عن علاقة المتصوف بالفيلسوف:ابن عربي مشيّعا ابن رشد
On the Relationship Between the Sufi and the Philosopher: Ibn Arabi Mourning Ibn Rushd
الملخّص
إنّ أفضل تفسير يمكن تقديمه عن موقف ابن رشد من التصوف والمتصوّف، هو موقف الأخير منه. ما دام موقف المتصوف يستبطن موقفًا رشديًا من التصوف، ربما يكون في الحقيقة ردة فعل على موقف الأول من الثاني، بخاصة أمام التّغاض الرشدي الماكر والمقصود عن الحديث عن التصوف، من هنا يسعفنا الوقوف عند اللقاءات التي قصد ابن عربي تدوينها بطريقة أشد مكرًا، ووقوفنا من ثمة عند لقاء تشييع جثمان ابن رشد، بما تمثّله لحظة الموت من بوح واعتراف صادق من الأحياء في حق من مات، لنحاول الكشف عن إيحاءات هذا اللقاء وتلميحاته التي يندس فيها موقف المتصوف من أبي الوليد.
Abstract
Abstract: The best explanation that can be provided for Ibn Rushd’s view on Sufism and theSufis is the latter’s view of him. As long as the Sufis’ viewpoint implicitly conceals an Averroistic view of Sufism, it might be a reaction against the former’s view of the latter. This is especially true given the intended subtle Averroistic disregard for discussion about Sufism. In this respect, it is useful to consider the meetings that were documented in the most elaborate way by Ibn Arabi, particularly the one that takes place at Ibn Rushd’s funeral. At the moment of death this is an instance of confession from the living to the dead. The present study is an attempt to reveal the allusions of that meeting as well as its implications that unravel the Sufis’ stand on Abu al-Walid.
- التصوف
- الفلسفة
- الموت
- الاعتراف
- الحكاية.
- sufism
On the Relationship Between the Sufi and the
Philosopher: Ibn Arabi Mourning Ibn Rushd
موقف الصوفي منه. ما دام موقف المتصوف يستبطن موقفًا رشديًا من التصوف، فقد يكون
في الحقيقة ردة فعل على موقف الأول من الثاني، بخاصة أمام التّغاضي الرشدي الماكر
والمقصود عن الحديث عن التصوف. من هنا يسعفنا الوقوف عند اللقاءات التي قصد ابن عربي تدوينها بطريقة أشد مكرًا، ووقوفنا من ثمة عند لقاء تشييع جثمان ابن رشد، بما تمثّله
لحظة الموت من بوح واعتراف صادق من الأحياء في حق من مات، لنحاول الكشف عن إيحاءات هذا اللقاء وتلميحاته التي يندس فيها موقف المتصوف من أبي الوليد.
تقديم
لا أحد من القدامى اهتم بموت ابن رشد وبوصف حدث نهايته بالعناية التي تستحقها حياة الرجل، وبالكلام عن حادثة مماته الغريبة، وعن طريقة دفنه الأكثر غرابةً، غير المتصوف وحده. ولا يتعلق الأمر بأيّ متصوف، بل بالشيخ الأكبر الذي لطالما أثار انتباه ابن رشد قيد حياته وطالما رغب في ملاقاته، ورغَّب والده في افتعال الأسباب لأجل ذلك. يقول ابن عربي بعد أن استعرض رغبة ابن رشد الجموحة، بل هوسه بملاقاته منذ أن كان صبيًا ما بقل وجهه: «فما اجتمعت
به حتى دُرج، وذلك سنة خمس وتسعين وخمسمائة بمدينة مراكش، ونُقل إلى قرطبة وبها قبره. ولما جُعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة، جُعلت تواليفه تُعادله من الجانب الآخر، وأنا واقف ومعي الفقيه الأديب أبو الحسن محمد بن جبير كاتب السيد أبي السعيد، وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السراج الناسخ، فالتفت أبو الحكم إلينا، وقال: ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه؟ هذا الإمام وهذه أعماله يعني تواليفه، فقال له ابن جبير: يا ولدي نعم ما نظرت لا فُضّ فوك، فقَيدتها عندي موعظة وتذكرة، رحم الله جميعهم، وما بقي من تلك الجماعة غيري، وقلنا في ذلك: هذا الإمام وهذه أعماله... يا ليت شعري هل أتت آماله؟». يتبين من حكاية ابن عربي، ومن باقي الوقائع المحكية التي يروي طرفًا منها ابن عربي والتادلي وغيرهما من أصحاب التراجم الصوفية أنّ مصير ابن رشد يتقرر في كثير من لحظاته الأساسية بالمتصوّف، وكأنّ هناك رغبة مهووسة بين الطرفين في التعرف إلى بعضهما، ولو بطرق تختلط فيها القسوة بالحُنوّ؛ فالذي قام بتنكيب ابن رشد هو المنصور الموحدي الذي يقال إنّه ترك عرشه، ودفع صولجان الحكم لابنه، ومات منعزلً عن الناس، زاهدًا، ومتعبدًا على طريقة أهل الولاية والصلاح، ليصير قبره مزارًا يُتبرك به، ولتصير شخصيته قصة ملهمة لأهل التصوف، وأنّ الذي كان سببًا في موته
(موت ابن رشد) وسببًا في طرد جماعة الفلسفة من حوزة القصر الموحدي هو شيخ جماعة المتصوفة
(((قصة موت ابن رشد الغريبة على يد أبي العباس السّبتي يرويها لنا بعض تآليف التّراجم على الشكل الآتي: «روى أنه – أي ابن
رشد -قدم مراكش وافدًا على يعقوب المنصور، ونزل جوار الشيخ أبي العباس السبتي، فذهب إلى أبي العباس [...]، فقيل ذلك
لأبي العباس السّبتي، قال: «فقيه الأندلس وابن فقيهها يفتح الله في ضيافته»، وإذا بالحرة زوجة يعقوب المنصور بعثت له خمسمائة
دينار، فقال لبعض أصحابه: «قم بنا حتى نزور هذا الفقيه واحمل الدراهم» أو قال الذهب معك. فلما بلغه سلم عليه وطرح المال بين يديه، وقال له: «هذه ضيافتك»، فقال لهم: «من أين أنتم رحمنا الله بكم؟»، فقال: «عبيدكم أحمد السبتي فشكر سعيه»، [...] فروي أن الشيخ أبا العباس أخذته الحمى في تلك الليلة، وقال لأصحابه: «هذا رجل عاملناه بالخير، فدعا علينا بالحمى»، وزعموا
فيما رووا أنه قال: «اللّهم سلط عليه الموت!» أو كلامًا هذا معناه، فضربه وجع في تلك الليلة، فما أصبح حتى خرجت روحه»،
انظر: أحمد بن أبي القاسم الصومعي، المعزى في مناقب الشّيخ أبي يِعْزى، سلسلة الأطروحات والرسائل، رقم 6 (أكادير: جامعة
ابن زهر، 9961)، ص.233-232 (((ابن عربي، الفتوحات المكية، تحقيق وتقديم عثمان يحيى، تصدير ومراجعة إبراهيم مدكور، السفر الثاني (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، معهد الدراسات في السوربون، المكتبة العربية، 9851)، ص.373 (((يُعرف بابن الزيات (ت. 7 62 ه)، أديب وقاضٍ مالكي من أهل تادلة بالمغرب، له كتاب التّشوف إلى رجال التصوفجمع فيه
أخبار ما يربو عن سبعة وسبعين ومئتين من أبرز رج لات الولاية والصلاح في المغرب، وأكثرهم من الجنوب المغربي. (((ابن بطوطة، رحلة ابن بطوطة: تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تقديم وتحقيق عبد الهادي التازي، سلسلة التراث، مج 1 (الرباط: مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، 9971)، ص.365-362
