربعة فصول تتناول مهمات المدرسة والبيداغوجيا وثقافة المدرسة ومناخ القسم. أمّا القسم الثاني، فهو يهتم بمخرجات المدرسة في أبعادها المدنية والقيمية، ويضم ستة فصول يتناول فيها المؤلفان قضايا المساواة بين الجنسين، وتكوين المواطن، وهيمنة الشهادات، وبناء مدرسة أكثر إنصافًا وعدلً، وإحياء الثقة وإعادة تأسيسها وابتكارها في المدرسة.

رحلة في داخل المدرسة

منذ مؤتمر داكار سنة 0002 المتعلّق بموضوع التربية للجميع، وبالتزامن مع الدورة الأولى للتقييم الدولي لمكتسبات الط ب PISA، انخرطت جلّ المنظومات التربوية في حركة إص ح برامجها ومناهجها وطرائق عملها، وقد نجحت بعض البلدان الأوروبية في تحقيق قفزة نوعية وتحسين أداء نُظمها التعليمية، مثل: فنلندا وبريطانيا وسويسرا، وغيرها. في حين بقيت فرنسا على ما هي عليه، تقريبًا، بحسب المؤشرات الإحصائية. لذا، يبادر الكتاب في مقدمته بالتساؤل عن أسباب تعثّر الإص ح التربوي في فرنسا وعُقم الإص حات المتعاقبة التي حافظت على وتيرتها وإيقاعها ومضامينها

وترسانة طرائقها التعليمية ومناهجها، من دون أن تحقق أثرا دالً وواضحًا (ص. 7)1 وقد طرح الكتاب أسئلةً مركزيةً، هي: هل حققت هذه الإص حات تغييرًا فعليًا في النموذج والاتجاهات؟ ولماذا ظلت المدرسة «محافظةً» على الخصائص والرتابة نفسها إلى حدٍّ ترهّلت فيه علاقة الطلاب بالمعرفة، وبُخست فيه صورة المدرسة لديهم؟ ولماذا لم تعُد تؤدي حتى تلك المهمات التي تطال - عادة - بإنجازها؟ وهل ب يمكن مطالبة المدرسة بتحويل طبيعة مهماتها وخصوصية أدوارها؟ (ص. 18) لا يُقدّم الكتاب «مفاتيح» ل صإإ ح، وإنما يطلق «حملة» تفكير ومراجعات لإثراء الجدل العامّ والارتقاء بالنقاش الدائر حول المدرسة المستقبلية ومبادئها التأسيسية وفلسفتها التربوية، ودمجها في دائرة «العقل التغييري» واقتراح بوصلة يمكنها أن تقود السياسات العامة في التربية والتعليم. يعلن المؤلفان، منذ الفصل الأول، نهايةَ المدرسة التقليدية، وضرورةَ تغيير النموذج والوجهة، والضفة التي ينطلق منها الإص ح الجذري. ويستوجب الإص ح الجذري مفاوضةَ مرجعياته، انطلاقًا من مبادئ السياسات العامة وإستراتيجياتها، والاستئناس بتراكم المعارف والمقاربات الإبيستيمية التي أنتجتها البحوث، حتى يتمّ اللقاء بين ما هو معرفيٌّ ونظريٌّ من جهة، والجدل الاجتماعي والنقاش السياسي من جهة أخرى. وبتعبير الكتاب، يتطلّب الأمر «أن نمشي على رجلين» (ص. 7)1 فالعالم يتبدل وفق نسق سريع يفرض على السياسي تنظيم حوارات متواترة حول قضايا التربية، لإعادة صهر غايات المدرسة ورسم أهدافها، والخروج من بوتقة «الخبراء» لتعالج في رحاب الفضاء العامّ. وينبغي للسياسي، في هذا الصدد، أن يدير الجدل، وأن يضع إطارًا م ئاامًا له، وأن يحرّر النقاش من مربعاته الضيقة ومساحاته المثقوبة، وأن يضبط وجهته. ويتعيّن عليه ألّ يبقى سجين القرارات الإجرائية من تعديل مواد، أو ضوارب، أو طرائق بيداغوجية وحوامل، وأن يصوغ نظرةً ماكروسكوبيةً، وأن يعمل على حفْ ز «الخيال السوسيولوجي» في الفاعلين والمواطنين (ص. 7)1 وفي هذا السياق يدافع المؤلفان، دوبي ودوري ب، عن المقاربة التشاركية الحقيقية والشاملة التي سيظل كل إصلاح تربوي في غيابها من دون نجاعة أو «رسالةً ميتةً فحسب» (ص. 8)1 ويشدّد المؤلفان على أنّ مشك ت التربية وأسئلتها الأساسية هي «أسئلة المبادئ» (ص. 02)، وأنّ أولوية كل إص ح هي إعادة بلورة فلسفة التربية وصوغ مبادئها قبل الوقائع والتفاصيل. فالتعديلات التفصيلية ليس لها معنى إلا في حال إدراجها ضمن أُفق مبادئ المدرسة وغاياتها. يُضاف إلى ذلك أنّ المدرسة وإن كانت لم تتخلَّ عن وظائفها العادية في نقل المعارف وتكوين المواطنين والإعداد للحياة الاجتماعية والمهنية، فإنّه بات من الضروري التخلص من الفكرة التي تجعل منها المصدر الوحيد للعلم والمعرفة والثقافة. فقد أحدثت الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي «ثورةً كوبرنيكيةً» أزاحتها من المركز جاعلةً منها مجرةً من بين مجرات معرفية عديدة فحسب. تستدعي السياقات الجديدة التساؤل عن غايات التربية في مرحلة تتميز بهشاشة الشباب وتأثرهم بالإشاعات، وبدعوات الإرهاب والعنف. فلا بُدّ من طرح أسئلة من قبيل: ما الذي ينبغي تقديمه للشباب داخل «أسوار» المدرسة؟ وما الذي يمكن للمدرسة أن تَفِيَ به تجاه الأجيال الجديدة؟ وما هي المعرفة المفيدة للطالب وللمجتمع؟ تُطرح تلك الأسئلة لأنّ «معرفة تُدرّس ولا تفيد، ستكون عبثًا، مثل متحف ب زائرين» كما يقول المؤلفان (ص. 0)2 وتجدر الإشارة إلى أنّ العديد من البلدان لا تفكر في مشاريع الإصلاح

