العودة إلى تفاصيل المؤلَّف تمثلات الهوية النسوية في رواية

تمثلات الهوية النسوية في رواية

The Representation of Feminist Identity in Alawiya Sobh’s Novel Dunia

محمد بوعزة

Mohammed Bouazza

الملخّص

تسعى الدراسة إلى مقاربة تمثيل الهوية النسوية في رواية دنيا للروائية علوية صبح، وذلك بهدف استكشاف السياسات الخطابية المضمرة التي تحرك السرد النسوي في بناء صوره وتمثيلاته للذات والآخر. وقد تبين لنا أنّ الهوية النسوية تتشكل في هذا النص في مسافة التوتر السردي والمعرفي بين أيديولوجيا الذكورة التي تسعى إلى الهيمنة وامتلاك المرأة من جهة، ويوطوبيا السرد النسوي الذي يعمل بوصفه خطابًا نقيضًا للهيمنة الذكورية، ينهض بتفكيك أنساقها المضمرة المسيئة إلى صورة المرأة في المجتمع، وتعرية تحيزاتها؛ ما يفضي به إلى إنتاج صور جديدة لذاتية المرأة وخطابها من جهة أخرى.

Abstract

Abstract: This study approaches the representation of feminist identity in the novel Dunia by the novelist Alawiya Sobh in order to uncover the implicit discursive strategies which motivate feminist narrative in the construction of its images and representations of the subject and the other. It is evident that feminist identity in this text takes shape in the space of narrative and cognitive anxiety between the ideology of masculinity that endeavours to dominate and possess women, and the utopia of feminist narrative that operates as a counter discourse to masculine dominance, undertakes a deconstruction of its implicit structuration that undermines the image of women in society, and exposes its biases. This leads to the creation of new images of women’s subjectivity and discourse.

الكلمات المفتاحية:
  • رواية دنيا
  • الهوية النسوية
  • علوية صبح
  • الأدب
Keywords:
  • Representation
  • Feminism
  • Body

أنساقها المضمرة المسيئة إلى صورة المرأة في المجتمع، وتعرية تحيزاتها؛ ما يفضي به إلى إنتاج صور جديدة لذاتية المرأة وخطابها من جهة أخرى.

مقدمة

تنخرط المدونة الروائية للكاتبة اللبنانية علوية صبح من الناحية الدلالية والخطابية في رهانات السرديات البديلة. وهي سرديات تحررية وتنويرية، تسعى في ممارستها الدالة إلى تفكيك الأنساق المضمرة المتحكمة في الثقافة المهيمنة، وتعرية تحيزاتها الأيديولوجية. لذلك تتموضع السرديات البديلة في الحقل الثقافي العام إستراتيجيةً مضادة لكل صور الهيمنة الثقافية والرمزية الكامنة خلف الخطابات والممارسات الدالة في المجتمع. هذا التموضع الثقافي هو ما يحدد بنيتها النصية بكونها نقدية وتفكيكية. تتجلى هذه الإستراتيجية البديلة، على المستوى السردي الدلالي، في تجربة الكاتبة علوية صبح، في كون الرواية تمثّل بالنسبة إليها ممارسة خطابية دالة، تسعى إلى تفكيك النسق الدلالي الأبوي الذي يحدد وضعية المرأة في المجتمع، ويحكم عليها بالتهميش والإقصاء؛ ومن ثمّ يسلبها ذاتيتها الفاعلة. ما يؤكد هذا الوعي النسوي أنّ النساء ينتبذن زوايا السرد في هذه المدونة الروائية، ليس فقط على مستوى الملفوظ Enoncé، أي الحكاية، والتي تستمد موضوعها من قصص النساء، بما يختزل هوية النساء السردية إلى مجرد موضوعات سردية أو موضوعات للرغبة، ولكنّ الأهم من ذلك أيضًا، هو

امتلاك الصوت النسوي؛ ذلك أنّ المرأة في هذه المدونة النصية تسترد فعل السرد. فهي من يتولى سرد حكايتها وتمثيل تجربتها بصوتها ولسانها. إنّ حيازة المرأة لهذا الصوت السردي على مستوى الخطاب التخييلي يعوضها عن الموقع الاجتماعي الهامشي الذي يحكم عليها بالصمت، بل إنّ الأمر التكتيكي الأخطر من ذلك والأكثر أهمية أنها تعود من خ لاا هذا الموقع السردي لتستنطق الثقافة الأبوية وتعري تحيزاتها الأيديولوجية. لذلك، حين تحكي المرأة فهي تحكي من موقع مضاعف، يمتزج فيه التخييلي بالاجتماعي، والذاتي بالعام، والشخصي بالسياسي. يجري تفعيل الإستراتيجية المضادة في البنية السردية لروايات علوية صبح بإجراء عملية قلب في مواقع السرد، يتم بوساطتها استعادة مواقع الك ماا التي تكلمت فيها «المرأة التابعة »Subaltern، وهذا ما يتيح بالضرورة استعادة صوت المرأة في التاريخ والمجتمع مرة ثانية، وإعادة كتابة هذا التاريخ من «المنظور المهمش» للمرأة.

(((صدر للكاتبة علوية صبح أربع روايات: نوم الأيام، ومريم الحكايا، ودنيا، واسمه الغرام، عن دار الآداب، بيروت. (((يستعمل مصطلح «التابع» لدى جماعة التابع الهندية للدلالة على ذوات وكيانات تقع خارج النخبة، خاصة القطاعات الريفية. وكشفت هذه الجماعة من المؤرخين الجدد أنّ وعي التابع يوظف آليات في المقاومة والتمرد والكلام مختلفة، تظل مغيبة من التاريخ السائد والرسمي. ونحن نوظف هذا المصطلح بالمفهوم الواسع عند الناقدة ما بعد الكولونيالية جياتري سبيفاك لتحديد كل الذوات

التي تتموضع على الهامش في علاقتها ببنى القوة. انظر كتابنا: محمد بوعزة، سرديات ثقافية من سياسات الهوية إلى سياسات

الاختلاف (بيروت: دار الأمان/ منشورات الاختلاف/ منشورات ضفاف، 2014)، ص.56 (((يتحدد مفهوم المنظور المهمش في مقابل المنظور المهيمن في صيرورة الدينامية الاجتماعية. إنه يعبّر عن وعي المهمش في

سعيه إلى تعديل بنى القوة المفروضة على موقعه الاجتماعي، ما يطلق إستراتيجيات جديدة في التمثيل من هامش القوة، لا تتوقف عن استنطاق الثقافة والتاريخ والذاكرة، تتسم بوظيفتها النقدية والتفكيكية للنسق المهيمن.

يقود هذا الفعل السردي الثقافي إلى انتهاك حالة الإسكات الثقافي التي فرضتها الهيمنة الذكورية على النساء وتجاوزها، وذلك بفعل استعادة عملية التمثيل الذاتي لتجاربهن، وامتلاك سلطة سرد قصصهن في الحياة. وستعمل هذه الدراسة على توضيح آليات اشتغال هذه الإستراتيجية المضادة على المستوى النصي والدلالي، في نص محدد هو رواية دنيا، واستكشاف الرهانات الثقافية والاجتماعية التي تحرك دوافعها، ما نسميه بسياسات السرد، انط قااًا من مفهوم مزدوج للتمثيل يتفاعل فيه المنظور الثقافي والمنظور الاستطيقي.

المنظور الثقافي

يتحدد ضمنه مفهوم التمثيل في العمليات التي تدرك من خلالها الذات نفسها في علاقتها بالآخر. إنّ طبيعة هذه العمليات هي التي تحدد شروط إنتاج التمثي ت من حيث إستراتيجيتها الخطابية وآليات اشتغالها وآثار معانيها. وهذه العمليات صورة من صور المعرفة وتعيين الهوية. بطبيعة الحال، تتغير وظيفة هذه العمليات من خطاب إلى آخر (الخطاب الكولونيالي، والخطاب النسوي، والخطاب الأبوي... إلخ)، بحسب المقصديات الأيديولوجية المضمرة أو الظاهرة التي تحكم انتظام بناه الخطابية. يرتبط التمثيل إذًا، في هذا المنظور، بالوظيفة المعرفية التي تتجلى في بناء الصور والتصورات عن الذات والآخر، وما تستبطنه من أنساق ثقافية مهيمنة.