وشيخ ابن عربي نفسه، أبو العباس السبتي، والذي قام بتشييع أبي الوليد إلى مثواه الثاني هو المتصوف نفسه في شخص الشيخ الأكبر، وأنّ الذي ورث عنه قبره هو نفسه الذي دعا عليه وتمنّى موته، أي أبو العباس السبتي الذي بدوره كانت حاله تشغل بال ابن رشد، فيبتعث له ابن رشد الجواسيس من قرطبة إلى مراكش لإطلْاعه على تفاصيل مذهبه، ليكون فيلسوفنا ضحية كرامة الصوفي بامتياز، الكرامة التي تفوق تصوّر علوم ابن رشد التعاليمية والطبيعية، وتتفوق على منطقه السببي. بلجوء ابن عربي إلى ذاكرة لقاءاته بابن رشد إنما يعوّل على هذه اللعبة المشتهاة، ليشكل من خلالها
العالم والرغبات والأوهام التي يريدنا أن نعتقدها، فيلاعب أحداثًا بعينها مستلّة من لقاءات ربما تكون أكثر ممّا حكاه ابن عربي أو أقل؛ ومنها قصة أخذه «بداية المجتهد» إجازة ومناولة من ابن رشد التي
ورثها عن ابن عربي ربيبه صدر الدين القونوي، وهي النسخة والمسألة التي لم يشر إليها ابن عربي، غير أنّه نسيها - أي الإجازة والمناولة - مكتوبة على جلدة مخطوطة كتاب البداية لابن رشد. إنّه يصطفي ببساطة تامة أحداثًا بعينها وحوارات هو من يختارها بعناية فائقة، ربما تكون مقتطفات ملخصة من حوارات متقطعة أو لحوار طويل، فربما لا يتعدى الأمر أنّ «في حياة كل إنسان لحظات ومواقف تأبى أن تغادر الذاكرة، فليس لأنها الأهم، أو لأنّها أعطت لحياته مسارًا ومعنى، إذ ربما تقع بنفس الدقة أو
بالتفاصيل التي يتخيلها أو يفترضها، وإنما لفرط ما استعادها في ذاكرته، بشكل معين، ربما الذي يتمناه، يومًا بعد آخر، فقد أصبحت وحدها الحقيقة، أو وهم الحقيقة». إنّ لقاء ابن رشد بابن عربي هو وحده، إضافةً إلى لقائه بأبي العباس السبتي، بصيغة ما، يبدّد لدينا قلق الصمت الرشدي تجاه التصوف؛ ف لاهتمام الرشدي الشغوف بملاقاة صبي التصوف المدلل الذي سيصير فيما بعد شيخ التصوف الأكبر، يخفي وراءه اهتمامًا وشغفًا أكبر بمعرفة الأحداث والأخبار
المتعلقة بشيوخ التصوف والتيار الصوفي الذي أمسى يؤدي دوره الحقيقي في أخذ مكان الفقيه في البيئة الثقافية للغرب الإسلامي، وفي تربية شعبٍ من المريدين أمسوا يحاصرون عالم ابن رشد في ضفتيه، ويجتهدون في إشاعة الأخبار العجيبة عن أصحاب الأحوال الغريبة الهاربة من المنطق والمتأبية على الخضوع لقوانين الطبيعة، والفارّة من حدود البرهان ومن إحداثياته. فإنّ أفضل تفسير
يمكن أن نقدّمه عن موقف ابن رشد من التصوف والمتصوف ربما يكون موقف الصوفي منه، ما دام موقف المتصوف يستبطن موقفًا رشديًا مسبقًا من المتصوف ذاته، ليكون موقف الأول انعكاسًا لموقف
الثاني وتموقفًا من مواقفه تجاه التصوف، لذا فإنّ لقاء الحكيم أبي الوليد بالمتصوف يمكّننا أكثر من غيره من فهم تطلّع ابن رشد الملتزم بالتّمكن من لاطلاع على أصول أتباع التصوف ومن ثمة محاولة إقامة المقارنات بين الفلسفة والتصوف. ومن هنا سنلتزم مقاربة أحد لقاءات ابن عربي بابن رشد في لحظة بوحٍ هي لحظة تشييع جثمان أبي الوليد من مراكش إلى قرطبة.
(((ينقل التادلي عن أبي القاسم عبد الرحمن بن إبراهيم الخزرجي قوله: «بعثني أبو الوليد بن رشد من قرطبة وقال لي: «إذا رأيت أبا العباس بمراكش فانظر مذهبه وأعلمني به، قال: «فجلست مع السبتي كثيرا إلى أن حصلت مذهبه، فأعلمته بذلك»، فقال لي أبو
الوليد: «هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود، وهو مذهب فلان من قدماء الفلاسفة»، انظر: يوسف بن يحيى التادلي، التشوف
إلى رجال التصوف، تحقيق أحمد التوفيق (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 9841)، ص.454-453 (((عبد الرحمن منيف، مدن الملح: بادية الظلمات، ج 5، ط 11 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0052)، ص.9
بين موت الولي وموت الفيلسوف
« في كل شيء النهاية هي الأهم» (أرسطو). بما أنّ تيمة البحث هي عن علاقة الولي بالفيلسوف، فلا مناص من الحديث عن موت الولي حينما نهُمّ بالحديث عن موت الفيلسوف، ليس لأنّه ربما يكون في ذلك إساءة للأدب مع الولي، إن نحن تحدّثنا عن موتٍ آخر غير موته، وبعدم رصد جوانب تخص طبيعة موته التي غالبًا ما تتم بطريقة تستحق أن
نتكلم عنها، وتفرض نفسها بغرابتها وعجائبيتها، بل لأنّ الحديث عن موت الولي يسعفنا كثيرًا في فهم
موت الفيلسوف، ويسعفنا أكثر في فهم العلاقة التي جمعتهما في الغرب الإسلامي. من هنا يفاجئنا أحد الدارسين في سياق حديث آخر لا يهمّ الموت، لكن ربما يكون الموت من مج لات اهتمامه، وهو سحر الحكاية الصوفية ومراوغاتها النزقة والفتّانة، فيقول: «إن الحكاية، أي حكاية جيدة، قد تملك من المكر ما يكفي لتنويم الباحث! ولا غرابة في ذلك، فالحكاية إنما توضع لتفتن حتى يمكنها أن تمرر عن وعي أو لا وعي، حتى يصير في مقدورها أن تقول، في جمل قليلة ما لا تستطيع الكتب المبنية على البرهان أن تقوله في مجلدات». لهذا، فالصوفي ليس درويشًا بسيط الفكرة كما يجعلنا نعتقد فيه ببراعة وبراءةٍ مفرطتين، لأنّ مثله لا يمكن أن يكون كذلك، فالسذاجة التي يتقن أداء تمثيلها، ليس هو من يمثّلها، بل هم في الحقيقة الجميع حينما يثقون به، فهو بدوره يتقن نصب الفخاخ في حكاياته، وبتفوّق لا يفوقه فيه أحد يطوّعها
على طريقته الخاصة، ويلزمها بعضًا وطرفًا من أسراره، بل قد يستودعها كل أسراره، إنّه لمرّات لا حصر
لها يُعدّ أحسن من يصوغ الحكايات لتقول أشياء لمصلحته، في بساطتها تدوم صلاحياتها، فتتناقلها الأجيال بلغة ليست بالثقيلة على الروح، ولا تحتاج إلى تقريب العبارة، فهو لا يقصّ علينا القصص ليشوّقنا فقط ويؤثِّر فينا، إنما غرضه هو الأخطر بالتأكيد؛ ففيها يمكن أن تصادف فخًّا ثاويًا يقودك التعامل غير الحذر معه إلى أن تفجّر السر فيؤذيك ويتشوه بالمقابل هو. وهذا أول درس بيداغوجي للحكاية الصوفية، فإن كان حكمنا عليها أنّها حكايات غير ذكية لأنّها تخاطب جمهور الناس العاديين، فليس يمكننا إلا أن نحكم عليها بأنّها تتملك قسطًا وافرًا من الصلابة والتعقل؛ تعقّل غالبًا ما يجد فيه
الصوفي حلً لمآزقه، وبطريقة فتّانة ومغرية، دون التفريط في تفرّدها بمنطقها الخاص وبلاغتها الخاصة
المؤسسة لنوعية الحكاية وغرابة السرد، فالجواب التام يبقى حالًّ فيها، مهما كانت حالمة ومتسامية في هروبها عن واقعها، ولنتذكر هنا جيدًا قول رينيه جيرار: «يجب البحث عن الجواب في إحدى تلك القصص التي ملأ بها سرفانتس رأس دون كيشوت ». يحكي مؤرخ المناقب التادلي أنّ أحد الأولياء المشارقة استقر به سفره البعيد في أرض غُجدامة
(((الميلودي شغموم، المتخيل والقدسي في التصوف: الحكاية والبركة (مكناس: المجلس البلدي، 9911)، ص.64 (((رينيه جيرار، الكذبة الرومنسية والحقيقة الروائية، ترجمة رضوان ظاظا (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، 0082)، ص.74 (((قبيلة أمازيغية من قبائل الأطلس الكبير الشرقي، تحدّها شرقًا قبيلة فطواكة وشمالً قبيلة زمران.