التربوي إلا بالنسبة إلى من كان في المدرسة

(مَن هم داخلها)، كما أنها لا تجهد نفسها في الإجابة عن أسئلة من قبيل: ما الذي يرغب المجتمع في رؤيته في ما يتعلّق بعيش الطلاب وتصرفاتهم؟ وكيف سيواجهون المستقبل الغامض؟

إنّ من واجبات التغيير، في رأي صاحبَي الكتاب، إنقاذ الشباب من حالات التهميش و«التبخيس»، وتحديد موقعهم وأدوارهم في الحياة الاجتماعية. لهذا يناقش المؤلفان مسألة اختزال مهمات المدرسة في «آليّة توزيع الشهادات» فحسب، وتصنيف الطلاب وترتيبهم على أساس معارفهم وقدراتهم على استيعاب المواد المدرسية، والانزياح البارز بالمناهج نحو التجريد والشكلانية. غير أنه إذا تمّ الاتفاق على أنّ المدرسة إعداد للحياة، وعلى تسليح للشباب لمواجهة مشك تااهم (ص 03)، فإنه ينبغي ألّ تختزل مضامين المدرسة المعرفية في مواد يتمّ تقطيعها بصفة اعتباطية، وإنما ينبغي إعطاء معنى ما للتعلّم، على نحوٍ يتمّ عَدُّه بناء مشاريع عابرة للمواد والمعارف التخصصية، مع الاهتمام أكثر فأكثر بالكفايات الأفقية والمنهجية. فالشكل التقليدي في تصنيف المواد ليس هدفًا في حدّ ذاته، ولا يُعدّ الصورة الوحيدة الممكنة، والمطلوب تقييم أثر المادة وقيمتها بحسب الكفايات التي تسمح باكتسابها، من دون تجاهل الكفايات الاجتماعية والمدنية التي توضع، في أغلب الأحيان، في رفوف النسيان، والمطلوب كذلك ربطُ المعارف بالواقع. يشير الكتاب، في هذا الصدد، إلى أنه لم يتمّ الحسم في مفارقات التعليم/ التربية، والكفايات/ المعارف، وهو ما أوجد ضربًا من «انفصام نكد». لذا، وجب على المدرسة استرجاع دورها التربوي والتأطيري والاشتغال بتنمية شخصية المتعلّم، وفحص المعارف والكفايات التي يحتاج إليها للنجاح في الحياة، على نحوٍ يوسع أفق الإص ح، بالنظر إلى أنّ الحياة أوسع من المواد الدراسية وأُطرها المحدودة. ويلاحظ المؤلفان أنّ قضايا المبادئ والمرتكزات التأسيسية لا تنفصل إلّ منهجيًا عن عالم البيداغوجيا؛ لذلك يخصصان لها فصً ثانيًا يؤكد أنّالبعد الع ئااقي مهمّ جدًا، وأنّ مناخ الصف وأساليب اشتغاله عنصر تربوي فعّال، وهو ما بينته العديد من الدراسات ونتائج التقييمات الدولية (بيزا مثً). وتوجد قناعة راسخة لدى المؤلفين مفادها أنّ السعادة معطى جوهري في المدرسة، تُوجدها عناصر عديدة من أبرزها العلاقة الجيدة بين المعلم والمتعلم، بغضّ النظر عن الأداء. فهي تيسر التعلم وتشجّع عليه، وتؤثر في النجاح، وتحفز الطالب على تثمين ذاته وإدراك كفاءته. ويتناول الكتاب بالنقد ما تكرّسه المنظومات التربوية التقليدية من تصوّر للتعلّم تسكنه المنافسة الشرسة في ارتباطٍ بالأيديولوجيا الاستحقاقية Méritocratique للنجاح والتسابق إلى المراتب الأولى. وهو تصور يزعج، في رأي المؤلفين، فعل التعلّم، ويسيء إلى المناخ الذي يُفترض أن