المنظور الاستطيقي

نعتمد فيه بويطيقا السرد في توظيف مفهوم التمثيل. كل سرد من منظور «بويطيقا السرد» يتكون من عنصرين متكاملين في آن واحد: قصة وخطاب. يتحدد دور التمثيل السردي في هذه الثنائية بوصفه الكيفية التي يتم بها تقديم القصة (الأحداث والتجارب)، أي تصويرها وتشكيلها فنيًّا وأدبيًّا. إنه يعني

مجموع الطرائق الفنية التي يتوسلها الخطاب السردي في بناء القصة وتنظيمها. بهذا المعنى، ما يحدد جمالية السرد وشعريته هو الخطاب بصفته تمثيلً لقصة يفترض أنها واقعية. يرتبط التمثيل إذًا، في هذا المنظور الاستطيقي بالوظيفة الشعرية للخطاب السردي التي تتمثل ببناء الأنساق السردية وتقنياتها وصيغها، وتحديد جمالياتها الأدبية والفنية. والجدير بالتأكيد، في هذا التوضيح الأولي، أنّ البعد الجمالي والبعد الثقافي للتمثيل يتداخ ن ويتضافران في تشكيل عملية بناء الدلالة، وقد أجرينا هذا التمييز بين المفهومين لضرورة إجرائية ومنهجية. فكل تمثيل سردي هو تمثيل ثقافي، لأنه يرتبط بأسئلة القوة الثقافية، من يحكي؟ ومن

(((علوية صبح، دنيا، ط 3 (بيروت: دار الآداب،.)2010 (((بويطيقا السرد: علم السرد الذي يدرس جميع الأجناس السردية بالمنهج البنيوي.

يملك سلطة السرد والتمثيل؟ «فإذا كانت السيميوطيقا تحصر عملية التمثيل داخل اللغة، وتحلله باعتباره نسقًا مغلقًا، أو بالأحرى ساكنًا static، فإن التطورات ال حقة تهتم بالتمثيل باعتباره منبعًا لإنتاج المعرفة الاجتماعية. إنه نسق مفتوح، يرتبط بطرائق دقيقة بالممارسات الاجتماعية

وأسئلة القوة».

حكاية الجسد: استعادة سلطة التمثيل

من المعلوم أنّ الهوية تمثّل بؤرة مركزية في السرد النسوي، سواء على مستوى التجربة التي تحيل عليها الحكاية، وتتعلق بوضعية المرأة في المجتمع، والتي تميزت بالعنف الإبستيمولوجي والتاريخي والتهميش الاجتماعي وسوء التمثيل، أو على مستوى التخييل السردي الذي يتمثّل بالبحث عن هوية بديلة، متحررة من سلطة أشكال التمثيل الذكورية المهيمنة. في هذا التعالق الحيوي بين التجربة المرجعية والشكل السردي، بين التاريخ والبنية، والذي يميز السرد النسوي، يمثّل السرد خطاب الذات إلى العالم؛ إذ يتم بناء صور وتمثي ت للذات (المرأة) من منظور كشف عملية الجنوسة Gender وتعريتها بصفتها «بنية رمزية طاغية تمنح من خلالها الهويات للرجال وللنساء معًا، وتنظم ضمنها

المعايير الاجتماعية من أجل المحافظة على سيطرة الذكور»، والتي تجعل المضطَهد في حالة غياب الوعي، يقبل اضطهاد جلاده: «أمي، حين أخبرتها عن بشاعاته، وعنف معاملته لي، قالت «إنّ الزوج هو الرب الصغير على الأرض» وعلى الزوجة استرضاؤه بأي ثمن، وعلي ألّ أكفر بالنعمة، فالله لا يحب الكفار. حدثها الشيخ عن العذاب الذي يلاقيه الكفار في الآخرة، والنار التي تكويهم وتحرق جلودهم». في سياق هذا الجدل السردي الناتج عن التوتر بين النسق والذات، بين ثقافة سلطوية تحتقر المرأة وذات تسعى إلى الخروج من النسق القمعي لهذه الثقافة، تتشكل هوية البطلة دنيا في النص صيرورةَ رغبة تتجاذبها مشاعر متناقضة (الحب/ الكراهية، الانفصال/ الاتصال). فالبطلة دنيا التي قادتها نظرة حب رومانسية إلى الزواج من مالك ستتحول حياتها الزوجية إلى جحيم يومي، تعاني فيه بشاعة معاملته وقسوة عنفه، وخياناته المتكررة لها، بعد أن حولته الحرب الأهلية إلى قاتل بدم بارد، تقول دنيا: «عيناي أرى فيهما أيضًا عجزي وضعفي، بعد أن سرق بهجتهما وطمأنينتهما منذ أن تحول، بعد أسابيع قليلة من زواجنا، إلى رجل آخر لا أعرفه. صار سريع الغضب، قاسيًا وعنيفًا،

يتذرع بأتفه الأسباب لمضايقتي وإقلاق راحتي، يوبخني ويعيرني بالتقصير، يشتم ويحطم الأثاث ثمّ

يغادر البيت».

(6) Stuart Hall (ed.), Representation: Cultural Representations and Signifying Practices (London, California, and New Delhi: SAGE Publication/ The Open University, 2003), p. 42.

(((سايمون ديورنغ، الدراسات الثقافية: مقدمة نقدية، ترجمة ممدوح يوسف عمران، سلسلة عالم المعرفة 254 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2015)، ص.288 (((صبح، ص.57 (((المرجع نفسه، ص.54

على الرغم من قسوة هذه المعاناة اليومية، فإن البطلة حين أتيحت لها الفرصة كي تنفصل عن مالك، بعد أن أصيب بالشلل والعجز، اختارت البقاء في المنزل مع أولادها، لتعيش وضعًا مزدوجًا تتجاذبه

مشاعر متناقضة، ومواقف متنافرة، بين الواقع والرغبة، بين اليقظة والمنام، بين الحقيقة والوهم: «ما أعيشه، لا أدري إن كان حقيقة أم وهمًا أو ما يلغي الحدود بينهما، ولكن أن أكتشف أنّ الدنيا جزء من

الوهم، تنتهي حين تنتهي الأوهام، فهذا ما يخيفني». بسبب الجدل غير المحسوم الذي يفرضه منطق هذه التجاذبات الدينامية على بنية السرد، تتعين الهوية إمكانيةً مفتوحة على صور الاخت ف وليس تحققًا نهائيًا. إنها صيرورة بحث ملتبس، نتيجة التباس

الموضوع، أي موضوع القيمة الذي تسعى الذات (دنيا) إلى تحقيقه. الانفصال أم الاتصال؟ هجران الزوج المشلول أم البقاء معه؟ وعلى الرغم من أنّ البطلة تقرر البقاء في المنزل مع زوج شبه ميت، مشلول، فإن هذا البقاء يجسد حالة انفصال وليس اتصال: «رغم نومنا متجاورين في سرير واحد إنما بجسدين ورأسين متباعدين. رائحته تلك كانت قد ت شت وغابت عن أنفي، مذ تحول إلى رجل غائب لم يعد يحفظه جسدي ولا رأسي». وعلى الرغم من عيشهما في المكان نفسه (بيت الزوجية)، فإنه لم يعد بينهما أي اتصال عاطفي؛ التجاور المكاني يقابله التباعد العاطفي. وتجسد حالة التجاذب وضعية بينية تشغل فيها الذات موقعًا مزدوجًا، هو موقع المابينL’entre – deux الذي يتبيّن في النص في صورة تمفصلات

تخييلية ودلالية: تمفصل بين عالمين (عالم الواقع/ عالم الحكاية.) - - تمفصل بين زمنين (الوعي/ اللاوعي.) - - تمفصل بين قانونين (السلطة/ الرغبة.) إنه وضع الازدواج الذي يجسد حالة التباس مضاعفة، الانفصال العاطفي في وضع الاتصال المكاني، ويجعل الذات تعيش متشظية في وضع زمني مزدوج بين زمن داخلي نفسي يحكمه قانون الرغبة وزمن خارجي اجتماعي يحكمه قانون القوة، يجد مجازه الحكائي في الصورة البشعة للحرب الأهلية اللبنانية التي قتلت كل ما هو جميل في الأرواح والنفوس، وحولت الفرد إلى كائن مسخ، مجرد من كل القيم والمشاعر الإنسانية: «كان يشعر بذلك. هم فقدوا الشعور باللذة كما بالألم أيضًا. يبتدع الواحد منهم طرقًا في التعذيب ليتسلى، بعد أن فقد متعة التعذيب العادي [...] كان ذلك المقاتل في السابعة عشرة من عمره حين أصبح آمر فصيلة [...] حين تحدثا مرة عن الحب، قال له ذلك الصديق (أي المقاتل) بأنه لا يعرف أن يشتاق أو يحزن أو يفرح أو