بأرض المغرب، الأرض التي غالبًا ما قورنت بكونها بلادًا للأولياء كما هي بلاد المشرق بلاد للأنبياء،
فيقول: «ورد من بلاد المشرق فدخل المغرب، ونزل برباط تاسامطت من عمل مراكش فمات به. وقبره معروف يتبرك به إلى الآن». ونقل الخلف عن السلف أنّه جاء من المشرق على قدميه وعلى عاتقه مخلاته التي جعل فيها كتبه، فمشى يومًا إلى أن كلّمه جمل بإزائه، فقال له: «يا أبا سهل اجعل مخلاتك عليّ لتستريح من حملها». لا شك في أنّ الحكاية هنا هي على سبيل التعظيم والتبجيل الذي يجب
أن يلحق صاحبها، فأن يطلب الجمل إعانة أبي سهيل هذا، إنما هو إيماءة بسيطة يستحقها الولي لأنّ الرجل فيه شيء من نبي، وبالضبط شيء من سليمان عليه السلام؛ وأن يطلب الجمل حمل مخلاته التي فيها كتبه هو إيماءة أخرى إلى شرف ما في تلك الكتب التي بلا شك هي من علوم دين، أو بالضبط ربما من علوم التصوف وأخبار الصوفية العجيبة، وما دام الرجل المشرقي هذا صاحب الجمل أحد الأولياء الذين يُستحق أن يؤرِّخ لهم صاحب «التشوف». إنّ وضعية دابة الولي أبي سهيل القرشي هي بطبيعة الحال الأحسن والأكثر راحة؛ فالولي جاء من المشرق على قدميه، حاملً معه مخلاته بنفسه، وكأنّ الدابة التي خلقتها عناية الله بنا، لتحمل أثقالنا هي أصلً ليس لها من دور في السفر إلّ كونها الصاحب في الطريق والمؤنس في الوحشة، والرفيق في هذه التغريبة، غير أنّ دابة أخرى ربما تكون هي الأخرى جملً وربما لا تكون، نجدها في وضعية هي الأصعب، ضمن مسارات وضع عقابي لا يحتمل، تستثير شفقتنا وحُنوّنا؛ دابة تضطرّها جوقة المشيعين
من أبناء ابن رشد إلى أن تحمل جثمان ميت ومعه كتبه التي سهر أيام عمره ليسوّدها في زمن قريب جدًا
من زمن الولي أبي سهيل. لن تحمل دابة ابن رشد اسم المنطقة التي دُفن فيها. ولن تنال أيّ نصيب من لاعتراف. بل ستُنسى كما نُسي الذي سترافقه في رحلة تخترق البحار والوهاد السحيقة والأودية، دابة لا تطمع أو تطمح إلى الحديث مع من أوكلت لها مهمة حمله بعيدًا، ولا حتى لتظفر بمؤانسته، لأنّ روحه ملاصقة إذّاك دارًا من دور الحياة الأخرى، حيث سينال الموتى جزاءاتهم عن حسنات أعمالهم وسيئات جرائر عملهم. أمّا روح الولي فلا تموت، بل ستظل حيّة ترزق، كما هو اسم دابته، لا يمكن أن تُنسى؛ فالمتصوّف
يشبه إلى حدٍ كبير «فونس» لويس بورخيس الذي «لا يحتاج إلى أن يكتب لأنّ ما يفكر فيه مرة واحدة لا يمّحي من ذاكرته»، فونس الذي «لم يكن يتذكر كل ورقة في كل شجرة على كل جبل وحسب،
بل كل مرة رآها أو تخيّلها»؛ فالصوفي لا يكفّ عن اجترار ذاكرته وذكرياته عن استحضار أيّ شيء،
(1((التادلي، ص.454 (((1 المرجع نفسه، ص.208 (((1 ضريحه مشهور بغجدامة، حيث تُنوسي اسمه، ولم يعد له ذكر، لكن احتفظ فقط باسم دابته التي رافقته والتي صارت اسمًا
للمنطقة التي دُفن فيها، واسم المكان الآن هو سيدي بوناگة (أبو الناقة). (((1 الإشارة هنا إلى اسم المنطقة التي دفن فيها أبو سهيل سيدي بوناگة (أبو النّاقة). (((1 خورخي لويس بورخيس، «ذاكرة فونس»، في: قصص، ترجمة محمد أبو العطا (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 0082)، ص.98 (((1 المرجع نفسه.
فهو بتعبير فرانسوا فوريه «مغرق في القدم» Immémorialisé لا يستطيع أن ينهى نفسه ويُلجمها عن لاستذكار mémorialisé. لذا يستهويه بناء الأضرحة لموتاه، بما فيهم الحيوانات التي ربما تكون قدمت خدمة لجماعة المريدين ذات مرة أو لشيخهم تستوي في ذلك الجمال والقطط. ستتحمل الدابة المسكينة في رحلة مقلقة وكئيبة عناء حمل جثمان رجلٍ لن يُسمع وقع خطاه، رجل ميت لا يحرّك ساكنًا، بعكس ما عليه صورة الرجل الآخر في حكاية «التّشوف». وستتحمل أيضًا حمل
كتبه التي تعالج قلق عبارة أحد الأعاجم لتكون رحلة لا تتحمل، لصعوبة الحَمل ولثقل الحِمل، بخاصة
مع كاتب وشارحٍ فوق العادة، غالبًا ما كان يسمى بالشارح الأكبر؛ فكما يروي ابن الأبّار أن ابن رشد
سوّد وقيّد وألّف وهذّب واختصر نحوًا من عشرة آلاف ورقة، أي بالتأكيد أضعافًا مضاعفة لما في
مخلاة أبي سهيل القرشي السابق الذكر مع مخلاته التي ليست بالضرورة حمّالة أكثر من كتاب؛ فربما
لا يتجاوز ويتعدى عدد كتبها الكتاب الواحد، هذا بخاصة أنّ ابن رشد كان قد ارتهن فهم كتبه على ذوي الفطر الفائقة فقط. فالولي الآتي من مشرق الوحي إلى مغرب الولاية والصلاح الذي حوفظ على جثمانه بين مستقبليه، وربما حتى على الكتاب أو الكتب التي أتى بها من المشرق في مخلاته، صار مصدر بركات ونعم عديدة لا تنتهي وارداتها بعدما وافاه الأجل، لقول التادلي: «وقبره معروف يتبرك به إلى الآن» ويُزار، فالزيارة مقرونة بالبركة السر الذي ليس بيد غير الأولياء، ولهم وحدهم، وعلى أيديهم مرهون توارد النعم وتوافد الخيرات، ففاعلية الميت قد تتحول في أيّ حالة من جانب الصوفي مصدرًا للفعل والتفاعل والتحكم في مسارات الأحياء أنفسهم، يقول التعارجي في قول منسوب لأبي الحسن اليوسي: «من لهم التّصرف في المغرب بعد وفاتهم ثلاثة، الشيخ أبو العباس السبتي، وعبد السلام بن مشيش، وأبو يعزى». لهذا كان الحرص على إيجاد قرار يستقر فيه جثمان المشرقي أبي سهيل القرشي، أمّا جثمان ابن رشد فلن يكون جثمانًا وجسدًا يجب لاحتفاظ به، لذا لم يقف واحد من الحاضرين، لا ابن عربي ولا صحبه الواقفون بإزائه أمام رفات ابن قرطبة وفيلسوفها، في وجه هؤلاء الذين يرغبون في تهجير جثمان الرجل وسحبه بعيدًا عن مراكش التي تزخر بأسماء كثير من الأولياء الذين احتفظت بأضرحتهم دون أن تفرِّط في جثمان أحدهم. لم ينبس أحدٌ بنهي، ولم يقترح أن يُترك جثمان الرجل وشأنه، فأرض الإسلام واحدة. كما لم يتذمر أحد ولم يتبرم من رغبة بَنيه في تهجير الميت خارج حاضرة مراكش التي قضى فيها شطرًا صالحًا من عمره،
وبعيدًا عنها، وإلحاقه بالضفة الشمالية، وكأن ليس هناك أدنى اعتبار ولا تقدير للرجل ولمكانته الفقهية التي احتفظ ابن عربي بتذكار لها وهو مخطوطة بداية المجتهد في مكتبته وتوريثها بنيه. لا يدل الأمر
(((1 آنا ماري شيمل، الأبعاد الصوفية في الإس ماا وتاريخ التصوف، ترجمة محمد إسماعيل السيد ورضا حامد قطب (كولونيا: منشورات الجمل، 0062)، ص.241 1(((انظر: محمد بن الأبار، التكملة لكتاب الصلة، نشر وتصحيح عزت العطار الحسيني، ج 2 (القاهرة: دار السعادة، 9561)، ص.553 1(((التعارجي، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، ج 1 (الرباط: المطبعة الملكية، 9741)، ص 08.3
على شيء وإنما هو مكر المتصوّف. وإنّ مكره لشديد؛ فلا تبرير لتركه، بخاصة أنّ مسار الحكاية كلّه