يكون ودّيًا بين الطلاّب في علاقات بعضهم ببعضهم الآخر، وبينهم وبين المدرسين داخل فضاء المدرسة. فالط ب «يركضون» من صفّ إلى آخر، والمدّرس «يركض» لإتمام البرامج، وكلّ طرف منهم مثقلٌ بالالتزامات والواجبات المدرسية. ويستوجب هذا المشهد من الفاعلين في المنظومة، في نظر المؤلفين، تقليص البرامج المكثّفة، وإتاحة هامش من الوقت ل نأأشطة الموازية والحرّة. إضافةً إلى ذلك، يتضمن الفعل البيداغوجي بعدًا تقييميًّا، إذ يستعرض الكتاب مجموعةً من المؤاخذات حول أساليب التقييم الجاري بها العمل في فرنسا؛ ذلك أنّها تقتصر على إسناد الأعداد (العلامات) التي لا يمكن استنطاقها، ولا يمكن

أن تكون ذات دلالة على شيء مفيد بالنسبة إلى الطلاب، بل إنها قد غدت مصدر إحباط لهم. يؤكد المؤلفان أنّ تكيّف المدرس مع التنوّع الغزير لم مااح الط ب وخصائصهم يحتاج إلى تعزيز استق لااية ممارسته البيداغوجية. لهذا، يطرح الفصل الثالث مسألة اختيار مهنة التدريس. فمن المسلّمات، في هذه الأيام، أنّ المدرسة تستمد فاعليتها من خصال الفاعلين فيها، وأنّ متانة تكوين المدرسين تساهم في إشعاعها. فقد تجاوز التدريس مساحة التلقين إلى إنتاج وضعيات تعليمية مبتكرة، وضمان المناخ الودّي في الصف. ويلفت المؤلفان النظر إلى المأزق الوجودي الذي تعيشه مهنة التدريس في فرنسا من جرّاء تردّي صورة المدرّس ونفور الشباب من هذه المهنة، وتهافت جاذبيتها، ما يتطلب «تأويج» صورة المدرّس وتفعيل خبراته البيداغوجية ودعم استق لاايته في الممارسة وتنويع ملامح التكوين والتدريب. ومن الغريب أن يُطمس هذا المنحى بسبب ضعف الحركات البيداغوجية وقلّة تأثيرها في المشهد التربوي في فرنسا، مقابل عنفوانٍوقوة للحركات النقابية المدافعة عن مصالح المدرسين المادية والمعنوية. ونتيجةً لذلك، نجد المدرسة تتحول من دون أن تتغير (ص. 66) وقد خُصّص الفصل الرابع من الكتاب «لنربي معًا» لتحليل الهدف الذي وضعته المؤسسة المدرسية لنفسها؛ وهو التكوين المنسجم لط بااها بتوحيد مضمون برامجها، والإقرار بمساواة شكلية وتساوٍ في الحظوظ (في نسب التأطير، ونوعية التجهيزات، والموازنات المالية... إلخ). غير أنه تغاضى، من جهة أخرى، عن عدم المساواة كما هي على الأرض. ويتوقف الكتاب عند رفض كل أشكال التمييز وعدم المساواة «المتسترة» بين الطلاب، إذ يتمّ «عزل» الطلاب من ذوي النتائج الضعيفة في فرنسا وغيرها من البلدان بدعوى «تأطيرهم» ومزيد من الإحاطة بهم، في حين يتضح من الواقع عكس ذلك. فقد تبيّن أنّ هذه الطريقة هي أمثل الطرائق لمضاعفة صعوباتهم السلوكية والتعلمية. وقد دافع هذا الفصل، مقابل ذلك، عن فكرة «الاخت ط الاجتماعي» الذي يساعد على دمج الشبان في سياقات «العيش المشترك»؛ إذ لا يمكن لنتائجهم أن تتحسن إلا في صُلب فصول متنوعة وغير متجانسة.