(1((المرجع نفسه، ص.8 (((1 المرجع نفسه، ص 28. 1(((المابين: «موقع وسيط بين موقعين أصليين منفصلين، يتميز عنهما في البنية والوظيفة»، انظر: محمد بوعزة، هيرمينوطيقا

المحكي: النسق والكاوس في الرواية العربية (بيروت: دار الانتشار، 2007)، ص.157

يخاف [...] لكنه لا يعرف هذه المشاعر أبدًا. لا يحن لأحد، ولا لشيء. الذكريات لا تعني له شيئًا». ما يميز التمثيل السردي لثيمة الحرب في الرواية أنه لا يقتصر على وصف كرونولوجية الحرب، بل يتجاوز هذا المستوى الخطي إلى تشخيص أثر الزمن الحربي في زمن الإنسان، بما هو ذات وكينونة ومنظومة قيم أخلاقية وإنسانية. إنه يركز على تشخيص الأثر «الفجائعي» لزمنية الحرب وليس على حدثها «الوقائعي »، بما يجعل «الصيرورة السردية حاملة أثر الزمن في داخلها بوصفه مكونًا من مكونات هويتها الخاصة. فالزمن يتعدى، هنا، وظيفة التعيين التي تحدد ميقات حدوث ظاهرة ما إلى ما يجعل هذه الأخيرة متضمنة الزمن في صلبها». في هذا الفضاء السردي الموسوم بتخييلية الازدواج، على مستويات نصية وإبستيمولوجية متداخلة، يأخذ البحث الأنطولوجي عن الذات لدى شخصيات الرواية صورة عنف رمزي ومادي بين ثقافة أبوية متسلطة يمثلها في النص الزوج مالك والسرد الأنثوي الذي تمثله حكاية البطلة دنيا (وحكايات باقي النساء في الرواية)، انتهاكًا تخييليًّا للواقع؛ لأنه يتيح للذات إمكانية خلق عالم ممكن بديل، هو العالم

النصي، بوصفه بديً من عالم الواقع. إنه عالم الحكاية الأنثوية الذي تتحرر فيه الذات من قانون النفي الأبوي: «أزيل الصدأ عن حنجرتي وأعثر على ملامحي، وأقاوم موتي الذي هو النسيان المطلق [...] حكيت لأنازل ذلك الموت بقوة التذكر، ولأقاوم الخوف الذي يبلع الملامح ويأكل النظرات ويلتهم العظام [...] حكيت لها كي تصير لي حكاية وأقاوم المحو الذي بدأ يدب في كما دب في أمي ». تتشكل الحكاية الأنثوية بوصفها عالمًا بديلً. إنها ملاذ الذات، فيه تعانق هشاشتها وتستعيد حريتها

في البوح. هكذا، تتأسس العلاقة بين عالم الواقع وعالم الحكاية في النص ضمن ثنائية القوة والرغبة.

في هذه المعادلة غير المتكافئة، يمثل البوح السردي للذات نسقًا رمزيًا دالً لاستعادة الذات وبناء

حكايتها، خارج سياسات الهيمنة الذكورية. بين أيديولوجيا الذكورة التي تسعى إلى الهيمنة وامت ك المرأة ذاتًا وجسدًا ويوطوبيا التخييل التي تجسد رغبة الذات في التحرر واستعادة ذاتيتها المسلوبة، يتشكل منطق السرد الذي يخضع لصيغة دينامية من التفاعل المتشابك بين التخييل السردي والجنوسة، حيث يتركز التبئير في تمثيل حكاية البطلة دنيا على تقاطعات التخييل و»الجنوسة» و»الطبقة» و»الجسد» و»أيديولوجيا الذكورة»؛ تقول دنيا لصديقتها فريال: «أنّ مشكلتنا نحن النساء، أننا تفصيل في حياة الرجل، بينما نعتبره – نحن - كل حياتنا [...] كأننا نحن النساء، لسنا سوى صورة موزعة في كادرات ثابتة مرسومة بدقة، صور للرحم، والجسد، وأخرى للروح أو للعقل».

(1((صبح، ص.187 (((1 عبد الرحيم جيران، علبة السرد: النظرية السردية من التقليد إلى التأسيس (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2013)، ص.46-45 (1((صبح، ص.9

في منطق هذا الوعي النسوي الموجه للبرنامج السردي بالمفهوم السيميائي، تتشكل هوية البطلة، بوصفها ذاتًا متجذرة في إطار الجنوسة Gendred، تعي أنّ الأدوار الاجتماعية المحددة لأوضاع المرأة والرجل في المجتمع، ضمن تراتبية اجتماعية وتمنح الرجال امتياز الهيمنة، هي أدوار مبنية ومشيدة اجتماعيًا وثقافيًا، وليست معطاة بصفة طبيعية. بمعنى أنها نتيجة الجنوسة وليست نتيجة الجنسانية

Sexuality، نتيجة الثقافة وليست نتيجة الطبيعة. إنّ هذا «التجاذب المنتج» بين التخييل السردي والجنوسة في رواية دنيا هو ما يوجه البنية السردية للنص، سواء على صعيد المنظور السردي للبطلة دنيا، أو على صعيد بناء الصور والتمثيلات الخاصة بكل من جسد الأنوثة وجسد الذكورة، بحيث يتمظهر الجسد موقعًا لصراع المعاني والصور، من قبيل

الذكورة والأنوثة، الذاكرة والنسيان، الرغبة والسلطة، المقاومة والقوة. وفي سياق تشخيص السرد لتنامي هذا الاشتباك الدلالي بين صور الذكورة وصور الأنوثة، يعرّي النص

سياسات الهيمنة الذكورية، في تشييدها ل نأأثى، بوصفها تلك «الهوية الآخرية» المزدوجة، بحيث تكون في الآن نفسه موضوع رغبة وإهانة وعنف، يتم تمثيلها بوصفها «اخت فااًا» من منظور استيهام اللذة، ولكنه اختلاف شيطاني، ينبغي قمعه وحجبه، حمايةً للمجتمع من فتنته وإغوائه. هذا النسق الأيديولوجي المضمر هو ما تصوره، تخييليًا، حكاية البطلة دنيا مع زوجها مالك في

تفاصيل حياتهما الزوجية اليومية. فهو حين يرغب فيها، تكون موضوع رغبة ومتعة؛ وحين تحتفي هي بجسدها، تنقلب إلى موضوع عنف وإهانة في منظور الزوج مالك: «أول امحائي حدث عندما دخل البيت ذات يوم وأنا لا أزال عروسًا، رآني أرقص في غرفة النوم وحدي على أنغام موسيقى شرقية.

وقف متوترًا يتطلع بخوف إلى جسدي الذي كان يتطاير حرية وفرحًا، ثمّ أوقف شريط التسجيل

بعصبية و»زمّ جسدي وصار بحجم حبة العدس، بل شعرت به زجاجًا تكسر وانهار أرضًا، قطعًا صغيرة

متناثرة». هكذا، تكون المرأة موضوعًا منشطرًا في النظام الأبوي، مفعولً لازدواج خطابه. إنها بالمعنى

التحليلي - النفسي «الموضوع الجيّد»Good Objet حين يرغب الرجل في جسدها، و»الموضوع

السيئ» في الآن نفسه، حين ترغب في تملك جسدها وتقرير مصيرها، وكتابة حكايتها الخاصة. هذه المفارقة الإبستيمولوجية الهزلية في خطاب الذكورة هي ما يكشفه السرد في المجتمع الأبوي الذي تعاني الشخصيات الروائية تبعاته النفسية والاجتماعية والسياسية.

(1((بخصوص التمييز بين الجنوسة والجنسانية، انظر:

Michael Ryan, Cultural Studies: A Practical Introduction (Chichester: Wiley–Blackwell Publishing, 2010), p. 26.