يسير نحو ترك الميت يغادر مدينة الصالحين المشهورة أصلً بكونها مدفنًا لأندلسيين لا يحصون، كما أنّ لا أحد من هؤلاء الموتى ولا أسرهم بلغ به الطيش للسفر بالجثمان بعيدًا من مراكش إلى قرطبة؛ فالمسافة بينهما تكاد تصل إلى عشرات الأيام وتكاد تبلغ ألف كيلومتر. المهم إذًا أنّ جثمان الفيلسوف تُرِكَ ليسافر بعيدًا، دون اعتراض. ما يدل على ألّ أمل يرجى فيه نهائيًا،
ولا بركة مأمولة في بقائه، كما حينما كان حيًا لا أمل في دخوله الطريق والتصديق بها يشهد عليه قول
ابن عربي: «ثم أردت لاجتماع به مرة ثانية فأقيم لي رحمه الله في الواقعة في صورة ضرب بيني وبينه فيها حجاب رقيق أنظر إليه منه ولا يبصرني ولا يعرف مكاني وقد شغل بنفسه عني فقلت: إنه غير مراد لما نحن عليه». إنّه جثمان لا بركة له ولا فيه عند الصوفي، بل عند عامة الصوفية الذين صارت مراكش حاضرة لهم ومركزًا جهويًا للتصوف. فلا مجال للاحتفاظ به والتنازع على إبقائه كما يفعل بقية
مغاربة تلك الفترة مع موتاهم من الأولياء؛ إذ يحكي التادلي مؤرخ الصوفية المتزامنين مع ابن رشد أنّ أبا محمد زمُّور «لما مات، همّت القبائل بالتفاتن عليه، فكُل قبيلة قالت: إنما ندفنه عندنا لننال بركته،
فأهل الموضع الذي دفن فيه إلى الآن يتحدثون بأنهم نالوا بركته»، بل إنّ جثمان الولي هو شمس الله المنتصرة في أيّ المعارك التي تخوضها القبائل، لذلك كان التقاتل لأجل الظفر بجثمانه ودفنه
عندهم، فيُذكر أنّ عمرو المعيطي حينما ظهر بدعوته جعل جثمان الولي محمد بن سليمان «في تابوت
وصار يقاتل به فكان يُنصَر به حيثما توجّه، وأنّه بقي على ذلك عشرين سنة إلى أن توفي (= أي الداعية
المعيطي) فدفنوا الشيخ رضي الله عنه، وأن ذلك كان الحامل على نقله إلى مراكش، خافوا أن يثور أحد هنالك، فيخرجه من قبره ويقاتلهم به، فدفنوه عندهم ليأمنوا ما يتخوفون». فقبر الولي هو علّة تأسيس المدن والمزارات، يكون قبرا فيصير قبّة، ليصير ضريحًا ثم تَكية فمزارًا فمدينة، فالضريح هو
البانثيون Panthéon مدفن عظماء الأمة، ليحلّ به حتى إن نُسي اسمه وطرف من سيرته، ما حلّ بالشيخ مجيب في رواية أم النذور، فعلى الرغم من أنّ لا أحد يعرف مجيب، تُروى قصص عنه كثيرة لا تنتهي، والنعم التي يعيشها ساكنة قرية أم النذور هي من بركات الرجل الذي لا يُعرف له أصلٌ أصلً، غير أنّه
رجلٌ تقي وله بركات لا تُحصى.
لمّا تهجّر الكتب
«وصل الغريب منقطع النفس إلى المحطة الخالية. أنهكته كثيرا حقيبته الكبيرة التي لم يرغب أحد في أن يحملها».
1(((ابن عربي، السفر الثاني، ص.373 (2((التادلي، ص.226-225 (((2 التعارجي، ج 5، ص.56 (((2 عبد الرحمن منيف، أم النذور (الدار البيضاء: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 0052)، ص.10 (((2 خوان خوصي أريولا، «محول السّكة»، فيالباقة الزرقاء: قصص فانتاستيكية من أمريكا اللاتينية، إعداد وترجمة سعيد بنعبد
الواحد وحسن بوتكي (الدار البيضاء: مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب، 0072)، ص.87
في وسطٍ يحتفي بالموتى، ويُعلي من شأنهم، ويهيل عليهم صفات التقدير ومشاعر البرور، تم اللجوء
إلى حمل ابن رشد المعروف الفصل والأصل - لا كما الشيخ مجيب في رواية «أم النّذور» - بعيدًا عن مكان دفنه إلى البلاد التي ستصير إلى غير المسلمين، ربما لأنّ قبر الفيلسوف لا ينبغي أن يصير ضريحًا
يُتبرك به، ولا ينبغي أن تُطلب عنده الحاجات، فتُشَدّ إليه رحال الطامعين في البركة والمثوبة، كما لا يُراد
لكتبه أن تصير علمًا ينتفع به بعد موت كاتبها، لأنّها بالتأكيد هي العِلم الذي يُتعوذ منه، وليُنسى اسمه
بعد هذا كأنّه لم يكن، وليظفر بمكانه في الذاكرة، وعوضه في باطن الأرض وليٌّ لطالما توجّس ابن رشد
من حاله، بل قيل إنّه هو مَن دعا عليه ليصاب بوجع فتَك به، فكان انسحابه إلى عالم الموت بسبب
الولي، وليأخذ منه مكانه الولي الرمز ذاته، ما دام «الشخص الميت يعامل كحثالة أو كرمز»، أي التراوح بين ما يجب التخلص منه وما وجب لاحتفاظ به؛ فالرمزية هي التي تجعل الأحياء يثابرون في لاحتفاظ بذكريات الميت، وتدفعهم للتمسك بأشيائه كاملة أو ببعضها فقط، فبعد «وفاة شوبان، قام القوميون البولونيون بشق جثته لانتزاع قلبه. لقد أمّموا (قومنوا Nationaliser) هذه العضلة المسكينة،
وقاموا بدفنها في بولونيا». المهم دومًا أن يُحتفظ للميت بذكرى، تنشّط عضلات الذاكرة وتحميه
هو من النسيان، وتفرض ضرورة ما للنطق باسمه بين ممّن ما زالت أساميهم في ديوان الأحياء، ويبقى
الكتاب نائبًا فوق العادة وبأثر رجعي منذ وفاة مؤلِّفه ينوب عن أيّ حضور لصاحبه، يمثّله إلى أقصى
حد؛ فالكتاب رجل و«رجلٌ هو الكتاب»؛ أحدهما ينوب عن صاحبه في وقت الغياب، وفَقْد الإثنين يساوي النسيان فقط الذي «يساوي النعاس». إنّنا بين حكايتين تضعاننا أمام حِمل ثقيل لا نجد له خفّة تذكر، نختزله في سؤال عابر، وهو: أيّ
الموقفين أجدى وأقرب وأنفع لنا: الحمل الثقيل الذي يمثّله ابن رشد الجثمان وابن رشد الكتب؟ أم الحمل الخفيف: «الولي ومخلاته»؟ مخلاة الولي التي دسّ فيها كتيباته أو كناشاته، والتي لم يحل
على عنوان واحدٍ منها، ف «أكثر الأحمال ثقلً يسحقنا، يلوينا تحت وطأته ويشدنا نحو الأرض [...] فالحمل الأكثر ثقلً هو في الوقت ذاته صورة للاكتمال الحيوي في ذروته. فكلّما كان الحمل ثقيلً، كانت حياتنا أقرب إلى الأرض، وكانت واقعية أكثر وحقيقية أكثر، وبالمقابل، فإن الكائن الإنساني عند الغياب التّام للحمل يصير أكثر خفة من الهواء، محلقًا بعيدًا عن الأرض [...] وتصبح حركاته حرة بقدر ما هي تافهة». فماذا يا ترى نختار؟ الخفة؟ أم الثقل؟ ليكون الثقل أو الخفة ترسيمة حياة ومسار عقل في كوننا الذي سيفسد أو يكون بحسنِ اختيار أو سوئه بين الإثنين. نعم الكتاب كالدنيا نهايته أفضل بكثير من بدايته. لكن هذا ليس ناموسًا يحكم كل الكتب؛ إذ سرعان
(((2 ميلان كونديرا، الوصايا المغدورة: دراسات في الرواية، ترجمة معن عاقل (دمشق: الأوائل للنشر، 0002)، ص.279 (((2 المرجع نفسه. (((2 خورخي لويس بورخيس، «قصيدة إسرائيل»، في: ديوان مديح الظل، ترجمة محمّد أبو العطا، سلسلة الشعر (القاهرة: المركز
القومي للترجمة، 0112)، ص.67 2(((مرسيا إلياد، مظاهر الأسطورة، ترجمة نهاد خياطة (دمشق: دار كنعان، 9911)، ص.112 2(((ميلان كونديرا، الكائن لا تحتمل خفته، ترجمة ماري طوق، ط 3 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 0132)، ص.7 2(((إبراهيم الكوني، الصحف الأولى: متون وأساطير (عمان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 0042)، ص.71