مدرسة المواطنة والإنصاف

يتناول القسم الثاني من الكتاب الأبعاد المدنية والمواطنية، إذ يشير الفصل الخامس إلى المساواة بين الجنسين، وإلى أنّ المدرسة مطالبة اليوم بتقييم مدى ضمانها الفعلي للمساواة بين الط ب كافةً ذكورًا وإناثًا. وبالنظر إلى طبيعة التنشئة الاجتماعية التي يهيمن عليها السلوك التمييزي في الأسرة الذي يتراكم عبر مختلف مراحل التمدرس، فإنّ المدرسة لا تستطيع تغيير الأطفال كما تشاء. ويُختم الفصل بضرورة ترسيخ المدرسة لقيم الاحترام المتبادل بين الذكور والإناث، وتجاوز «النمطية» الاجتماعية في البرامج والع قااات التربوية، وترسيخ التفاعلات بين الصفوف، والدفاع عن الاختلاط كإستراتيجية في المجال التربوي العامّ. ويقترح المؤلفان فكرةً طريفةً تتمثّل في إرساء مساحات حرّة للنقاش لتدريب الط ب على الحسّ النقدي (ص 05 1)؛ من خ لاا أنشطة نموذجية تخص تحليل مجلات الشباب وكلمات أغاني الراب والمواقع الإلكترونية المختلفة. ولئن كانت المساواة بين الجنسين من الرهانات الرئيسة في الميدان التربوي، فإنّ سُبل تكوين المواطن لا تقلّ أهميةً، وهو البعد الذي يعالجه الفصل السادس من الكتاب؛ إذ ينطلق من أزمة النموذج الفرنسي الذي يؤكد أهمية دور المدرسة