1(((هومي ك. بابا، موقع الثقافة، ترجمة ثائر ديب (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.136 (1((صبح، ص.103 (1((الموضوع الجيّد (والموضوع السيئ) مصطلح تحليلي نفسي يدل «على الموضوعات النزوية الأولى، سواء أكانت جزئية أم

كلية، كما تتبدى في الحياة الاستيهامية. وصفتا الجيّد والسيئ لا تتأتيان من خصائص الموضوعات المشبعة أو المحبطة وحسب،

وإنما تتأتى خاصة من إسقاط نزوات الشخص الليبيدية أو العدوانية على هذه الموضوعات»، انظر: بابا، ص.84

في مواجهة هذا «الاخت ف الوحشي»، ينبني خطاب الذات (المرأة) في الرواية، وفق إستراتيجية مضادة للنسق الدلالي الأبوي؛ بهدف إزاحته وزحزحته، وتتم هذه الإزاحة سرديًّا وخطابيًّا، باعتماد

صيغة البوح الأنثوي؛ إذ يتم تبئير عدسة السرد على قصص النساء المهمشات، بصفتهن ذوات متكلمة فاعلة، ولسن مجرد موضوعات للرغبة في حيازة الرجل. إنّ بطلة الرواية دنيا تحكي حكايتها الخاصة من موقع «الساردة - الشخصية»، بما يفيد امتلاكها سلطة السرد والتمثيل. وتنقل حكايات جدتها وأمها ونساء عائلتها وأهلها ومدينتها من موقع الراوية. وفي سياق نقلها لهذه الحكايات، تفسح المجال للنساء كي يتكلمن ويحكين قصصهن، ويمثلن تجربتهن بأنفسهن. وتمثّل هذه الآلية السردية في الحكي إحدى إستراتيجيات «التابع» في استعادة سلطة «التمثيل» و»الصوت» و»الكلام». إنّ المرأة «التابعة» في رواية دنيا هي التي تروي حكايتها وتمثّل تجربتها. وبهذا التموضع في الخطاب، أي امت ك الصوت السردي، تخلق هامشًا لتكسير التبعية، من خ لاا انتهاك خطاب الذكورة، وتعرية تناقضاته الهزلية ضد المرأة. وبطلة الرواية دنيا، من حيث هي ساردة لحكايتها الخاصة وراوية لحكايات نسائية أخرى، هي على خ ف شهرزاد، تحكي حكايات نساء مهمشات خارج الهندسة الاجتماعية، «حكايات دنيوية » وليست «حكايات خرافية ». وبوساطة إسناد سلطة التمثيل السردي إلى «المرأة التابعة»، تسترد النساء المهمشات ذاتيتهن الفاعلة بإعادة «الصوت» و»الكلمة» إليهن؛ ما يتيح لهن تمثيل تجربتهن المقموعة بصوتهن، ومقاومة تاريخ النسيان والصمت الذي يحجب سيرة اضطهادهن، تقول البطلة دنيا: «فريال أخبرتني ذات يوم أنّ قصتي تبدو لها أحيانًا حلمًا [...] كنت أهرب إلى منزلها ليً لأفضفض عن قلبي.

أهرب من مالك، سجان الوقت، لأتنفس بعض حريتي في الك ماا، ولأعيد اكتشاف صوتي الذي بلعته». مثلما كانت شهرزاد تقاوم مصير الموت الذي يتهددها بسحر الحكاية الخرافية، تقاوم البطلة دنيا ثقافة الصمت، باستعادة سلطة الحكي والك ماا من الراوي الذكوري. وهذا ما يقودها إلى انتهاك حالة الصمت التي تجردها من كينونتها. إنها مقاومة نصية ثقافية تنطلق من تحرير الكلام عن الذات، واستعادة سلطة التمثيل. إذا كان بناء الذات الذكورية في الثقافة الأبوية يتم عبر الإفصاح عن أشكال الاخت ف الجنسي مع المرأة: القوة في مقابل الضعف، الفحولة في مقابل الأنوثة، الصلابة في مقابل الهشاشة، العاطفية في مقابل العقلانية، فإن بناء الذات الأنثوية، على خلاف ذلك، يقوم على استعادة سلطة التمثيل، وإعادة توجيهها للإفصاح عن هوية الذات وبناء حكايتها، خارج منطق التقابلات الثنائية النمطية الذي تفرضه سياسات الجنس؛ لأنه كما وضحنا أع هاا، يبقى تمثيل الذات لدى البطلة يصدر من موقع موسوم بسياسات الازدواج، يجعل خطابها لا يسقط في «خطر التحديد المضاد»، بمعنى «يدعم من دون عمد

((2(صبح، ص.8

ما يسعى إلى معارضته بتأكيد التماثل بين الاثنين»، خاصة أنّ الذات نفسها لا تحظى بامتياز اليقين الأيديولوجي «ما أعيشه، لا أدري إن كان حقيقة أم وهمًا أو ما يلغي الحدود بينهما». على الرغم مما يحف بهذا الموقع السردي من التباسات إبستيمولوجية، فإنه يعبّر عن تحول جذري

في الإستراتيجيات السردية والخطابية، يتم من خ لاا حيازة مواقع الحكي والفضاءات الحميمية للذات، وقلب هندستها التراتبية التي تحدد الأدوار الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة، بما يجعل المرأة تسترد سلطتها. فالبيت المنزلي الذي تعيش فيه دنيا، ويتحدد بصفته بيتًا ذكوريًا يحكم فيه الزوج

مالك، تحوّل دنيا إحدى غرفه إلى غرفة خاصة، تلتقي فيها كل مساء بصديقتها فريال، ويتبادلان بوح

الأسرار وسرد الحكايات، بعد أن ينام الزوج مالك. هذه الغرفة الخاصة تصبح الحيّز الصغير ضمن فضاء البيت الكبير لامتلاك العالم. تستعيد فيه كينونتها

مروية خارج سلطة الذكورة. إنه فضاء الكينونة الذي يتبنين فضاءًانتهاكيًا لسلطة الفضاء الذكوري. في

مقابل الهوية الاجتماعية، تؤسس الحكاية هوية سردية بديلة، الهوية المرغوب فيها، المنبثقة في زمنية التحرر من قهر النظام الأبوي. يقود هذا الفعل (حيازة سلطة السرد) إلى التحرر من فضاءات السلطة الذكورية، واستعادة الجسد وإعادة تملكه وتمثيله من منظور وعي جنوسي، بحيث يتحول الجسد إلى دال على الكينونة، يعبّر عن

الذات ويمثلها خارج «اقتصاد اللذة والرغبة واقتصاد الخطاب والسيطرة والقوة». يستعيد الجسد الأنثوي حكايته في الفضاء الخاص للمرأة، فضاء المسارة (فضاء البوح بالأسرار)، حيث تلتقي دنيا بصديقتها فريال ويشرعان في تبادل الحكايات، في فضاء خاص حميمي، عبارة عن غرفة بالبيت معزولة، خارج سلطة الزوج مالك المشلول وتلصصه. على خ ف حكايات شهرزاد، تروى في هذا الفضاء النسوي حكايات النساء خارج نظام القوة، حيث لا وجود لمراقبة شهريار، أي لا وجود، بالمصطلح ما بعد الكولونيالي، للتحديقة الذكورية Gaze. وإذا كانت شهرزاد تروي حكايات ألف ليلة وليلة زمن «يقظة» شهريار في حضوره وسلطته، فإن البطلة دنيا تروي حكاياتها زمن «نوم» الزوج مالك في غيابه وعجزه. إذا كانت الغرفة الخاصة بدنيا تتحدد من المنظور السيميائي فضاءً مدمجًا Englobé داخل فضاء البيت

بوصفه فضاء دامجًا Englobant، فإنها من الناحية التخييلية تتحدد بصفتها فضاء ضد الاحتواء الذي

تفترضه السلطة الأبوية. إنها فضاء يجسد الشخصي النسوي في انتهاكه الحدود، تتحرر فيه الذات

(2((بيل أشكروفت وغاريث غريفيث وهيلين تيفن، الرد بالكتابة: النظرية والتطبيق، ترجمة شهرت العالم (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2006)، ص.280 ((2(صبح، ص.8 ((2(بابا، ص.137 ((2(يرتبط مفهوم التحديقة بالقوة؛ لأنه يتضمن دلالات التبئير والاختراق والمراقبة والتحكم، انظر:

Dani Cavallaro, Critical and Cultural Theory , 3 rd ed. (London and New Jersey: The Athlone Press, 2007), p. 131.