ما تخون هذه القاعدة كتبًا دون أخرى، فتَلقى حتوفًا سيئة للغاية ونهايات بئيسة. تُحسب كتب ابن رشد
على قائمة الكتب الملعونة هذه التي تعدّ نهايتها أسوأ من بدايتها؛ فبعد أن كانت تؤلَّف بدعوى من السلطان، ها هي تلقى اللامب لاة القاتلة من المتصوّف المشارك في تعديل كفة المركوب بها، بعد أن زجر
الخليفة القريب من المتصوّف والبعيد عن الفلسفة، المشتغلين بها، وكأنّ الكتب التي أمام ابن عربي
وصحبه كتب يخافونها ويخافون صاحبها. فكما أنّ هناك إصرارًا على ألّ يبقى منه أثرٌ ورسم، بالظفر بقبر
له فيها، وشاهدة قبر تشهد على مروره، هناك نية أخرى في إبعاد كتبه التي بُثّت فيها وصاياه التي ستموت
فورًا، حين لا تجد من يقرأها، إذ هناك دومًا يقين «بأننا لا نموت يوم تموت أجسادنا، ولكنّا نموت حقًّا
يوم تموت أفكارنا». وتهجير كتب ابن رشد هو رغبة في قتله، ورغبة أخرى معها في نسيانه وتناسيه؛ فإبعاد الكتب والتعامل السيئ معها الذي تمثله اللامب لاة، هما بالطبع ممارسة طقسية من طقوس لانتقام والتأديب التي يخوضها الصوفي، والتي بدأت بإحراق كتب فقهاء الفروع على يد المنصور الموحدي. وها هي تكتمل مع الوضع الجديد غير الجيد الذي وضعت فيه كتب ابن رشد، والذي بالتأكيد لم يكن ليرضاه كاتبها نفسه، وهو معادلة جثمان ميت، حتى لو كان الميت كاتبها نفسه. يحكي لنا عبد الفتاح كيليطو عن إنسان منهمك في غسل ميت. ويد هذا الميت مضمومة منقبضة، الشيء الذي سيستثير بال الغسّال، ليدخل الإثنان في علاقة تحدٍّ؛ فالميت يقبض يده على شيء ما لا
يودّ إطلْاع أحد عليه، لكنه شيء وجب اكتشافه، ضدًا على رغبة الميت، لتدور معركة حقيقية بين الحي والميت؛ أحدهما يرغب في فضح السّر والآخر يرغب في كتمانه. نهاية المعركة بالتأكيد محسومة،
فالمنتصر واضح والمنهزم أيضًا واضح، ولا يكافئ الخصمان بعضهما البعض؛ إذ قوة الغسّال تبز الجثة
الخائرة القوى، لتنفتح يد الميت الذي ليس إلّ ابن قانيا أحد شعراء بغداد أمام قسوة الغسال ورغبته، ولا يجد الغسّال بين أصابع يد الميت وفي كفّه غير بيتين من الشعر. لم يكن ابن عربي كغسّال ابن قانيا، ولا برغبته، ولا أحد معه ممن حضر الجنازة كانوا من مثل الغسّال،
ولم يكن ابن عربي كشيخٍ صوفي آخر هو أبو حامد الغزالي حين قال: «لا أغادر فيلسوفًا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته». فهو لم يتكلم عن كتب ابن رشد، ولم يبد أيّ اهتمام بها كي يذكر لنا
عنوانًا أو جملة عناوين ضمن حكايته الصغيرة، فالمهم عنده هو وصف عودة ابن رشد إلى البيت الأبوي مقبرة ابن عباس، وترك قبره شاغرًا يخترقه الخواء. وفي السياق نفسه نتذكر حادثةً يرويها ثربانتيس عن
قصة تشبه قصة ابن قانيا، ولكنّها لا تشبه قصة ابن رشد مع مشيعيه؛ قصة شاعر غنائي شاب اسمه خريسوستمو كان «مشهورًا في نظم الأغاني، حتى إنّه كان يؤلف الأناشيد التي ترتّل في ليالي عيد
ميلاد السيد المسيح [...] وكان يقول الناس جميعًا إنّها رائعة». وحينما قتله حبه لإحدى الراعيات
(3((المرجع نفسه، شذرة 8، ص.66 (((3 عبد الفتاح كيليطو، الكتابة والتناسخ: مفهوم المؤلف في الثقافة العربية، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 9851)، ص.91 (((3 أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، تحقيق وتعليق عبد الحليم محمود (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 9551)، ص.79 (((3 ثربانتيس، دون كيشوت، ترجمة عبد الرحمن بدوي، سلسلة أعمال خالدة، ج 1 (أبوظبي: دار المدى/ المجمع الثقافي، 9981)، ص.113-112
قرر دون كيشوت حضور جنازته، فيتولى أمبروزيو صديق الشاعر مراسم المأتم، غير أنّه بجانب الجسد المسجَّى، كانت مفكراته وكتاباته التي أوصى بحرقها، وفي تلك اللحظة يتدخل فيفالدو، وهو شاب غريب انضم إلى جوقة المشيعين، ليعترض على رغبة الميت، لأنّ الرغبة يجب أن تكون معقولة أو لا تكون أصلً؛ ف «ليس من العدل ولا مما يقتضيه العقل أن تنفّذ إرادة من يأمر بأشياء خارجة عن كلّ عقل». ليختم فيفالدو نصيحته بقوله: «وإذن يا سيد أمبروزيو يكفيك أن تسلم جثمان صديقك إلى التراب، ولكن لا تسلم أعماله إلى النسيان. وما أمر به وهو محنق لإهانته، لا تنفّذه كأنّك أداة عمياء». لا توجد علاقة كبيرة بين جنازة خريسوستمو وجنازة ابن رشد، من حيث السياق والتاريخ، غير أنّهما متشابهتان إلى حدٍ بعيد؛ فالميتان عاشا حياةً يائسة، وكلاهما كانا كما يلخص القول فيفالدو عن جثمان شاعره الذي كان «مستودعًا لروحٍ أودعت فيها السماء شطرًا عظيمًا من أثمن مواهبه». وكانت
تآليفهما أحد «أكسسوارات» الجنازة المهمة وأحد رموزها الضرورية في أيّ تأويل ممكن للحكاية الأكبرية عن نقل الرفات، وربما كانت موضوع الجنازة الأهم، غير أنّ المشيعين من كلا الجنازتين كانوا مختلفين جدًا في درجة تضامنهم وتعاطفهم مع الكتب التي تركها موتى الجانبين؛ الميت الذي يحكي عنه دون كيشوت، والميت الذي يحكي عنه ابن عربي الذي لم يعترض على أخذ الجثمان ولا على أخذ الكتب، ولم يتساءل حتى عمّا فيها، ربما لنفوره من الكتب أصلً، وهذا ما أوضحه ابن عربي واصفًا خروجه إلى ميدان التصوف دون مطالعة ولا نظر في كتاب، لهذا لم يبذل جهدًا كي ينحني ويتصفح كتابًا أو يصرّح بعنوانه، عكس ما فعل فيفالدو تمامًا، وكأنّ كبرياءً وعجرفةً صوفيتَين تدفعان
بصاحبهما إلى عدم التجرؤ على ذكر أحد عناوين كتب الحكيم، وعدم الوقوف في وجه من سيهرّبونها
إلى الضفة الأخرى، ربما امتثالً منه لقانون صوفي قديم يؤكد ضرورة السير في الطريق دون نظر إلى الخلف مهما كانت درجة لاشتهاء والتلذذ بما أمام المريد سواء كان جسدًا أم كتابًا أم فكرة. إنّ الذين شيَّعوا ابن رشد ولم يشايعوه، قد اختاروا الخفّة سلوكًا وحقيقة حياة، وتخيّروا لابن رشد ما لم
يرده بحيث حُمل على الرغم من ثقل الجثة وثقالة مكتوباته، إن لم يكن ابن رشد نفسه قد اختار الخفّة تلك عن الثقل الذي لطالما أسّس له، فانقلاب مشروعه الفلسفي واستحالته إلى مشروع طبي قد يُخبئ تراجعًا ما، وهو الذي كان متذبذب الحكم على أهل العرفان ينسب سلوك أحدهم إلى مذهب أحد اليونان القدامى ويجد صعوبة في نسبة أفكار صبي أندلسي لم يطالع كتابًا ولا تصفّح مجلدةً، فيقف أمام حالته مسلّمًا تسليم العاجز عن التفسير، يقول ابن عربي: «ولقد سمعت واحدًا من أكابرهم، وقد رأى مما فتح الله به علي من العلم به - سبحانه - من غير نظر ولا قراءة، [...] فقال: الحمد لله الذي أنا في زمان رأيت فيه من آتاه الله رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما».