في تجذير قيم الديمقراطية والجمهورية وغرسها في الناشئة، وتُتهم المدرسة بالتراخي في إنجاز دورها ذاك. من أجل ذلك، ينتظر الجميع منها الحرص أكثر فأكثر على تكوين المواطن تكوينًا جيدًا في مجتمع متسامح، حرّ، ولائكي (ص. 114). وينتقد المؤلفان نموذج ال ئااكية الفرنسية التي تتناسى «ماضيها» حين فصلت بين الإناث والذكور، وطالما ميّزت بين الجمهور المدرسيّ بحسب أصوله الاجتماعية، ومارست الانتقاء، ولم تَفِ بشروط الارتقاء الاجتماعي إلا لعدد محدود من أبناء الشعب (ص. 5)11 ويرى المؤلفان أنّ ال ئااكية في فرنسا آخذة -سأأف ل - في التحول بالتدريج إلى ضرب من الثيولوجيا اللائكية، تسعى لفرض التجانس في الفضاء العامّ وفي المدرسة بقوة الدولة، من خ لاا منْع كل تعبير عن العقائد الخاصة (ص 0 12)، وأنّ ال ئااكية الجمهورية تحولت إلى رفض لكل الأديان التي تريد أن يكون لها حضور- حتى لو كان رمزيًا - في الفضاء العامّ. هذا المنحى التمييزي جعل المسلمين، في رأي المؤلفين، ينعزلون في أحياء خاصة بهم شبيهة بالمعازل Ghettos، وجعل أبناءهم يدرسون في مؤسسات تربوية، تُعرف بكثرة مشكلاتها، تنمّي لديهم الشعور بالغبن والفشل. وقد عمّق هذا الوضع روافد التمييز وعدم المساواة، وأظهر التباس مفهوم المواطنة، وضاعف انسداد الآفاق وانغلاق الآمال. ويشخص الفصل السابع مستوى آخر من مخرجات المدرسة، يخص هيمنة الشهادات، إذ تفترض قيمة الإنصاف، أن تكون لجميع الط ب الفرص والحظوظ نفسها، بمعزل عن جذورهم الاجتماعية. فكثيرًا ما يرتبط الحصول على الشهادة بالوسط الاجتماعي، وبإعادة إنتاج المواقع الاجتماعية. ومن المفيد للمجتمع وللمدرسة التخلي عن الاعتقاد الوهمي الذي مفاده أنّ هؤلاء الشبان «غير قادرين» وعديمي الكفاءة. فمِن بينهم، كما يشهد الواقع على ذلك، شبّان يتميزون بمواصفات تطبيقية يحبذها أصحاب العمل. لهذا، يظل الهدف الأساسي الذي ينبغي أن تنشده السياسة التربوية هو إعداد الشباب ل ناادماج الاجتماعي، بمراجعة تمفصلات التكوين الأساسي العامّ والتكوين المهني، وهي خاصية جوهرية تميّز فعليًا بين الأنظمة التربوية. فالنظام الفرنسي، مثً، يشتغل وفق «منطق المستوى الدراسي»، في حين يشتغل النظام الألماني وفق «منطق الكفايات» (ص. 0)14 ويُعنى الفصل الثامن بفكرة بناء مدرسة مُنصفة وعادلة. ومن خ لاا مناقشة التجربة الفرنسية، فإنّ هذه المدرسة تُعَ دّ بمرجعياتها القيمية، من الناحية النظرية، من بين أكثر المؤسسات إنصافًا وعدلً. فهي الأكثر انسجامًا ببرامجها واختباراتها ومركزيتها ومجانيتها. وعلى النقيض من ذلك، بيّنت الدراسات السوسيولوجية أنّ المدرسة الفرنسية لم تتوصّل إلى تحييد أثر التفاوت الثقافي والاجتماعي للعائ ت في نتائج المتعلمين ومهاراتهم، لأنّ المدرسة الفرنسية تطلب من الط ب أن يكونوا أبطالً، وتضبط قواعد المنافسة المتساوية شكليًا. أمّا ما ينتج بعد ذلك من تفاوت، فيظل أمرًا طبيعيًا في نظرها. ومقابل هذا النموذج، يرى الكتاب أنّ هدف المدرسة ليس التصنيفَ والانتقاء، بل تحقيق المساواة قدر المستطاع في الأداء، وعدم التمييز بين الط ب بحسب الاستحقاق المدرسي، وقيادتهم نحو ما يحقق أعلى تكوين ممكن. ويرى المؤلفان أنّ على المدرسة أن تَفِيَ بتكافؤ الفرص قبل تمييز النخب، وأنّ الأمر المطلوب ليس تكوين نخبة وتنمية مهاراتها العليا، بل توجيه المدرسة كل إمكاناتها لضمان شروط تكافؤ الفرص، بدلً من أن تكتفي ب «معاقبة» من لا يتميز ضمن مربع الاستحقاق المدرسي. فالط ب الذين قُيّمت مؤهلاتهم المدرسية بأنها «ضعيفة»،