من زمنية الرجل وتستعيد فيه كينونتها، وتمارس فعل الهدم من الداخل، حين تشرع في سرد حكايتها ومسرحة بوحها وشفافيتها الداخلية في نشوة انتهاك الحدود والانفلات من الضرورة: «لم تعد تتحمل أي كلمة في صدرها. تقول ما ترغب وما تشتهي. نزعت حجاب الستر عن لسانها، وصارت تقول لأي كان مشاعرها تجاهه، حتى تلك التي كانت دفينة منذ أكثر من خمسين عامًا». يتأسس، إذًا، زمن الحكاية النسوية في الرواية على تحريرها من زمن سلطة الرجل. ففي مقابل زمن السلطة الذكورية، زمن الأنا الأعلى، تطلق الحكاية الأنثوية زمن اللاوعي والجسد: «لم تعد تحتمل أي كلمة في صدرها. تقول ما ترغب وما تشتهي. نزعت حجاب الستر عن لسانها، وصارت تقول لأي كان مشاعرها تجاهه، حتى التي كانت دفينة منذ أكثر من خمسين سنة». إنّ الشخصي في رواية دنيا لا يتجسد بصفته مكانًا للهروب والعزلة، بل فعً لممارسة الهدم من الداخل، حيث ينبثق ال وااعي، ونكون حيال عملية تستعيد المكبوت وتنفيه في الآن ذاته، كما في تصور جوليا كريسطيفا، ويغدو النفي الخطوة التي تكسب «درجة أولية من الاستق لاا عن الكبت ومستتبعاته، ومن ثمّ عن الضرورة القاهرة لمبدأ اللذة». يعمل البوح الأنثوي في النص، إذًا، من منظور تحقيق هدف إستراتيجي، هو انتهاك حالة الصمت الثقافي التي يفرضها النظام الأبوي على تجربة المرأة وذاكرتها وصوتها، «وهذا ما يؤدي إلى إعادة رسم الفضاء المنزلي الذي هو فضاء تلك التقنيات التي تفرض على المرأة الضبط، والرعاية [...] وهكذا يكون الشخصي - هو – السياسي، ويكون العالم – في – البيت». في هذا الفضاء الخاص الذي يتشكل، تخييليًا، في زمنية ال وااعي، وحدهن النساء يحكين. يتحرر

الكلام بإطلاق الحرية للرغبة في البوح عما هو مكبوت جراء الثقافة الأبوية. يستعيد الجسد الأنثوي حكاية تهميشه وقمعه، وتتحول الحكاية إلى حكاية «مجسدنة» Somatization، غير مفصولة عن لغة الجسد وعلاماته وذاكرته، لا تتعالى على استيهامات الجسد الجوانية. وتنقش حكاية الجسد بوصفه حافزًا للكتابة، وموضعًا للتدليل، سيرورة رمزية وعاطفية وحسية تبحث عن كمالها المستحيل، في

تواصل الذات مع نفسها ومع الآخرين، وفي تبادل الحكايات بين الشخصيات. في سياق هذه الإستراتيجية المضادة، يتم هدم صورة الذكورة المستبدة، في محاكاة ساخرة، تمثلها في الرواية صورة الذكورة المشلولة. المشهد الساخر لمالك، حيث تقوم دنيا بغسله في الحمام، مثلما تقوم بغسل ابنتها الصغيرة آية: «رائحة آية الشهية تختلف عن رائحة مالك في الحمام. كان لجسده رائحة القيح [...] لا يذهب بها هذا الكم الهائل من الشامبو المعطر الذي كنت أستخدمه في حمامه. أحاول أن أزيلها فأفرك بالليفة الخشنة بكل قوتي جسده المهزول، ثم أسكب

((2(صبح، ص.150 ((2(المرجع نفسه، ص.156-155 (2((جوليا كريسطيفا، علم النص، ترجمة فريد الزاهي، مراجعة عبد الجليل ناظم (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،9911)، ص.90 ((2(بابا، ص.54

عليه الماء وأعيد دعكه أكثر [...] فتظل الرائحة تزكم أنفي وتثير حنقي، أود لو أدخل الليفة في جوف مسامه لأنتزع من داخلها تلك الرائحة العتيدة الكريهة، وأنا أرقب الماء العكر بعد الغسيل المتكرر لجسده». تنشأ السخرية هنا من المفارقة الدرامية بين صورة مالك القائد العسكري القوي الذي يقتل بدم بارد والزوج الآمر الناهي في البيت، وصورة العجز التي انتهى إليها جسد مشلول معاق، صورة هزلية ترشح ببلاغة السخرية السوداء. يركز السرد على وصف مظاهر البشاعة (الرائحة النتنة) في جسد مالك، بهدف تعميق دلالة هذه الصورة الساخرة، وهو ما يتعزز بمضاعفة الدلالات الرمزية التي يحيل عليها الجسد النتن في الميثولوجيا. فالجسد الميت النتن يرمز في المدونة الميثولوجية إلى الجسد الشرير الملعون، في مقابل الجسد النظيف بوصفه رمزًا للطهارة والخلاص: «الإحساس بأني أعد جسده للموت ينتابني كلما حممته، وكأني أغسل ميتًا حين أقلب جسده على ظهره أو بطنه أو جانبيه [...] أجفف جسمه وأطهر أماكن القيح فيه ثم أرشه بالبودرة، يخيل إلي وأنا أفعل بأني أعطره بالكافور وألبس جثمانه الكفن الأبيض. أطرحه بعدها على السرير بمساعدة حماتي وأخته. يتمدد فوقه كالميت مثل قصبة جافة ومتيبسة». في مقابل صورة الجسد الذكوري المشلول، تنهض صورة الجسد الأنثوي المفعم بالحياة والحب والرغبات. وفي مقابل الذكورة الصامتة تتشكل صورة البوح الأنثوي المتدفق بقصص الحياة والرغبة والجسد. إنّ البطلة دنيا بوصفها ساردة لحكايتها الخاصة من موقع المرأة التابعة، «ترسم حدًا هو داخل وخارج في آن معًا، هو خارجية الداخل»، وذلك حين تكشف في حكايتها الخاصة (وحكايات

النساء) ما تنقشه الثقافة (الحد الخارج) في الجسد (الحد الداخل) من ندوب نفسية وجسدية، أي ما يكشفه الجسد بوصفه موضعًا لاشتباك المعاني والصور الثقافية. إذا كان الجسد في الفضاء العمومي يمثّل بالنسبة إلى المرأة عبئًا لأنه يكون موضوع مراقبة وضبط، فإنه في الفضاء النسوي الخاص بالشخصيات (مجلس المسامرات الليلية النسائية) يستعيد كينونته المقموعة، ويتحول من ع مااة شيطانية مجردة من أي قيمة إنسانية إلى مسكن حميم لهشاشة الذات، وإلى ع مااة دالة على الكينونة، وفضاء انعتاق وحرية: «كأني أطير على الأستراد المفتوح أمامي، إلى ما لا نهاية، ب عوائق أو حواجز، أغراني بالتفلت من حدود جسدي، ومن حدود الأرض. ذلك الإحساس بالتفلت، مد جسدي بشعور قوي بأنه حر كما أشتهي. حر في موته وحياته».

((2(صبح، ص.115 ((3(المرجع نفسه، ص.118-116 ((3(المرجع نفسه، ص.59 ((3(المرجع نفسه، ص.77

يتشكل الجسد الحكائي إذًا، في رواية دنيا بوصفه موضعًا للتمثيل، حكاية عن الذات والجسد،

«الجسم يحكي ويسمع أيضًا». إنه ذاكرة مقاومة للنسيان، هي ذاكرة آلام لا تنسى: «لكن لمسات يديه الخائنتين على جسدي زمن أحببته، حفرت في جلدي آثارًا لآلام لا تبرح، وذاكرة جسدي حفظت

عنه ما يكفي لشله وكفه عن رغباته تجاه مالك». هكذا، لا يخضع تمثيل الجسد في الرواية لسياسة رغبة جنسية، بل يتم تشخيصه من منظور سياسة

هوية نسوية، يشكل فيها عنصرًا دالً على الذات، مؤسسًا لحكايتها الدالة، أي لهويتها السردية، لذاكرتها

وحاضرها، وما ترغب أن تكونه. إنه ليس «جسمًا - موضوعًا فحسب، جسمًا عضويًا [...] وإنما

هو أيضًا عبارة عن جسم – ذات». إنه حكاية خلاص وحرية، تستعيد فيها النساء ملامح كينونتهن المغيبة، كي لا يطويها النسيان: «أنهى الموت حكاية غزالة كما أنهى لغز مقتل أختها وفيقة زوجة عمي يحيى. لم يعد أحد يروي حكايتيهما، فحكايات النساء التي ينهيها الموت تصير، بالمختصر المفيد، كما كان يقول عمي عبد الله، حكايات بيضاء منسية بلا راو ولا أبطال». هذا الترميز السيميائي للجسد بوصفه ع مااة هو ما يمنح الجسد تأشيرة العبور من النسق الواقعي

بوصفه جسدًا ماديًا Material، إلى النسق الرمزي بوصفه جسدًا دالًSignifying، أي علامة ترشح

بالدلالات والصور. يتأسس هذا الإجراء الاستطيقي، «القائم على «سميأة» الجسد Semioticisation على عملية «جسدنة» Somatization للحكاية، تقوم على تنصيص الجسد بوصفه موضعًا ومنبعًا

للمعاني [...] بحيث يصير الجسد أداة جوهرية في توليد الدلالات السردية». إنّ هذا الإجراء السيميائي هو ما يسوغ لنا تأكيد أنّ الجسد في الرواية تكتبه الحكاية، أي التخييل السردي، وليس الأيديولوجيا. تنقشه مواجع الذوات ورغباتها، فيما ترويه من محكيات الحياة. إنه جسد راو ومروي، بمعنى أنه يتشكل في منطق السرد، بوصفه علامة سردية، وليس بوصفه جسدًا واقعيًا. في هذا الاشتباك الثقافي بين حكاية الجسد ونص الثقافة، تحكي الرواية جسد الأنوثة وجسد الذكورة، وتكشف آليات القمع الثقافية والرمزية في النسق الأبوي، بلغة حوارية يتصادى فيها التخييل والتاريخ والسياسة، ويتجاور النسق الكتابي والنسق الشفاهي (اللهجة المحكية اللبنانية)، ويتماس الثقافي والشعبي (الأغنية الشعبية والخرافة). تتعدد الأجساد، أي صور الجسد، بتعدد الحكايات واللغات التي ترويه (الجسد الإيروتيكي، الجسد الملون، الجسد الحجاب، الجسد المقموع، الجسد المشلول، الجسد الخصب، الجسد البرجوازي، الجسد الشعبي...).