(((3 المرجع نفسه، ص.124 (((3 المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه. 3(((ابن عربي، الفتوحات المكية، تحقيق وتقديم عثمان يحيى، تصدير ومراجعة إبراهيم مدكور، السفر الخامس (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 9771)، ص.105
الحديث بالنيابة عن الميت
يبقى الموت حالة أنطولوجية ذات صبغة شخصية جدًا؛ فلا أحد يمكنه أن يموت بدلً وعوضًا عني، فلكلٍ ميتته التي تخصه، ويختص بها ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ﴾، (سورة الزمر 0: 3). غير أنّ الموت
هنا مسألة بالغة الخصوصية لدى ابن عربي الحي، تهمّه أكثر من المعنيّ بها الذي أسلم الروح لداعيها،
لذا كان تجشّمه عناء حضور الجنازة الثانية، وكانت ضرورة الحكي عنها؛ فابن عربي شهد ميتات وجنائزَ كثيرة، لكنّه لم يتكلم إلّ عن جنائز معدودة؛ فيختار هذه الجنازة بالضبط موضوعًا لاشتغال آلته الحكائية، ويجعل ميتة الحكيم موضوعًا للتأمل ولاستفادة الدروس والعبر. إنّه والبقية يتكلمون عن الحكيم وعنه ينوبون في اختيار الكلمات التي تلخّص مسار حياته في استغلال للموقف الذي يكون فيه المرء أمام ميت فقدَ صوته. لم يكن الموت هو موضوع ابن عربي بالأساس، ف «كما لا يطيق البصر التحديق في الشمس، كذلك لا تطيق البصيرة التحديق في الموت». لذا يظل الميت وحده من يقدر على التحديق فيه، وإطالة النظر في بؤبؤ عينيه الجاحظتين، لأنّه يقف أمامه كاملً في تجلّيه الأكمل، بسكراته وبلذة ربما تكون مبثوثة فيه لا نعرفها، لكن شغل تأمّله ولاستغراق في تحسس لحظاته يعفي الميت من الحديث عنه، فمنطق
الموت يكُفه عن البوح بأسراره، وقانونه أن يحرم صاحبه كشف حقيقته، لهذا ربما يتساءل المرء: «عجبا لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه»!. لكن موت ابن رشد سيلزم لسانه احترام قوانين الأموات، فالموت مهمته أن يخرس لسان الميت عن الحديث، لهذا كانت دومًا خطر المخاطر. في رواية فوكنر «أشجار النخيل المتوحشة» تموت المرأة بعد عملية إجهاض فاشلة، ويقبع الرجل في السجن محكومًا عليه بعشر سنوات، فتُعرض عليه حبّة سمّ بيضاء، لكنه يستبعد فكرة الموت
ولانتحار، لأنّ طريقه الوحيدة لإطالة حياة محبوبته التي انتقلت من عالم الزوال والفناء صوب عالم البقاء هي الحفاظ عليها في ذاكرته، فعندما كفّت هي عن الحضور في الوجود بمادتها الجسمانية، فإنّ نصف الذاكرة الذي هو نصف الوجود أيضًا لا يزال يحتفظ لها بنصف الوجود، وحين يكفُّ الرجل عن الوجود فإنّ كل الذاكرة عندئذ ستكُفّ عن الوجود، ففي بقاء من يذكرها ويتذكرها بقاءٌ آخر لها،
فالموت، الموت الحقيقي هو حين يموت الشاهد نفسه. يمكن أن نعدّ ابن عربي آخر المحافظين على ذكرى أبي الوليد أو بالأحرى على وجوده قبل أن يُمسح
اسمه نهائيًا، وتنتهي صلاحية استعم لاته؛ فالصبي ابن عربي الذي سرعان ما يصير شيخًا أكبر هو آخر
المحتفظين بأنصاف وجود أبي الوليد المتبقية؛ فابن رشد حاضر في الفتوحات المكية التي كتبت بعد
(38) Alexandre Kojève, Introduction à la lecture de Hegel)Paris: Gallimard, 1947(, p. 55.
(3((الكوني، ص.155 4(((محمد الشيخ، كتاب الحكمة العربية، دليل التراث العربي إلى العالمية (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2008)، ص.569 (((4 فريدريك نيتشه، ديوان نيتشه (كولونيا: منشورات الجمل، 0052)، ص.321 (((4 رولان بارت، المعنى الثّالث، ومقالات أخرى، ترجمة عزيز يوسف المطلبي (بغداد: بيت الحكمة، 0112)، ص.152
موت فيلسوف قرطبة بعقود في أكثر من موقع، كما كان ابن رشد في حياته حاضرًا في مواقع كثيرة من
حياة الشيخ الأكبر، فكان التذكير باسمه نوعًا من البر به وبذكرى صاحبه، على عكس ما لا نتوقعه من تلاميذ ابن رشد أنفسهم الذين سيرون في استحضار اسمه ولاستشهاد به فظاعة، كما الأمر بالنسبة إلى ابن حوط الله الذي سيزيل اسم ابن رشد من مرويات الأحاديث التي أخذها عنه، وكما الأمر بالنسبة إلى ابن طُملوس، وفي المقابل تمجيد تجارب ألد أعدائه وتثمينها كما فعل مع أبي حامد الغزالي. في رواية أخرى لرومان غاري وبالضبط في سيرته الذاتية «وعدٌ بالفجر» يسجل وببراعة هوس الصبي حين يكبر بأشياء طفولته، لذا فما حرم الصبي منه نفسه أو حُرّم عليه يترك نقصًا عميقًا لا يمحى،
ولا يمكن تعويضه، لذا فباقي الحياة يستحيل خيبة كبيرة. وابن عربي الذي عاش حياة زاخرة ومديدة بالتأكيد عاش حرمانًا مكرورًا، ما دام هو من حرم نفسه من الفلسفة بتحريمه لقاء حكيمها في تلك
الرؤيا البرزخية، لذا ففكرة لقاء ابن رشد ستظل تطارده، لولا الوارد الإلهي الذي نهاه عن اللقيا ولم ينهه عن التفكير بطرف اللقاءات، يقول رومان غاري: «كلّما كبرت، كان حرماني الطفولي يزيد، وتطلعي المشوش يكبر، يكبران معي فلا يتوقفان»، لذا ظلت لدى ابن عربي نزوعات فلسفية لا تنتهي، وربما لهذا كان من موروثاته التي ورثها أبناؤه عنه كتاب ابن رشد «بداية المجتهد» الذي ظل بيده وفي مكتبته تذكارًا من ابن رشد، وورثه ابن عربي لابنه الذي من صلبه، وورّثه ابن ابن عربي الذي من صلبه
إلى ربيب ابن عربي، كما هو مكتوب على أولى صفحات المخطوطين والذي ورث عنه أيضًا شغفه القديم بالفلسفة، لذا طبقًا لهذا الحرمان ربما يكون ابن عربي أحسن من يتكلم عن الموت، وأحسن من يتكلم عن ابن رشد هو ابن عربي نفسه؛ فكلاهما شيخ حقله المعرفي، وكلاهما يخبران بعضهما، لصحبة الأب مع ابن رشد، ولتتلمذٍ قديم. لا يعني موت ابن رشد عدم حضوره بين المعدودين على قيد الحياة؛ لأنّ الموت هو تورٍّ للجسد
وتوارٍ له ليس إلّ، فهو حتى في حالة موته يستمر في الحياة بيننا، فمن يموتون إنما «يصنعون حيلة خبيثة نحو الأحياء: يتوارون تاركين لهؤلاء مهمة تفسير فكرهم، أي أن يتجادلوا حول ما قالوه، وما كان ممكنًا أن يقولوه، وما كان عليهم أن يقولوه، بل حول ما لم يقولوه أبدًا». لذا فموت ابن رشد لا يخصه وحده، ولا حتى جسده الفاني المستودَع إلى عوالم العدم، جسده الذي صار هامدًا لا يتحرك
(((4 أبو الحجاج بن طملوس، المدخل لصناعة المنطق، تحقيق ميكائيل أسين السرقسطي (مجريط: المطبعة لابيرقية، 1916)، ص.7-6 (4((ابن عربي، السفر الثاني، ص.373 (((4 يرى ابن عربي أنّ بداية أمره كانت في علاقته بالموت، فقد عدّ ذات مرض في عداد الموت، حتى قُرئت عليه سورة «يس»،
انظر: ابن عربي، السفر الأول، ص 89.2 (((4 الإشارة هنا إلى ما أثبته محمد حجي من كون إحدى نسخ «بداية المجتهد» في قونيا تصدرها على صفحتها الأولى بخط الشيخ محيي الدين بن عربي أنّه روى «بداية المجتهد» عن مؤلفها إجازة ومناولة، انظر: محمد حجي، «مكانة ابن رشد بين فقهاء
المالكية من سبقه ومن لحقه»، في ندوة ابن رشد الطبيب والفقيه والفيلسوف، إشراف عبد الرحمن عبد الله العوضي، عبد الحميد البسيوني وأحمد رجائي الجندي (محرران)، (الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، 9951)، ص.484 (4((ابن عربي، السفر الأول، ص.288 4(((عبد الفتاح كيليطو، «آدم أو النسيان»، في: لسان آدم، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي (الدار البيضاء: دار توبقال، 9951)، ص.45
لا يخص ابن رشد وحده فقط، وإنما يخص كل من يهمه أمر ابن رشد، وتهمّه حادثة موته. لذا فحضور
الصوفي هنا له ما يبرره وله أبعاده التي كان يجب وينبغي للصوفي أن يتم معانيها بحضوره هنا، وليس ينوب عن الصوفي أيّ صوفي آخر مفارق له في الدرجة والمقام والمكانة، إذ إنّنا هنا أمام حديث آخر
عن المكافئ والندّ الذي إذا غاب يبقى الحدث فارغًا من أحد معانيه إن لم نقل من كل معانيه؛ حدث يستوجب حضور الشيخ لا أيّ مريد، بل لا أيّ شيخ وإنما بالضبط الشيخ الأكبر. وكان الرجل اصطفي
دون غيره لأداء هذه المهمة، بما هو لاصطفاء اختيار إلهي حر، أي قرار فوق طبيعي لشخص ما وذلك لأمر مميز فيه وغير عادي.