يحتاجون إلى المدرسة أيضًا، ولا يمكن للمدرسة أن تكتفي بلَفْظهم خارجها؛ إذ لا يقلّ دورهم الاجتماعي عن دور نخبة الطلاب. للخروج من ثقافة عدم المساواة «الخفيّة»، ينبغي للمدرسة - بحسب رأي المؤلفين - أن تعُدّ كل الطلاب قادرين على النجاح، وأن تعمل على بناء منظومة تكوين حول سبُل تنمية الثقة بالنفس، كما ينبغي لها أيضًا الإقرار بتعدد ملامح الط ب وتنوع كفاياتهم وأذواقهم ومشاريعهم في الحياة، وأن تقترح وحدات تعليم اختيارية تجمع بين المشاريع والكفايات، وتنويع أشكال التعلّم، وفسح المجال لشغفهم وولعهم. وتتطلع هذه الاقتراحات التي قدمها المؤلفان إلى إعادة ابتكار المؤسسة المدرسية وتجديد رؤيتها، وهي الأفكار التي أعاد الفصل التاسع من الكتاب تأكيدها. وإنّ ما يجري في الصفّ مرتبط مباشرةً باشتغال الآلة الإدارية الكبرى التي تحدّد الأدوار، وتضبط المواقيت، وترسم البرامج، وتمنح الموارد والمقارّ، وتضع القواعد والأهداف. ولئن كانت المنظومة الإدارية تنظّم المدرسة، فإنه ليس من المؤكد أنها تحكمها، فهي تشتغل بطريقة بيروقراطية وتجسّم تصورًا ثبوتيًا للتربية؛ ذلك أنّها ترى في المدرسة «قلعةً» منفصلةً عن العالم الخارجي، لها قواعدها وضوابطها الداخلية. لهذا يصعب - من خلال منظور المؤلفين - التأثير في قلب المنظومة. وحتى الوزراء لا يمكنهم التأثير فيها إلا على الأطراف والتخوم، وضمن الحدود التي تسمح بها «رغبات» الفاعلين في المنظومة ودفاعهم المستميت عن امتيازاتهم ومصالحهم. وهذا النموذج يتناقض مع السياق القيمي الجديد الذي يثمّن انفتاح المدرسة، وقدرتها على تأسيس المشاريع التربوية، واشتغالها وفق منطق التعاقد. ولا يمكن لهذه الرؤية أن تجد طريقها إلى التجسيم إلا بإقامة جسور الثقة بالديمقراطية المدرسية، وهو ما يدرسه الفصل العاشر من الكتاب. ففي مقابل المدرسة «القلعة» الخاضعة للقواعد البيروقراطية، من الحيويّ التخلي عن فكرة الهيكل المغلق وإعادة تحديد فضاء المدرسة؛ وذلك بفتح أبوابها على محيطها. ولا يكمن تفعيل هذا التصور إلا بتوسيع مساحات النقاش التربوي خارج المتخصصين والخبراء. فالجميع لديهم الحق في الحديث عن المدرسة (ص. 96)1 غير أنّ الانطباع الحاصل الآن هو أنّ المدرسة لا تتحاور إلّ مع نفسها، ولا تأخذ برأي مستعمليها إلا أخذًا هامشيًّا. تبرز الحصيلة الختامية في موقف دوبي ودوري ب بأهمية كسر احتكار «التكنوقراط» للمجال المدرسي، وتعويض ذلك بالثقة بالديمقراطية داخل جدرانها وخارجها، وتشريك الأولياء ورصد انتظاراتهم ومعرفة مطالبهم وإع مااهم بأهداف المدرسة وبما يجري في الصف، والإصغاء أيضًا إلى الطلاب لاستعادة ثقتهم بالمعرفة وبالمؤسسة التربوية، والتفاوض الجدّي معهم (جداول الأوقات، والفروض، والحياة المدرسية... إلخ)، على نحوٍ مُؤسس لبناء عقد تربوي يربطهم بالمدرسة. وإنّ ذلك سيشجع المواطنين حتمًا، في نظر المؤلفين، على دعم المدرسة والدفاع عنها، وهو أمر لا يتحقق بالإجراءات الإدارية وبالمناشير، بل بإرساء الثقة «من الأسفل»؛ من خ لاا ميثاق تربوي بين المدرسة والأولياء والطلاب وكل من يهتمّ بالمدرسة.

ملاحظات واستنتاجات

يُعدّ هذا الكتاب «مُ ربكًا» في كيفية التعاطي مع مسألة الإص حات التربوية، لأنه ينتقد «الأساطير» المؤسسة للإصلاح التربوي ويعرّي هناتها الظاهرة والكامنة، ويقدّم مشروعًا متكاملً في تغيير المدرسة. ونودّ في هذا السياق أن نورد بعض الملاحظات المضمونية والشكلية:

•  انغمس الكتاب في تفاصيل مكثّفة بسبب محاولته أن يكون شامً ومحيطًا بجميع الإشكالات وقد أثقلت هذه التفاصيل التمشي، وشوشت - جزئيًا - وضوح الرؤية، ما جعل المبادئ المهمّة تتداخل مع ما هو أقلّ أهميةً منها، وقد أدّى ذلك إلى التباس بالنسبة إلى الأولويات.