((3(المرجع نفسه، ص.121 ((3(المرجع نفسه. (3((جورج لايكوف ومارك جونسون، الفلسفة في الجسد، الذهن المتجسد وتحديه للفكر الغربي، ترجمة وتقديم عبد المجيد جحفة (بيروت: دار الكتاب الجديد، 2016)، ص.9 ((3(صبح، ص.252

(37) Peter Brooks, Body Work: Objects of Desire in Modern Narrative (Cambridge and London: Harvard University Press, 1993), p. xii.

إذا كان المتخيل يعيد خلق تكوينات الجسد في الرواية من خلال تمثيله السردي، فإن الجسد يشكل أدبية الحكاية وشعريتها الثقافية، بشحناته ورغباته وع ماااته النسوية، ويسم الرواية بطابع الغرابة. تتولد الغرابة في حكاية الجسد بوصفها انكشافًا لما هو خفي ومقموع في شروط الألفة، وفي فضاء متخيل خاص هو فضاء المنامات الذي ينبثق على سطح الحكاية، حين تعيد الشخصيات حكي ما رأته في مناماتها من أح ماا ورؤى واستيهامات. انبثاق حكائي يأخذ شكل صيرورة انفلات عن «المألوف» و»السوي»، المتفق عليه اجتماعيًّا وثقافيًّا. وبهذا المنطق النفسي (منطق ال وااعي)

تشكل المنامات، بوصفها مرجعية للحكي، مستوى عميقًا للدلالة. إنها تمثّل لاوعي الحكاية الغريب والمختلف.

السرد: الازدواج المتشعب والهوية النسوية الجماعية

إذا كان تمثيل الهوية، على مستوى بناء الذات الأنثوية، كما وضحنا أع هاا، يتميز بنسق التجاذب، ويظل محكومًا بتجاذبات القوة والمقاومة في صيرورة دينامية، مشروطة بالحيّز الذي يشغله كل طرف

(الرجل/ المرأة) في مواقع الثقافة، فإن تمثيل الحكاية الذي يتولى تصوير هذه التجربة يأخذ في رواية دنيا شكلًاستطيقيًا مميزًا، يضاعف حالة التجاذب المنتج بين التخييل السردي والجنوسة. على خ ف النسق التقليدي الذي تسرد فيه الحكاية وفق مسار خطي، يهيمن عليه صوت السارد العليم بكل شيء، وينشر سلطته السردية والمعرفية على عالم الحكاية من وراء الستار، يقوم التمثيل السردي في رواية دنيا على نسق «الازدواج المتشعب»؛ إذ يتناوب على سرد الحكاية ساردان، البطلة دنيا وصديقتها فريال. والملاحظ أنّ السرد لا يقف عند هذا المستوى الأول من الانشطار الحكائي، بل يجعل هذا الازدواج السردي موضع انشطار ثان أكثر تشعبًا، حين تقوم كل ساردة من الساردتين

الأوّليتين (دنيا وفريال) بتضمين حكايات جديدة، تروى بلسان شخصياتها، تنبثق عن الحكاية الأصلية،

وتخلق، في الآن نفسه، مسارات سردية ودلالية جديدة، ما يفسح المجال لتوليد أصوات ومنظورات جديدة في التمثيل والرؤية. إذا ما حاولنا إعادة تنظيم تشعبات هذه البنية السردية المفتوحة، يمكن توزيعها على أربعة مسارات سردية: مسار قصة دنيا وزوجها مالك، ومسار قصة فريال وحبيبها خالد، ومسار السرد المضمن الذي يحفل بعشرات القصص عن نساء مهمشات، ومسار الكتابة الذي يعرض لقضايا إبستيمولوجية تتعلق بطبيعة الحكاية وطريقة كتابتها في الرواية. يغطي مسار الكتابة مجموع الخطاب الذي يتحدث عن سؤال الكتابة والحكاية، ويشمل علاقة البطلة وفريال بالكاتبة التي تتمظهر في صورة نزاع على من يحكي: «ترى من التي كتبت أسراري على هذه الأوراق...؟ سألت نفسي هذا السؤال وقد حيرتني الكاتبة. أنا التي تروي وصديقتي وجارتي فريال تأخذ عني الكلام أحيانًا. والكاتبة كتبت كل ما كنا نحكيه أنا وفريال».

((3(صبح، ص.6

يؤسس محكي الكتابة خطابًا متميزًا عن المسارات الثلاثة، هو الخطاب الميتا تخييلي Metafiction.

ومعنى ذلك، أنّ الرواية لا تهتم فقط بسرد أحداث الحكاية، بل تنشغل أيضًا في مستوى واصف بطرح مسألة إبستيمولوجية تتعلق بسؤال: من يحكي الحكاية؟ وحدود العلاقة بين الحقيقة والوهم فيما تحكيه الشخصيات، وتنازع علاقة الشخصيات بالمؤلفة، من منظور يعمق الفصل بين المؤلفة ذاتًا واقعية والشخصيات بوصفها ذوات متخيلة، ويخلخل مركز السرد؛ لأنه يجعله موضوع نزاع بين المؤلفة وشخصياتها، تقول البطلة دنيا: «سأعيد قراءة الأوراق لأكتشف أنّ الحكاية حكايتي، وحكاية فريال وصديقاتي وجاراتي وأهلي، قبل أن أقرر قتل الكاتبة في نهاية الفصل الأخير». تتعدد وظائف الخطاب الميتا تخييلي من نص إلى آخر، وتختلف من نمط روائي إلى آخر، وفي رواية دنيا ينهض بوظيفة تعزيز الخاصية التخييلية للحكاية؛ لأنه يجعل التمثيل السردي للحكاية موضوع تجاذب دينامي بين الحقيقة والوهم، بين الواقع والحلم. فالشخصيات المتخيلة في النص هي مرجع الأحداث والحكايات، وليس الواقع، والكاتبة ليست سوى ناقلة لهذه الحكايات من النسق الشفاهي إلى النسق الكتابي، أي إنّ دورها يقتصر على وظيفة التدوين. هذا التنازع على أصل الحكاية هو ما يخلخل مركز السرد في علاقة النزاع بين الكاتبة ومخلوقاتها الروائية المتمردة على سلطتها. والنتيجة أنّ مسألة ال «حقيقة» وال «صحة» بالنسبة إلى هذه الحكاية تظل موضع شك وارتياب. هذا ما يؤكده منطق السرد في الرواية التي تنتهي بتأكيد التباس رؤية الساردة وتشوش منظورها: «التبس علي إحساسي في تلك اللحظة، وسألت هل صحيح أنّ كل شيء وهم أنا ومالك والغرفة وحتى الحكاية؟ أم أنّ الحقيقة هي ما نرغب فيه ونحلم ونتذكر؟». تسعى الكاتبة، من خلال هذا النسق السردي الذي يعتمد منطق الارتياب، إلى إرساء مسافة استطيقية بينها بصفتها ذاتًا مرجعية وبين حكايات شخصياتها المتخيلة؛ بما يرسخ استقلالية هذه الشخصيات ويضمن لها حرية الك ماا والتعبير عن تجربتها الأصيلة، خارج «سلطة المؤلف». ويتم تفعيل هذا الشكل الاستطيقي على مستوى البنية السردية، باعتماد ضمير المتكلم في السرد، بحيث تروي الشخصية حكايتها بصوتها، من دون مراقب نصي مهيمن على كل شيء في عالم الحكاية، كما هو الشأن في السرد بضمير الغائب. وهذا ما يجعل الشخصيات في رواية دنيا تتحرر من هيمنة السارد السلطوي Authorial Narrator، العليم بكل شيء الذي يراقب الشخصيات في أسرارها الأشد حميمية وخصوصية، ويهيمن على عوالمها الداخلية والخارجية، ماضيها وحاضرها ومستقبلها. يقوم هذا النسق السردي المتشعب بوظائف حيوية على صعيد البنية السردية والفكرية للرواية، ويسمها بجمالية الشعريات الثقافية على مستويات سردية ودلالية وثقافية متعددة: سرديًّا: تحرير البنية السردية من خطية السرد ونسقها المغلق، بتوليد مسارات حكائية منبثقة عن