لمَ نحضر نقل الرفات؟
« الحكاية تُحيي أبطالها حتى حينما تُميتهم» (عبد الحق منصف). لا يعدو الأمر هنا كلامًا في حديث رسول الله عن أحد حقوق المسلم على المسلم، وهو المشي في
جنازته، وبالضبط عن الحق السادس من حقوق الميت على الحي كما يحددها ابن رشد نفسه، كما أنّ الأمر ليس فزعًا من الموت، أو تشريفًا للملَك الذي سلب الروح صاحبها، كما يحدّثنا ابن عربي نفسه في إحدى فقرات «فتوحاته» عن اعتبار الماشي خلف الجنازة، إنّ الأمر هو استمرار للقاءات ابن عربي بالفلسفة وبالفيلسوف، بخاصة مع رجل يؤمن بحوار الموتى، لكن بتسييرٍ وسياسة من الأحياء، لأنّ الميت ليس له من الأمر شيء، لترك أملٍ جديد في التعبير عمّا ما لم يعبّر عنه فيما سبق
من لقاءات، ولأجل فتح مسارب ومسارات جديدة للعلاقة التي حكمت طبيعة المواقف بين الطرفين المتطرفين في انتماءاتهما، والتي يجب لاحتكام إليها في بناء صور غير واضحة للعلاقة التي جمعت الطرفين. ابن عربي هنا كما في سائر اللقاءات السابقة المحكومة بالفشل كان عند ابن رشد نِعم الكفؤ والندّ، على الرغم من عدم تكافؤ مساريهما العلميين، لذا لم يكن بإمكانه أن يغفل عن هذه اللحظة التي تكتمل معها لقاءات الرجلين، وهي رواية ابن عربي ل «بداية المجتهد» عن مؤلفها إجازة ومناولة، وهو ما لم يشر إليه ابن عربي في سلسلة لقاءاته كما ذكرها في الفتوحات المكية، مما يضرب صدقية خبر
4(((ميلان كونديرا، البطء، ترجمة منيرة مصطفى (دمشق: ورد، 9971)، ص.41 (5((صحيح البخاري، حديث رقم.)1240((((5 ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، شرح وتحقيق وتخريج عبد الله العبادي، ج 1 (القاهرة: دار السلام، 9951)، ص (((5 ابن عربي، الفتوحات المكية، تحقيق وتقديم عثمان يحيى، تصدير ومراجعة إبراهيم مدكور (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 9831)، السفر الثامن، ص.55 (((5 ينقل لنا ابن عربي شهادة ابن رشد في حقه فيقول: «فشكر الله تعالى الذي كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلً وخرج
مثل هذا الخروج من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة»، انظر: الفتوحات المكية، السفر الثاني، ص 73-372.3 في مقابل التجربة العلمية لابن رشد الذي تقص علينا كتب التراجم أنّه لم يدع النظر ولا القراءة منذ عقل، إلا ليلة وفاة أبيه وليلة بنائه على
أهله، نقلً عن: عبد الرحمن التليلي، ابن رشد في المصادر العربية (القاهرة: منشورات المجلس الأعلى للثقافة، 0022)، ص.18
الإجازة والمناولة من أصله، وتكتمل معها صورة الصراع الحاصل بين الصوفي والفيلسوف الذي استقر عليهما وبينهما فقط، في نزال كانا فيه النّد للند، نزال لأنّه موقف جلل، فليس الأمر يتوقف عند حيٍ أمام ميت، بل صوفي كبير أمام فيلسوف كبير، لتكون كل كلمة تنبس بها شفة الحي هي كلمة الميت وبنت شفته أو قريبة من تفكيره وأفكاره التي يستلهمها الصوفي الذي لا يزال ينتظر حتفه، غير أنّه باقٍ على أرض الحياة في لحظة الحدث متحدثًا وحده مستغلً حرمان الطرف الآخر من فضيلة تفتح زهرات الفم، ليبقى باقي الحضور كليشيهات الحدث الموقعة، ينصتون ويتكلمون وفقًا لما يريده ابن عربي بوصفه هو الذي نقل لنا حوار التشييع، فينقل ما يرغب فيه ويحضر الذي لا يرغب فيه، ليجعله مقتضبًا
بالشكل الذي نراه لكنّه يحتمل قوةً إيحائية فظيعة، ف «خطاب ما بعد الموت الذي هو أيضًا قوة ما، في صلب هذا النحو. من فضيلة التقريظ الرّثائي الكتابة على القبر أو التأبين، ذكر الميّت، شهرة لاسم بعد
موت الذي يسميه. ذاكرة ما تنخرط مسبقًا، منذ أن كنّا لا نزال نسميه الحياة». فالموت ليس نهاية ما انخرط فيه الميت والحي ذات مرة، بل هو محطة لرعاية الصراع ولتحسس جوانب الأحقاد. يتجاوز حضور ابن عربي في هذا اللقاء أمر التعظيم «لمن يقبض الأرواح»، أو التعظيم لمن قُبضت روحه، ويتجاوز أمره تقديم شهادة عن ميت من لدن حي، بل يستعيد نقل اللقاءات السابقة لرسم معالم الصراع وتأطيرها جيدًا وسدّ منافذها بإحكام، مع إغلاق دفتي كتاب حياة أبي الوليد ووضع القوس الأخيرة للعلاقة التي جمعتهما، بل الحرص على رصد جميع اللحظات لسدّ سائر ذرائع بقائه في الضفة الأخرى، حيث ستسحب الجثة وتسحب معها الكتب، لتغلق وتحكم جيدًا قبضة الصوفي على غرب العالم الإسلامي كما على شرقه حينما أجاز ابن عربي الملك المظفر الأيوبي، وقبلها ترك الدولة الموحدية تتحول من راعية للفلسفة إلى راعية للصوفية، وكأنّها رغبة ما في جعل ابن رشد وكتبه من خلال تهجيره هذا كعفريت شهرزاد المحكم عليه الإغلاق في الفانوس أو القمقم، ونسيانه تمامًا بعيدًا عن لامسيه في نوع من التصفية للجسد وامتداداته إن جاز أن تكون الكتب أحد امتدادات الجهاز الذي صدرت عنه. من ناحية أخرى يقسم لنا الراغب الأصفهاني أصناف المتموقفين من الموت إلى ثلاثة صنوف؛ أوّلهم «الحكيم (الذي) يعلم أنّ الحياة تسترقه والموت يعتقه، وأنّ الإنسان في هذا العالم وإن طال فيه لبثه، فهو كخطفة برق لمعت في أكناف السماء ثم خفيت، وأنّه في دنياه كمبعوث إلى ثغر يحرسه وبلد يسوسه». ربما يكون هذا موقف الحكيم ابن رشد أيضًا من الموت، فحياته كانت برقًا لا يمكن نسيان سَناه، ودنياه كان فيها مبعوثًا ليحرس ثغر المشائية، ويسوس نصوص أرسطو من جديد، غير أنّ
موت أبي الوليد لم يكن أبدًا إغلاقًا لحسابه الدنيوي المؤدَّى عنه في أخراه، ولا إغلاقًا لدفتر حساباته الشخصية وطيًّا لسجلّ خصوماته مع غرمائه الدنيويين التي لم تحل بعد ولم يقض فيها بقول فصل
(((5 جاك دريدا، «سياسات الصداقة »، ترجمة فتحي المسكيني، مجلة يتفكرون، العدد 6 (0152)، ص.91 (((5 أحمد القسطلاني، إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري، ج 5، ط 7 (بولاق: المطبعة الكبرى الأميرية، 8871)، ص.407 (((5 أبو القاسم الراغب الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، تحقيق أبو اليزيد العجمي، ط 3 (المنصورة: دار الوفا، 9871)، ص.336-335
مع من تركهم خلفه في عالم دنياه الذي خلَّفه الموت عنه، وإنما هو استمرار لحياته الأولى ومعاركها العنيدة التي لم تحسم، وللحسابات ذاتها ما دام الموت هو أحد ظواهر حياة الفرد المستمرة معه والتي من الضروري أن يعيش تجربتها بنفسه لا أن يؤدي دوره بالنيابة فيها عنه أحد. ربما يكون هناك استمرار لنمط حياة، وفلسفة سلوك، وحكم ما؛ فالعزلة التي ضربها ابن رشد على نفسه والتي تفَهّمها وفهمها الصوفي جيدًا، جعلت ابن عربي يتبرم منه، وحتى من جدوى دعواه إلى دخول الطريقة، كما فعل مع عمه من قبل، ملخّصًا تبرمه من غلظة ابن رشد وتعصبه لطريق العقل، ليكون الموت سعيًا نحو اكتمال لم يتم فيما سبق من لقاءات؛ اكتمال ظل يتأجل ويتخاذل ابن عربي في وضع
نهايته، ويتأخر عن قصد في وضع قوسه الأخيرة، حتى يغدو الموت اكتمالً وإتمامًا للمناظر الناقصة لكل اللقاءات التي كان يخترقها أمل حصول المفاجأة بأن يذعن أحدهما للآخر ويعترف لعلمه بالسيادة والصلاح، على أمل أن يحدث له ما حدث لدون كيشوت في أواخر عمره حين تبرّأ وهو «على فراش
الموت، من روايات الفروسية و[...] تحسّر على أنْ لم يبق له من الوقت لقراءة كتب أخرى تكون نورًا للروح». ليموت مع موت ابن رشد الأمل ذاك، وتنتهي أيُّ رغبة ممكنة فيه، فيختار ابن عربي السفر بعيدًا، ليغادر المغرب نحو المشرق، فهو «لم ينفذ قراره إلا بعد رحيل الفيلسوف من العالم رحيلً تامًا».