• إنّ أهمّ ما نستنتجه من هذا الكتاب هو أنّ الإصلاح ليس شأنًا تربويًا خالصًا، بل هو أمرٌ يخضع لرهانات وتجاذبات ومصالح فئوية ينبغي كشفها للعيان وتحديدها؛ للشروع في عملية التغيير على المدى القصير والمتوسط والبعيد.

•  على الرغم من أهمية التقييمات الدولية واستجابة الإص حات للمعايير، لا بدّ أن يكون هناك وعي بالمبررات الداخلية والأسباب الذاتية للمنظومات التربوية؛ حتى تنخرط بعمق في عمليات الإصلاح الجذري. • تعرّض مؤشر الشهادة المدرسية للنقد، ولكن كيف يمكن في مرحلة معيّنة من التكوين المدرسي تأشير عتبة التمايز والفوارق الفردية، في تصوّر المشاريع والقيام بالمبادرات، وتثمين الجهد الشخصي؟ نعتقد أنّ الكتاب في هذه المسألة لم يكن واضحًا وضوحًا كافيًا. •  لقد عَدّ الكتاب التوجيه المدرسي حلقةً من حلقات التمييز في صلب المدرسة، ولم يبلور آليةً في التفاعل مع اخت ف التوجهات وتباين الرغبات والأذواق والمشاريع الفردية. •  لم يهتمّ الكتاب بالمؤسسات الداعمة للإصلاح التربوي؛ مثل المجلس الأعلى للبرامج، أو المجلس الأعلى للتربية، أو المؤسسة التقييمية، وقد يكون ذلك بسبب وضوح الخريطة الهيكلية قانونيًا ومؤسسيًا في فرنسا، في حين أنّنا نرى أنّ الإص ح التربوي في المنطقة العربية لا يمكن أن يكون ناجزًا ما لم يشتمل على مقترحات وتوصيات في اتجاه مأسسته، بإحداث مؤسسات لا تخضع لإم ءااات طرف أو آخر، سواء كانت هذه الإملاءات سياسيةً أو نقابيةً. •  يعتمد كل تقييم شبكةً من المرجعيات، وقد جرى الاقتصار في هذا الكتاب على مرجعية المبادئ، على الرغم من وجود مرجعيات قادرة على إثرائها؛ مثل مرجعية المعايير المعتمدة على النجاعة والفاعلية والهندسة والحوكمة والحوافز. •  بقيَ أن نسجّل تحفظًا تجاه تأكيد الكتاب أنّ السياسيّ هو الذي يدير الحوارات التربوية ويؤطرها، ويحدد بوصلتها في المستقبل؛ إذ يبقى التخوف قائمًا - حتى في ظل مؤسسات ديمقراطية - من توظيف التربوي سياسيًّا.

الهوامش

فرنسوا دوبي François Dubet: عالم اجتماع ومدير سابق للدراسات في المدرسة العليا لدراسات العلوم الاجتماعية، لديه العديد من المؤلفات.

ماري دوري بل Marie Duru-Bellat: باحثة اجتماعية، لديها العديد من المؤلفات في المجالات الاجتماعية والتربوية. انعقد المنتدى العالمي للتربية في نيسان/ أبريل 0002 في داكار، بالسنغال، وقام المشاركون في هذا المنتدى باعتماد إطار عمل داكار «التعليم للجميع: الوفاء بالتزاماتنا الجماعية»، كما وافق المشاركون على ستة أهداف تعليمية واسعة النطاق وحدّدوا عام 0152 موعدًا لتحقيقها. تُعنى بيداغوجيا الكفايات بالقدرات المكتسبة، ولا تعُدّ التعلم تملّكًا للمعارف والمهارات في حدّ ذاتها، بل تدعو إلى استثمار المعارف في وضعيات مختلفة من وضعيات الحياة. قانون Haby الخاص بالمؤسسة الإعدادية الموحدة لسنة 1975 (مثال فرنسي.)