المسار الحكائي الأصلي. وهذا ما يتسبب في تفعيل انتقالات سردية في الذاكرة والزمان والمكان؛

(3((المرجع نفسه، ص.11 (4((المرجع نفسه، ص.400

ما يتيح حرية واسعة للكاتبة في اللعب بالأحداث، سواء بالتقديم أو التأخير أو الاستباق، وإعادة صياغتها وفق مقتضيات بناء الخطاب الاستطيقية والمعرفية. دلاليًّا: تحرير المنظور السردي من أحادية الصوت وسطوة الرؤية الشمولية، والحد من سلطة

الكاتبة في فرض صوتها ورؤيتها للأحداث والمصائر، بحيث أنّ هذا التعدد في الحكايات والرواة يدفع القارئ إلى إعادة تشكيل القصة واستكشاف دلالتها في ضوء المسارات المتعددة للحكاية وما تفرضه من تقاب ت دلالية وتباينات في الرؤى ووجهات النظر. إنّ تعدد الساردين يؤدي بالضرورة إلى تعدد طرائق سرد الحكاية وتغير مضمونها من نسخة إلى أخرى: «الحكاية نفسها، إلا أنها تتغير كلما تغير حبر اللسان وتغير الراوي». ثقافيًّا: إعادة كتابة قصص النساء المهمشات بأصواتهن ولغاتهن ولهجاتهن، وسرد هويتهن

بوصفهن ذوات متكلمة. إنّ الهوية تتحقق باستعادة الصوت والكلمة وامتلاك خطاب الذات. وهذا ما يؤدي إلى كتابة تواريخ جديدة، وتعديل الصور النمطية المكرسة عن الذات، بكشف تحيزها الأيديولوجي، وصياغة تمثيلات وصور جديدة للهوية، تسهم لا محالة في تغيير الوعي الثقافي والاجتماعي السائد، أو على الأقل في دفعه إلى التساؤل وإعادة النظر في الأحكام المسبقة. وتبرز، هنا، خاصية مميزة للرواية عند علوية صبح، وهي أنّ البوح الأنثوي في مدونتها الروائية ليس بوحًا ذاتيًا انطوائيًا متمركزًا حول الذات الشخصية، بل يتدفق في تقاطع أصوات الآخرين، وفي تداخل

حكائي مع حكايات النساء المهمشات: «تهت عن نفسي وصرت أفتش عن حكايتي في الحكايات. فأنا كالنساء أرى أحلامًا ملونة كثيرة». هو بوح جماعي، ليس شخصيًا، بل عبر شخصي Trans-personnel، يمتزج فيه الذاتي

بالعام والشخصي بالسياسي. فيما يتعلق بهذه البنية السردية المتشعبة يجب أن أؤكد، أخيرًا، مسألة منهجية مهمة، وهي أنّ أي قراءة

ملائمة لرواية دنيا لا بد أن تأخذ في الحسبان هذا البناء السردي المعقد، وتحلل النص من منظور دينامي يبحث في ع قااات التفاعل السردي والدلالي بين المسارات المتشعبة للسرد، لاستكشاف منطق دلالات للنص، ولا يقف عند مستوى علاقة التجاور؛ لأن كل مسار سردي لا ينمو مستقلً عن المسار الآخر، كما أنّ الع قااات بين هذه المسارات لا تختزل في مستوى تأكيد الدلالة الكلية، بل تأخذ أحيانًا علاقة التوتر والمفارقة والتناقض، وهو ما يؤدي إلى تنسيب الدلالة الكلية للنص. لذلك، نلح على أنّ تفسير الع قااة بين المسار الرئيس والحكايات المنبثقة عنه لا ينبغي أن يقتصر على منطق علاقة الكل بالأجزاء، والذي بموجبه تكون الأجزاء مجرد صورة مصغرة للكل، أو نسخة تكرارية؛ وذلك لسببين: أولهما أنّ علاقة الكل والأجزاء لا تمثّل سوى إمكانية واحدة من بين إمكانيات

(((4 المرجع نفسه، ص.218 4(((المرجع نفسه، ص.8

متعددة في منطق العلاقات السردية والتخييلية. وثانيهما أنّ بعض الحكايات الصغرى تخرق منطق الصورة الكلية التي تهيمن على دلالة الرواية، صورة الفشل السوداوية المهيمنة على ع قااة المرأة بالرجل وعلى فضاء النص. في مقابل الصورة المتشائمة لنمط الوجود بين المرأة والرجل، حيث تنتهي معظم العلاقات إلى الفشل وتعكس صورة الرجل المتسلط، تنبثق نماذج قصصية على هامش السرد، تخرق هذا النسق المهيمن. مثال ذلك، حكاية عبد الله بزوجته نجمة التي تجسد قصة «حب كبير»، تحدى تقاليد العائلة وأعراف القبيلة. تمرد الشاب على معيار اللون الذي يمثّل أحد المعايير الاجتماعية المتحكمة في مؤسسة الزواج، بحيث لم يتقبل أهل القرية كيف يقع شاب جميل ووسيم في حب شابة سوداء، أقل منه

جمالً، وأدنى مكانة اجتماعية: «لم يفهم أحد في القرية سر عشق عمي لها وجنونه بها، فهو الشاب الأكثر وسامة بين رجال القرية [...] يوم وقع عمي عبد الله في غرام نجمة دبت الغيرة في قلوب بنات الضيعة، فلقبها الغالب على شهرتها في القرية كان «السودة المسحمتي» لشدة اسمرارها وقصر قامتها ونحولها». في السياق نفسه، تجسد حكاية أم فؤاد عمة البطلة دنيا اختراقًا للنظام الأبوي؛ لأنها تمردت على قانون الثأر الذي يحكم نظام العلاقات الأسرية في القرية، ويمنع أي إمكانية للزواج بينها: «عمتي أم فؤاد، كانت قد غردت خارج السرب وعشقت في صباها مرهج من آل الداير رغم الثأر الذي بين عائلتنا وعائلته، هشلت معه إلى قرية حدودية نائية وتزوجت منه في أواخر خمسينيات القرن الماضي رغم أنف أهلها وأهله بعد قصة حب دامت أكثر من ست سنوات، فتبرأت منها عائلتنا وتبرأ منه أهله». يؤكد هذا الانزياح خارج النسق أنّ الثقافة الأبوية المتسلطة مهما كانت هيمنتها طاغية، فإن مناطق في التجربة الإنسانية تظل غير خاضعة لهيمنتها. وهنا يمكن أن نشير إلى التمييز الذي تقيمه الدراسات الثقافية بين ثلاث بنى للدلالات والتجارب؛ بنى مترسبة، وبنى منبثقة، وبنى مهيمنة وسائدة. في إطار هذه النمذجة الثقافية، يمكن تصنيف الكتابة النسوية، من حيث طبيعة بنيتها النصية الدلالية العميقة، ضمن البنى المنبثقة التي تتشكل في فضاءات نصية وثقافية هامشية، تؤشر على مشروع جديد ورؤى جديدة، تسعى إلى تغيير أشكال التدليل وتوسيع مساحات الحرية والتعبير، لكنها في سعيها التنويري تصطدم بالبنى الثقافية الذكورية المهيمنة؛ ولذلك تأخذ دلالاتها عبر النصية في هذه الوضعية التراتبية المحكومة بع قااات القوة، شكل بنى منبثقة من الهامش تسعى إلى كسب موقع داخل مواقع الثقافة؛ وبسبب ذلك يستمد هذا الموقع ديناميته السردية والثقافية من منطق التجاذب المنتج بين القوة المهيمنة (النظام الأبوي) والمقاومة المنبثقة (خطاب المرأة). ويؤكد هذا الموقع الذي

ينطلق منه السرد أنّ الرواية النسوية، بوصفها نسقًا دالً، لا يمكن فهمه بعزله عن القوى الاجتماعية والثقافية المهيمنة.