خاتمة
يمكننا القول بأنّ رفض ابن رشد لانفتاح على فضاء التصوف وعلم الكلام بعدم «استثمار البعد الأنطولوجي للقرآن على الرغم من دفاعه عن أخوة الشريعة والحكمة في الرضاعة من الحق»، وانشغاله بتقريب أرسطو بعيدًا عن لانفتاح على كل ما حوله من مشاريع فكرية وأيديولوجية قريبة منه هو رغبة منه في ألّ يذوب في «الهُم» on«» بالتعبير الهايدغيري، أي ألّ تخسر الفلسفة نفسها وحقيقتها، ومن ثمة تكون العزلة ترسًا لحماية الذات الفلسفية؛ فإذا كان على الإنسان أن ينقذ أصالته من أتون الخسارة، فالعزلة عن الحشد الذين يشتتونه أقرب طريق لذلك، والموت وحده والعلاقة به (الموت) هي التي تحقق هذه العزلة، فأكّد أنّ المدّ الصوفي والأشعري، إذا لم تنفع مطلقًا أمامهما حياته التي بدأ أيامها في تلخيص عبارة أرسطو وإصلاحها، وإنفاق سنوات هذه الحياة في تشريح نصوصه وشرحها، فالموت ربما كان إمكانية من الإمكانيات وحلً من الحلول على الرغم من أنّه يكون بيد قدر قديم؛ فهو يختزل سيرة حياة وتعبها، إذ إنّه في الأخير إمكانية من إمكانيات الوجود البشري، وطور آخر من أطواره، ونوع آخر أيضًا من الترقّي، وربما يكون ضربًا من ضروب الولادة كما يقول أبو حامد الغزالي. وهو بين كل هذه الإمكانات شرط ضروري للسفر في الأكوان والمقامات والمنازل، كما عند
5(((عبد الفتاح كيليطو، «كرامات»، في حصان نيتشه، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي (الدار البيضاء: دار توبقال، 0032)، ص.18 5(((نصر حامد أبو زيد، هكذا تكلم ابن عربي (القاهرة: مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، 0022)، ص.95 5(((محمد المصباحي، العقل الإسلامي بين قرطبة وأصفهان أو صدر الدين الشيرازي بعيون رشدية (بيروت: دار الطليعة، 2006)، ص.82
ابن عربي نفسه، لذا فليس هناك حديث عن موتة واحدة، بل عن موتات كثيرة، والمجد للحي الذي لا يموت.
References
المراجع
العربية
ابن بطوطة. رحلة ابن بطوطة: تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. قدّم لها وحقق عبد الهادي التازي. الرباط: مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، سلسلة التراث، 997.1 ابن رشد. بداية المجتهد ونهاية المقتصد. شرح وتحقيق وتخريج عبد الله العبادي. القاهرة: دار السلام،
ابن طملوس، أبو الحجاج. المدخل لصناعة المنطق. تحقيق ميكائيل أسين السرقسطي. مجريط: المطبعة لابيرقية،.1916 ابن عربي. الفتوحات المكية. تحقيق وتقديم عثمان يحيى. تصدير ومراجعة إبراهيم مدكور. السفر الخامس. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 977.1 _________. الفتوحات المكية. تحقيق وتقديم عثمان يحيى، تصدير ومراجعة: إبراهيم مدكور. السفر الثامن. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 983.1 _________. الفتوحات المكية، تحقيق وتقديم عثمان يحيى، تصدير ومراجعة إبراهيم مدكور. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، معهد الدراسات بالسوربون، المكتبة العربية،.1985 أبو زيد، نصر حامد. هكذا تكلّم ابن عربي. القاهرة: مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2002 الأصفهاني، أبو القاسم الراغب. الذريعة إلى مكارم الشريعة. تحقيق أبو اليزيد العجمي. ط.3 المنصورة: دار الوفا،.1987 إلياد، مرسيا. مظاهر الأسطورة. ترجمة نهاد خياطة. دمشق: دار كنعان،.1991 بارت، رولان. المعنى الثالث، ومقالات أخرى. ترجمة عزيز يوسف المطلبي. بغداد: بيت الحكمة،
بورخيس، خورخي لويس. ديوان مديح الظل. ترجمة محمد أبو العطا. سلسلة الشعر. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2011 _________. قصص. ترجمة محمد أبو العطا. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2008
التادلي، يوسف بن يحيى. التشوف إلى رجال التصوف. تحقيق أحمد التوفيق. الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.1984 التعارجي. الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام. الرباط: المطبعة الملكية، 974.1 التليلي، عبد الرحمن. ابن رشد في المصادر العربية. القاهرة: منشورات المجلس الأعلى للثقافة،
ثربانتيس. دون كيشوت. ترجمة عبد الرحمن بدوي. سلسلة أعمال خالدة. أبوظبي: دار المدى، المجمع الثقافي، 998.1 جعيط، هشام. في السيرة النبوية، 1، الوحي والقرآن والنبوة، بيروت: دار الطليعة،.2000 دريدا، جاك. «سياسات الصداقة ». ترجمة فتحي المسكيني. مجلة يتفكرون، العدد 2). 015(6 رينيه، جيرار. الكذبة الرومنسية والحقيقة الروائية. ترجمة رضوان ظاظا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية،.2008 شغموم، الميلودي. المتخيل والقدسي في التصوف: الحكاية والبركة. مكناس: المجلس البلدي،
شيمل، آنا ماري. الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف. ترجمة محمد إسماعيل السيد ورضا حامد قطب. كولونيا: منشورات الجمل،.2006 الغزالي، أبو حامد. المنقذ من الضلال. حققه وعلّق عليه عبد الحليم محمود. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.1955 القسطلاني، أحمد. إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري. ط 7. بولاق: المطبعة الكبرى الأميرية،
كونديرا، ميلان. البطء. ترجمة منيرة مصطفى. دمشق: ورد،.1997 _________. الكائن لا تحتمل خفته. ترجمة ماري طوق. ط.3 الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
_________. الوصايا المغدورة: دراسات في الرواية، ترجمة معن عاقل. دمشق: الأوائل للنشر،.2000 الكوني، إبراهيم. الصحف الأولى: متون وأساطير. عمان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2004 كيليطو، عبد الفتاح. الكتابة والتناسخ: مفهوم المؤلف في الثقافة العربية. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.1985
_________. حصان نيتشه. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. الدار البيضاء: دار توبقال،.2003 _________. لسان آدم. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. الدار البيضاء: دار توبقال،.1995 المصباحي، محمد. العقل الإسلامي بين قرطبة وأصفهان أو صدر الدين الشيرازي بعيون رشدية. بيروت: دار الطليعة،.2006 _________. نعم ولا: الفكر المنفتح عند ابن عربي. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2012 منيف، عبد الرحمن. أم النذور. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2005 _________. مدن الملح: بادية الظلمات. ط.11 الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،
ندوة ابن رشد الطبيب والفقيه والفيلسوف، إشراف عبد الرحمن عبد الله العوضي، عبد الحميد البسيوني وأحمد رجائي الجندي (محرران). الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية،.1995
الأجنبية
Kojève, Alexandre. Introduction à la lecture de Hegel. Paris: Gallimard, 1947.