4(((المرجع نفسه، ص.254 (((4 المرجع نفسه، ص.261

تكمن، إذًا، أهمية الرواية بوصفها شكً ثقافيًا، في الحقل الثقافي الأيديولوجي، وما يخترقه من

صراع وتنافس في الخطابات، في توظيفها للتخييل السردي بوصفه خطابًا – نقيضًا. وإذا كان

النسق الثقافي الأبوي يعمل على إسكات الصوت النسوي وقمع الذات النسوية في صورة «المرأة التابعة»، فإن رهان الرواية يقوم على خلخلة هذا النسق، وإزاحة ما ينشره من صور وتمثيلات سيئة، بتعرية مفارقاته الإبستيمولوجية المتناقضة. وهو ما يتحقق حين تسترد المرأة سلطة السرد والتمثيل، فتقوم بإنتاج خطاب مضاد. وفي سياق تمثيلها لتجربتها التي أسيء تمثيلها، تؤسلب اللسان الناطق باسم النظام الأبوي الذي يتشقق إلى لسانين متناقضين في مفاعيل الباروديا، كل لسان ينقض الآخر. وتوضح رواية دنيا أنّ المرأة العربية، إذا كانت عبر التاريخ ظلت محرومة من وسائل القوة، فإنها قد عوضت هذا الحرمان من اقتصاد القوة (القوة المادية) بامتلاك اقتصاد الخطاب، حين تكلمت وروت حكاياتها عن الجسد والتهميش. إنّ استعادة التمثيل «تعدّ علامة على الهوية والصوت، ومن ثمّ امتلاك القوة». والأهم من ذلك أنّ

استعادة «الصوت» مكنتها من كسب حيّز داخل مواقع الثقافة، أتاح لها الدخول في عملية تفاوض

شاقة مع خطاب القوة في الفضاء العام، كان من نتائجه الثقافية الجذرية في الثقافة العربية انتزاع هوامش للحرية والتعبير والنضال الثقافي والاجتماعي. في هذا السياق الثقافي، تكشف رواية دنيا، بوصفها نموذجًا تخييليًا للسرديات البديلة، أنّ النساء في

سياق تطور الثقافة العربية وتشكلها قد تكلمن وحكين قصصهن ومثلن تجاربهن، واخترقن متاريس الإسكات الثقافي الذي فرضته الثقافة الأبوية. وهذا يوضح لنا الأهمية الثقافية والاجتماعية الجذرية لفعل استعادة «الصوت» و»التمثيل» في بناء الهوية، وحيازة مواقع للكلام والتعبير والحرية، في الحقل الثقافي الأيديولوجي الذي يتحكم في إنتاج الخطابات وتداولها.

(4((الخطاب النقيض، مصطلح ما بعد كولونيالي، يوظف للدلالة على تلك العملية الخطابية التي يقوم بها نص «بتعرية وتفكيك القناعات الأساسية التي يتبناها نص معتمد Canonical معيّن وذلك من خلال إيجاد نص - نقيض يحتفظ بالعديد من الدوال المميزة

للنص الأصلي مع تغيير بنى القوة التي يقوم عليها هذا النص، وهذا ما يتم على نحو مجازي»، انظر: بوعزة، سرديات ثقافية، ص.52 (4((إمكانية تحدث Speaking التابع من عدمها هي مسألة خلافية بين النقاد ما بعد الكولونياليين. يرى هومي بابا أنّ «الأناس

التابعين يمكنهم التحدث، ويمكن أيضًا استعادة الصوت الوطني» (الرد بالكتابة، ص 292)، بينما تذهب جياتري سبيفاك إلى خلاف ذلك؛ إذ ترى أنّ الوضع في الفترة الكولونيالية لم يوفر للذات التابعة إمكانية التحدث، انظر:

Bill Ashcroft, Gareth Griffiths & Helen Tiffini (eds.), The Post-colonial Studies Readers , 3 rd ed. (London and New York: Routledge, 1999), p. 24.

4(((هيلين جلبرت وجوان تومكينز، الدراما ما بعد الكولونيالية، ترجمة سامح فكري (القاهرة: مركز اللغات والترجمة، أكاديمية الفنون، 2000)، ص.6 (4((في مسألة «صوت» المرأة والتعبير، تلتقي الكاتبة علوية صبح مع المفكرة السوسيولوجية فاطمة المرنيسي التي أبرزت من خ لاا استنطاقها لسجلات التاريخ الإس مااي صور فاعلية المرأة ومقاومتها للنظام الأبوي، ما يعني أنّ المرأة تكلمت وعبرت عن مواقف في تاريخ الإس ماا، أي كان لها «صوت» في ظل سيادة الهيمنة الذكورية، غير أنّ التاريخ الرسمي عمل على شطب هذه

الصور والمواقف، انظر: فاطمة المرنيسي، سلطانات منسيات، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)2000

وما يلفت النظر في رواية دنيا ويمثّل ميزة فارقة لخطابها أنها تشخص الصوت النسوي، على أساس اشتغال التخييل السردي في صيرورة للتدليل منفتحة، محكومة بمنطق التجاذبات الدينامية، تحول دون تخندق الذات في نسق مغلق يشي بتمركزها البيولوجي؛ لأن تمثيل الذات النسوية يتم من خ لاا التركيز على سيرورات النصية والازدواج وسيميائية الجسد، وليس على السياسات النسوية الأيديولوجية. وهذا ما يسمح لنا بالقول إنها تعطي الأولوية في خطابها النسوي لفعل التدليل Signifiance التفكيكي، وليس للسياسي الأيديولوجي. وبهذا التشكيل النصي الانتهاكي يتحقق التجاذب بين الشخصي والسياسي في رواية دنيا وفق ما نقترح تسميته بسياسات الشخصي الذي يعمل من خ لاا فعل التدليل؛ أي هذا “العمل المتعلق بالتمييز والتنضيد والمواجهة الذي يمارس داخل اللسان، ويطرح على خط الذات المتكلمة سلسلة دالة تواصلية ومبنية نحويًا”، ويقوم بانتهاك

الخطابات الاجتماعية والتمثي ت الثقافية السائدة، عبر تغيير قواعد التمثيل وزحزحة مواقعه، بما يؤدي بالضرورة إلى خلخلة امتيازات سلطة الخطاب. References

المراجع

العربية

أشكروفت، بيل، وغاريث غريفيث وهيلين تيفن. الرد بالكتابة: النظرية والتطبيق. ترجمة شهرت العالم. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2006 بابا، هومي ك. موقع الثقافة. ترجمة ثائر ديب. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2006 بوعزة، محمد. سرديات ثقافية من سياسات الهوية إلى سياسات الاخت ف. بيروت: دار الأمان/ منشورات الاختلاف/ منشورات ضفاف،.2014 _______. هيرمينوطيقا المحكي: النسق والكاوس في الرواية العربية. بيروت: دار الانتشار،.2007 جلبرت، هيلين، وجوان تومكينز. الدراما ما بعد الكولونيالية. ترجمة سامح فكري. القاهرة: مركز اللغات والترجمة، أكاديمية الفنون،. 2000 جيران، عبد الرحيم. علبة السرد: النظرية السردية من التقليد إلى التأسيس. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2013 ديورنغ، سايمون. الدراسات الثقافية: مقدمة نقدية. ترجمة ممدوح يوسف عمران. سلسلة عالم المعرفة 25.4 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2015 كريسطيفا، جوليا. علم النص. ترجمة فريد الزاهي. مراجعة عبد الجليل ناظم. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.1991

(4((كريسطيفا، ص.8

وتقديم عبد المجيد جحفة. بيروت: دار الكتاب الجديد،.2016

المركز الثقافي العربي،.2000

الأجنبية

لايكوف، جورج ومارك جونسون. الفلسفة في الجسد، الذهن المتجسد وتحديه للفكر الغربي. ترجمة

المرنيسي، فاطمة. سلطانات منسيات. ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل. بيروت/ الدار البيضاء:

Ashcroft, Bill, Gareth Griffiths & Helen Tiffin (eds.). The Post-colonial Studies Readers. 3 rd ed. London and New York: Routledge, 1999. Brooks, Peter. Body Work: Objects of Desire in Modern Narrative. Cambridge and London: Harvard University Press, 1993. Cavallaro, Dani. Critical and Cultural Theory. 3 rd ed. London and New Jersey: The Athlone Press, 2007. Hall, Stuart (ed.). Representation: Cultural Representations and Signifying Practices. London, California, and New Delhi: SAGE Publication/ The Open University, 2003. Ryan, Michael. Cultural Studies: A Practical Introduction. Chichester: Wiley – Blackwell Publishing, 2010.